|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
انتكاس الفطرة د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري الحمد لله رب العالمين، الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله ولي المتقين، الحمد لله مُسير الكون والمخلوقات بنظام سويٍّ، والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد أيها الكرام: فالتمتع بالدنيا أمر فطريٌّ في ظل العبودية لله تعالى، وعدم الخروج عن النظام الكوني الذي أوجده الله تعالى؛ ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36]، ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾ [غافر: 39]، وإن كان متاع الحياة الدنيا زائلًا، وقليلًا إذا ما قُورن بمتاع الآخرة ونعيمها؛ ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، لكنه متاع يستأنس به البشر، ويفيض عليهم الراحة النفسية، ويلبي الاحتياجات الفطرية، وما أجمل هذا المتاع إذا كان بالحلال وبالطريق المشروع! وحين تنتكس الفِطر يحِل الفساد، في أكثر من سبعة مواطن في القرآن الكريم يبين الله تعالى حالَ قوم انتكست فطرتهم، وعاشوا في هذه الدنيا على غير الإطار المعهود للبشر والإنسانية، حتى وُسمت أعمالهم التي خرجت عن الفطرة والنقل والعقل بالفحش والسَّرف، والإجرام والخبث، والسوء والفسق، بالإضافة إلى الجهل عما يجب عليهم من الإيمان والطُّهر والبعد عن المعاصي، نَعم، كل هذه السمات وُصفوا بها في كتاب ربنا لعظيمِ فعلِهم، وشنيع صنيعهم، وهذا ماضٍ قد قصه الله لنا لنعتبر ونتعظ ونحذر، نعم، نحذر من أن يتكرر بمسميات عصرية تتجدد: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، ففي عالم المتغيرات وسهولة التواصل مع مختلف الثقافات، قد يتبدل الحال من حيث لا نشعر ولا نعي؛ لذا كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك))، وقال جل جلاله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27]، وعن شداد بن أوس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر))، فنسأل الله الثبات في الأمر، وألَّا يُغيِّر علينا حالًا يفسدنا أو يضلنا، أو يكون سببًا في سخطه علينا. أيها المؤمنون: هؤلاء قوم لوط عليه السلام؛ قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 28]، وحين قدِم ضيوفٌ من الملائكة المكرَّمين إلى إبراهيم عليه السلام؛ قال إبراهيم: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ [الذاريات: 31، 32]، وسمَّى الله عز وجل هذه القرية بـ ﴿ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ﴾ [الأنبياء: 74]، وقال فيهم لوط عليه السلام: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: 55]، والسبب في ذلك: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [الأعراف: 81]، ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [الشعراء: 165، 166]، فكانت جرأتهم على الفساد ما قاله عنهم لوط عليه السلام: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [النمل: 54] يجاهرون بالمعاصي أمام الناس، ولا يستقبحون فعلهم، فعلهم الذي يقضي تمامًا على وجود الأنثى ككائن بشريٍّ يعيش على هذه الأرض، لها حقوق واحتياجات غريزية، وبهذا الفعل القبيح وحتى لا يعم الفساد وينتشر، ويسود في الأرض، لا بد أن يجابَهَ بإصلاح أو إنكار أو مدافعة. ولكم أن تتأملوا - يا عباد الله - كيف تعم البلوى، وينتشر الفساد حتى يكون هو السائدَ والمسيطرَ، فيعلو الباطل على الحق زمانًا، فيُطرد أهل العفة والطُّهر من القرية الوضيعة: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56]، أخرِجوا من قريتكم مَن يستنكر عليهم اختلالًا ليس في النظام التشريعي فحسب، بل في النظام البشري، فكان ردهم لمن أراد إصلاح شأنهم: ﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ﴾ [الشعراء: 167]، فيا عجبًا من قومٍ يعملون السيئات، ويستنكرون على من ينصحهم ويرشدهم، ويرجعهم إلى الفطرة السليمة النقية، ويأبى الله عز وجل إلا أن ينتصر لدينه، فدِينُ الله باقٍ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويأبى الله إلا أن يظهر دينه ولو كره المشركون: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء: 18]، فمهما طال ليلُ الظلم فلا بد أن ينجلي بنور الهداية والإيمان والحق، فصاحب الحق لا يخضع للباطل، ولا يركن إليه، مهما كان أهل الباطل ممكَّنين، ومهما زينوا لأنفسهم قبيحَ صنيعهم، فلا يزال لوط عليه السلام يُنكر على قومه فِعلهم، ويحاول أن يستبدل ما هم عليه من فساد وانتكاس فطرةٍ، حتى لو ضحى بأعزِّ ما لديه، نعم، من يملك الحق يفادِ من أجله، فحينما جاءه الملائكة إلى أرضه ومنزله بأجمل صورةٍ، على هيئة شبَّان حِسان الوجوه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ [هود: 77]، فهذا يوم شديدٌ بلاؤه، حين يأتي هؤلاء الرسل على هذه الصورة إلى قريةٍ فيها قومٌ يأتون الرجال شهوةً من دون النساء. فما كان من امرأة لوط إلا إخبار قومها بهؤلاء الحِسان؛ ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 78]، ﴿ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الحجر: 67]؛ طمعًا في فعل الفاحشة، فما كان من لوط عليهم السلام إلا أن ينكر على أهل الباطل بكل حكمة وموعظة حسنة: ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴾ [الحجر: 68، 69]، فذكَّرهم بالشِّيم ومكارم الأخلاق، والأعراف المجتمعية لعلهم يرتدعون، بل فادى عليه السلام ببناته الطاهرات لهؤلاء الضالين المجرمين، لعلهم يرشدون ويستيقظون من سكرتهم التي فيها يعمهون ويتمادَون: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ [هود: 78]، لكن يُصر أهل الباطل على باطلهم لأنهم أمِنوا مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون: ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ [هود: 79]، يا للبشاعة والوقاحة والدناءة! نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة، ونسأله سبحانه وتعالى الهدى والتُّقى، والعَفاف والغِنى، وهذه هي طريقة الضالين مع سائر الأنبياء والمصلحين، إصرارٌ على الذنب والمعصية بتبريرات لا منطق لها ولا حُجة ولا برهان. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات وحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، استغفروه يا عباد الله، وتوبوا إليه؛ إنه غفور رحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد عباد الله:فقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر: 51، 52]، فدِين الله منتصر مهما تكالب الأعداء وتآزروا، والملائكة الأبرار يثبِّتون الأنبياء والرسل: ﴿ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [العنكبوت: 33، 34]، ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ [هود: 81]، فمهما تمادى أهل الباطل في طغيانهم فلا بد من صبحٍ يمحوه: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 73 - 77]، والجزاء - أيها المؤمنون - من جنس العمل، فكما انقلبت فطرتهم وانتكست؛ ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 82، 83]، فانقلبت عليهم قريتهم فصار عاليها سافلها، وأُمطروا بحجارة معلَّمة من طين متصلب مصفوف: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ [الشعراء: 173 - 175]. أيها المؤمنون: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1]، وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى القائل: ((الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة))، وحين يبشر رسولنا صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله بالاستظلال تحت ظل عرشه يومَ لا ظل إلا ظله، فهي ليست محبةَ تلاصقٍ جسديٍّ، أو منطلقها الشهوة الغريزية، أو الجمال وحسن الوجه، وإنما محبة تقوِّي الصلة بالله تعالى، وتزيد من الهمة والإقبال على الله بالطاعات، والتنافس في الخيرات والتسابق لنَيل أعالي الدرجات في جنات النعيم، وهذه هي الأُخوة في الله الصادقة الصحيحة الخالية من الشوائب.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |