فضل الصلح والتحذير من شح النفس: { وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نعمة الأمن والأمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التكافل الاجتماعي في الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حديث: في باب النفقات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          من التيه إلى العبودية: رحلة الإنسان بين عداوة الشيطان وامتحان الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          مراقبة الله سبب لمغفرة الذنوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          مع شعار الإسلام... الله أكبر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          ألا إن نصر الله قريب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          الصور التي ينقض فيها الحاكم النكاح بين الزوجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 23 )           »          الزواج المبكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الإعلام وفشل الحضارة الغربية في إنقاذ الإنسان ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 23-07-2026, 11:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,000
الدولة : Egypt
افتراضي فضل الصلح والتحذير من شح النفس: { وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان

فضل الصلح والتحذير من شح النفس

﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 128]

د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي


تمهيد:
عندما قرأت الآية موضوع المقال وتأمَّلتها، شعرت أن فيها جوانبَ عدة: في إصلاح الأسرة والمجتمع، وإصلاح النفس وتهذيبها، والتذكير بعظمة الله وقدرته، فهالَني ما حوتْه من معانٍ، وتذكَّرت بادئ ذي بَدء أن معاني القرآن الكريم بحرٌ لا ساحل له، وكلما ظهرت معاني جديدة تداعت معانٍ أخرى، فهو كلام رب العالمين ليس لمعانيه حد، ولا منتهى، يفيض بمعانٍ متجددة كلما قرأته وجدَّدت التأمل والنظر فيه، فسبحان الذي أودع في كتابه هذه الذخائر، وهذه الكنوز العظيمة التي حيَّرت العلماء وطلاب العلم قديمًا وحديثًا، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [الكهف: 109]؛ قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى: قل يا محمد، لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي وحكمه وآياته الدالة عليه، ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ ﴾؛ أي: لفرغ البحر قبل أن يَفرغ من كتابة ذلك، ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾؛ أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهَلُمَّ جرًّا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفِدت كلمات الله"[1].

ولا شك أن القرآن الكريم كلام الله، وجزء أساس من كلمات الله تعالى العامة، فهو مُعجز ببلاغته وألفاظه ومعانيه، تَحار فيه القلوب والعقول لعظمته، ولا منتهى لمعانيه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6]؛ قال ابن كثير رحمه الله: "أي: القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أمر الدين تُقيم عليه به حجة الله"[2].

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قرأت عددًا من التفاسير حول الآية موضوع المقال، وأُعجبت بما أورده السعدي رحمه الله لشمول ما ذكره؛ إذ قال: "ويؤخَذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حقٌّ أو منازعة في جميع الأشياء، أنه خير من استقصاء كلٍّ منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح، وبقاء الأُلفة، والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز في جميع الأشياء، إلا إذا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، فإنه لا يكون صلحًا، وإنما يكون جَورًا، والخير كل عاقل يَطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمَر الله به وحثَّ عليه، ازداد المؤمن طلبًا له ورغبة فيه، وقوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾؛ أي: جُبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي: فينبغي لكم أن تَحرِصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك، فمتى وفِّق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن، سهُل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خَصمه ومُعامِلِه، وتسهَّلت الطريق للوصول إلى المطلوب، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يَعسُر عليه الصلح والموافقة؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر، ثم قال: ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ﴾؛ أي: تُحسنوا في عبادة الخالق بأن يَعبُد العبد ربَّه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتُحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان؛ من نفع بمالٍ، أو علمٍ، أو جاهٍ، أو غير ذلك، ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات، أو تُحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾، قد أحاط به علمًا وخبرًا، بظاهره وباطنه، فيحفَظه لكم، ويجازيكم عليه أتَمَّ الجزاء"[3].

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

أولًا: الأسرة نواة المجتمع وأساس تكوينها، ومن مقاصد سورة النساء تكوين الأسرة المسلمة، والآية موضوع المقال جاءت للمحافظة على العلاقة الزوجية واستمرارها، والترغيب في الصلح بين الزوجين عند الخلاف طاعةً لله تعالى؛ لما في ذلك من الخير العظيم، ولِما يترتب على الخلاف والانفصال من فساد عريض على الفرد والمجتمع؛ قال البقاعي رحمه الله: "من أعظم ‌مقاصد ‌سورة ‌النساء التواصل والتقارب والإحسان، لا سيما لذوي الأرحام، والعدل في جميع الأقوال والأفعال"[4].

وأؤكِّد أن هناك علاقة قوية بين تماسك الأسرة المسلمة، وبين التزامها بشرع الله تعالى أمرًا ونهيًا، فكلما كان تأسيس الأسرة المسلمة على التوحيد والإيمان والتقوى، كانت أكثر استقرارًا وتماسكًا وتأثيرًا إيجابيًّا في تطوير أفرداها والارتقاء بهم، وانعكس ذلك بشكل طبيعي على المجتمع والأمة بأسرها.

ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]، جاءت في سياق الإصلاح بين الزوجين، ولكن هي قاعدة عامة في إصلاح المجتمع وتماسُكه، والبعد عن الخلاف والمنازعة التي تؤدي إلى الفشل والتخلف؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ [الأنفال: 46]، قال ابن عطية رحمه الله: "وقوله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ لفظ ‌عام ‌مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تَسكُن إليه النفوس، ويزول به الخلاف، خيرٌ على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفُرقة[5]، وقال ابن عثيمين رحمه الله: "قوله: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾، هذه جملة عامة في كل شيء؛ في حقوق الزوجة، وحقوق الرحم، وحقوق المصاهرة، وحقوق الجوار، وحقوق المعاملة، فالصلح خير في كل شيء".

ثالثًا: أوْلَت الشريعة الإسلامية الإصلاح في شتى المجالات عناية كبيرة، سواء داخل الأسرة، أو في المجتمع بشتى أطيافه، وكلما كانت الأسرة مستقرة والمجتمع مستقر، يسودها الود والتسامح والصفاء، كان ذلك دافعًا ومحفزًا للتطوير والارتقاء، فطبيعة النفس إذا انشغلت بالعداوات والانتقام، فلا يتسع المجال لديها للفكر والإبداع؛ قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، قال السعدي رحمه الله: "والنزاع والخصام والتغاضب، يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصرُه، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض"[6].

وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقةِ؛ قالوا: بلى، قال: إصلاحُ ذاتِ البينِ، وفسادُ ذاتِ البينِ الحالِقةُ"[7]، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ والبغضةَ؛ فَإِنَّهَا هِيَ الحالقةُ، لَا أَقُولُ لَكُمْ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ‌ولكن ‌تحلق ‌الدين"[8].

وجميل قول القرطبي رحمه الله: "وجميع ما يقع عليه الصلح خيرٌ من الفرقة، فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة، هي قواعد الشر"[9].

رابعًا: من مهمات الشيطان الأساسية وأعظم وأخطر ما يسعى إليه هو وأعوانه من ذريته، ومن شياطين الإنس - تفكيك المجتمع، ونشر العداوة والبغضاء والكراهية، والتناحر بينهم، حتى تَعُم الفوضى وتشيع الفاحشة، بل من أولوياته تفكيك الأسرة الواحدة، وإيجاد المنازعات بين الزوجين والأقارب والأرحام بمختلف درجاتهم، ويضع الحوافز المعنوية لأعوانه لمن يصل إلى درجة التفريق بين الرجل وأهله، فقد ثبت في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه على الماء، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ ما صنعتَ شيئًا، ويجيءُ أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبين أهلِه، فيُدْنِيه منه، ويقولُ: نعم أنتَ"[10].

خامسًا: نبه القرآن الكريم إلى عداوة الشيطان المتأصلة لبني آدم، وحرصه الدائم على إيجاد الفتن والعداوات بينهم؛ قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، قال ابن كثير رحمه الله: "يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلامَ الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنه إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر، والمخاصمة، والمقاتلة؛ فإن الشيطان عدو لآدم وذريته"[11]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]، وتخصيص الخمر والميسر هنا يعود إلى شدة أثرهما في حصول العداوة والبغضاء؛ لأن الخمر يُذهب بالعقل ويُثير النزاعات، والميسر يولِّد الحقد والحسد بسبب خسارة المال، وعمومًا فإن دور الشيطان ليس محصورًا في استخدام الخمر والميسر فقط لإيجاد العدوات والبغضاء بين الناس، بل وظيفته الأساسية إضلال بني آدم، وزرع الفتن بينهم بجميع الوسائل الممكنة؛ من الغيبة والنميمة، والتحريش بينهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، ‌وَلَكِنْ ‌فِي ‌التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ"[12].

سادسًا: الواجب على الزوجين والأرحام خاصة والناس عامة - الحذر من كيد الشيطان ومكره في إثارة العداوة والبغضاء، وإشعال الفتن في كافة علاقاتهم، وقد تكون لأتفه الأسباب، ويقع بسببها خصومات ومظالم وعدوات خطيرة وعنيفة، تمتدُّ سنوات طويلة ذات تأثير قوي عليهم، وربما على أجيالهم ومجتمعهم، والأَولى المبادرة بالعفو والتسامح والصلح والاجتهاد في صد كل أبواب المنازعات من بدايتها قبل تفاقُمها، والأَولى الرجوع لأهل العلم والاختصاص في معالجة ما يظهر من مشكلات في أوساط المجتمع، وفي محيط الأسرة، والأقارب، والأرحام.

سابعًا: إن الحرص على الإصلاح والصفح والعفو خُلق نبيل من أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد مدَحه الله تعالى في أخلاقه، فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

والسيرة النبوية زاخرةٌ بنماذج من صفح النبي صلى الله عليه وسلم عمن آذاه؛ سواء في المرحلة المكية، أو المدنية، استجابة ًلقول الله تعالى: ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [الحجر: 85]، وقال سبحانه: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 13]، وصدق أحمد شوقي حين قال:
المصلحون أصابعٌ جمعت يدًا
هي أنت بل أنت اليدُ البيضاءُ




والواجب على المسلمين التأسي بنبيهم صلى الله عليه وسلم في كافة أخلاقه؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]؛ قال ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله"[13].

ثامنًا: لَمَّا كانت النفس في حالة ضعفها وتسلط الشيطان عليها تَميل إلى حب الانتقام والتشفي، وتأبى الاستجابة الصلح، أو المبادرة إليه، جاء القرآن الكريم مبينًا ذلك، وساعيًا إلى تهذيب النفس بالترغيب في الصلح، وترك شح النفس، لمخالفة ذلك لأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ووعد الله تعالى بمجازاة من اتقى وأحسن بقبول الصلح لوجه الله تعالى، فإن جزاه عظيم، وأجره كبير، والله يحب المحسنين، قال تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 128]، قال ابن عثيمين رحمه الله: "﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾؛ يعني: أنه عند النزاع وطلب المصالحة، تكون الأنفس شحيحة، كل نفس تريد أن يكون الصلح في جانبها وفي مصلحتها، وكأن الله يقول: دعوا هذا الشح الذي أحضرته الأنفس، واطلبوا الخير في المصالحة، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾، إن تُحسنوا فيما بينكم بفعل المطلوب، وتتقوا بترك المحظور، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾، وسيجازيكم على الإحسان وعلى ما اتَّقيتموه".

[1] تفسير ابن كثير (5/ 182).

[2] تفسير ابن كثير (4/ 100).

[3] تفسير السعدي (ص: 207).

[4] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، (22/ 343).

[5] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (2/ 120).

[6] تفسير السعدي (ص: 202).

[7] شعيب الأرناؤوط، سنن أبي داود، باب: في إصلاح ذات البين رقم: 4919.

[8] الألباني، صحيح الأدب المفرد، ‌‌باب: التحاب بين الناس، رقم: 260.

[9] تفسير القرطبي (5/ 406).

[10] صحيح مسلم، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس رقم: 2813.

[11] تفسير ابن كثير (5/ 80).

[12] صحيح مسلم، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، رقم: 2812.

[13] تفسير ابن كثير (6/ 350).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 79.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 77.33 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.17%)]