ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشارات قرآنية إلى الانتفاع بالثروات الطبيعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          The interpretation of Surat Al Masad (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          تفسير سورة المسد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          The stance of the Glorious Qur'an from luxury and the sybarites (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          موقف القرآن الكريم من الترف والمترفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الشيخ عبدالحميد بن باديس ونموذج صحافة الكفاح الوطني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          من أعلام أئمة الهدي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 41 )           »          سباق النانومترات.. كيف ستغير الرقائق متناهية الصغر أداء هاتفك القادم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          لماذا يصعب فتح علب الآيفون؟.. سر "ثواني الانتظار" التي صممها ستيف جوبز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          الذكاء الاصطناعي يحارب نفسه.. أدوات مبتكرة لكشف التزييف العميق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-06-2026, 04:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان


ذكر الله -عزّ وجلّ- كلمة (الإنسان) في (56) آية من كتابه العزيز في معظمها ذم لأخلاقه وتصرفاته.
- وماذا عن كلمة (ناس)؟!
- (الناس) في القرآن ورد عامة دون مدح أو ذم في مواضع كثيرة، أما الكلمة فقد وردت (172) مرة، ولكن (الإنسان) يذكر الله خُلقاً أو تصرفاً له، ثم يستثنى: (الذين آمنوا) أو (المصلين)؛ مما يدفع المؤمن أن يتحلى بالأخلاق الحميدة ولا يجعل عذره (الغالبية)، أو (أكثر الناس)؛ لأن النجاة لا تكون باتباع (الأكثر)، بل (الأصلح).
- وما أخلاق الإنسان التي ذمها القرآن؟
- استطيع أن أذكر بعضها، مثلا:
- اللجوء إلى الله في الشدة والغفلة عنه في الرخاء.
- العجلة في الأمور.
-المجادلة بغير حق.
- اليأس والقنوط بسرعة.
- كفر النعم وعدم أداء حق شكرها.
- شدة حب المال.
- ظلوم، قتور.
- كثير الغدر.
قاطعني، كل هذا ذكر في القرآن؟!
- نعم، استمع لبعض الآيات.
{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (يونس:12).
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} (الزمر:8).
المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء؛ فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً مجتهداً في ذلك الدعاء طالباً من الله -تعالى- إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف -تعالى- عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله -تعالى- لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله -تعالى- ذلك تنبيهاً على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابراً عند نزول البلاء شاكراً عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية. حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، عن رسول الله صلى الله لعيه وسلم أنه قال : «من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء» (صححه الألباني).
- وهل هذا التصرف جبلّي (فطري) أم مكتسب؟!
- إن الله لا يذم الإنسان لفطرة فطره عليها؛ فإن ابن آدم فطر على الخير، وإنما يذمه على أخلاق وتصرفات سيئة اكتسبها بسبب الغفلة والإعراض عن الله، وتزيين الشيطان، وفي هذه الآيات ذكر الله كلمة (مسّّ) بالنسبة للضر، و(المس) أولى درجات اللمس، وكأن الضر لم يتمكن منه.
- بل مجرد مسه، وكذلك في النعمة، يقول تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ} (هود:9)، (أذقنا)، و(الإذاقة) مجرد بداية الأكل بالتعرف عليه بطرف اللسان.
وذلك أن أحداث الدنيا، لا تتعدى (المس والإذاقة)، وهذه بدايات المصائب والنعم، أما المصائب الحقيقة والنعم الحقيقية فهي في الآخرة.
دخل الاستراحة طالبان عن أحد الزملاء، لم يكن موجوداً في مكتبه، ولم نكن نعرف عنه شيئا فغادرا، وتابعنا الحديث.
- إن المؤمن يستثنى من هذه القاعدة التي ذكرها الله عن الإنسان في السراء والضراء وذلك من باب العقيدة، المؤمن لديه عقيدة وهي أن الدنيا دار ابتلاء بحلوها ومرها؛ ولذلك لا يغتر إذا أتته النعمة، ولا ينهار إذا حلت به مصيبة، وحاله كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم .
عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عجبا لأمر المؤمن! كله خير، وليس لأحد إلا للمؤمن، إذا أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإذا أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» مسلم.
المؤمن في ذكر دائم لله، دائم على صلاته، يحافظ عليها، يشكر نعم الله بقلبه، ولسانه، ويصرفها في مرضاة الله، وإذا أصابته المصيبة، ولا بد من المصيبة والبلاء، صبر، وازداد إقبالا على الله؛ لأنه يعلم أن المصيبة نتيجة الذنب في الغالب: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى:30)، فإذا انجلت المصيبة ازداد إقبالا على الله وتقويما لنفسه، هكذا هي عقيدة المؤمن وتصرفاته، في السراء والضراء وليس كتصرفات (الإنسان) التي ذمها الله.



اعداد: د. أمير الحداد






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-06-2026, 11:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (2)


يقول تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود:9-11).
في هذه الأيات يبين الله حالة (الإنسان) وما فيه من الصفات الذميمة، فإنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفر وجحود لما في الحال كأنه لم ير خبراً قط، وفي معنى آخر أن هذا الإنسان يكون في حال حصول النعمة كافرا، وفي حال زوالها يؤوسا، والحالة الثانية أنه إذا حصلت له نعمة بعد مصيبة يفرح ويبطر، اعتقادا وقولا وعملا يفرح بقلبه، ويقول زورا (ذهب السيئات عني)، رغم أنه لم يرجع إلى الله، ولم يتب ولم يأت بالصالحات، وعمداً يتعالى ويفخر على عباد الله.
كنت في مجلس بين العشاءين، يجتمع فيه رواد المسجد عند أبي ناصر لتناول عشاء خفيف، لبيت دعوتهم بشرط ألا ألتزم كل ثلاثاء.
- تفسير جميل، يحصل جزء منه عند كثير منا نحن، المصلين.
كان المتحدث (أبوفيصل).
- كلا يا أبا فيصل، هذا حال الكافر، إن فرح المؤمن بالنعم مطلوب، بل يسجد لله شكرا على نعمه، ولكنه لا يفعل كل ما ذكر حال حصول النعمة، وسلبها.
تابعت حديثي من وريقات كنت قد جمعتها من تفاسير عدة.
- (فرح فخور) يتكبر على خلق الله، أشرا وبطرا.
وفي تفسير الطبري: «ولئن أذقنا الإنسان منا رخاء وسعة في الرزق والعيش فبسطنا عليه من الدنيا وهي (الرحمة) - في هذا الموضع- ثم سلبناه ذلك فأصابته مصائب أهلكته يظل قنطا من رحمة الله آيسا من الخير».
ثم استثنى -جل ثناؤه- من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: «الذين صبروا وعملوا الصالحات». وإنما جاز استثناؤهم منه؛ لأن (الإنسان) بمعنى الجنس ومعنى الجمع. وهو كقوله: {وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، (العصر: 1 - 3 ).
فقال تعالى ذكره: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات}، فإنهم إن تأتهم شدة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه. فإن نالوا فيها رخاء وسعة، شكروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: {أولئك لهم مغفرة} يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم (وأجر كبير)، يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثواب على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيل، وجزاء عظيم.
وفي تفسير آخر أن حال هؤلاء الذين استثناهم الله -عزّ وجل- (صبروا) في حال المصيبة، و(عملوا الصالحات) حال النعمة، فبشرهم الله بمغفرة ذنوبهم التي لم يتوبوا منها، والجنة، وهو (الأجر الكبير).
في هذه الآيات فوائد ينبغي التنبه لها، منها:
- أن النعم من عند الله؛ لابتلاء ابن آدم.
- عدم اليأس حال زوال النعمة.
- عدم الكفر حال وجود النعمة.
- إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب.
- عدم الفرح بنعم الدنيا فرح أشر وبطر.
- عدم ذكر النعمة تفاخرا وتكبرا على خلق الله.
- الصبر عند الشدة، والاستقامة عند النعمة.
- الصبر والشكر يكفران الذنوب ويورثان الجنة بإذن الله.



اعداد: د. أمير الحداد





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-06-2026, 12:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (3)


يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم:32-34).
- وما معنى (ظلوم كفار) في هذه الآية؟!
- دعني أقرأ لك شيئا من تفسير هذه الآيات التي ختمها الله -سبحانه- بقوله: {إن الإنسان لظلوم كفار}.
كنت وصاحبي بين العشائين نجرب برنامجا جديدا لتفسير القرآن على جهاز الحاسوب.
اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكان العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله -تعالى- بأسمائه وبصفاته، ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل. أولها: خلق السموات، وثانيها: خلق الأرض، وإليهما الإشارة بقوله تعالى: {الله الذى خلق السموات والأرض}. وثالثها: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم}. ورابعها: قوله: {وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره} وخامسها: قوله: {وسخر لكم الأنهار}. وسادسها وسابعها: قوله: {وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين}. وثامنها وتاسعها: قوله: {وسخر لكم الليل والنهار}. وعاشرها: قوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه}، السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم؟ وقد بدأ بذكرهما ههنا؛ لأنهما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك؛ فإنه قال بعده: {وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم}.
لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب.
قوله: {وأنزل من السماء ماء} فيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب، وسمي السحاب سماء اشتقاقا من السمو، وهو الارتفاع.
وهو -سبحانه- أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة؛ وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين؛ لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلبا لهذه الخيرات الحقيرة، فلأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله -تعالى- ويتخلص عن عقابه أولى.
قوله: {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره}.
إن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر؛ وذلك لأنه -تعالى- خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه لينقل خير هذا الطرف إلى الآخر وهذا النقل لا يمكن إلا بسفن البحر وهي الفلك.
قوله تعالى: {وسخر لكم الأنهار} اعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر الله -تعالى- إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنباتات، وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب والصالح لهذا هو مياه الأنهار.
قوله: {دآئبين} معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان؛ فإن الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية، قوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} ثم إنه- تعالى- لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال: {وآتاكم من كل ما سألتموه} آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه -تعالى- لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.
ومعنى قوله: {لا تحصوها} أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها. {إن الإنسان لظلوم كفار} قيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها؛ فهو كفار شديد الكفران لها، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والمراد من الإنسان ههنا: الجنس.
قال في هذا الموضع: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} وقال في سورة النحل: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}(النحل: 18)، كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها، وأنا الذي أعطيتها؛ فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوما كفارا، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما، والمقصود: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك؛ فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوقير، ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء.
استوقفني صاحبي: إذاً من الخطأ أن يوصف أمر بأنه لا يَعُدَّ ولا يحصى؛ حيث إن الإنسان يستطيع أن يعد شيئاً فيحصن، وقد يَعُدُّوه فلا يحصن لكثرته.
- نعم كلامك صحيح، ودعني أقرأ لك تفسيرا آخر قبل أن يؤذن للعشاء في تفسير السعدي:
وإن تعدوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها، والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها. {إن الإنسان لظلوم كفار} يقول: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكرٌ غيرَ مَنْ أنعم عليه؛ فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه؛ وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضل عن سبيله، وذلك هو ظلمه، وقوله: (كفار) يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير مَن أنعم عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه.



اعداد: د. أمير الحداد






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-06-2026, 11:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن… من أخلاق الإنسان (4)


- لماذا يذم الله خُلُقا جُبل عليه الإنسان؟!
- هل لك أن توضح سؤالك؟
- لقد وصف الله الإنسان فقال: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ} (المعارج:19-22).
لماذا تُذم هذه الصفة أو هذا الخلق طالما أن الإنسان خلق على هذه الهيئة؟!
كان الحوار في مجلس عائلي جمع الأخوات والإخوان وبعض الأنساب، وكانت السائلة شقيقتي طيبة.
- في التفسير : «إذا قرأت (خلق الإنسان) فإما أن يتعلق بها مادة مثل: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}، ومثل: {وبدأ خلق الإنسان من طين}، وأما أن يتعلق بها خلق أو غريزة، وفي هذه الحالة الثانية ينبه الله إلى هذا الخلق تحذيرا من طغيانه والتمادي فيه، مع أن الإنسان يحتاج إلى شيء منه لتستقيم حياته، مثل (حب الشهوات)، ومثل (العزة)، ومثل (العجلة)، فهذه وغيرها يحتاج الإنسان إلى شيء منها لتسقيم حياته وتستمر سوية، ولكن دون أن يتمادى فيها، فيتمادى في الشهوات، وتقلب (العزة) إلى (تكبر)، و(العجلة) إلى تهور، وهكذا.
- كلام جميل، أسمعه للمرة الأولى.
- وهكذا أحدنا مهما تقدم به العمر، ومهما ازداد في العلم، يتعلم شيئا جديدا، وكما قال الشافعي: «كلما ازددت علما ازددت علما بجهلي».
- وما معنى (هلوعا)؟!
- قال كثير من المفسرين، هو ما بينه الله بعد ذلك: {إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا}، وفي كلمة واحدة.
الهلوع: الحريص، شديد الحرص، قليل الصبر.
وهذه الصفة في الإنسان يحتاج إلى شيء يسير منها حتى يحافظ على ماله، ولا يبذر ويهلك، ولكن إذا بلغ مرحلة الجزع عند المصيبة وشدة البخل في النعمة فهذا الذي ذمه الله عز وجل، ومن كمال بيان القرآن أنه يصف العلاج الناجع لكل نقص في البشر.
تم تجهيز المكان لتقديم العشاء.
- ماذا تعنى؟
- هنا ذكر الله هذا الخلق الذميم تنبيها على ضرورة التخلص منه إذا وجد وتجنب حصوله إن لم يوجد، والعلاج بعده، {إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون...}، هذه مجموعة أعمال إذا أتى بها العبد عالج (الهلع)، وفي المجمل هي أداء الواجبات، اجتناب المحرمات، أركان الإيمان وأداء حقوق الآخرين، أما التفصيل فهو كما يأتي:
{إلا المصلين} {الذين هم على صلاتهم دائمون} أي: مداومون عليها في أوقاتها بشروطها ومكملاتها. وليسوا كمن لا يفعلها، أو يفعلهاوقتا دون وقت. {والذين في أموالهم حق معلوم} من الزكاة. {للسائل} الذي يتعرض للسؤال {والمحروم} وهو المسكين الذي لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يفطن له فيُتَصدق عليه. {والذين يصدقون بيوم الدين} أي: يؤمنون بما أخبر الله به، وأخبرت به رسله، من الجزاء والبعث، ويتيقنون ذلك فيستعدون للآخرة، ويسعون لها سعيها. والتصديق بيوم الدين يلزم منه التصديق بالرسل، وبما جاؤوا به من الكتب. {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} أي: خائفون وجلون، فيتركون لذلك ما يقربهم من عذاب الله.
{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون في أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، {قتل الإنسان} {قتل} تأتي في القرآن كثيرا، فمن العلماء من يقول: إن معناها لعن، والذي يظهر أن معناها أهلك. وقول تعالى: {قتل الإنسان} قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد {ما أكفره} ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس.
{ما أكفره} قال بعض العلماء إن {ما} هنا استفهامية أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟ وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب يعني ما أعظم كفره! وإنما كان كفر الإنسان عظيما لأن الله أعطاه عقلا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأمده بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر؛ فيكون كفره عظيما، والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون {ما}استفهامية أي: ما الذي أكفره؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية يعني عجبا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى! والكفر هنا يشمل أنواع الكفر كلها.



اعداد: د. أمير الحداد








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24-06-2026, 05:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (5)


{قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى}(الإسراء: 67 - 70)، {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ}(الحج: 66)، {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} (الشورى: 48)،{لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (14) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}(الزخرف: 13-15).
وهذه الآيات تشمل (كفر النعمة، وكفر المعاد، وكفر الشريك)؛ بذلك تشمل كل أنواع الكفر فيما بين ذلك.
كنت وصاحبي في طريقنا لعيادة أخ لنا أصيب بنوبة قلبية بعد صلاة الفجر، صلينا العشاء، وتأكدنا أننا يمكن أن نزوره.
في آية (الإسراء) يبين الله لمن كفر نعمة إنجاء الله له من الغرق، أنه هل يأمن (الخسف) وهو على الأرض؟ أم أمن (الحصباء) وهي الريح التي ترمي بالحجارة الصغيرة؟ أم العودة إلى البحر وعدم تعرضه للموج مرة أخرى؟ والجواب على كل ذلك بالنفي.
إذاً لم تكفر بنعمة الله أن أنجاك من الغرق!
والذي يُنكر المعاد، يذكره الله أنه هو الذي أحياه، وفي آيات كثيرة يذكر -عز وجل- تفاصيل خلق الإنسان، وأن بداية خلق آدم من طين، ونسله من ماء مهين؛ فهذا الذي خلقه من العدم، أليس بقادر على إحيائه مرة أخرى؟ بلي، هكذا الجواب بالمنطق، أن الذي يعمل شيئاً أول مرة يقدر أن يعمله مرة أخرى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم}(الروم: 27)، مع أن الأمر بالنسبة لله سواء، إلا أنه بمنطق البشر المرة الثانية أهون من الأولى؛ لذلك قال -سبحانه- وله المثل الأعلى.
بلغنا مستشفى الصدري المتخصص بأمراض القلب، كان صاحبنا في الدور الثاني غرفة (14) أوقفنا نقاشنا، كانت الغرفة مطلة على البحر، وصاحبنا بحالة جيدة، ينتظر عمل قسطرة صباح اليوم التالي.
لم نطل الجلوس، في طريق عودتنا تابعنا حديثنا.
- هل لاحظت أن الله تبارك -وتعالى- وصف الإنسان في موضع بأنه (كفور)، وفي آية الحج (لكفور)، وفي آية الزخرف (لكفور مبين)؟!.
- كلا لم ألاحظ ذلك، وما الفرق؟
- الفرق في تأكيد كفر الإنسان؛ ففي كفره للنعمة وصفه الله أنه (كفور)، كثير كفر النعمة، بصيغة المبالغة، بمعنى أن الواحد منهم يكفر أحيانا كثيرة بالمعنى، وأكثر الناس يكفرون بالنعمة.
ثم وصفه الله تبارك -وتعالى- بأنه (لكفور) في ذكر (كفر المعاد)؛ وهذا أشد من الأول، ثم في سورة الزخرف عندما ذكر كفره بإشراك غيره به، قال سبحانه: {إن الإنسان لكفور مبين}، هذا كفر بين واضح، لا ينبغي أن يقع فيه الإنسان؛ فيجعل شيئاً من العبادة لغير الله -عز وجل-.
- ماذا عن قول الله عز وجل: {قتل الإنسان ما أكفره}(عبس: 17)؟
- أعجبني تنبه صاحبي لهذه الآية من سورة عبس.
- هذه الآية من أشد آيات الإنكار على الإنسان كفره؛ ذلك أنه لم يبين نوع الكفر هنا، بل شمل كل أنواع الكفر، وبين الله نوعا واحدا منه وهو الكفر بالمعاد.في تفسير الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-.
قتل الإنسان (قتل) تأتي في القرآن كثيرا، فمن العلماء من يقول: إن معناها لعن، والذي يظهر أن معناها أهلك.
وقوله تعالى: {قتل الإنسان} قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد {ما أكفره}، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس.
{ما أكفره} قال بعض العلماء: إن (ما) هنا استفهامية، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟ وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني ما أعظم كفره! وإنما كان كفر الإنسان عظيما؛ لأن الله أعطاه عقلا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب وأمده بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر؛ فيكون كفره عظيما، والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون (ما) استفهامية، أي: ما الذي أكفره؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبا له، كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!! والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر.



اعداد: د. أمير الحداد





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-06-2026, 10:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (6)


اعداد: د. أمير الحداد


وصف الله الإنسان في كتابه العزيز فقال -سبحانه وتعالى-: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (النحل:3-6). {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف:54). {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} (يس:77).
جاء في تفسير هذه الآيات:
{فإذا هو خصيم مبين} (النحل:4) أظهر القولين فيه: أنه ذم للإنسان المذكور، والمعنى: خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع، وفجأة اتصف بالخصومة والتكذيب، كما تدل عليه (إذا) الفجائية.
والخصيم: صيغة مبالغة، أي شديد الخصومة، وقيل الخصيم المخاصم.
وقوله: (مبين) الظاهر أنه اسم فاعل أبان اللازم، بمعنى بان وظهر، أي بَيِّنُ الخصومة.
كنت وصاحبي نتناقش حول موضوع التنبؤ بتصرفات البشر؛ وذلك أنه صُدم من تصرف أحد أصدقائه كان يعده أعزهم عنده، وعندما مر في أزمة كان عونا عليه لا عونا له، كنت أحاول التخفيف عنه والبعد عن الحديث عن أحد بعينه.
– هكذا الإنسان مع ربه فكيف مع الإنسان الذي مثله؟
– نعم في الإنسان طباع كثيرة ذميمة ينبغي أن يتخلص منها، وفي هذه الآيات يبين الله مدى (خصومة الإنسان) في رده للحق وإنكاره للبعث، بل وجداله في آيات الله البينات، فقال -سبحانه- في سورة الكهف: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف:54)، وفي الحديث: عن الحسين بن علي أن عليا رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا زارهما، فقال: «ألا تصليان»؟ فقال علي رضي الله عنه : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا؛ فانصرف رسول الله[؛ حيث قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} متفق عليه.
مع أن الآيات من سورة الكهف أتت في صفة الكافرين إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم ذلك اللفظ في أقل جدال لابن آدم في الرد على الحق.
أخذنا مجلسا قبالة البحر، بعد أن كنا نمشي على رمال الشاطئ.
– لماذا ذكر الله (إذا) حرف المفاجأة في الآيتين من سورة النحل وسورة ياسين؟
– جاء حرف المفاجأة بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة، فهو تعجب من تطور حال هذا الإنسان من كونه نطفة مهينة إلى خصيم مبين وذلك أن المخاصمة والمجادلة تكون مع العقل والتفكير؛ ففي الجملة مفاجأة مع التعجب، فقد أصبح شديد الشكيمة بعد أن كان نطفة مهينة.
وفي تفسير آخر أن (إذا) جاءت؛ لأن الإنسان خلق ليعبد الله، فإذا به يخاصم ويجادل في آيات الله، والفترة الزمنية بين الحالتين لا اعتداد بها، قياسا بعظم المفارقة بينهما.
دعني أقرأ لك من تفسير ابن عثيمين -رحمه الله-.
فتحت الرابط المطلوب على هاتفي:
{أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا}، يعجز فيه: {ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم}، ما أحسن قوله {ونسي خلقه}، قبل أن يقول مقالة هذا الإنسان: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}.
قاطعني صاحبي قائلاً.
– رد منطقي لمن أراد النقاش المنطقي.
– نعم في آيات كثيرة يرد الله -عز وجل- على الكفار آراءهم بالمنطق والعقل، ومع ذلك لا يقبلون الحق، وهذا من أسوأ أخلاق الإنسان، أن يجادل في الحق، لمجرد الجدال، ولو أن أحدنا عود نفسه وكان خلقه قبول الحق متى جاءه لعاش على خير، ومات على خير وبعث على خير إن شاء الله.
– إن قضية قبول الحق قضية صعبة، وتحتاج أن يروض المرء عليها نفسه، أن يقول: «سمعت وأطعت»، ولكن كثيرا منا يجادل ويخاصم بدون علم، مع الأسف الشديد، لطبع سيء موجود عندنا وهذا ما ذمه الله، وجدال الإنسان يكون في أصغر القضايا، حتى يصل إلى مناقشة (وجود الله)، وهذا منهج الفلاسفة حتى اليوم، أعرف (دكتور) يدرس في الجامعة مقرر فلسفة وحديثه دائما «يجب أن نشكك بكل شيء»، وهو شخصيا يشك بوجود الله وفي الجنة والنار وكل شيء، هذا ما وصل إليه بعد دراسة الفلسفة بعمق، وفي الولايات المتحدة نسأل الله العافية وله الهداية.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25-06-2026, 10:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (7)


- من الآيات التي اتُّهِم فهمي لها قول الله قول الله في آخر سورة الأحزاب: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (} (الأحزاب:72).
- وماذا فعلت تجاه عدم فهمك لهذه الآية؟!
- بالطبع ذهبت إلى صديقي الوفي (المكتبة الشاملة)، وتصفحت كتب التفسير، ووضعت تلخيصا جميلا، احتفظت به على شاشة جهازي.
كان لقاؤنا غير المُجدْوَل عند أبي سعد، وثالثنا أبو خالد، أخذ صاحبي يقرأ من شاشة جهازه.
يُعظم الله -تعالى- شأن الأمانة، التي ائتمن عليها المكلفين، وهي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه -تعالى- عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنكِ إن قمتِ بها وأديتِها على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب.
{فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} أي: خوفا ألا يقمن بما حُمِّلن، لا عصيانا لربهن، ولا زهدا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام:
منافقين، (أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرا لا باطنا)، ومشركين، (تركوها ظاهرا وباطنا)، ومؤمنين، (قائمين بها ظاهرا وباطنا).
فذكر الله -تعالى- أعمال هؤلاء الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب فقال: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (} (الأحزاب:73).
والمعنى: أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلوما جهولا، أي: كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران:
- أحدهما: قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده، متصلا به: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما، فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان هو المعذب، والعياذ بالله، وهم المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ليعذب: لام التعليل، وهي متعلقة بقوله: وحملها الإنسان.
- أظن أني قرأت شيئا مقارباً لهذا ولكن مختلف في أحد كتب التفسير، وهي أن الله عرف عبده أنه (غفور رحيم)، وهما ما ختمت به الآية التالية، وبصَّره بنفسه بأنه (ظلوم جهول)، ثم عرض الأمانة، فقبلها مع علمه (بظلمه وجهله)، لعلمه بأن المكلِّف (غفور رحيم)، فإذا بدر من العبد الصادق تقصير في حمل هذه الأمانة تعلق بـ(الغفور الرحيم)، على عكس من المنافق والمشرك.
- كلام جميل، مع أني أجد أن تزودني بالمصدر في أقرب فرصة.
- إن شاء الله.
تدخل أبو خالد:
- وماذا عن الأحاديث في ذكر الأمانة؟
بادره أبو سعد.
- من ضمن ما قرأت في التفسير قولا لابن مسعود رضي الله عنه .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، ثم قال يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أدِّ أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟! قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية فينطلق به إلى الهاوية، وتُمثَّل له أمانته كهيئتها يوم دُفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا نظر ظن أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين. ثم قال الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشياء عدها وأشد ذلك الودائع، قال يعني زاذان فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود، قال كذا قال كذا قال صدق أما سمعت الله يقول: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (حسنه الألباني).
- نعم إن الأمانة شأنها عظيم وتدخل في كل شيء، ومنها المناصب بكافة مستوياتها، وهي التي وردت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدِّث إذا جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ قال صلى الله عليه وسلم : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (البخاري).
- نعم لا شك أن هذه من الأمانة وحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته} (متفق عليه) يبين نوعا آخر من الأمانة التي سيحاسب عليها العبد يوم القيامة.
وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»، وفي رواية: قال له: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تَولَّينَّ مال يتيم» (رواه مسلم).
«إن شئتم أنبأتكم عن الإماره وما هي؟ أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل فكيف يعدل مع أقربيه؟» (صحيح).
إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة (وحسرة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) الصحيحة.
وعن عبدالرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلْتَ إليها وإن أوتيتها عن غير مسألة أٍُعِنْت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير»، وفي رواية: «فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» (متفق عليه).
علق أبو خالد:
- ومن منا لا يحرص أن ينال منصباً وزارياً أو إدارياً ويسعى بكل ما أوتي؟ نسأل الله المغفرة والرحمة.



اعداد: د. أمير الحداد





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26-06-2026, 11:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان

ما ذمه القرآن من أخلاق الإنسان (8)


كنت وصاحبي في طريقنا إلى المقبرة، نرجو ثواب القيراطين، وتذكر الموت، وترقيق القلب، على أحد الجسور قرأ صاحبي: «في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة».
قرأها بصوت مسموع، علقت على عبارته:
- هل تعلم أنهم لو استبدلوا بهذه العبارة حديث النبي صلى الله عليه وسلم «التأني من الله والعجلة من الشيطان» لكان أفضل؟!
- هل هذا الحديث صحيح؟
- نعم أخرجه أبو يعلي والبيهقي وهو في السلسلة الصحيحة.
- وهل يمكن أن نطبقه على التأني في قيادة المركبة؟
- من باب عموم اللفظ (نعم)، وذلك أن (العجلة) من الأمور التي ذمها الله عز وجل، ففي الآية رقم (37) من سورة الأنبياء يقول الله تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (الأنبياء:37)، ويقول سبحانه: {وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} (الإسراء:11)، ويقول عز وجل: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (يونس: 11)، فالعجلة من الأخلاق الذميمة، وهي التسرع وعدم التأني..
عموما في الآيات يبين الله -عز وجل- أن الكفار يستعجلون قيام الساعة، ونزول العذاب الذي يحذرهم منه أنبياؤهم، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} (الشورى: 17-18).
وكما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال:32).
توقفنا عند آخر إشارة مرورية قبل أن نصل إلى المقبرة، أقفلت الإشارة الخضراء ثلاث مرات قبل أن نتمكن من عبورها لكثرة المركبات المتجهة إلى حيث نريد.
- وماذا عن تفسير قوله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا}.
- في تفسير هذه الآية ورد:
الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور، غير متفحص لحقائقها وأسرارها: {ويدع الإنسان بالشر دعاءوه بالخير وكان الإنسان عجولا}.
وهذا من جهل الإنسان وعجلته؛ حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب، ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله -بلطفه- يستجيب له في الخير ولا يستجيب له بالشر: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم}.
- هذا من عجلة الكافرين، وماذا عن تعجل المؤمنين؟
- المؤمنون يستعجلون هلاك الكافرين، ويريدون من الله أن يهلك الكافر لحظة فجوره وظلمه وطغيانه، والمؤمن يستعجل زوال كربته وانفراج همه، وإجابة دعوته، وكما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم : «يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت فلم أرَ يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» مسلم. وفي النهي عن استعجال الرزق، قال صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفى رزقها، وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم» ابن ماجه صحيح الترغيب والرهيب.
وكذلك ينبغي على المؤمن أن يتريث في قبول الأخبار والحكم على الناس واتخاذ المواقف، ولاسيما في مسألة الطلاق، وكذلك لا يستعجل في العبادات؛ فالعجلة في الصلاة يبطلها، وفي قراءة القرآن يذهب أجره، كما في حديث المسيء صلاته، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه - قال: «لا تهذُّوا القرآن هذًّ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب»، وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها سمعت رجلا يقرأ القرآن يهُذُّه هذا فقالت: «ما قرأ هذا وما سكت»، ويكفي في مدح التأني حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» حسن.



اعداد: د. أمير الحداد






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 120.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 115.73 كيلو بايت... تم توفير 4.89 كيلو بايت...بمعدل (4.06%)]