|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
آية الصيام وإشكالية التقدير.. هل المحذوف «مفعول به» أم «حال»؟ (رؤية متجددة) د. رمضان فوزي تُعد آية الصيام في سورة البقرة: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185)، من المواضع التي اشتبك فيها التوجيه النحوي بالاستنباط الفقهي؛ فالفعل «شهد» من الأفعال المتعدية التي تحتاج إلى نصب مفعول به، وكلمة «الشهر» في الظاهر هي الأقرب أن تكون هي المفعول به. لكن درج جمهرة المفسرين ومعربي القرآن على إخراج كلمة «الشهر» من باب المفعول به وإعرابها «ظرفًا للزمان»، والعلة في ذلك عندهم هي التحرز من شمول الحكم لكل من حضر الزمان؛ إذ إن الشهر يشهده المسافر والمقيم على حد سواء. ومن أشهر من نبه إلى ذلك المبرد في كتابه «المقتضب»، حيث عقد مقارنة بين المجاز النحوي والحقيقة الواقعية قائلًا: «من الآيات التي ربما يغلط في مجازها النحويون قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، والشهر لا يغيب عنه أحد، ومجاز الآية: فمن كان منكم شاهدَ بلده في الشهر فليصمه». وسار الزمخشري في «الكشاف» على هذا النهج التحليلي، مؤكدًا أن انتصاب «الشهر» على الظرفية هو الذي يستقيم به المعنى الفقهي، إذ قال: «الشهر منتصب ظرفًا لا مفعولًا به، وكذلك الضمير في «فَلْيَصُمْهُ»، والمعنى: فمن شهد منكم في الشهر فليصم فيه، يعني: فمن كان منكم مقيمًا حاضرًا لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبته مفعولًا فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر، لا يشهده المقيم، ويغيب عنه المسافر». وقد عزز ابن عطية في «المحرر الوجيز» هذا التوجه من زاوية لزوم الحكم واستحالة تكليف المسافر، موضحًا: «فنصب الشَّهْرَ على أنه ظرف، والتقدير: فمن شهد منكم المصر في الشهر، ولو كان الشهر مفعولًا للزم الصوم للمسافر؛ لأن شهادته للشهر كشهادة المقيم». إذن، يتفق هؤلاء الأعلام من النحاة والمفسرين على أن المفعول به محذوف تقديره المصر أو البلد، وأن «الشهر» ظرف زمان لهذا الحضور. فجوة دلالية في تقدير حذف المفعول به على الرغم من تضافر هذه الآراء، فقد بدا لي أن هناك فجوة دلالية تظهر عند تطبيق هذا التقدير على كامل السياق القرآني، فإذا قدرنا المحذوف بالمصر أو البلد لغرض إخراج المسافر من الوجوب، فإن هذا التقدير يوقعنا في إشكال مع المريض؛ فالمريض شاهدٌ للمصر، مقيمٌ فيه، ومع ذلك فإن الآية رخصت له الفطر في قوله تعالى: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). فقصر المحذوف على المكان يجعل الآية توجب الصيام على المريض المقيم في صدرها، ثم تعود لترخص له في عجزها، وهذا تدافع يمكن تجنبه بتقديرٍ أعم يشمل الهيئة لا المكان فقط. من هنا بدا لي تقدير آخر وهو أن يكون «الشهر» هنا مفعولاً به، وأن يكون المحذوف حالاً متعددة؛ فيكون المعنى «فمن شهد منكم الشهر سليماً مقيماً فليصمه». وقد أثار هذا التقدير إشكالاً آخر وهو جواز حذف الحال حيث نص بعض النحاة على أن حذف الحال لا يحسن؛ لأن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها، وما طريقه طريق التوكيد غير لائق به الحذف، كما ذكر ابن جني في «الخصائص»، وهذا يقتضي وقفة مع آراء النحاة. حذف الحال بين المنع النحوي والجواز الدلالي الأصل في الحال أنها «فضلة» يجوز حذفها، لكن النحاة وضعوا قيودًا لجواز هذا الحذف؛ ومن ذلك قول ابن مالك في «شرح التسهيل»: «ويجوز حذف الحال ما لم تنُب عن غيرها، أو يتوقف المراد على ذكرها»، وذكر السيوطي في «همع الهوامع في شرح جمع الجوامع»: «الأَصْل فِي الْحَال أَن تكون جَائِزَة الْحَذف، وَقد يعرض لَهَا مَا يمْنَع مِنْهُ ككونها جَوَابا نَحْو «رَاكِبًا» لمن قَالَ: كَيفَ جِئْت؟ أَو مَقْصُوداً حصرها نَحْو لم أعده إِلَّا حرضاً، أَو نائبة عَن خبر نَحْو ضربي زيداً قَائِماً عَن اللَّفْظ بِالْفِعْلِ نَحْو: هَنِيئًا لَك أَو مَنْهِيّا عَنهُ نَحْو: (لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى) (النِّسَاء: 43)، (وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا) (لُقْمَان: 18)». وقد ظللت في هذه الحيرة بين القول بجواز حذف الحال في هذه الآية وحذف المفعول –رغم ما أثاره من إشكال لديَّ وهو إخراج المريض من رخصة الإفطار- حتى وقفت على رأي صريح للعبقري ابن جني في هذا الموضوع تحديداً، بعدما ذكر الرأي الذي نقلته عنه سابقاً في عدم استحسان حذف الحال؛ إذ يقول: «.. فأمَّا ما أجزناه من حذف الحال في قول الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أي: فمن شهده صحيحًا بالغًا؛ فطريقه أنه لما دلت الدلالة عليه من الإجماع والسُّنّة جاز حذفه تخفيفًا، وأما لو عريت الحال من هذه القرينة وتجرَّد الأمر دونها لما جاز حذف الحال على وجه». ولما وقفت على رأي ابن جني هذا اطمأن قلبي لهذا الترجيح وهو أن المحذوف هنا الحال وليس المفعول، لكن أختلف معه في تقدير هذه الحال فهو قدرها حالاً مركبة «صحيحًا بالغًا» لكني أرى أن الأولى أن تكون الحال المحذوفة هنا هي «صحيحًا مقيمًا»؛ فيكون التقدير المقترح: «فمن شهد منكم الشهر صحيحًا مقيمًا فليصمه». وهذه الرؤية تدعمها معطيات لغوية وسياقية قوية: أولاً: المطابقة البنيوية: فتقدير «صحيحًا مقيمًا» يمثل الوجه المقابل تمامًا للأعذار المذكورة لاحقًا في الآية نفسها (مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ) (البقرة: 184)؛ ففي البلاغة القرآنية تقتضي حذف المعلوم وتفصيل المجهول؛ فكان حذف شروط الوجوب (البلوغ) لأنه معلوم بالضرورة، بينما فُصلت الأعذار (المرض والسفر) لبيان الرخصة. ثانياً: أصالة المفعولية وسلامة الضمير: عند إعراب «الشهر» مفعولاً به، يظل الضمير في «فليصمه» متصلاً بفعله اتصالاً مباشرًا على الأصل في التعدي، أما القول بالظرفية فيوجب تقدير حرف جر محذوف (أي: فليصم فيه)، والقاعدة النحوية تقرر أن الحمل على الظاهر أولى من التقدير، وأن الأصل في الكلام الاتصال لا الحذف. ثالثاً: توسيع مفهوم الشهود: «شهد» لغويًا تعني الحضور والعلم، وحضور الزمان (الشهر) هو مفعول به حقيقي للمكلف، وتقييد هذا الحضور بالصحة والإقامة هو الذي ينضبط به الحكم الشرعي دون الحاجة للهروب إلى تقدير «المصر». وهكذا، فإن العدول عن تقدير المفعول به (المصر) إلى تقدير الحال (صحيحًا مقيمًا) يرفع التكلف عن التوجيه النحوي، ويجعل النص القرآني منسجمًا في نظام واحد؛ فبدل أن نقدّر اسمًا غريبًا عن اللفظ (المصر أو البلد)، نقدّر «هيئة» دل عليها العقل والنقل والسياق، وهذا هو مكمن الإعجاز؛ حيث يُحذف من الكلام ما هو ثابت في الأذهان؛ ليظل التركيز على الحكم وعموميته، مع الاحتفاظ بمرونة اللغة التي تسمح لـ«الشهر» أن يكون هو المشهود حقيقةً، وصيامه هو الغاية.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |