شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الاختلاف ؛ قواعده وآدابه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          لماذا اختار المسلمون الهجرة مبتدأ لتاريخهم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          بالهجرة تحررت البشرية من شرورها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          قلبٌ وقلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 86 - عددالزوار : 28259 )           »          أخلاق المسلمين بأقلام المؤرخين الغربيين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          قضية المرأة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 26 )           »          آية من سورة النحل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          هكذا علمتني أمي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          شعائر الله من تقوى القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          عشرة أعمال لها أجر الحج والعمرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 04-07-2022, 08:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد


شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 47الى صــ 60
(43)



وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - " «وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» " وَفِي لَفْظٍ صَحِيحٍ: " «إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ يَقْطَعُهُ مِنْ عِنْدِ الْكَعْبَيْنِ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ مُضْطَرٌّ فَيَقْطَعَهَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ". وَفِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ: " «وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» " فَلَمْ يُرَخِّصْ فِي لُبْسِ الْمَقْطُوعِ إِلَّا لِعَادِمِ النَّعْلِ، وَعَلَّقَهُ بِاضْطِرَارِهِ إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَهْيِهِ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُضْطَرَّ، وَإِذَا كَانَ وَاجِدًا، وَلَيْسَ بِمَفْهُومٍ. قَالُوا: وَإِنَّمَا أُمِرَ أَوَّلًا بِالْقَطْعِ لِيُقَارِبَ النَّعْلَ لَا لِيَصِيرَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إِذْ لَوْ كَانَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ نُسِخَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» " فَلَمَّا كَانَتِ الْأَعْضَاءُ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَى سَتْرِهَا ثَلَاثَةً ذَكَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَوْعًا غَيْرَ مَخِيطٍ عَلَى قَدْرِهِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ إِلَّا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ مَصْنُوعٌ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ فَمُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ كَالْمَخِيطِ لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ. وَالْحَاجَةُ إِنَّمَا تَدْعُو إِلَى شَيْءٍ يَقِيهِ مَسَّ قَدَمِهِ الْأَرْضَ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّعْلِ، لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِنَفْسِهِ رُخْصَةٌ لَهُ فِي سُيُورٍ تُمْسِكُهُ، كَمَا يُرَخَّصُ فِي عَقْدِ الْإِزَارِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ.
فَأَمَّا سَتْرُ جَوَانِبِ قَدَمِهِ وَظَهْرِهَا وَعَقِيبَتِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، فَلُبْسُ مَا صُنِعَ لِسَتْرِهِ تَرَفُّهٌ وَدُخُولٌ فِي لِبَاسِ الْعَادَةِ كَلُبْسِ الْقُفَّازِ وَالسَّرَاوِيلِ، وَلِأَنَّ نِسْبَةَ الْجُمْجُمِ وَنَحْوِهِ إِلَى النَّعْلِ كَنِسْبَةِ السَّرَاوِيلِ إِلَى الْإِزَارِ، فَإِنَّ السَّرَاوِيلَ. . . .
فَعَلَى هَذَا قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - لَا يَلْبَسُ نَعْلًا لَهَا قَيْدٌ وَهُوَ السَّيْرُ فِي الزِّمَامِ مُعْتَرِضًا، فَقِيلَ لَهُ: فَالْخُفُّ الْمَقْطُوعُ؟ فَقَالَ: هَذَا أَشَدُّ، وَقَالَ حَرْبٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ النَّعْلِ يُوضَعُ عَلَيْهَا شِرَاكٌ بِالْعَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِسُ يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَكَرِهَهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: أَكْرَهُ الْمَحْمِلَ وَالْعَقِبَ الَّذِي يُجْعَلُ لِلنَّعْلِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: فِيهِ دَمٌ وَالْقَيْدُ وَالْمَحْمِلُ وَاحِدٌ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هِيَ النِّعَالُ الْمُكَلَّفَاتُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى عُمُومِ كَلَامِهِ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَيُزِيلُ مَا عَلَى نَعْلِهِ مِنْ قَيْدٍ أَوْ عَقِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - فِي الْقَيْدِ فِي النَّعْلِ - يَفْتَدِي؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ النِّعَالَ هَكَذَا.
وَمَعْنَى الْقَيْدِ: سَيْرٌ ثَانٍ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ. وَالْعَقِبُ: الَّذِي يَكُونُ فِي مُؤَخَّرِ الْقَدَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّعْلُ مِنَ السُّيُورِ: الزِّمَامُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّعْلَ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ. وَالشِّرَاكُ فَإِنَّهُ إِذَا عَقَدَهُ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَنْتَحِيَ يَمِينًا وَشِمَالًا. فَأَمَّا سَيْرٌ ثَانٍ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مَعَ الشِّرَاكِ، أَوْ عَقِبٌ بِإِزَاءِ الزِّمَامِ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ سَتَرَ ظَهْرَ الْقَدَمِ وَجَانِبَهُ بِمَا صَنَعَ لَهُ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ سَتَرَهُ بِظَهْرِ قَدَمِ الْجُمْجُمِ وَعَقِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الظَّهْرَ وَالْعَقِبَ يَصِيرُ بِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَدَاسِ، وَيَصِيرُ الْقَدَمُ فِي مِثْلِ الْخُفِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَنَعَ قَمِيصًا مُشَبَّكًا، أَوْ لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّقًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَمِيصِ وَالْخُفِّ السَّلِيمَيْنِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ النِّعَالَ، وَأَذِنَ فِيهَا: فَخَرَجَ كَلَامُهُ عَلَى النِّعَالِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، وَالْقَيْدُ وَالْعَقِبُ مُحْدَثَانِ يَصِيرُ بِهِمَا النَّعْلُ شَبِيهًا بِالْحِذَاءِ؛ كَالرِّدَاءِ إِذَا زَرَّرَهُ أَوْ خَلَّلَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْبَقِيرِ مِنَ الْقُمْصَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُقْتَضَى كَلَامِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَمْنَعُ الْمُحْرِمَ مِنَ الْجُمْجُمِ وَهُوَ أَتْبَعُ لِلْأَثَرِ وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعَقِبُ وَالْقَيْدُ عَرِيضًا يَسْتُرُ بَعْضَ الرِّجْلِ، قَالُوا: وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُبْسَهُ وَسَقَطَتِ الْفِدْيَةُ فِيهِ، وَتَخْصِيصُهُمُ الْكَلَامَ بِالْعَرِيضَةِ: لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ تَعَرُّضٌ لَهُ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ أَيْضًا يُسْتَرُ بِحَسَبِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا إِسْقَاطُ الْفِدْيَةِ: فَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ حَيْثُ نَطَقَ بِالْكَرَاهَةِ، وَحَكَى عَنْ عَطَاءٍ إِنَّ فِيهِ دَمًا، وَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ.
فَأَمَّا إِذَا طَوَى وَجْهَ الْجُمْجُمِ وَعَقِبَهُ، وَشَدَّ رِجْلَهُ بِخَيْطٍ أَوْ سَيْرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ قَيَّدَ النَّعْلَ وَعَقِبَهَا وَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْخُفُّ لَهُ سُفْلٌ وَلَا ظَهْرَ لَهُ:. . . فَأَمَّا إِنْ لَحِقَهُ ظَهْرُ قَدَمٍ وَلَا سُفْلَ لَهُ. . . .



(فَصْلٌ)
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللِّبَاسُ الْمَمْنُوعُ مِنْ قُطْنٍ أَوْ جُلُودٍ أَوْ وَرَقٍ، وَلَا فَرْقَ فِي تَوْصِيلِهِ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِخُيُوطٍ، أَوْ أَخِلَّةٍ، أَوْ إِبَرٍ، أَوْ لُصُوقٍ، أَوْ عُقَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا عُمِلَ عَلَى هَيْئَةِ الْمَخِيطِ: فَلَهُ حُكْمُهُ، فَلَوْ شَقَّ الْإِزَارَ وَجَعَلَ لَهُ ذَيْلَيْنِ وَشَدَّهُمَا عَلَى سَاقَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّرَاوِيلِ وَمَا عَلَى السَّاقَيْنِ كَالْبَالَكْتِينِ.

(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْقَبَاءُ وَالدُّوَّاجُ وَالْفَرَجِيَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ مَنْكِبَيْهِ فِيهِ، بَلْ يُنَكِّسُهُ إِنْ شَاءَ، أَوْ يَرْتَدِي بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: لَا يَلْبَسُ الدُّوَّاجَ، وَلَا شَيْئًا يُدْخِلُ مَنْكِبَيْهِ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ: إِذَا لَبِسَ الْقَبَاءَ لَا يُدْخِلُ عَاتِقَهُ فِيهِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ أَوِ الدُّوَّاجَ، فَلَا يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُلْبَسُ الْقَبَاءُ وَالدُّوَّاجُ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى طَرْحِ الدُّوَّاجِ عَلَى كَتِفَيْهِ: لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الدُّوَّاجَ وَلَا شَيْئًا يُدْخِلُ مَنْكِبَيْهِ فِيهِ. فَحَكَى فِي الْمُضْطَرِّ إِلَى لُبْسِهِ رِوَايَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى يَدَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي حِفْظِهِ إِلَى تَكَلُّفٍ فَأَشْبَهَ الِارْتِدَاءَ بِالْقَمِيصِ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: إِنَّ الْمَنْكِبَيْنِ يُحْتَاجُ إِلَى سَتْرِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ إِلَى السَّرَاوِيلِ وَالنَّعْلِ. وَالْأَوَّلُ - هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نَصِّهِ - هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. . . الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ -قَالَ: "مَنِ اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ الْقَبَاءِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ - فَلْيُنَكِّسِ الْقَبَاءَ وَلْيَلْبَسْهُ " رَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِحَنًا عَلَى وَجْهٍ قَدْ يُلْبَسُ مِثْلُهُ فِي الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ إِذَا أَدْخَلَ كَفَّيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ وَلَمْ يُزِرْهُ.



[مَسْأَلَةٌ تغطية الرأس]
مَسْأَلَةٌ: - (الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَانِ مِنْهُ):
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ - عَلَى الْمُحْرِمِ - حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «وَلَا يَلْبَسُ الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ» " وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ -: " «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَمَنَعَ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ. فَعُلِمَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُخَمِّرَ رَأْسَهُ. وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي تَنَاقَلَتْهُ الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: "أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمًا بِعَرَفَةَ عَلَيْهِمُ الْقُمُصُ وَالْعَمَائِمُ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ ".
وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَوْمًا بِعَرَفَةَ عَلَيْهِمُ الْقُمُصُ وَالْعَمَائِمُ فَقَالَ: "إِنْ عَلِمُوا فَعَاقِبُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا فَعَلِّمُوهُمْ ".
وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ - لِمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ - وَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ مِنْ حُدُودِ الْوَجْهِ وَالسَّالِفَةِ مَا لَا يَنْكَشِفُ الرَّأْسُ إِلَّا بِهِ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ: فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ: لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ -: يُغَطِّي وَجْهَهُ وَحَاجِبَيْهِ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنِ الْمُحْرِمِ يُغَطِّي وَجْهَهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ فِي مُحْرِمٍ مَاتَ يُغَطَّى وَجْهُهُ وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ؛ هَلْ يُغَطَّى وَجْهُهُ؟ قَالَ: قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، قُلْتُ: أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ يُغَطَّى وَجْهُ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ أَوْ لَا يُغَطَّى قَالَ: أَمَّا الرَّأْسُ فَلَا أَرَى أَنْ يُغَطُّوهُ وَأَمَّا الْوَجْهُ: فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قُلْتُ لَهُ: تَذْهَبُ إِلَى أَنْ يُخَمَّرُ وَجْهُهُ وَيُكْشَفُ رَأْسُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: لَعَلَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ صَوَّبَ الْقَوْلَ قَدِيمًا، فَذَهَبَ إِلَى مَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى مُهَنَّا وَالْجَمِيعُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَيُخَمَّرُ وَجْهُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُغَطَّى وَجْهُهُ؛ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيِّ: وَالْمُحْرِمُ يَمُوتُ لَا يُغَطَّى رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُهُ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَأَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ لَمْ يُغَطَّ وَجْهُهُ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ مُحْرِمًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَالثَّالِثَةُ: قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: "يُخَمَّرُ أَسْفَلُ مِنَ الْأَنْفِ وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى فَمِهِ دُونَ أَنْفِهِ يُغَطِّيهِ مِنَ الْغُبَارِ " وَفِي لَفْظٍ قَالَ: إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَمَنْ نَامَ فَوَجَدَ رَأْسَهُ مُغَطًّى فَلَا بَأْسَ. وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ يُخَمَّرُ أَسْفَلُ مِنَ الْأُذُنَيْنِ، وَأَسْفَلُ الْأَنْفِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» " فَأَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَتَبَرْقَعُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ فَوْقُ، وَتَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَقَزِّهَا وَمُعَصْفَرِهَا وَحُلِيِّهَا فِي إِحْرَامِهَا مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ حَدَّ الرَّأْسِ الْأُذُنَانِ وَالسَّالِفَةُ فَيَكْشِفُ مَا يُحَاذِيهِ مِنَ الْأَنْفِ وَمَا عَلَاهُ. وَمَا دُونُ ذَلِكَ فَيُغَطِّيهِ إِنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ.
وَسَوَاءٌ غَطَّى الرَّأْسَ بِمَا صُنِعَ عَلَى قَدْرِهِ مِنْ عِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَكَلْتَهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلُ خِرْقَةٍ، أَوْ عِصَابَةٍ، أَوْ وَرَقَةٍ، أَوْ خِرْقَةٍ فِيهَا دَوَاءٌ، أَوْ لَيْسَ فِيهَا دَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ أَوْ طَيَّنَهُ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيَفْعَلَهُ وَيَفْتَدِيَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْغِطَاءُ غَلِيظًا أَوْ رَقِيقًا، فَأَمَّا. . . .
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ الْفُرَافِصَةِ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَزَيْدًا وَابْنَ الزُّبَيْرِ يُغَطُّونَ وُجُوهَهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ إِلَى قُصَاصِ الشَّعْرِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: كَانَ أَبِي يَأْمُرُ الرِّجَالَ أَنْ يُخَمِّرُوا وُجُوهَهُمْ وَهُمْ حُرُمٌ، وَيَنْهَى النِّسَاءَ.
وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "لِيَغْشَى وَجْهَهُ بِثَوْبِهِ وَأَهْوَى إِلَى شَعْرِ رَأْسِهِ، وَأَشَارَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِثَوْبِهِ إِلَى رَأْسِهِ ".
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْمُحْرِمُ يُغَطِّي وَجْهَهُ مَا دُونَ الْحَاجِبِ ".
فَصْلٌ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فَوْقَ رَأْسِهِ شَيْئًا مِثْلَ الْكَبَكِ وَالطَّبَقِ وَنَحْوِهِ، وَحَرَّرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ: إِذَا احْتَاجَ لِحَمْلِ مَتَاعٍ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيْرِهِ: فَحَمَلَهُ، فَغَطَّى رَأْسَهُ لَمْ تَجِبِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّغْطِيَةُ، بَلِ النَّقْلُ.
وَإِنْ تَعَمَّدَ لِحَمْلِ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِهِ تَحَيُّلًا لِلتَّغْطِيَةِ لَمْ تَسْقُطِ الْفِدْيَةُ، وَكَانَ مَأْثُومًا. وَهَذَا مُقْتَضَى تَعْلِيلِ بَقِيَّتِهِمْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْحَمْلَ فَقَطْ، أَوْ يَقْصِدَ مَعَ الْحَمْلِ التَّغْطِيَةَ.
وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي - فِي مَوْضِعٍ - بِأَنَّهُ لَا يُسْتَدَامُ فِي الْعَادَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ.
قَالُوا: وَلَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَنْ يَقْلِبَ ذَوَائِبَهُ عَلَى رَأْسِهِ.



(فَصْلٌ)
وَأَمَّا إِذَا غَطَّى رَأْسَهُ بِشَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فَهُوَ أَقْسَامٌ: -أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَظِلَّ بِسَقْفٍ فِي بَيْتٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ يَسْتَظِلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ فُسْطَاطٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا، أَوْ يَسْتَظِلَّ بِشَجَرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا جَائِزٌ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: لَا يَسْتَظِلُّ عَلَى الْمَحْمِلِ، وَيَسْتَظِلُّ بِالْفَازَةِ. وَالْخَيْمَةُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ.
وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ جَازَ. وَلَيْسَ اجْتِنَابُ ذَلِكَ مِنَ الْبِرِّ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189] فَرَوَى أَحْمَدُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " «كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ، فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، فَيَرْجِعُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَيَقْتَحِمُ الْجِدَارَ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ يَقُومُ فِي حُجْرَتِهِ، فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ، فَتُخْرَجُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ، فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ، فَدَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي أَحْمَسُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يُبَالُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَأَنَا أَحْمَسُ، يَقُولُ: وَأَنَا عَلَى دِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]»).
وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا؛ كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ الْبُيُوتِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، وَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.


وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ - لِأَحْمَدَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَحْرَمُوا: أَتَوُا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَمْ يَأْتُوهَا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ".
وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: " «كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بَابِهِ وَلَكِنْ مِنْ ظَهْرِهِ فَبَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَدْخُلُونَ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ الْحَائِطَ مِنْ بَابِهِ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ مُنَافِقٌ حَيْثُ دَخَلَ هَذَا الْحَائِطَ مِنْ بَابِهِ، فَقَالَ: يَا رِفَاعَةُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ، فَدَخَلْتُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلِي أَنَا مِنَ الْحُمْسِ، وَأَنْتَ لَيْسَ مِنْهُمْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْحُمْسِ فَإِنَّ دِينَنَا وَاحِدٌ، فَنَزَلَتْ: {بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ».
وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ بِنَمِرَةٍ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَى فَرُحِلَتْ لَهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. . . .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: " حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَمَا رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فُسْطَاطًا حَتَّى رَجَعَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ، قَالَ: كَانَ يَسْتَظِلُّ بِالنِّطَعِ وَالْكِسَاءِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَسَوَاءٌ طَالَ زَمَانُ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ؛ لِأَنَّ هَذَا يُقْصَدُ بِهِ جَمْعُ الرَّحْلِ وَالْمَتَاعِ دُونَ مُجَرَّدِ الِاسْتِظْلَالِ.
وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ: أَنَّ هَذَا شَيْءٌ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ لَا يُسْتَدَامُ فِي حَالِ السَّيْرِ وَالْمُكْثِ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,467.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,465.54 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]