ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   من آداب المجالس (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=328542)

ابوالوليد المسلم 17-06-2026 02:10 PM

من آداب المجالس
 
من آداب المجالس (1)

أ. د. زكريا محمد هيبة
الاستئذان:
الاستئذان من القيم الاجتماعية الرفيعة التي تُظهر حسن الخلق وسموّ النفس، فهو أدبٌ يدلّ على احترام خصوصيات الآخرين ومراعاة مشاعرهم. حين يستأذن الإنسان قبل الدخول أو قبل الحديث أو قبل استخدام ما ليس له، فإنه يُعبّر عن تربيته الراقية ووعيه بحقوق غيره. كيف لا، وهو يُشيع المودّة والاحترام بين الناس، ويمنع الحرج وسوء الفهم، كما أنه يُعزّز النظام والذوق العام في المجتمع. إنه سلوك بسيط في ظاهره، عظيم في أثره، يجمع بين الأدب والدين، ويُعبّر عن وعي الإنسان بحقوق الآخرين وتهذيبه في التعامل معهم.

وقد شُرع الاستئذان ليبقى البيت سكنًا لصاحبه، يأوي إليه لراحته، ويستقر فيه لينجز عملًا، أو يخلو لفكرة، أو لعبادة، أو يطلب علمًا، أو يرعى أهلًا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[1].

فالبيوت ممنوع دخولها بموجب هذه الآية؛ سواء أكانت مفتوحة أم مغلقة، فقد أغلقها الله بتحريم دخولها، وجعل الإذن من قاطنها أو مالكها[2]

ولو تُرك الأمر على عواهنه بلا ضابط لأصبح وقت صاحب الدار مستباحًا لكل طارق؛ فتفوت مصالحه، وتضطرب أحواله، ويتشتت أمره.

ولهذا، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "لا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان بموجب هذه الآية"[3].

وقال المالكية: إن الاستئذان واجب، وأنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيتًا لغيره حتى يستأذن أهله، سواء أكان المستأذن قريبًا للمستأذَن عليه أم أجنبيًا عنه. وهو مجمع على وجوبه، فمن تركه فهو عاصٍ لله ورسوله، ومن جحده فإنه يكفر لأنه ورد الأمر به في القرآن الكريم[4].

وسبب النزول أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال؛ فنزلت ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا...... الآية ﴾[5].

وقد كان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يدخل بيتًا غير بيته يقول: حييتم صباحًا، حييتم مساءً، فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف[6].

وواضح أن هذا السلوك البدائي والتصرف الطفولي كان في مسيس الحاجة إلى ضابط يرتفع بهذه السلوكيات من وضعها البهيمي المبتذل، وهمجيتها البدائية، إلى الارتباط بالسماء، حيث مهبط الوحي، ذاك المعين النقي الصافي.

ولربما قال قائل: إنه لا يوجد في الآية طلب الإذن! وما فيها هو الاستئناس والتسليم "حتى تستأنسوا وتسلموا" فأين الاستئذان؟

والمتمعن في الآية يلحظ ملمحًا في غاية الروعة، إذ أن الاستئناس لا يحدث إلا بعد الاستئذان. فلو أن شخصًا اقتحم عليك بيتك بلا إذن لاستوحشته، ولما رغبت فيه مهما كانت مكانته في قلبك.

والاستئناس ما يفعله الزائر ليلتمس الأنس والرغبة، وهل هو مقبول في زيارته أم لا، وهل سيقابل بالبشر والبشاشة والترحاب الجميل؟ أم سيكون العبوس والتجهم أول ما يقابل به؟

وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ "حتى تستأذنوا وتسلموا" وقال: إنها خطأ من الكاتب[7].

وهذا القول وإن كان فساده بيّن، إلا أنه يؤكد أن معنى الاستئناس هو الاستئذان.

والاستئذان يكون بالكلام أو التكبير أو التحميد والتسبيح والتنحنح، وغير ذلك. والإذن يكون بفتح الباب، أو الرد عليه، وطلب دخوله.

قال ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذنك عليّ أن يرفع الحجاب"[8].

وإذا كان الملمح الأهم للاستئذان هو النظر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر"[9].

فهذا لا يعفي الأعمى من الاستئذان؛ فقد يدرك بحسه وحدسه ما لا يخطر ببال المبصر فيشم ما لا يراد شمه، أو يسمع ما لا حق له في سماعه.

ولكن...

هناك كثير من الأماكن يكون من المشقة الاستئذان فيها، كالمطاعم والفنادق والمحال التجارية... فهل يُستلزم الاستئذان فيها؟

﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ [10]. قيل هي بيوت التجار كالحانات ومنازل الأسفار وغيرها[11].

[1] النور: 27.

[2] أوضح التفاسير: 427.

[3] الآداب الشرعية والمنح المرعية: 394.

[4] الأدب الضائع: 18.

[5] تفسير ابن كثير: 3/ 136.

[6] روح المعاني: 18/ 136.

[7] جامع البيان في تفسير القرآن: 18/ 87.

[8] مسلم: 2169.

[9] البخاري: 6241.

[10] النور: 29.

[11] تفسير ابن كثير: 3/ 272.









الساعة الآن : 11:56 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 7.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 7.57 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.22%)]