|
ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() عندما أخبرنا كابتن الطائرة أن تلك الأنوار هي أنوار الحرم عامر الخميسي قبل تسعة أشهر تقريبًا، كنتُ مسافرًا في الجو مجتازًا البحر من إفريقيا، قاصدًا مطار مسقط، واقتربنا من جدة، ومن بعيدٍ شاهدنا مدينةً تُعانق السماء بأنوارها، تتلالأ بأضوائها كعروسةٍ تتهادى في حُلَلِها ... فمكثتُ مليًّا أفكر وأقول: يا تُرى ما اسم هذه المدينة؛ فلم يسبق لي طوال ثلاثين سنة منذ جئتُ إلى هذه الحياة زيارة الحجاز؟ وفجأةً قطع تفكيري صوتُ الكابتن وهو يتحدث إلينا في مكبرات الصوت أن تلك المدينة التي نشاهد أنوارها هي مكة. كنتُ أقول لنفسي: ويحكِ، هذه مكة التي كان يردد أحد الشعراء شوقًا إليها: تاقَ الفؤادُ لأرضِ مكَّةَ شوقه ![]() وحنينه لهوائها وثَرَاها ![]() يا ربِّ قرِّب بُعْدَ مكَّةَ إنَّني ![]() من عُمْقِ قلبي صادقٌ أهواها ![]() هذه مكة التي حالت العوائق دون الوصول إليها، وتقطَّع القلب دون مرآها. كنتُ أنظر إلى أنوارها، فأشعر أنَّ الشوقَ يكاد يقفز بي من السماء لعِناقِها، كان الظلام دامسًا، وكان الوقت سَحَرًا، وكانت أنوار الحرم تتدفق قاطعةً ظُلْمَةَ الليل البَهِيمِ. لقد تدفَّقتْ أنوارُها كشلالات قويَّة مندفعة تطمِرُ صحاري الأسى، ومفازات الألم، وغَيَابات الضياع. في استنشاقِ نسائمِ أنفاسِها تشعر بالراحة والسكون، وفي القرب منها تُحِسُّ بالدفء، وفي لمح أنوارها يتسلل النور إلى قلبك: كم مُتعَبٍ في أرضها الْتَحفَ الثَّرَى ![]() تحت الظِّلالِ بجهده وتبرَّدا ![]() كم مُرهَقٍ قد ضاق واعتزل الورى ![]() فارتاح في ساحاتها متفرِّدا ![]() كان الشوق قد برَّحَ بي، والمسافرون من طول الطريق ومشقة السفر قد أغفَوا، وبقيتُ أتأمل أنوار الحرم. إنها مكة يا قلبي. الشوقُ نحو رحابها متوقِّدٌ وهَّاج ... يا ليتنا ندنو لمكَّةَ كلما نحتاج. كنت أتساءل: ما أسرار هذا النور الذي يشقُّ الحُجُبَ؟ لم أعرف أبدًا أن هذا النور هو النور الذي قال عنه الشاعر: نورٌ تدفَّق من حنايا مكةٍ *** فقضى على ليلِ الأسى وطَوَاهُ شوقٌ طويل لم ينْتَهِ، ولا أظنه سينتهي أبدًا، أليست مكة هي مهوى الأفئدة؛ كما قال عنها أحدهم: مهوى الفؤاد وقِبْلةُ الأشواقِ *** ومسيلُ حبٍّ صادقٍ دفَّاقِ بلى ... فالقلوب تهواها، وتتطلع لمرآها، وتَحِنُّ لوصالها. مكةُ قطعة ألماس تجذب بمغناطيسيتها قلوبَ المحبين المشتاقين. مَن زارَها وجد السلسبيل العذْبَ الذي يروي عروقه، والمرهم الشافيَ الذي يداوي حروقَهُ، وما زارها أحدٌ إلا اشتهى ألَّا يغادر حِماها. كانت الطائرة تَمخُرُ عُبابَ الأجواء النَّدِيَّةِ القُدسية؛ فأشعرُ بالقلبِ يرقصُ طربًا وشوقًا، وكأن حالي حال الشاعر إذ يقول: وبي شوقٌ إليْكِ أعَلَّ قلبي *** وما لي غير قُرْبِكِ مِن طبيبِ كيف لهذا الشوقِ المنبعث إلى هذا البيت المعظم أن يهدأ، وقد شاهد أنوار الجمال، وسرادقات الجلال؟ كان بجواري طبيبُ قلبٍ تعرَّفت عليه في الطائرة، ما شعرت به إلا وهو يتأوَّه شوقًا، ويمدُّ يده ويُتَمْتِمُ، ويضعها على قلبه، فشعرتُ أنَّ قلبه أيضًا في غمرة الهُيام يقطعه أسى الوجْدِ. أخبرني أنه قد زار البيت مِرارًا، فتخيَّلتُ عهوده السالفة، وكيف هو الآن يصارع الحنين، يَتُوقُ للبيت العتيق: وما شِمتُ بَرقًا أو رأيتُ غَمامةً ![]() سَرَتْ نحوه إلا وكنتُ أسوقُ ![]() دموعي وقلبي واصطباري وغربتي ![]() وذكرى عهودٍ قد خَلَوْنَ أتوقُ ![]() إنها مكة؛ أطيب بلاد الله؛ ففيها بيته، وإليها يتجه زُوَّاره ... وفيها حرمه الذي تحفُّهُ أنواره. كنتُ أتخيَّل الطمأنينة تتنزل على قلبي، والسكينة تغمر جوارحي، والدفء يحفُّني، والسماء أقرب ما تكون إليَّ ... لقد تذكَّرتُ ما قالته عائشة الصديقة بنت الصديق أمُّ المؤمنين رضي الله عنها، وأنزل على قبرها شآبيبَ رحمته: "لولا الهجرة لسكنتُ مكة، إني لم أرَ السماء بمكانٍ قطُّ أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم يطمئنَّ قلبي ببلد قط ما اطمأنَّ بمكة، ولم أرَ القمرَ بمكان أحسنَ منه بمكة". يا لهذا الكلام البديع!! إنها تصف مشاعر المحبين ... تتحدث بحديث يتساقط منه الدُّرُّ، وتتناثر منه اليَواقِيتُ ... إنها مكة ... هي الشمس والأقمار منها ولائدُ ... إنها مكة عروس الرمال، ومنتجع الجمال، ولذة الوصال، والمورد العذب الزُّلال ... تأوي إليها النفوس المَشُوقةُ، فتعود جَذْلَى بالأُعْطِيات والمِنَحِ ... يتبع
__________________
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |