|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من آداب المجالس (1) أ. د. زكريا محمد هيبة الاستئذان: الاستئذان من القيم الاجتماعية الرفيعة التي تُظهر حسن الخلق وسموّ النفس، فهو أدبٌ يدلّ على احترام خصوصيات الآخرين ومراعاة مشاعرهم. حين يستأذن الإنسان قبل الدخول أو قبل الحديث أو قبل استخدام ما ليس له، فإنه يُعبّر عن تربيته الراقية ووعيه بحقوق غيره. كيف لا، وهو يُشيع المودّة والاحترام بين الناس، ويمنع الحرج وسوء الفهم، كما أنه يُعزّز النظام والذوق العام في المجتمع. إنه سلوك بسيط في ظاهره، عظيم في أثره، يجمع بين الأدب والدين، ويُعبّر عن وعي الإنسان بحقوق الآخرين وتهذيبه في التعامل معهم. وقد شُرع الاستئذان ليبقى البيت سكنًا لصاحبه، يأوي إليه لراحته، ويستقر فيه لينجز عملًا، أو يخلو لفكرة، أو لعبادة، أو يطلب علمًا، أو يرعى أهلًا. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[1]. فالبيوت ممنوع دخولها بموجب هذه الآية؛ سواء أكانت مفتوحة أم مغلقة، فقد أغلقها الله بتحريم دخولها، وجعل الإذن من قاطنها أو مالكها[2] ولو تُرك الأمر على عواهنه بلا ضابط لأصبح وقت صاحب الدار مستباحًا لكل طارق؛ فتفوت مصالحه، وتضطرب أحواله، ويتشتت أمره. ولهذا، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "لا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان بموجب هذه الآية"[3]. وقال المالكية: إن الاستئذان واجب، وأنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيتًا لغيره حتى يستأذن أهله، سواء أكان المستأذن قريبًا للمستأذَن عليه أم أجنبيًا عنه. وهو مجمع على وجوبه، فمن تركه فهو عاصٍ لله ورسوله، ومن جحده فإنه يكفر لأنه ورد الأمر به في القرآن الكريم[4]. وسبب النزول أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال؛ فنزلت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا...... الآية ﴾[5]. وقد كان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يدخل بيتًا غير بيته يقول: حييتم صباحًا، حييتم مساءً، فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف[6]. وواضح أن هذا السلوك البدائي والتصرف الطفولي كان في مسيس الحاجة إلى ضابط يرتفع بهذه السلوكيات من وضعها البهيمي المبتذل، وهمجيتها البدائية، إلى الارتباط بالسماء، حيث مهبط الوحي، ذاك المعين النقي الصافي. ولربما قال قائل: إنه لا يوجد في الآية طلب الإذن! وما فيها هو الاستئناس والتسليم "حتى تستأنسوا وتسلموا" فأين الاستئذان؟ والمتمعن في الآية يلحظ ملمحًا في غاية الروعة، إذ أن الاستئناس لا يحدث إلا بعد الاستئذان. فلو أن شخصًا اقتحم عليك بيتك بلا إذن لاستوحشته، ولما رغبت فيه مهما كانت مكانته في قلبك. والاستئناس ما يفعله الزائر ليلتمس الأنس والرغبة، وهل هو مقبول في زيارته أم لا، وهل سيقابل بالبشر والبشاشة والترحاب الجميل؟ أم سيكون العبوس والتجهم أول ما يقابل به؟ وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ "حتى تستأذنوا وتسلموا" وقال: إنها خطأ من الكاتب[7]. وهذا القول وإن كان فساده بيّن، إلا أنه يؤكد أن معنى الاستئناس هو الاستئذان. والاستئذان يكون بالكلام أو التكبير أو التحميد والتسبيح والتنحنح، وغير ذلك. والإذن يكون بفتح الباب، أو الرد عليه، وطلب دخوله. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذنك عليّ أن يرفع الحجاب"[8]. وإذا كان الملمح الأهم للاستئذان هو النظر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر"[9]. فهذا لا يعفي الأعمى من الاستئذان؛ فقد يدرك بحسه وحدسه ما لا يخطر ببال المبصر فيشم ما لا يراد شمه، أو يسمع ما لا حق له في سماعه. ولكن... هناك كثير من الأماكن يكون من المشقة الاستئذان فيها، كالمطاعم والفنادق والمحال التجارية... فهل يُستلزم الاستئذان فيها؟ ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾[10]. قيل هي بيوت التجار كالحانات ومنازل الأسفار وغيرها[11]. [1] النور: 27. [2] أوضح التفاسير: 427. [3] الآداب الشرعية والمنح المرعية: 394. [4] الأدب الضائع: 18. [5] تفسير ابن كثير: 3/ 136. [6] روح المعاني: 18/ 136. [7] جامع البيان في تفسير القرآن: 18/ 87. [8] مسلم: 2169. [9] البخاري: 6241. [10] النور: 29. [11] تفسير ابن كثير: 3/ 272.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
من آداب المجالس (2) أ. د. زكريا محمد هيبة الاستئذان فقد يكون أصحاب البيت غير مُهيَّئين لاستقبال أحد، ولربما يكونون في استقبال شخص آخر يؤدي وجودك معه إلى تصادُم فتتسبَّب في حرج لصاحب البيت؛ ومِنْ ثمَّ يكون رجوعُك أفضلَ. فلا يضيق صدرُك عليهم حنقًا، ولا ينطق لسانُك بهم فجرًا؛ لردِّهم إياك. فهذا الردُّ مع صفاء القلب خيرٌ ألفَ مرةٍ من استقبالك، ثم ما تلبث العلاقة بينكم أن تهتزَّ. قال رجل من المهاجرين: "لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما استأذنت على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ [النور: 28] [1]. الاستئذان ثلاث: يظنُّ البعض- خطأً- أن الاستئذان مفتوح، أي إن المستأذِن يظل يطرق البيت أو يُنادي على مَن فيه حتى يخرج له أحَدٌ فيُجيبه بالإيجاب أو السلب، الدخول أو الرجوع! وهذا فهم خاطئ. وإنما عليك أن تُنادي ثلاثَ مراتٍ، أو تطرق ثلاثَ طرقاتٍ مُتفرِّقات، أو تضغط على الجرس مرةً ثم مرةً ثم مرةً، فإذا فُتِح لك، وإلَّا فانصرف. عن أبي سعيد الخُدْري- رضي الله عنه- قال: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت. فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع". فقال: والله لتقيمن عليه بيِّنة. أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أُبيُّ بنُ كعب: والله، لا يقوم معك إلا أصغرُ القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال ذلك [2]. وقد ذكر أبو حيَّان أنه لا يزيد على الثلاث، إلا إذا تحقَّق أنَّ مَنْ بالبيت لم يسمع [3]. وعن قتادة- رضي الله عنه- الاستئذان ثلاثة: الأولى يسمع الحي، والثانية ليتأهَّبوا، والثالثة إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردُّوا [4]. وحينما يُنادي البعض على زائره ينادي ثلاث مرات متتاليات، فتكون كالمرَّة، وعليه- أي المستأذِن- أن ينتظر بين كل مرة وأخرى. ومدة الانتظار بين كل استئذان كما يقول الحنفية مقدار المتوضئ أو المصلي أربع ركعات [5]. ومن الطرائف في هذا الباب، أن رجلًا جاء إلى إبراهيم النخعي، فقال: أهنا أبا عمران؟ وإبراهيم يسمع. ثم قال: أهنا أبي عمران؟ فقال له إبراهيم: قل الثالثة وادخل. أي: إنه لحن في الأولى والثانية، ويريده أن يصيب في الثالثة. لا تكن مزعجًا: يُعَد إزعاج الناس بالنداء عليهم بصوت مرتفع أو في غير موضعه سلوكًا غير لائق ومخالفًا لآداب التعامل الرفيع. فالإنسان المهذَّب يختار كلماته ونبرات صوته بعناية، ويحرص على ألَّا يُؤذي سمع غيره أو يُثير ضيقَهم. وقد ذمَّ الله- تعالى- الذين ينادون النبي- صلى الله عليه وسلم- من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحجرات: 4]، ثم أرشد الله- تعالى- إلى الأدب في ذلك، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 5] [6]. فليكن النداء بلُطْف حتى لا يزعج من بالداخل، ولا يُسبِّب قَلَقًا للجيران. ولا تقرع الباب بعنف، فهذا من سوء الطبع وجفاء النفس، فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن أبواب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانت تُقرع بالأظافر [7]. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ [النور: 28]، وإذا نهى عن ذلك لكراهته وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليه من قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذَّب من أكثر الناس [8]. لا تقل أنا: يُكره أن يُقال: "أنا" حينما يقول صاحب البيت: مَن الطارق؟ لأن هذه اللفظة "أنا" لا يُعرف صاحبُها حتى يفصح باسمه أو كُنْيته التي هو مشهور بها، وإلَّا فكُلُّ شخص يُعبِّر عن نفسه "أنا"، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به [9]. فعن جابر- رضي الله عنه- قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- في دَيْنٍ كان على أبي، فدققت الباب، فقال: مَنْ ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا، أنا. كأنه كرِهها [10]. ومن الطريف، أن علي بن عاصم الواسطي قال: قدمت البَصْرة، فأتيت منزل شعبة، فدققت الباب عليه، فقال: مَن هذا؟ فقلت: أنا. فقال: يا هذا، ما لي صديق يقال له أنا [11]. وروى أحمد بن يحيى، دقَّ رجل على آخر الباب، فقال: من ذا؟ قال: هأنذا. قال: يا هأنذا ادخل. قال: فبقي لقب الرجل هأنذا! [12]. ولكن... لماذا كره قول "أنا"؟ ذكر ابن الجوزي- رحمه الله- أن السبب في كراهة قول "أنا" أن فيها نوعًا من الكبر، كأن قائلها يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أذكر اسمي ولا نسبي [13]. فالمتكبِّر تكون أنا محور اهتمامه، وعليها يدور الكلام، قال- تعالى-: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34]، فالكلام جميعه مبني على لفظة "أنا" بحيث لو أسقطت من السياق لما استقام المعنى، وهذا شأن المتكبِّر في كل وقت. فعلى من يطرق باب غيره أن يذكر اسمَه أو كنيتَه، أو يُعرِّف بنفسه بأي شكل من الأشكال، بحيث يتعرَّف مَن بالداخل عليه. فعن أبي ذرٍّ قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفتْ فرآني. فقال: مَن هذا؟ فقلت: أبو ذرٍّ [14]. والشيء نفسه فعلته أم هانئ- رضي الله عنها- حينما ذهبت إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة- رضي الله عنها- تستره بثوب، فسلمت، فقال: من هذا؟ قال: أم هانئ [15]. [1] جامع البيان في تفسير القرآن: 18/ 89. [2] البخاري: 6245. [3] روح المعاني: 18/ 135. [4] مفاتيح الغيب: 12/ 172. [5] حاشية ابن عابدين: 5/ 265. [6] تفسير ابن كثير: 4/ 209. [7] الأدب المفرد للبخاري: 1080، السلسلة الصحيحة: 2092. [8] تفسير القاسمي: 12/ 4502. [9] تفسير القاسمي: 12/ 4503. [10] البخاري: 6250. [11] الأدب الضائع: 62. [12] الأدب الضائع: 63. [13] فتح الباري: 11/ 40. [14] البخاري: 6443. [15] صحيح سنن النسائي للألباني: 225، إرواء الغليل: 464.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |