كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله - الصفحة 8 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم كتاب الكتروني رائع (اخر مشاركة : Adel Mohamed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          قتيبة بن مسلم أسطورة الفتح الإسلامي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          دلك أعضاء الوضوء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          دعائم محبتنا للشباب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          رسالة إلى مشجع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الإعجاز الرباني في الجسد الإنساني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          إنسانية أم بهيمية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الواجبات كثيرة والعمر قصير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          يمن الاستقامة وشؤم المعصية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          مصير الإنسان بعد موته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #71  
قديم 25-11-2021, 03:45 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
الحلقة (71)
صــــــــــ 106 الى صـــــــــــ110

( قال الشافعي ) :
واستحب التأني بالسحور ما لم يكن في وقت مقارب يخاف أن يكون الفجر طلع فإني أحب قطعه في ذلك الوقت ، فإن طلع الفجر وفي فيه شيء قد أدخله ومضغه لفظه ; لأن إدخاله فاه لا يصنع شيئا إنما يفطر بإدخاله جوفه ، فإن ازدرده بعد الفجر ، قضى يوما مكانه ، والذي لا يقضي فيه من ذلك [ ص: 106 ] الشيء يبقى بين أسنانه في بعض فيه مما يدخله الريق لا يمتنع منه ، فإن ذلك عندي خفيف فلا يقضي ، فأما كل ما عدا إدخاله مما يقدر على لفظه فيفطره عندي والله أعلم ( وقال بعد ) نفطره بما بين أسنانه ، إذا كان يقدر على طرحه .

( قال الربيع ) : إلا أن يغلبه ولا يقدر على دفعه فيكون مكرها فلا شيء عليه وهو معنى قول الشافعي

( قال الشافعي ) :
وأحب تعجيل الفطر وترك تأخيره وإنما أكره تأخيره إذا عمد ذلك كأنه يرى الفضل فيه ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه } ( قال الشافعي ) :
أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران الليل اسود ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان .

( قال الشافعي ) :
كأنهما يريان تأخير ذلك واسعا لا أنهما يعمدان الفضل لتركه بعد أن أبيح لهما وصارا مفطرين بغير أكل ولا شرب ; لأن الصوم لا يصلح في الليل ولا يكون به صاحبه صائما ، وإن نواه
( قال الشافعي ) :
فقال بعض أصحابنا : لا بأس أن يحتجم الصائم ولا يفطره ذلك ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك ( قال الشافعي ) : وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه لم ير أباه قط احتجم وهو صائم .

( قال الشافعي ) :
وهذا فتيا كثير ممن لقيت من الفقهاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أفطر الحاجم والمحجوم } وروي عنه { أنه احتجم صائما } .

( قال الشافعي ) :
ولا أعلم واحدا منهما ثابتا ولو ثبت واحد منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت به فكانت الحجة في قوله ، ولو ترك رجل الحجامة صائما للتوقي كان أحب إلي ، ولو احتجم لم أره يفطره
( قال الشافعي ) :
من تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، وبهذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر
( قال الشافعي ) :
ومن أكل أو شرب ناسيا : فليتم صومه ولا قضاء عليه وكذلك بلغنا عن أبي هريرة وقد قيل : إن أبا هريرة قد رفعه من حديث رجل ليس بحافظ .

( قال الشافعي ) :
وقد قال بعض أصحابنا يقضي ولسنا نأخذ بقوله ، وقال بعض الناس بمثل قولنا لا يقضي والحجة عليهم في الكلام في الصلاة ساهيا وتفريقه بين العمد والنسيان في الصوم حجة عليهم في الصلاة بل الكلام في الصلاة ناسيا أثبت وأولى ; لأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف فرق بين العمد والنسيان في الصوم ؟ وإنما فرق بينهما بأن أبا هريرة لم ير على من أكل ناسيا لصومه قضاء فرأي أبي هريرة حجة فرق بها بين العمد والنسيان وهو عندنا حجة ثم ترك رواية أبي هريرة وابن عمر وعمران بن حصين وطلحة بن عبيد الله وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ذي اليدين وفيه ما دل على الفرق بين العمد والنسيان في الصلاة فهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب مما جاء عن غيره فترك الأوجب والأثبت وأخذ بالذي هو أضعف عنده وعاب غيره إذ زعم أن العمد في الصوم والنسيان سواء ثم قال بما عاب في الصلاة فزعم أن العمد والنسيان سواء ثم لم يقم بذلك
( قال الشافعي ) : من احتلم في رمضان اغتسل ولم يقض وكذلك من أصاب أهله ثم طلع الفجر قبل أن يغتسل اغتسل ثم أتم صومه .

( قال الشافعي ) :
وإن طلع الفجر وهو مجامع فأخرجه من ساعته أتم صومه ; لأنه لا يقدر على الخروج من الجماع إلا بهذا ، وإن ثبت شيئا آخر أو [ ص: 107 ] حركه لغير إخراج وقد بان له الفجر كفر ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة رضي الله عنها { أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تسمع : إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل ثم أصوم ذلك اليوم فقال الرجل : إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي } .

( قال الشافعي ) :
وقد جاء هذا من غير هذا الوجه وهو قول العامة عندنا وفي أكثر البلدان ، فإن ذهب ذاهب إلى أنه جنب من جماع في رمضان فإن الجماع كان وهو مباح والجنابة باقية بمعنى متقدم والغسل ليس من الصوم بسبيل ، وإن وجب بالجماع فهو غير الجماع ( قال الشافعي ) : وهذا حجة لنا على من قال في المطلقة لزوجها عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وقد قال الله تبارك وتعالى { ثلاثة قروء } والقرء عنده الحيضة فما بال الغسل ؟ وإن وجب بالحيض فهو غير الحيض فلو كان حكمه إذا وجب به حكم الحيض كان حكم الغسل إذا وجب بالجماع حكم الجماع فأفطر وكفر من أصبح جنبا .

( قال الشافعي ) :
فإن قال : فقد روي فيه شيء فهذا أثبت من تلك الرواية لعل تلك الرواية كانت بأن سمع صاحبها من أصبح جنبا أفطر على معنى إذا كان الجماع بعد الفجر أو عمل فيه بعد الفجر كما وصفنا
( قال الشافعي ) :
ومن حركت القبلة شهوته كرهتها له ، وإن فعلها لم ينقض صومه ومن لم تحرك شهوته فلا بأس له بالقبلة ، وملك النفس في الحالين عنها أفضل ; لأنه منع شهوة يرجى من الله تعالى ثوابها ( قال الشافعي ) : وإنما قلنا لا ينقض صومه ; لأن القبلة لو كانت تنقض صومه لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرخص ابن عباس وغيره فيها كما لا يرخصون فيما يفطر ولا ينظرون في ذلك إلى شهوة فعلها الصائم لها ولا غير شهوة ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت { : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم } ثم تضحك ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك أن عائشة كانت إذا ذكرت ذلك قالت وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( قال الشافعي ) :
أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : لم أر القبلة تدعو إلى خير ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب .

( قال الشافعي ) :
وهذا عندي والله أعلم على ما وصفت ، ليس اختلافا منهم : ولكن على الاحتياط ، لئلا يشتهي فيجامع ، وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به .
باب الجماع في رمضان والخلاف فيه ( قال الشافعي ) :
رحمه الله تعالى أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة { أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا قال : إني لا أجد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال : خذ هذا فتصدق به فقال يا رسول الله ما أجد أحدا أحوج مني ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال كله } ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال : { أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلك الأبعد [ ص: 108 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قال : أصبت أهلي في رمضان وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تسطيع أن تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ قال : لا ، قال : فاجلس فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال : خذ هذا فتصدق به فقال : ما أجد أحدا أحوج مني قال : فكله وصم يوما مكان ما أصبت } قال عطاء : فسألت سعيدا كم في ذلك العرق ؟ قال : ما بين خمسة عشر صاعا إلى عشرين ( قال الشافعي ) : وفي حديث غير هذا { فأطعمه أهلك } ( قال الشافعي ) : فبهذا كله نأخذ يعتق ، فإن لم يقدر صام شهرين متتابعين ، فإن لم يقدر أطعم ستين مسكينا .

( قال الشافعي ) :
وقول النبي صلى الله عليه وسلم { كله وأطعمه أهلك } يحتمل معاني ، منها أنه لما كان في الوقت الذي أصاب أهله فيه ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأن قال له في شيء أتى به : كفر به ، فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه قال : { كله وأطعمه أهلك } وجعل له التمليك حينئذ ويحتمل أن يكون ملكه فلما ملكه وهو محتاج كان إنما يكون عليه الكفارة إذا كان عنده فضل فلم يكن عنده فضل فكان له أكله هو وأهله ، ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينا عليه متى أطاقها أو شيئا منها ، وإن كان ذلك ليس في الخبر ، وكان هذا أحب إلينا وأقرب من الاحتياط ، ويحتمل إن كان لا يقدر على شيء من الكفارات فكان لغيره أن يكفر عنه وأن يكون لغيره أن يضعه عليه وعلى أهله إن كانوا محتاجين ويجزي عنهم ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر في حاله تلك على الكفارة أن تكون الكفارة ساقطة عنه إذا كان مغلوبا كما تسقط الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا والله أعلم ، ويحتمل إذا كفر أن تكون الكفارة بدلا من الصيام ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة - ولكل وجهة ( قال ) : وأحب أن يكفر متى قدر وأن يصوم مع الكفارة ( قال الشافعي ) : وفي الحديث ما يبين أن الكفارة مد لا مدين .

( قال الشافعي )
: وقال بعض الناس مدين وهذا خلاف الحديث والله أعلم
( قال الشافعي ) :
وإن جامع يوما فكفر ثم جامع يوما فكفر وكذلك إن لم يكفر فلكل يوم كفارة ; لأن فرض كل يوم غير فرض الماضي .

( قال الشافعي ) :
وقال بعض الناس : إن كفر ثم عاد بعد الكفارة كفر ، وإن لم يكفر حتى يعود فكفارة واحدة ورمضان كله واحد .

( قال الشافعي ) :
فقيل لقائل هذا القول : ليس في هذا خبر بما قلت والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا مرة بكفارة ، وفي ذلك ما دل عندنا والله أعلم على أنه لو جامع يوما آخر أمر بكفارة ; لأن كل يوم مفروض عليه فإلى أي شيء ذهبت ؟ قال : ألا ترى أنه لو جامع في الحج مرارا كانت عليه كفارة واحدة ؟ قلنا : وأي شيء الحج من الصوم ؟ الحج شريعة ، والصوم أخرى ، قد يباح في الحج الأكل والشرب ويحرم في الصوم ويباح في الصوم اللبس والصيد والطيب ويحرم في الحج .

( قال الشافعي ) :
والحج إحرام واحد ولا يخرج أحد منه إلا بكماله وكل يوم من شهر رمضان كماله بنفسه [ ص: 109 ] ونقصه فيه ، ألا ترى أنه يصوم اليوم من شهر رمضان ثم يفطر وقد كمل اليوم وخرج من صومه ثم يدخل في آخر فلو أفسده لم يفسد الذي قبله والحج متى أفسد عندهم قبل الزوال من يوم عرفة فسد كله ، وإن كان قد مضى كثير من عمله ، مع أن هذا القول خطأ من غير وجه ، الذي يقيسه بالحج يزعم أن المجامع في الحج تختلف أحكامه فيكون عليه شاة قبل عرفة ويفسد حجه ، وبدنة إذا جامع بعد الزوال ولا يفسد حجه .

وهذا عنده في الصوم لا يختلف في أول النهار وآخره إنما عليه رقبة فيهما ويفسد صومه فيفرق بينهما في كل واحدة منهما ويفرق بينهما في الكفارتين ويزعم أنه لو جامع يوما ثم كفر ثم جامع يوما آخر ثم كفر وهو لو كفر عنده في الحج عن الجماع ثم عاد لجماع آخر لم يعد الكفارة ، فإذا قيل له : لم ذلك ؟ قال : الحج واحد وأيام رمضان متفرقة ، قلت : فكيف تقيس أحدهما بالآخر وهو يجامع في الحج فيفسده ثم يكون عليه أن يعمل عمل الحج وهو فاسد وليس هكذا الصوم ولا الصلاة ؟ .

( قال الشافعي ) :
فإن قال قائل منهم فأقيسه بالكفارة قلنا : هو من الكفارة أبعد ، الحانث يحنث غير عامد للحنث فيكفر ويحنث عامدا فلا يكفر عندك وأنت إذا جامع عامدا كفر ، وإذا جامع غير عامد لم يكفر فكيف قسته بالكفارة والمكفر لا يفسد عملا يخرج منه ، ولا يعمل بعد الفساد شيئا يقضيه إنما يخرج به عندك من كذبة حلف عليها وهذا يخرج من صوم ويعود في مثل الذي خرج منه .

( قال الشافعي ) :
ولو جامع صبية لم تبلغ أو أتى بهيمة فكفارة واحدة ولو جامع بالغة كانت كفارة لا يزاد عليها على الرجل ، وإذا كفر أجزأ عنه وعن امرأته ، وكذلك في الحج والعمرة وبهذا مضت السنة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل تكفر المرأة وأنه لم يقل في الخبر في الذي جامع في الحج تكفر المرأة .

( قال الشافعي ) :
فإن قال قائل : فما بال الحد عليها في الجماع ولا تكون الكفارة عليها ؟ قيل الحد لا يشبه الكفارة ، ألا ترى أن الحد يختلف في الحر والعبد والثيب والبكر ولا يختلف الجماع عامدا في رمضان مع افتراقهما في غير ذلك فإن مذهبنا وما ندعي إذا فرقت الأخبار بين الشيء أن يفرق بينه كما فرقت
( قال الشافعي ) :
وإن جامع في قضاء رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أفسد صومه ولا كفارة عليه ولكن يقضي يوما مكان يومه الذي جامع فيه .

( قال الشافعي ) :
وهكذا قال بعض الناس وهذا كان عندنا أولى أن يكفر ; لأن البدل في رمضان يقوم مقامه ، فإذا اقتصر بالكفارة على رمضان ; لأنها جاءت فيه في الجماع ولم يقس عليه البدل منه فكيف قاس عليه الطعام والشراب ولم تأت فيه كفارة ؟
( قال الشافعي ) : وإن جامع ناسيا لصومه لم يكفر .

وإن جامع على شبهة مثل أن يأكل ناسيا فيحسب أنه قد أفطر فيجامع على هذه الشبهة فلا كفارة عليه في مثل هذا .

( قال الشافعي ) :
وهذا أيضا من الحجة عليهم في السهو في الصلاة إذ زعموا أن من جامع على شبهة سقطت عنه الكفارة فمن تكلم وهو يرى أن الكلام في الصلاة كان له مباحا أولى أن يسقط عنه فساد صلاته
( قال الشافعي ) :
وإن نظر فأنزل ، من غير لمس ولا تلذذ بها : فصومه تام لا تجب الكفارة في رمضان إلا بما يجب به الحد أن يلتقي الختانان ، فأما [ ص: 110 ] ما دون ذلك فإنه لا يجب به الكفارة ، ولا تجب الكفارة في فطر في غير جماع ، ولا طعام ولا شراب ولا غيره ، وقال بعض الناس : تجب إن أكل أو شرب كما تجب بالجماع .

( قال الشافعي ) :
فقيل لمن يقول هذا القول : السنة جاءت في المجامع ، فمن قال لكم في الطعام والشراب ؟ قال قلناه قياسا على الجماع فقلنا : أو يشبه الأكل والشرب الجماع فتقيسهما عليه ؟ قال : نعم . في وجه من أنهما محرمان يفطران فقيل لهم فكل ما وجدتموه محرما في الصوم يفطر قضيتم فيه بالكفارة ؟ قال نعم . قيل فما تقول فيمن أكل طيبا أو دواء ؟ قال : لا كفارة عليه قلنا : ولم ؟ قال : هذا لا يغذو الجسد قلنا : إنما قست هذا بالجماع ; لأنه محرم يفطر وهذا عندنا وعندك محرم يفطر . قال : هذا لا يغذو الجسد ، قلنا وما أدراك أن هذا لا يغذو البدن وأنت تقول إن ازدرد من الفاكهة شيئا صحيحا فطره ولم يكفر وقد يغذو هذا البدن فيما نرى وقلنا قد صرت من الفقه إلى الطب ، فإن كنت صرت إلى قياس ما يغذو فالجماع يقص البدن وهو إخراج شيء ينقص البدن وليس بإدخال شيء فكيف قسته بما يزيد في البدن والجماع ينقصه ؟ وما يشبعه والجماع يجيع ؟ فكيف زعمت أن الحقنة والسعوط يفطران وهما لا يغذوان ؟ ، وإن اعتلك بالغذاء ولا كفارة فيهما عندك كان يلزمك أن تنظر كل ما حكمت له بحكم الفطر أن تحكم فيه بالكفارة إن أردت القياس .

( قال الشافعي ) :
قال منهم قائل إن هذا ليلزمنا كله ولكن لم لم تقسه بالجماع ؟ فقلت له : أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن عمر أنه قال : من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء .

( قال الشافعي ) :
وهكذا نقول نحن وأنتم فقد وجدنا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرى على رجل إن أفطر من أمر عمده القضاء ولا يرى عليه الكفارة فيه وبهذا قلت : لا كفارة إلا في جماع ورأيت الجماع لا يشبه شيئا سواه رأيت حده مباينا لحدود سواه ورأيت من رأيت من الفقهاء مجتمعين على أن المحرم إذا أصاب أهله أفسد حجه ومضى فيه وجاء بالبدل منه وقد يحرم عليه في الحج الصيد والطيب واللبس فأي ذلك فعله لم يفسد حجه غير الجماع ورأيت من جامع وجب عليه الغسل ، وليس كذلك من صنع ما هو أقذر منه ، فبهذا فرقنا بين الجماع وغيره
( قال الشافعي ) :
إن تلذذ بامرأته حتى ينزل أفسد صومه وكان عليه قضاؤه وما تلذذ به دون ذلك كرهته ولا يفسد والله أعلم
وإن أتى امرأته في دبرها فغيبه أو بهيمة أو تلوط أفسد وكفر مع الإثم بالله في المحرم الذي أتى مع إفساد الصوم ، وقال بعض الناس في هذا كله لا كفارة عليه ولا يعيد صوما إلا أن ينزل فيقضي ولا يكفر .

( قال الشافعي ) :
فخالفه بعض أصحابه في اللوطي ومن أتى امرأته في دبرها فقال يفسد وقال هذا جماع ، وإن كان غير وجه الجماع المباح ووافقه في الآتي للبهيمة قال وكل جماع ، غير أن في هذا معصية لله عز وجل من وجهين فلو كان أحدهما يزاد عليه زيد على الآتي ما حرم الله من وجهين .
( قال الشافعي ) :
ولا يفسد الكحل ، وإن تنخمه فالنخامة تجيء من الرأس باستنزال والعين متصلة بالرأس ولا يصل إلى الرأس والجوف علمي ولا أعلم أحدا كره الكحل على أنه يفطر






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #72  
قديم 25-11-2021, 03:59 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
الحلقة (72)
صــــــــــ 111 الى صـــــــــــ115

( قال الشافعي ) : ولا أكره الدهن ، وإن استنقع فيه أو في ماء فلا بأس وأكره العلك أنه يجلب الريق ، وإن مضغه فلا يفطره وبذلك إن تمضمض واستنشق ولا يستبلغ في الاستنشاق : لئلا يذهب في رأسه ، وإن ذهب في رأسه لم يفطره ، فإن استيقن أنه قد وصل إلى الرأس [ ص: 111 ] أو الجوف من المضمضة وهو عامد ذاكر لصومه فطره ( قال الربيع ) : وقد قال الشافعي مرة لا شيء عليه ( قال الربيع ) : وهو أحب إلي وذلك أنه مغلوب
( قال الشافعي ) : ولا أكره السواك بالعود الرطب واليابس وغيره : بكرة وأكرهه بالعشي لما أحب من خلوف فم الصائم ، وإن فعل لم يفطره وما داوى به قرحة من رطب أو يابس فخلص إلى جوفه فطره إذا داوى وهو ذاكر لصومه عامد لإدخاله في جوفه وقال بعض الناس يفطره الرطب ولا يفطره اليابس
( قال الشافعي ) : فإن كان أنزل الدواء إذا وصل إلى الجوف : بمنزلة المأكول أو المشروب فالرطب واليابس من المأكول عندهم سواء ، وإن كان لا ينزله إذا لم يكن من سبيل الأكل ولا الشرب بمنزلة واحد منهما فينبغي أن يقول لا يفطران ، فأما أن يقول يفطر أحدهما ولا يفطر الآخر فهذا خطأ
( قال الشافعي ) : وأحب له أن ينزه صيامه عن اللغط والمشاتمة ، وإن شوتم أن يقول : أنا صائم ، وإن شاتم : لم يفطره
( قال الشافعي ) : وإن قدم مسافر في بعض اليوم وقد كان فيه مفطرا وكانت امرأته حائضا فطهرت فجامعها لم أر بأسا وكذلك إن أكلا أو شربا وذلك أنهما غير صائمين ، وقال بعض الناس هما غير صائمين ولا كفارة عليهما إن فعلا وأكره ذلك ; لأن الناس في المصر صيام .

( قال الشافعي ) : إما أن يكونا صائمين فلا يجوز لهما أن يفعلا ، أو يكونا غير صائمين فإنما يحرم هذا على الصائم ( قال الشافعي ) : ولو توقى ذلك لئلا يراه أحد فيظن أنه أفطر في رمضان من غير علة كان أحب إلي
( قال الشافعي ) : ولو اشتبهت الشهور على أسير فتحرى شهر رمضان فوافقه أو ما بعده من الشهور فصام شهرا أو ثلاثين يوما أجزأه ، ولو صام ما قبله فقد قال قائل لا يجزيه إلا أن يصيبه أو شهرا بعده فيكون كالقضاء له وهذا مذهب . ولو ذهب ذاهب إلى أنه إذا لم يعرفه بعينه فتأخاه أجزأه قبل كان أو بعد ، كان هذا مذهبا وذلك أنه قد يتأخى القبلة ، فإذا علم بعد كمال الصلاة أنه قد أخطأها أجزأت عنه ويجزي ذلك عنه في خطأ عرفة والفطر ، وإنما كلف الناس في المغيب الظاهر ، والأسير إذا اشتبهت عليه الشهور فهو مثل المغيب عنه والله أعلم .

( قال الربيع ) : وآخر قول الشافعي أنه لا يجزيه إذا صامه على الشك حتى يصيبه بعينه أو شهرا بعده وآخر قوله في القبلة كذلك لا يجزيه وكذلك لا يجزيه إذا تأخى ، وإن أصاب القبلة فعليه الإعادة إذا كان تأخيه بلا دلالة وأما عرفة ويوم الفطر والأضحى فيجزيه ; لأن هذا أمر إنما يفعله باجتماع العامة عليه والصوم والصلاة شيء يفعله في ذات نفسه خاصة
( قال الشافعي ) : ولو أصبح يوم الشك لا ينوي الصوم ولم يأكل ولم يشرب حتى علم أنه من شهر رمضان فأتم صومه رأيت إعادة صومه ، وسواء رأى ذلك قبل الزوال أو بعده إذا أصبح لا ينوي صيامه من شهر رمضان .

( قال الشافعي ) : وأرى والله أعلم كذلك لو أصبح ينوي صومه تطوعا لم يجزه من رمضان ولا أرى رمضان يجزيه إلا بإرادته والله أعلم ، ولا أعلم بينه وبين نذر الصلاة وغير ذلك مما لا يجزي إلا بنية فرقا
( قال الشافعي ) : ولو أن مقيما نوى الصيام قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرا لم يفطر يومه ذلك ; لأنه قد دخل في الصوم مقيما ( قال الربيع ) : وفي كتاب غير هذا من كتبه إلا أن يصح حديث { عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أفطر بالكديد أنه نوى صيام ذلك اليوم وهو مقيم } .

( قال الشافعي ) : ولو نواه من الليل ثم خرج قبل الفجر كان كأن لم يدخل في الصوم حتى سافر وكان له إن شاء أن يتم فيصوم ، وإن شاء أن يفطر
( قال الشافعي ) : وإذا تأخى الرجل القبلة بلا دلائل فلما أصبح علم أنه أصاب القبلة كانت عليه [ ص: 112 ] الإعادة ; لأنه صلى حين صلى على الشك
( قال الشافعي ) : وقد نهي عن صيام السفر وإنما نهي عنه عندنا والله أعلم على الرفق بالناس لا على التحريم ولا على أنه لا يجزي وقد يسمع بعض الناس النهي ولا يسمع ما يدل على معنى النهي فيقول بالنهي جملة .

( قال الشافعي ) : والدليل على ما قلت لك أنه رخصة في السفر أن مالكا أخبرنا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة { أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله أصوم في السفر وكان كثير الصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم ، وإن شئت فافطر } أخبرنا مالك عن حميد الطويل عن { أنس بن مالك قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم } .

( قال الشافعي ) : وهذا دليل على ما وصفت ، فإن قال إنسان فإنه قد سمى الذين صاموا العصاة فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصيام في السفر للتقوي للعدو ، وذلك أنه كان محاربا عام نهي عن الصيام في السفر فأبى قوم إلا الصيام فسمى بعض من سمع النهي العصاة إذ تركوا الفطر الذي أمروا به ، وقد يمكن أن يكون قد قيل لهم ذلك على أنهم تركوا قبول الرخصة ورغبوا عنها وهذا مكروه عندنا ، إنما نقول يفطر أو يصوم وهو يعلم أن ذلك واسع له ، فإذا جاز ذلك فالصوم أحب إلينا لمن قوي عليه .

( قال الشافعي ) : فإن قيل فقد روي { ليس من البر الصيام في السفر } قيل ليس هذا بخلاف حديث هشام بن عروة ولكنه كما وصفت إذا رأى الصيام برا والفطر مأثما وغير برغبة عن الرخصة في السفر
( قال الشافعي ) : وإذا أدرك المسافر الفجر قبل أن يصل إلى بلده أو البلد الذي ينوي المقام به وهو ينوي الصوم أجزأه ، وإن أزمع الفطر ثم أزمع الصوم بعد الفجر لم يجزه في حضر كان أو في سفر ، وإن سافر فلم يصم حتى مات فليس عليه قضاء ما أفطر ; لأنه كان له أن يفطر وإنما عليه القضاء إذا لزمه أن يصوم وهو مقيم فترك الصوم فهو حينئذ يلزم بالقضاء ويكفر عنه بعد موته وكذلك المريض لا يصح حتى يموت فلا صوم عليه ولا كفارة .
باب صيام التطوع ( قال الشافعي ) : والمتطوع بالصوم مخالف للذي عليه الصوم من شهر رمضان وغيره الذين يجب عليهم الصوم لا يجزيهم عندي إلا إجماع الصوم قبل الفجر والذي يتطوع بالصوم ما لم يأكل ولم يشرب ، وإن أصبح يجزيه الصوم ، وإن أفطر المتطوع من غير عذر كرهته له ولا قضاء عليه ، وخالفنا في هذا بعض الناس فقال عليه القضاء ، وإذا دخل في شيء فقد أوجبه على نفسه واحتج بحديث الزهري { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة وحفصة أن يقضيا يوما مكان يومهما الذي أفطرتا فيه } .

( قال الشافعي ) : فقيل له ليس بثابت إنما حدثه الزهري عن رجل لا نعرفه ولو كان ثابتا كان يحتمل أن يكون إنما أمرهما على معنى إن شاءتا والله أعلم كما أمر عمر أن يقضي نذرا نذره في الجاهلية وهو على معنى إن شاء . قال فما دل على معنى ما قلت فإن الظاهر من الخبر ليس فيه ما قلت

( قال الشافعي ) : أخبرنا ابن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة { عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا خبأنا لك حيسا فقال : أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه }
( قال الشافعي ) : فقلت له لو كان على المتطوع القضاء إذا خرج من الصوم لم يكن له الخروج منه من غير عذر وذلك أن الخروج حينئذ منه لا [ ص: 113 ] يجوز ، وكيف يجوز لأحد أن يخرج من عمل عليه تمامه من غير عذر إذا كان عليه أن يعود فيه لم يكن له أن يخرج منه .

( قال الشافعي ) : والاعتكاف وكل عمل له قبل أن يدخل فيه أن لا يدخل فيه فله الخروج قبل إكماله وأحب إلي لو أتمه إلا الحج والعمرة فقط ، فإن قال قائل : فكيف أمرته إذا أفسد الحج والعمرة أن يعود فيهما فيقضيهما مرتين دون الأعمال ؟ قلنا : لا يشبه الحج والعمرة الصوم ولا الصلاة ولا ما سواهما . ألا ترى أنه لا يختلف أحد في أنه يمضي في الحج والعمرة على الفساد كما يمضي فيهما قبل الفساد ويكفر ويعود فيهما ؟ ولا يختلف أحد في أنه إذا أفسد الصلاة لم يمض فيها ولم يجز له أن يصليها فاسدة بلا وضوء وهكذا الصوم إذا أفسد لم يمض فيه . أو لا ترى أنه يكفر في الحج والعمرة متطوعا كان أو واجبا عليه كفارة واحدة ولا يكفر في الصلاة على كل حال ولا في الاعتكاف ولا في التطوع في الصوم ؟ وقد روى الذين يقولون بخلافنا في هذا عن ابن عمر أنه صلى ركعة وقال : إنما هو تطوع ، وروينا عن ابن عباس شبيها به في الطواف .
باب أحكام من أفطر في رمضان ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى من أفطر أياما من رمضان من عذر مرض أو سفر قضاهن في أي وقت ما شاء في ذي الحجة أو غيرها وبينه وبين أن يأتي عليه رمضان آخر متفرقات أو مجتمعات ; وذلك أن الله عز وجل يقول { : فعدة من أيام أخر } ولم يذكرهن متتابعات وقد بلغنا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحصيت العدة فصمهن كيف شئت ( قال ) : وصوم كفارة اليمين متتابع والله أعلم ، فإن مرض وسافر المفطر من رمضان فلم يصح ولم يقدر حتى يأتي عليه رمضان آخر قضاهن ولا كفارة ، وإن فرط وهو يمكنه أن يصوم حتى يأتي رمضان آخر صام الرمضان الذي جاء عليه وقضاهن . وكفر عن كل يوم بمد حنطة
( قال الشافعي ) : والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما .

( قال الشافعي ) : وإن كانتا لا تقدران على الصوم فهذا مثل المرض أفطرتا وقضتا بلا كفارة إنما ككفران بالأثر وبأنهما لم تفطرا لأنفسهما إنما أفطرتا لغيرهما فذلك فرق بينهما وبين المريض لا يكفر والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يتصدق عن كل يوم بمد حنطة خبرا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقياسا على من لم يطق الحج أن يحج عنه غيره وليس عمل غيره عنه عمله نفسه كما ليس الكفارة كعمله .

( قال الشافعي ) : والحال التي يترك بها الكبير الصوم أن يكون يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك المريض والحامل : ( قال الشافعي ) : وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر ، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر والحامل إذا خافت على ولدها : أفطرت وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها [ ص: 114 ] الإضرار البين ، فأما ما كان من ذلك محتملا فلا يفطر صاحبه ، والصوم قد يزيد عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينتقص بعض اللبن ولكنه نقصان محتمل ، فإذا تفاحش أفطرتا ( قال الشافعي ) : فكأنه يتأول إذا لم يطق الصوم الفدية والله أعلم ، فإن قال قائل : فكيف يسقط عنه فرض الصلاة إذا لم يطقها ولا يسقط فرض الصوم ؟ قيل ليس يسقط فرض الصلاة في حال تفعل فيها الصلاة ولكنه يصلي كما يطيق قائما أو قاعدا أو مضطجعا فيكون بعض هذا بدلا من بعض ، وليس شيء غير الصلاة بدلا من الصلاة ، ولا الصلاة بدلا من شيء ، فالصوم لا يجزي فيه إلا إكماله ولا يتغير بتغير حال صاحبه ويزال عن وقته بالسفر والمرض ; لأنه لا نقص فيه كما يكون بعض الصلاة قصرا وبعضها قاعدا وقد يكون بدلا من الطعام في الكفارة ويكون الطعام بدلا منه
( قال الشافعي ) : ومن مرض فلم يصح حتى مات : فلا قضاء عليه إنما القضاء إذا صح ثم فرط ، ومن مات وقد فرط في القضاء أطعم عنه مكان كل يوم مسكين مدا من طعام
( قال الشافعي ) : ومن نذر أن يصوم سنة صامها وأفطر الأيام التي نهي عن صومها وهي يوم الفطر والأضحى وأيام منى وقضاها .
ومن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان صامه ، وإن قدم فلان وقد مضى من النهار شيء أو كان يوم فطر قضاه ، وإن قدم ليلا فأحب إلي أن يصوم الغد بالنية لصوم يوم النذر ، وإن لم يفعل لم أره واجبا
( قال الشافعي ) : ومن نذر أن يصوم يوم الجمعة فوافق يوم فطر أفطر وقضاه
ومن نوى أن يصوم يوم الفطر لم يصمه ولم يقضه ; لأن ليس له صومه
وكذلك لو أن امرأة نذرت أن تصوم أيام حيضها لم تصمه ولم تقضه ; لأنه ليس لها أن تصومها
( قال الربيع ) : وقد قال الشافعي مرة : من نذر صوم يوم يقدم فلان ، فوافق يوم عيد لم يكن عليه شيء ، ومن نذر صوم يوم يقدم فيه فلان فقدم في بعض النهار ، لم يكن عليه شيء .
[ ص: 115 ] كتاب الاعتكاف أخبرنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي والاعتكاف سنة فمن أوجب على نفسه اعتكاف شهر فإنه يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس ويخرج منه إذا غربت الشمس آخر الشهر ( قال ) : ولا بأس بالاشتراط في الاعتكاف الواجب وذلك أن يقول إن عرض لي عارض كان لي الخروج ولا بأس أن يعتكف ولا ينوي أياما ولا وجوب اعتكاف متى شاء انصرف والاعتكاف في المسجد الجامع أحب إلينا ، وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة
وإذا أوجب على نفسه اعتكافا في مسجد فانهدم المسجد اعتكف في موضع منه ، فإن لم يقدر خرج من الاعتكاف وإذا بني المسجد رجع فبنى على اعتكافه
ويخرج المعتكف لحاجته إلى البول والغائط إلى بيته إن شاء أو غيره ولا يمكث بعد فراغه من حاجته ولا بأس أن يسأل عن المريض إذا دخل منزله ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويجالس العلماء ويتحدث بما أحب ما لم يكن إثما ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال
( قال ) : ولا يعود : المريض ولا يشهد الجنازة إذا كان اعتكافا واجبا
ولا بأس أن يعتكف المؤذن ويصعد المنارة كانت داخلة المسجد أو خارجة منه وأكره له الأذان للوالي بالصلاة ولا بأس أن يقضي
وإن كانت عنده شهادة فدعي إليها فإنه يلزمه أن يجيب ، فإن أجاب يقضي الاعتكاف
وإن أكل المعتكف في بيته فلا شيء عليه
وإذا مرض الذي أوجب على نفسه الاعتكاف خرج ، فإذا برئ رجع فبنى على ما مضى من اعتكافه ، فإن مكث بعد برئه شيئا من غير عذر استقبل الاعتكاف وإذا خرج المعتكف لغير حاجة انتقض اعتكافه وإذا أفطر المعتكف أو وطئ استأنف اعتكافه إذا كان اعتكافا واجبا بصوم وكذلك المرأة إذا كانت معتكفة




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #73  
قديم 25-11-2021, 04:12 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
الحلقة (73)
صــــــــــ 116 الى صـــــــــــ120


قال ) : وإذا جعل لله عليه شهرا ولم يسم شهرا بعينه ولم يقل متتابعا : اعتكف متى شاء وأحب إلي أن يكون متتابعا
ولا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد لا تفسده قبلة ولا مباشرة ولا نظرة أنزل أو لم ينزل وكذلك المرأة كان هذا في المسجد أو في غيره وإذا قال : لله علي أن أعتكف شهرا بالنهار فله أن يعتكف النهار دون الليل وكذلك لو قال لله علي أن لا أكلم فلانا شهرا بالنهار وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بعينه فذهب الشهر وهو لا يعلم فعليه أن يعتكف شهرا سواه وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر فاعتكفه إلا يوما فعليه قضاء ذلك اليوم وإذا اعتكف الرجل اعتكافا واجبا فأخرجه السلطان أو غيره مكرها فلا شيء عليه متى خلا بنى على اعتكافه وكذلك إذا أخرجه بحد أو دين فحبسه ، فإذا خرج رجع فبنى وإذا سكر المعتكف ليلا أو نهارا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتدئ إذا كان واجبا وإذا [ ص: 117 ] خرج المعتكف لحاجة فلقيه غريم له فلا بأس أن يوكل به واذا كان المعتكف الذي عليه الدين يحبسه الطالب عن الاعتكاف ، فإذا خلاه رجع فبنى وإذا خاف المعتكف من الوالي خرج ، فإذا أمن بنى والاعتكاف الواجب أن يقول لله علي أن أعتكف كذا وكذا والاعتكاف الذي ليس بواجب أن يعتكف ولا ينوي شيئا ، فإن نوى المعتكف يوما فدخل نصف النهار في الاعتكاف اعتكف إلى مثله ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف يوم دخل قبل الفجر إلى غروب الشمس ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف يومين دخل قبل الفجر فيعتكف يوما وليلة ويوما إلا أن يكون له نية النهار دون الليل وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بصوم ثم مات قبل أن يقضيه فإنه يطعم عنه مكان كل يوم مدا ، فإن كان جعل على نفسه وهو مريض فمات قبل أن يصح فلا شيء عليه ، فإن كان صح أقل من شهر ثم مات أطعم عنه بعدد ما صح من الأيام كل [ ص: 118 ] يوم مدا ( قال الربيع ) : إذا مات : وقد كان عليه أن يعتكف ويصوم أطعم عنه ، وإذا لم يمكنه فلا شيء عليه ولا بأس أن يعتكف الرجل الليلة وكذلك لا بأس أن يعتكف يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق والاعتكاف يكون بغير صوم فإذا قال : لله علي أن أعتكف يوم يقدم فلان فقدم فلان في أول النهار أو آخره اعتكف ما بقي من النهار ، وإن قدم وهو مريض أو محبوس فإنه إذا صح أو خرج من الحبس قضاه ، وإن قدم ليلا فلا شيء عليه ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر سماه ، فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه
( قال ) : وإذا أحرم المعتكف بالحج وهو معتكف أتم اعتكافه ، فإن خاف فوات الحج مضى لحجه ، فإن كان اعتكافه متتابعا ، فإذا قدم من الحج استأنف ، وإن كان غير متتابع بنى والاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه وكذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما عظم من المساجد وكثر أهله فهو أفضل ، والمرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاءوا ; لأنهم لا جمعة عليهم وإذا جعلت المرأة على نفسها اعتكافا فلزوجها منعها منه وكذلك لسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم ، فإذا أذن لهم ثم أراد منعهم قبل تمام ذلك فذلك له وليس لسيد المكاتب منعهم من الاعتكاف
وإذا جعل العبد المعتق نصفه عليه اعتكافا أياما فله أن يعتكف يوما ويخدم يوما حتى يتم اعتكافه وإذا جن المعتكف فأقام سنين ثم أفاق بنى .
والأعمى والمقعد في الاعتكاف كالصحيح ، ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة ما بدا لهما من الثياب ويأكلا ما بدا لهما من الطعام ويتطيبا بما بدا لهما من الطيب ولا بأس أن ينام في المسجد ولا بأس بوضع المائدة في المسجد وغسل اليدين في المسجد في الطست ولو نسي المعتكف فخرج ثم رجع لم يفسد اعتكافه ولا بأس أن يخرج المعتكف رأسه من المسجد إلى بعض أهله فيغسله - فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بأس أن ينكح المعتكف نفسه وينكح غيره وإذا مات عن المعتكفة زوجها خرجت ، وإذا قضت عدتها رجعت فبنت ، وقد قيل ليس لها أن تخرج ، فإن فعلت ابتدأت والله أعلم .
[ ص: 119 ] كتاب الحج باب فرض الحج على من وجب عليه الحج أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي قال : أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب الله تعالى ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الله عز وجل الحج في غير موضع من كتابه فحكى أنه قال لإبراهيم عليه السلام { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ، وقال تبارك وتعالى : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } مع ما ذكر به الحج .

( قال الشافعي ) : والآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه قال الله جل ذكره { : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } وقال { : وأتموا الحج والعمرة لله } وهذه الآية موضوعة بتفسيرها في العمرة .

( قال الشافعي ) :
أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عكرمة قال لما نزلت { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } الآية قالت اليهود : فنحن مسلمون فقال الله تعالى لنبيه فحجهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : حجوا فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا قال الله جل ثناؤه : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال عكرمة : من كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين وما أشبه ما قال عكرمة بما قال والله أعلم ; لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله .

والكفر بآية من كتاب الله كفر ( أخبرنا ) : مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال : قال مجاهد في قول الله عز وجل { ومن كفر } قال هو ما إن حج لم يره برا ، وإن جلس لم يره إثما [ ص: 120 ] كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج .

( قال الشافعي ) :
ومن كفر بآية من كتاب الله كان كافرا وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد : وما قال عكرمة فيه أوضح ، وإن كان هذا واضحا .

( قال الشافعي ) :
فعم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلا ، فإن قال قائل : فلم لا يكون غير البالغ إذا وجد إليه سبيلا ممن عليه فرض الحج ؟ قيل : الاستدلال بالكتاب والسنة قال الله جل ذكره : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } يعني الذين أمرهم بالاستئذان من البالغين فأخبر أنهم إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا قال الله تعالى { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فلم يأمر بدفع المال إليهم بالرشد حتى يجتمع البلوغ معه وفرض الله الجهاد في كتابه ثم أكد اليقين { فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن عمر حريصا على أن يجاهد وأبوه حريص على جهاده وهو ابن أربع عشرة سنة فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد ثم أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغ خمس عشرة سنة عام الخندق } ورسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله ما أنزل جملا من إرادته جل شأنه فاستدللنا بأن الفرائض والحدود إنما تجب على البالغين وصنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد مع ابن عمر ببضعة عشر رجلا كلهم في مثل سنه

( قال الشافعي ) :
فالحج واجب على البالغ العاقل والفرائض كلها ، وإن كان سفيها وكذلك الحدود ، فإذا حج بالغا عاقلا أجزأ عنه ولم يكن عليه أن يعود لحجة أخرى إذا صار رشيدا وكذلك المرأة البالغة ( قال ) : وفرض الحج زائل عمن بلغ مغلوبا على عقله ; لأن الفرائض على من عقلها وذلك أن الله عز وجل خاطب بالفرائض من فرضها عليه في غير آية من كتابه ولا يخاطب إلا من يعقل المخاطبة وكذلك الحدود ، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك على ما دل عليه كتاب الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ } ، فإن كان يجن ويفيق فعليه الحج ، فإذا حج مفيقا أجزأ عنه ، وإن حج في حال جنونه لم يجز عنه الحج وعلى ولي السفيه البالغ أن يتكارى له ويمونه في حجه ; لأنه واجب عليه ولا يضيع السفيه من الفرائض شيئا وكذلك ولي السفيهة البالغة
( قال الشافعي ) :
ولو حج غلام قبل بلوغ الحلم واستكمال خمس عشرة سنة ثم عاش بعدها بالغا لم يحج لم تقض الحجة التي حج قبل البلوغ عنه حجة الإسلام ; وذلك أنه حجها قبل أن تجب عليه وكان في معنى من صلى فريضة قبل وقتها الذي تجب عليه فيه في هذا الموضع فيكون بها متطوعا كما يكون بالصلاة متطوعا ولم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج ولو أذن للملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعا لا يجزي عنه من حجة الإسلام إن عتق ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج بعدما ثبتت عليه فريضة الحج ( قال ) : ولو حج كافر بالغ ثم أسلم لم تجز عنه حجة الإسلام ; لأنه لا يكتب له عمل يؤدى فرضا في بدنه حتى يصير إلى الإيمان بالله ورسوله ، فإذا أسلم وجب عليه الحج



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #74  
قديم 25-11-2021, 04:20 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثانى -كتاب الحج
الحلقة (74)
صــــــــــ 121 الى صـــــــــــ125

( قال ) : وكان في الحج مؤنة في المال وكان العبد لا مال له ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله { من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع } فدل ذلك على [ ص: 121 ] أن لا مال للعبد وإن ما ملك فإنما هو ملك للسيد وكان المسلمون لا يورثون العبد من ولده ولا والده ولا غيرهم شيئا فكان هذا عندنا من أقاويلهم استدلالا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا يملك إلا لسيده وكان سيده غير الوارث وكان المسلمون لا يجعلون على سيده الإذن له إلى الحج فكان العبد ممن لا يستطيع إليه سبيلا فدل هذا على أن العبيد خارجون من فرض الحج بخروجهم من استطاعة الحج وخارج من الفرض لو أذن له سيده . ولو أذن له سيده وحج لم تجز عنه ، فإن قال قائل : فكيف لا تجزي عنه ؟ قلت ; لأنها لا تلزمه وأنها لا تجزي عمن لم تلزمه قال ومثل ماذا ؟ قلت مثل مصلي المكتوبة قبل وقتها وصائم شهر رمضان قبل إهلاله لا يجزئ عن واحد منهما إلا في وقته ; لأنه عمل على البدن والعمل على البدن لا يجزي إلا في الوقت ، والكبير الفاني القادر يلزمه ذلك في نفسه وفي غيره وليس هكذا المملوك ولا غيره البالغ من الأحرار ، فلو حجا لم تجز عنهما حجة الإسلام إذا بلغ هذا وعتق هذا وأمكنهما الحج .
باب تفريع حج الصبي والمملوك

( قال الشافعي ) :
رحمه الله تعالى ليس على الصبي حج حتى يبلغ الغلام الحلم والجارية المحيض في أي سن ما بلغاها أو استكملا خمس عشرة سنة ، فإذا بلغا استكمال خمس عشرة سنة ، أو بلغا المحيض أو الحلم ، وجب عليهما الحج ( قال ) : وحسن أن يحجا صغيرين لا يعقلان ودون البالغين يعقلان يجردان للإحرام ويجتنبان ما يجتنب الكبير ، فإذا أطاقا عمل شيء أو كانا إذا أمرا به عملاه عن أنفسهما ما كان ، فإن لم يكونا يطيقانه عمل عنهما وسواء في ذلك الصلاة التي تجب بالطواف أو غيرها من عمل الحج ، فإن قال قائل أفتصلي عنهما المكتوبة ؟ قيل لا ، فإن قال فما فرق بين المكتوبة وبين الصلاة التي وجبت بالطواف ؟ قيل تلك عمل من عمل الحج وجبت به كوجوب الطواف والوقوف به والرمي وليست بفرض على غير حاج فتؤدى كما يؤدى غيرها .

فإن قال قائل : فهل من فرق غير هذا ؟ قيل نعم ، الحائض تحج وتعتمر فتقضي ركعتي الطواف لا بد منهما ولا تقضي المكتوبة التي مرت في أيام حيضها ( قال ) : والحجة في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للمرء أن يحج عن غيره وفي ذلك أن عمله عنه يجزئ كما أجزأ عمله عن نفسه فمن علم هذا علم أنه مضطر إلى أن يقول لا يبقى من عمل الحج عنه شيء ، فلو جاز أن يبقى من عمل الحج صلاة جاز أن يبقى طواف ورمي ووقوف ولكنه يأتي بالكمال عمن عمل عنه كما كان على المعمول عنه أن يأتي بالكمال عن نفسه ( قال ) : ولا أعلم أحدا ممن سمعت منه في هذا شيئا خالف فيه ما وصفت . وقد حكي لي عن قائل أنه قال : يعمل عنه غير الصلاة ، وأصل قول القائل هذا أنه لا يحج أحد عن أحد إلا في بعض الأحوال دون بعض فكيف جاز أن يأمر بالحج في حال لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فيه ويتركها حيث أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وكيف إذا ترك أصل قوله في حال يحج المرء فيها عن غيره أو يعمل فيها شيئا من عمل الحج عن غيره لم يجعل الصلاة التي تجب بالحج مما أمر بعمله في الحج غير الصلاة ؟ .

فإن قال قائل : فما الحجة أن للصبي حجا ولم يكتب عليه فرضه قيل : إن الله بفضل نعمته أناب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم أعمالهم فقال { : ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } فلما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب لهم عمل [ ص: 122 ] البر في الحج ، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى ، فإن قال قائل ما دل على ما وصفت ؟ فقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين أنهم يدخلون الجنة فالحجة فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( قال الشافعي ) :
أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قفل فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم فقال : من القوم ؟ فقالوا : مسلمون ، فمن القوم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ، ولك أجر . }

أخبرنا مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة ، وهي في محفتها فقيل لها : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت : ألهذا حج ؟ قال : نعم . ولك أجر } ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه ، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضي عنه حجه ، وإن بلغ فليحجج " أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء قال ، وتقضى حجة العبد عنه حتى يعتق ، فإذا عتق وجبت عليه من غير أن تكون واجبة عليه .

( قال الشافعي ) :
هذا كما قال عطاء في العبد إن شاء الله ومن لم يبلغ وقد بين معنى قوله ومعنى قول ابن عباس عندنا هكذا وقوله : فإذا عتق فليحجج يدل على أنها لو أجزأت عنه حجة الإسلام لم يأمره بأن يحج إذا عتق ويدل على أنه لا يراها واجبة عليه في عبوديته ; وذلك أنه وغيره من أهل الإسلام لا يرون فرض الحج على أحد إلا مرة ; لأن الله عز وجل يقول { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فذكره مرة ، ولم يردد ذكره مرة أخرى

( قال الشافعي ) :
أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج أنه قال لعطاء : أرأيت إن حج العبد تطوعا يأذن له سيده بحج لا أجر نفسه ولا حج به أهله يخدمهم ؟ قال : سمعنا أنه إذا عتق حج لا بد .

أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن ابن طاوس أن أباه كان يقول : تقضى حجة الصغير عنه حتى يعقل ، فإذا عقل وجبت عليه حجة لا بد منها والعبد كذلك أيضا ( قالا ) : وأخبرنا ابن جريج أن قولهم هذا عن ابن عباس .

( قال الشافعي ) :
وقولهم : إذا عقل الصبي ، إذا احتلم والله أعلم . ويروى عن عمر في الصبي والمملوك مثل معنى هذا القول ، فيجتمع المملوك وغير البالغين والعبد في هذا المعنى ، ويتفرقان فيما أصاب كل واحد منهما في حجه .
الإذن للعبد

( قال الشافعي ) :
إذا أذن الرجل لعبده بالحج فأحرم فليس له منعه أن يتم على إحرامه وله بيعه وليس لمبتاعه منعه أن يتم إحرامه ولمبتاعه الخيار إذا كان لم يعلم بإحرامه ; لأنه محول بينه وبين حبسه لمنفعته إلى أن ينقضي إحرامه وكذلك الأمة وكذلك الصبيان إذا أذن لهما أبوهما فأحرما لم يكن له حبسهما ( قال ) : ولو أصاب العبد امرأته فبطل حجه لم يكن لسيده حبسه وذلك ; لأنه مأمور بأن يمضي في حج فاسد مضيه في حج صحيح ولو أذن له في الحج فأحرم فمنعه مرض : لم يكن له حبسه إذا صح عن أن يحل بطواف ، وإن أذن له في حج فلم يحرم : كان له منعه ما لم يحرم ( قال ) : وإن أذن له أن يتمتع أو يقرن فأعطاه دما للمتعة أو القران : لم يجز عنه ; لأن العبد لا يملك شيئا ، فإذا ملكه شيئا فإنما ملكه للسيد فلا [ ص: 123 ] يجزي عنه ما لا يكون له مالكا بحال وعليه فيما لزمه الصوم ما كان مملوكا ، فإن لم يصم حتى عتق ووجد ففيها قولان : أحدهما أن يكفر كفارة الحر الواجد والثاني لا يكفر إلا بالصوم ; لأنه لم يكن له ولا عليه في الوقت الذي أصاب فيه شيء إلا الصوم لو أذن له في الحج فأفسده كان على سيده أن يدعه يتم عليه ولم يكن له على سيده أن يدعه يقضيه ، فإن قضاه أجزأ عنه من القضاء وعليه إذا عتق حجة الإسلام ولو لم يأذن للعبد سيده بالحج فأحرم به كان أحب إلي أن يدعه يتمه ، فإن لم يفعل فله حبسه وفيها قولان : أحدهما أن عليه إذا حبسه سيده عن إتمام حجه شاة يقومها دراهم ثم يقوم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما ثم يحل ، والقول الثاني يحل ولا شيء عليه حتى يعتق فيكون عليه شاة ، ولو أذن السيد لعبده فتمتع فمات العبد ، أخبرنا سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال : إذا أذنت لعبدك فتمتع فمات فاغرم عنه ، فإن قال قائل فهل يجوز أن يفرق بين ما يجزي العبد حيا من إعطاء سيده عنه وما يجزيه ميتا ؟ فنعم ، أما ما أعطاه حيا فلا يكون له إخراجه من ملكه عنه حيا حتى يكون المعطى عنه مالكا له والعبد لا يكون مالكا ، وهكذا ما أعطي عن الحر بإذنه أو وهبه للحر فأعطاه الحر عن نفسه قد ملك الحر في الحالين ولو أعطى عن حر بعد موته أو عبد لم يكن الموتى يملكون شيئا أبدا ، ألا ترى أن من وهب لهم أو أوصى أو تصدق عليهم لم يجز وإنما أجزنا أن يتصدق عنهم بالخبر عن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر سعدا أن يتصدق عن أمه } ، ولولا ذلك لما جاز ما وصفت لك .
باب كيف الاستطاعة إلى الحج

( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى الاستطاعة وجهان :
أحدهما أن يكون الرجل مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة ويكون عليه فرض الحج لا يجزيه ما كان بهذا الحال ، إلا أن يؤديه عن نفسه ، والاستطاعة الثانية أن يكون مضنوا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب فيحج على المركب بحال وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له أو قادر على مال يجد من يستأجره ببعضه فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمته فريضة الحج كما قدر ، ومعروف في لسان العرب أن الاستطاعة تكون بالبدن وبمن يقوم مقام البدن ، وذلك أن الرجل يقول : أنا مستطيع لأن أبني داري يعني بيده ويعني بأن يأمر من يبنيها بإجارة أو يتطوع ببنائها له ، وكذلك مستطيع لأن أخيط ثوبي ، وغير ذلك مما يعمله هو بنفسه ويعمله له غيره .

فإن قال قائل : الحج على البدن وأنت تقول في الأعمال على الأبدان إنما يؤديها عاملها بنفسه مثل الصلاة والصيام فيصلي المرء قائما ، فإن لم يقدر صلى جالسا أو مضطجعا ولا يصلي عنه غيره ، وإن لم يقدر على الصوم قضاه إذا قدر أو كفر ولم يصم عنه غيره وأجزأ عنه . قيل له إن شاء الله تعالى الشرائع تجتمع في معنى وتفترق في غيره بما فرق الله به عز وجل بينها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو بما اجتمعت عليه عوام المسلمين الذين لم يكن فيهم أن يجهلوا أحكام الله تعالى ، فإن قال : فادللني على ما وصفت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قيل له : إن شاء الله أخبرنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار عن ابن عباس { أن امرأة من خثعم [ ص: 124 ] سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته فهل ترى أن أحج عنه ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم نعم } قال سفيان هكذا حفظته عن الزهري وأخبرنيه عمرو بن دينار عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وزاد فقالت : يا رسول الله فهل ينفعه ذلك ؟ فقال : نعم مثل لو كان عليه دين فقضيته نفعه فكان فيما حفظ سفيان عن الزهري ما بين أن أباها إذا أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستمسك على راحلته أن جائزا لغيره أن يحج عنه ، ولد أو غيره ، وأن لغيره أن يؤدي عنه فرضا إن كان عليه في الحج إذا كان غير مطيق لتأديته ببدنه فالفرض لازم له ، ولو لم يلزمه لقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا فريضة على أبيك إذا كان إنما أسلم ولا يستطيع أن يستمسك على الراحلة إن شاء الله تعالى ، ولقال : لا يحج أحد عن أحد إنما يعمل المرء عن نفسه ثم بين سفيان عن عمرو عن الزهري في الحديث ما لم يدع بعده في قلب من ليس بالفهم شيئا فقال في الحديث { فقالت له : أينفعه ذلك يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم : كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه } وتأدية الدين عمن عليه حيا وميتا فرض من الله عز وجل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي إجماع المسلمين ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تأديتها عنه فريضة الحج نافعة له كما ينفعه تأديتها عنه دينا لو كان عليه ومنفعته إخراجه من المآثم وإيجاب أجر تأديته الفرض له كما يكون ذلك في الدين ، ولا شيء أولى أن يجمع بينهما مما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ونحن نجمع بالقياس بين ما أشبه في وجه ، وإن خالفه في وجه غيره ، إذا لم يكن شيء أشد مجامعة له منه فيرى أن الحجة تلزم به العلماء ، فإذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين ، فالفرض أن يجمع بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ، وفيه فرق آخر أن العاقل للصلاة لا تسقط عنه حتى يصليها جالسا إن لم يقدر على القيام أو مضطجعا أو موميا وكيفما قدر وأن الصوم إن لم يقدر عليه قضاه ، فإن لم يقدر على قضاء كفر ، والفرض على الأبدان مجتمع في أنه لازم في حال ثم يختلف بما خالف الله عز وجل بينه ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يفرق بينه بما يفرق به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض من هو دونهم ، فالذي يخالفنا ولا يجيز أن يحج أحد عن أحد يزعم أن من نسي فتكلم في صلاة لم تفسد عليه صلاته ، ومن نسي فأكل في شهر رمضان فسد صومه ويزعم أن من جامع في الحج أهدى . ومن جامع في شهر رمضان تصدق ومن جامع في الصلاة فلا شيء عليه ويفرق بين الفرائض فيما لا يحصى كثرة .

وعلته في الفرق بينها خبر وإجماع ، فإذا كانت هذه علته فلم رد مثل الذي أخذ به ؟ قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : { كان الفضل بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ فقال : نعم } ، وذلك في حجة الوداع

( قال الشافعي ) :
أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج قال قال ابن شهاب حدثني سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس { أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله عليه في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال : فحجي عنه } ( قال الشافعي ) : أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { وكل منى منحر ثم جاءت امرأة [ ص: 125 ] من خثعم فقالت : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير قد أفند وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها فهل يجزي عنه أن أؤديها عنه ؟ فقال : نعم } ( قال الشافعي ) : وفي حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان أن عليه أداءها إن قدر ، وإن لم يقدر أداها عنه فأداؤها إياها عنه يجزيه ، والأداء لا يكون إلا لما لزم ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت طاوسا يقول : { أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : إن أمي ماتت وعليها حجة فقال حجي عن أمك } أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء قال { سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : لبيك عن فلان فقال : إن كنت حججت فلب عنه وإلا فاحجج عنك } وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لشيخ كبير لم يحجج " إن شئت فجهز رجلا يحج عنك " .

( قال الشافعي ) :
ولو جهز من هو بهذه الحال رجلا فحج عنه ثم أتت له حال يقدر فيها على المركب للحج ويمكنه أن يحج لم تجز تلك الحجة عنه وكان عليه أن يحج عن نفسه ، فإن لم يفعل حتى مات أو صار إلى حال لا يقدر فيها على الحج وجب عليه أن يبعث من يحج عنه إذا بلغ تلك الحال أو مات ; لأنه إنما يجزي عنه حج غيره بعد أن لا يجد السبيل ، فإذا وجدها وجب عليه الحج وكان ممن فرض عليه ببدنه أن يحج عن نفسه إذا بلغ تلك الحال ، وما أوجب على نفسه من حج في نذر وتبرر فهو مثل حجة الإسلام وعمرته ، يلزمه أن يحج عن نفسه ويحجه عنه غيره ، إذا جاز أن يحج عنه حجة الإسلام وعمرته جاز ذلك فيما أوجب على نفسه .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #75  
قديم 25-11-2021, 04:29 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثانى -كتاب الحج
الحلقة (75)
صــــــــــ 126 الى صـــــــــــ130

باب الخلاف في الحج عن الميت

( قال الشافعي ) :
رحمه الله تعالى لا أعلم أحدا نسب إلى علم ببلد يعرف أهله بالعلم خالفنا في أن يحج عن المرء إذا مات الحجة الواجبة عنه إلا بعض من أدركنا بالمدينة وأعلام أهل المدينة والأكابر من ماضي فقهائهم تأمر به مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر علي بن أبي طالب وابن عباس به وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وابن المسيب وربيعة والذي قال لا يحج أحد عن أحد قاله ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه سوى ما روى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذلك ، أنه أمر بعض من سأله أن يحج عن غيره ثم ترك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتج له بعض من قال بقوله بأن ابن عمر قال لا يحج أحد عن أحد وهو يروي عن ابن عمر ثلاثة وستين حديثا يخالف ابن عمر فيها منها ما يدعه لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما يدعه لما جاء عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يدعه لقول رجل من التابعين ومنها ما يدعه لرأي نفسه فكيف جاز لأحد نسب نفسه إلى علم أن يحل قول ابن عمر عنده في هذا المحل ثم يجعله حجة على السنة ولا يجعله حجة على قول نفسه ؟ وكان من حجة من قال بهذا القول أن قال كيف يجوز أن يعمل رجل عن غيره وليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها بفرض الله عز وجل كيف والمسألة في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يسع عالما والله أعلم ، ولو جاز هذا لأحد جاز [ ص: 126 ] عليه مثله فقد يثبت الذي قال هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء بأضعف من إسناد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس أن يحج عن بعض وله في هذا مخالفون كثير منها القطع في ربع دينار ومنها بيع العرايا ، ومنها النهي عن بيع اللحم بالحيوان وأضعاف هذه السنن ، فكيف جاز له على من خالفه أن يثبت الأضعف ويرد على غيره الأقوى ؟ وكيف جاز له أن يقول بالقسامة وهي مختلف فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأكثر الخلق يخالفه فيها وأعطى فيها بأيمان المدعين الدم وعظيم المال ، وهو لا يعطي بها جرحا ولا درهما ولا أقل من المال في غيرها ، فإن قال ليس في السنة قياس ولا عرض على العقل فحديث حج الرجل عن غيره أثبت من جميع ما ذكرت وأحرى أن لا يبعد عن العقل بعدما وصفت من القسامة وغيرها ثم عاد فقال بما عاب من حج المرء عن غيره حيث لو تركه كان أجوز له وتركه حيث لا يجوز تركه فقال إذا أوصى الرجل أن يحج عنه حج عنه من ماله ، وأصل مذهبه أن لا يحج أحد عن أحد ، كما لا يصلي أحد عن أحد وقد سألت بعض من يذهب مذهبه فقلت : أرأيت لو أوصى الرجل أن يصلى أو يصام عنه بإجارة أو نفقة غير إجارة أو تطوع ، أيصام أو يصلى عنه ؟ قال : لا . والوصية باطلة فقلت له : فإذا كان إنما أبطل الحج ; لأنه كالصوم والصلاة فكيف أجاز أن يحج المرء عن غيره بماله له ولم يبطل الوصية فيه كما أبطلها ؟ قال أجازها الناس قلت : فالناس الذين أجازوها أجازوا أن يحج الرجل عن الرجل إذا أفند .

وإن مات بكل حال وأنت لم تجزها على ما أجازوها عليه مما جاءت به السنة ولم تبطلها إبطالك الوصية بالصوم والصلاة فلم يكن عنده فيها سنة ولا أثر ولا قياس ولا معقول ، بل كان عنده خلاف هذا كله وخلاف ما احتج به عن ابن عمر ، فما علمته إذ قال لا يحج أحد عن أحد استقام عليه ، ولا أمر بالحج في الحال التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه وعامة الفقهاء وما علمت من رد الأحاديث من أهل الكلام تروحوا من الحجة علينا إلى شيء تروحهم إلى إبطال من أبطل أصحابنا أن يحج المرء عن الآخر حيث أبطلها وأشياء قد تركها من السنن ولا شغب فيه شغبه في هذا ، فقلنا لبعض من قال ذلك : لنا مذهبك في التروح إلى الحجة بهذا مذهب من لا علم له أو من له علم بلا نصفة فقال : وكيف ؟ قلت أرأيت ما تروحت إليه من هذا أهو قول أحد يلزم قوله فأنت تكبر خلافه أو قول آدمي قد يدخل عليه ما يدخل على الآدميين من الخطأ ؟ قال : بل قول من يدخل عليه الخطأ قلنا فتركه بأن يحج المرء عن غيره حيث تركه مرغوب عنه غير مقبول منه عندما قال فهو من أهل ناحيتكم قلنا ، وما زعمنا أن أحدا من أهل زماننا وناحيتنا برئ من أن يغفل ، وإنهم لكالناس وما يحتج منصف على امرئ بقول غيره إنما يحتج على المرء بقول نفسه .
باب الحال التي يجب فيها الحج

( قال الشافعي ) :
رحمه الله ما أحب لأحد ترك الحج ماشيا إذا قدر عليه ولم يقدر على مركب رجل أو امرأة والرجل فيه أقل عذرا من المرأة ولا يبين لي أن أوجبه عليه لأني لم أحفظ عن أحد من المفتين أنه أوجب على أحد أن يحج ماشيا ، وقد روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا يجب المشي على أحد إلى الحج ، وإن أطاقه غير أن منها منقطعة ومنها ما يمتنع أهل العلم بالحديث من تثبيته ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال قعدنا [ ص: 127 ] إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول { : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما الحاج ؟ فقال الشعث التفل فقام آخر فقال : يا رسول الله أي الحج أفضل ؟ قال العج والثج فقام آخر فقال يا رسول الله ما السبيل ؟ فقال : زاد وراحلة } ( قال ) : وروي عن شريك بن أبي نمر عمن سمع أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { السبيل الزاد والراحلة } .
باب الاستسلاف للحج

أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سعيد بن سالم عن سفيان الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن { عبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج ؟ قال : لا }

( قال الشافعي ) :
ومن لم يكن في ماله سعة يحج بها من غير أن يستقرض فهو لا يجد السبيل ولكن إن كان ذا عرض كثير فعليه أن يبيع بعض عرضه أو الاستدانة فيه حتى يحج ، فإن كان له مسكن وخادم وقوت أهله بقدر ما يرجع من الحج إن سلم فعليه الحج ، وإن كان له قوت أهله أو ما يركب به لم يجمعهما فقوت أهله ألزم له من الحج عندي والله أعلم ، ولا يجب عليه الحج حتى يضع لأهله قوتهم في قدر غيبته .
ولو آجر رجل نفسه من رجل يخدمه ثم أهل بالحج معه أجزأت عنه من حجة الإسلام وذلك أنه لم ينتقض من عمل الحج بالإجارة شيء إذا جاء بالحج بكماله ولا يحرم عليه أن يقوم بأمر غيره بغير أن ينقض من عمل الحج شيئا كما يقوم بأمر نفسه إذا جاء بما عليه وكما يتطوع فيخدم غيره لثواب أو لغير ثواب ، أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال أو آجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى أجر ؟ فقال ابن عباس نعم { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } ، ولو حج رجل في حملان غيره ومؤنته أجزأت عنه حجة الإسلام ، وقد حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر حملهم فقسم بين عوامهم غنما من ماله فذبحوها عما وجب عليهم وأجزأت عنهم ، وذلك أنهم ملكوا ما أعطاهم من الغنم فذبحوا ما ملكوا ، ومن كفاه غيره مؤنته أجزأت عنه متطوعا أو بأجرة لم ينتقض حجه إذا أتى بما عليه من الحج ، ومباح له أن يأخذ الأجرة ويقبل الصلة ، غنيا كان أو فقيرا ، الصلة لا تحرم على أحد من الناس إنما تحرم الصدقة على بعض الناس ، وليس عليه إذا لم يجد مركبا أن يسأل ولا يؤاجر نفسه ، وإنما السبيل الذي يوجب الحج أن يجد المؤنة والمركب من شيء كان يملكه قبل الحج أو في وقته
باب حج المرأة والعبد
( قال الشافعي ) :
رحمه الله تعالى وإذا كان فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن السبيل الزاد والراحلة وكانت المرأة تجدهما وكانت مع ثقة من النساء في طريق مأهولة آمنة فهي ممن عليه الحج عندي والله أعلم ، وإن لم يكن معها ذو محرم ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستثن فيما يوجب الحج إلا الزاد والراحلة ، وإن لم تكن مع حرة مسلمة ثقة من النساء فصاعدا لم تخرج مع رجال لا امرأة معهم ولا محرم لها منهم ، وقد بلغنا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير مثل قولنا في أن تسافر المرأة للحج ، وإن لم يكن معها محرم ، أخبرنا مسلم عن ابن جريج قال سئل عطاء عن امرأة ليس [ ص: 128 ] معها ذو محرم ولا زوج معها ولكن معها ولائد وموليات يلين إنزالها وحفظها ورفعها ؟ قال : نعم . فلتحج

( قال الشافعي ) :
فإن قال قائل : فهل من شيء يشبه غير ما ذكرت ؟ قيل : نعم . ما لا يخالفنا فيه أحد علمته من أن المرأة يلزمها الحق وتثبت عليها الدعوى ببلد لا قاضي به فتجلب من ذلك البلد ولعل الدعوى تبطل عنها أو تأتي بمخرج من حق لو ثبت عليها مسيرة أيام مع غير ذي محرم إذا كانت معها امرأة وأن الله تعالى قال في المعتدات { : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } فقيل يقام عليها الحد ، فإذا كان هذا هكذا فقد بين الله عز وجل أنه لم يمنعها الخروج من حق لزمها ، وإن لم يكن هكذا وكان خروجها فاحشة فهي بالمعصية بالخروج إلى غير حق ألزم ، فإن قال قائل : ما دل على هذا ؟ قيل لم يختلف الناس فيما علمته أن المعتدة تخرج من بيتها لإقامة الحد عليها وكل حق لزمها ، والسنة تدل على أنها تخرج من بيتها للنداء كما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس ، فإذا كان الكتاب ثم السنة يدلان معا والإجماع في موضع على أن المرأة في الحال التي هي ممنوعة فيها من خروج إلى سفر أو خروج من بيتها في العدة إنما هو على أنها ممنوعة مما لا يلزمها ولا يكون سبيلا لما يلزمها وما لها تركه ، فالحج لازم وهي له مستطيعة بالمال والبدن ومعها امرأة فأكثر ثقة ، فإذا بلغت المرأة المحيض أو استكملت خمس عشرة سنة ولا مال لها تطيق به الحج يجبر أبواها ولا ولي لها ولا زوج المرأة على أن يعطيها من ماله ما يحجها به ( قال ) : ولو أراد رجل الحج ماشيا وكان ممن يطيق ذلك لم يكن لأبيه ولا لوليه منعه من ذلك ( قال ) ولو أرادت المرأة الحج ماشية كان لوليها منعها من المشي فيما لا يلزمها ( قال ) : وإذا بلغت المرأة قادرة بنفسها ومالها على الحج فأراد وليها منعها من الحج أو أراده زوجها ، منعها منه ما لم تهل بالحج ; لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله ، فإن أهلت بالحج بإذنه لم يكن له منعها ، وإن أهلت بغير إذنه ففيها قولان ، أحدهما أن عليه تخليتها ، ومن قال هذا القول لزمه عندي أن يقول : لو تطوعت فأهلت بالحج : أن عليه تخليتها من قبل أن من دخل في الحج ممن قدر عليه لم يكن له الخروج منه ولزمه ، غير أنها إذا تنفلت بصوم لم يكن له منعها ولزمه عندي في قوله أن يقول ذلك في الاعتكاف والصلاة .

والقول الثاني : أن تكون كمن أحصر فتذبح وتقصر وتحل ويكون ذلك لزوجها ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم ومسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال في المرأة تهل بالحج فيمنعها زوجها : هي بمنزلة الحصر .

( قال الشافعي ) :
وأحب لزوجها أن لا يمنعها ، فإن كان واجبا عليه أن لا يمنعها كان قد أدى ما عليه وأن له تركه إياها أداء الواجب ، وإن كان تطوعا أجر عليه إن شاء الله تعالى .
الخلاف في هذا الباب : ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى :
فذهب بعض أهل الكلام إلى معنى سأصف ما كلمني به ومن قال قوله ، فزعم أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه أن يحج فيه فتركه في أول ما يمكنه كان آثما بتركه ، وكان كمن ترك الصلاة وهو يقدر على صلاتها حتى ذهب الوقت ، وكان إنما يجزئه حجه بعد أول سنة من مقدرته عليه قضاء كما تكون الصلاة بعد ذهاب الوقت قضاء ، ثم أعطانا [ ص: 129 ] بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها ، فإن صلاها في الوقت ، وفيما نذر من صوم ، أو وجب عليه بكفارة أو قضاء ، فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره ثم قال في المرأة يجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي ولا أعرف فيه حجة إلا ما وصفت من مذهب بعض أهل الكلام .

( قال الشافعي ) :
وقال لي نفر منهم : نسألك من أين قلت في الحج للمرء أن يؤخره وقد أمكنه ؟ ، فإن جاز ذلك جاز لك ما قلت في المرأة ؟ قلت : استدلالا مع كتاب الله عز وجل بالحجة اللازمة ، قالوا فاذكرها ، قلت : نعم { نزلت فريضة الحج بعد الهجرة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحاج وتخلف هو عن الحج بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محاربا ولا مشغولا } ، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا كما تقولون لم يتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرض عليه ; لأنه لم يصل إلى الحج بعد فرض الحج إلا في حجة الإسلام التي يقال لها حجة الوداع ، ولم يدع مسلما يتخلف عن فرض الله تعالى عليه وهو قادر عليه ومعهم ألوف كلهم قادر عليه لم يحج بعد فريضة الحج { وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم في وقتين وقال ما بين هذين وقت } وقد أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعتمة حتى نام الصبيان والنساء ، ولو كان كما تصفون صلاها حين غاب الشفق وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما أقدر على أن أقضيه حتى شعبان وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يحل لامرأة أن تصوم يوما زوجها شاهد إلا بإذنه } .

( قال الشافعي ) :
فقال لي بعضهم : فصف لي وقت الحج ، فقلت الحج ما بين أن يجب على من وجب عليه إلى أن يموت أو يقضيه ، فإذا مات علمنا أن وقته قد ذهب ، قال : ما الدلالة على ذلك ؟ قلت ما وصفت من تأخير النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وكثير ممن معه وقد أمكنهم الحج ، قال : فمتى يكون فائتا ؟ قلت إذا مات قبل أن يؤديها أو بلغ ما لا يقدر على أدائه من الإفناد ، قال فهل يقضى عنه ؟ قلت : نعم . قال : أفتوجدني مثل هذا ؟ قلت : نعم . يكون عليه الصوم في كل ما عدا شهر رمضان ، فإذا مات قبل أن يؤديه وقد أمكنه ، كفر عنه ; لأنه كان قد أمكنه فتركه ، وإن مات قبل أن يمكنه لم يكفر عنه ; لأنه لم يمكنه أن يدركه قال : أفرأيت الصلاة ؟ قلت : موافقة لهذا في معنى ، مخالفة له في آخر قال : وما المعنى الذي توافقه ؟ فيه قلت : إن للصلاة وقتين أول وآخر ، فإن أخرها عن الوقت الأول كان غير مفرط حتى يخرج الوقت الآخر ، فإذا خرج الوقت قبل أن يصلي كان آثما بتركه ذلك وقد أمكنه ، غير أنه لا يصلي أحد عن أحد قال : وكيف خالفت بينهما ؟ قلت : بما خالف الله ثم رسوله بينهما ، ألا ترى أن الحائض تقضي صوما ولا تقضي صلاة ولا تصلي وتحج وأن من أفسد صلاته بجماع أعاد بلا كفارة في شيء منها ، وأن من أفسد صومه بجماع كفر وأعاد وأن من أفسد حجه بجماع كفر غير كفارة الصيام وأعاد ؟ قال : قد أرى افتراقهما فدع ذكره .

( قال الشافعي ) :
فإن قال قائل فكيف لم تقل في المرأة تهل بالحج فيمنعها وليها أنه لا حج عليها ولا دم إذ لم يكن لها ذلك ، وتقول ذلك في المملوك ؟ قلت إنما أقول لا حج عليها ولا دم على من كان لا يجوز له بحال أن يكون محرما في الوقت الذي يحرم فيه والإحرام لهذين جائز بأحوال أو حال ليسا ممنوعين منه بالوقت الذي أحرما فيه إنما كانا ممنوعين منه بأن لبعض [ ص: 130 ] الآدميين عليهما المنع ولو خلاهما كان إحراما صحيحا عنهما معا ، فإن قال : فكيف قلت ليهريقا الدم في موضعهما قلت : نحر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في الحل إذ أحصر ، فإن قال : ويشبه هذا المحصر ؟ قيل : لا أحسب شيئا أولى أن يقاس عليه من المحصر ، وهو في بعض حالاته في أكثر من معنى المحصر ، وذلك أن المحصر مانع من الآدميين بخوف من الممنوع فجعل له الخروج من الإحرام ، وإن كان المانع من الآدميين متعديا بالمنع ، فإذا كان لهذه المرأة والمملوك مانع من الآدميين غير متعد كانا مجامعين له في منع بعض الآدميين وفي أكثر منه ، من أن الآدمي الذي منعهما ، له منعهما

( قال الشافعي ) :
في العبد يهل بالحج من غير إذن سيده فأحب إلي أن يدعه سيده وله منعه ، وإذا منعه فالعبد كالمحصر لا يجوز فيه إلا قولان والله أعلم ، أحدهما : أن ليس عليه إلا دم لا يجزيه غيره فيحل إذا كان عبدا غير واجد للدم ومتى عتق ووجد ذبح ، ومن قال هذا في العبد قاله في الحر يحصر بالعدو وهو لا يجد شيئا يحلق ويحل ومتى أيسر أدى الدم . والقول الثاني : أن تقوم الشاة دراهم والدراهم طعاما ، فإن وجد الطعام تصدق به وإلا صام عن كل مد يوما والعبد بكل حال ليس بواجد فيصوم .

( قال الشافعي ) :
ومن ذهب هذا المذهب قاسه على ما يلزمه من هدي المتعة فإن الله عز وجل يقول { فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } فلو لم يجد هديا ولم يصم لم يمنعه ذلك من أن يحل من عمرته وحجه ويكون عليه بعده الهدي أو الطعام ، فيقال : إذا كان للمحصر أن يحل بدم يذبحه فلم يجده حل وذبح متى وجد أو جاء بالبدل من الذبح إذا كان له بدل ولا يحبس للهدي حراما على أن يحل في الوقت الذي يؤمر فيه بالإحلال ، وقاسه من وجه آخر أيضا على ما يلزمه من جزاء الصيد فإن الله تعالى يقول : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } فيقول : إن الله عز وجل لما ذكر الهدي في هذا الموضع وجعل بدله غيره ، وجعل في الكفارات أبدالا ، ثم ذكر في المحصر الدم ولم يذكر غيره كان شرط الله جل ثناؤه الإبدال في غيره مما يلزم ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسرا دليلا على ما أنزل مجملا فيحكم في المجمل حكم المفسر كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل ، مثلها رقبة في الظهار ، وإن لم يذكر مؤمنة فيه ، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولا وذكروا في موضع آخر فلم يشترط فيهم العدول : هم عدول في كل موضع على ما شرط الله تعالى في الغير حيث شرطه ، فاستدللنا والله أعلم على أن حكم المجمل حكم المفسر إذا كانا في معنى واحد ، والبدل ليس بزيادة وقد يأتي موضع من حكم الله تعالى لا نقول هذا فيه : هذا ليس بالبين أن لازما أن نقول هذا في دم الإحصار كل البيان وليس بالبين وهو مجمل والله أعلم .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 175.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 172.09 كيلو بايت... تم توفير 3.71 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]