طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: قراءة تقديمية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5192 - عددالزوار : 2501583 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4787 - عددالزوار : 1838197 )           »          سحور 9 رمضان.. طريقة عمل البطاطس بالجبنة فى الفرن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          منيو فطار 8 رمضان.. طريقة عمل لحمة بالفلفل الرومى وأرز أبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          تحذيرات من ثغرة أمنية خطيرة فى متصفح Comet من Perplexity AI قد تُعرّض بياناتك للاخترا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          جوجل تطلق ميزة "التحقق من الهوية" فى هواتف بيكسل.. تنقذك من السرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          جوجل تدعم مكالمات واتساب عبر الأقمار الصناعية فى هواتف Pixel 10.. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          بدون برامج.. جوجل درايف يقدم ميزة تحرير الفيديو مباشرة عبر Google Vids (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          كيفية استخدام (أو إيقاف) خريطة إنس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          جوجل تجعل حجز المطاعم أسهل عبر وضع الذكاء الاصطناعى فى البحث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > ملتقى اخبار الشفاء والحدث والموضوعات المميزة > رمضانيات
التسجيل التعليمـــات التقويم

رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-01-2026, 01:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: قراءة تقديمية

طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: قراءة تقديمية

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

الحمد لله الذي يفتَح لعباده أبوابَ المواسم، ويربي قلوبَهم في طريق السير إليه، ويهيِّئ أهل الإيمان لما يحب ويرضى، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كلما أقبَل رمضان، أقبلت معه أسئلةٌ كبرى تتردَّد في النفوس: كيف نستعد؟ وكيف نحفَظ قلوبَنا من الفتور؟ وكيف نَصِل إلى حلاوة الطاعة التي كنَّا نَذوقها في سنوات مضت؟ ولماذا يقترب بعض الناس من الله في رمضان اقترابًا حقيقيًّا، بينما يبقى آخرون في أماكنهم مهما كثُرت الخطب والمواعظ؟

هذه الأسئلة ليست عابرة، بل هي جوهرُ الطريق إلى الله، ومفتاح الاستفادة من شهرٍ جعله الله ميدان عبوديةٍ لا يشبهه ميدان.

ومن هنا جاءت هذه السلسلة - سبع مقالات متتابعة - لتقدِّم للقارئ إن شاء الله منهجًا متكاملًا لبناء القلب قبل الدخول على رمضان، مستفادة من دروس الشيخ أبي إسحاق الحويني - رحمه الله - «منازل السائرين إلى الله»، مع صياغة تربط بين المقاصد الكبرى في السير إلى الله عز وجل، ومكائد النفس، وفتن العصر.

وهذه قراءة تقديمية تجمع مسار السلسلة كاملة، وتضع أمام القارئ صورةً واضحة للطريق.

المقال الأول: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق:
تبدأ السلسلة بأول المنازل: اليقظة.
فالعبدُ لا يتحرَّك إلى الله حتى يستيقظ قلبه، يدرك حقيقة الدنيا، وسرعة مرور العمر، وعاقبة الغفلة، وقيمة الآخرة.

اليقظة هنا ليست معلومة تُكتسب، بل صدمة رُوحية تُحيي القلب بعد موات.

هذا المقال يعالج جذور الغفلة، ويضع أول لَبنة في الاستعداد لرمضان: أن تعرف أين تقف قبل أن تَعرِف إلى أين تتَّجه!

المقال الثاني: منزلة المحاسبة: المرآة التي تكشف الحقيقة:
بعد يقظة القلب تأتي محاسبة النفس.

وهو من أهم المقالات؛ لأنه يعلِّم القارئ كيف يرى نفسه بلا تجميلٍ، وكيف يَفهَم دوافعَه ونقائصَه وتقصيرَه، وأثرَ الذنوب الصغيرة في القلب.

هذا المقال يبيِّن أن مَن لم يحاسب نفسه قبل رمضان، سيخرج غالبًا كما دخل.
المقال الثالث: مجاهدة ضَعف الهمَّة والعُجب والغرور: حماية القلب من السقوط:
يأتي المقال الثالث ليَكشف أخطرَ أدواء السالكين: العجب بالطاعة، والاحتقار للناس.
فهذان الداءان هما أول ما يتسلَّل إلى القلب حين يستقيم العبد.

وفي المقال تحليلٌ دقيق لعلاقة العجب بالتهاون، وعلاقة التعيير بسقوط القلب، مع نماذج من السلف توضِّح أن حماية القلب لا تَقِل أهميةً عن بنائه.

المقال الرابع: منزلة التوبة: أول المنازل، ووسطها، وآخرها:
هذه المنزلة - كما يقرِّر العلماء - ليست مرحلة يَمضيها العبد، ثم يتجاوزها، بل هي: أول المنازل، ووسطها، وآخرها.

لا ينفكُّ عنها العبد حتى يلقى ربَّه؛ لأنها سبيل النجاة، وجوهر العبودية، وميزان العبد في الدنيا والآخرة.

المقال الخامس: منزلة الهمَّة والعزم: تحويل العلم إلى حركة:
بعد اليقظة والمحاسبة والتوبة، لا بد من العزم على إنفاذ هذه التوبة، والحركة إليها وبها وفيها.

وهذا المقال يقدِّم نظرية كاملة في "الإرادة": كيف يولَد العزم؟ ولماذا يَسقط؟ وما الفرق بين العزم الصادق والكاذب؟ ولماذا تَذبُل عزيمتُنا بسرعة؟

هو مقالٌ يحاول أن يعالج ظاهرة "البدء بلا إتمام"، ويقدِّم للعبد في سَيْره إلى الله عز وجل وقودَ السير قبل أن يدخل رمضان.

هذا المقال يعالج الهمَّ الأول الذي يتحوَّل إلى عزمٍ ثم عملٍ، هو مقالٌ يجعل القارئ يرى الطاعة "من الداخل"، قبل أن يراها في الجوارح.

المقال السادس: مقام المحبَّة: الثمرة التي لا تُعطى بلا امتحانٍ:
في هذا المقال تدخل السلسلة ذِروتها: المحبة، وهو مِن أوسع وأعمق المقالات؛ لأنه يعالج صميمَ الطريق: هل نحن نحب الله، أم نحب شعور العبادة؟ لماذا نفقد حرارةَ الإيمان؟ ما الذي يُطفئ المحبة؟ ما معنى خسوف القلب؟ وكيف تَنطفئ المحبة بالتدريج مع إدمان اللهو؟

وقد ربَط المقال بين المحبة والآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، وبيَّن أن المحبة ليست دعوى، بل امتحانٌ لا يثبت فيه إلا الصادقون.

المقال السابع: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حيٍّ:
في هذا المقال تتلاقى جميع المنازل السابقة: اليقظة، المحاسبة، التوبة، العزم، الهم، والمحبة، في قراءة واحدة لواقع المسلم في زمن الإعلام المفتوح، واللهو المتتابع، والفتن الاجتماعية، يتضمن المقال تحليلًا لمسؤولية ربِّ الأسرة، وخطر المسلسلات والإعلام، وكيف تَذبَح الغفلةُ المحبةَ، وكيف ينهار البيت إذا غاب قلبُ الأب. إن الإنسان لا يُختبر في رمضان، بل يُختبر قبل رمضان: في صدقه، وخَلوته، وطهارة قلبه، ومقدار يقظته.

خاتمة: لماذا هذه السلسلة قبل رمضان؟
لأن كثيرًا من الناس اعتادوا أن يستعدُّوا لرمضان بالطعام، والمسلسلات، والجداول، لكن قلة من الناس تستعد بالقلب!

هذه السلسلة ليست "قراءات رُوحية"، بل هي خريطة عملية لبناء القلب قبل أن يدخل رمضان - أن يستيقظَ قلبُك، وأن ترى نفسك بصدقٍ، وأن تحمي عملك من العُجب، وأن تتحرَّك بعزمٍ، وأن تُنبت الهمَّ الصادق، وأن تُفتَحَ لك أبوابُ المحبة، وأن تدخل رمضان بقلبٍ حيٍّ.

فإذا دخل العبد رمضان بهذه المنازل، اختلفت عبادته، وصلاته، وبكاؤه، وخلوته، ولذَّته بالطاعة، ومقدار تغيُّره بعد رمضان.

نسأل الله أن يُحيي قلوبنا بهذه المنازل، وأن يجعَل لنا من رمضان فتحًا، ومن طاعته لذةً، ومِن قُربه نصيبًا لا يزول.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-01-2026, 12:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق

المقال الأول: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقدمة:
الحمد لله.
يشكِّل الطريق إلى الله عز وجل الإطارَ المنهجي الذي يتحرَّك فيه المؤمنُ في رحلته إلى الله تعالى، فالسيرُ إلى الله ليس اندفاعًا عاطفيًّا، ولا التزامًا لحظيًّا، ولا طقوسًا متفرقة، بل هو طريق طويل له معالِمُ ومنازلُ، وتربية وانضباطٌ، وصعودٌ تدريجي في مدارج الإيمان.

ومن أعظم هذه المنازل منزلةُ «اليقظة»؛ فهي المرآة التي ينظُر فيها العبد إلى حقيقة سَيْره، والميزان الذي يَقيس به إخلاصَه، والبُوصلة التي تُعيد تصحيح الاتجاه إذا انحرَف الطريق.

السير إلى الله: رؤية منهجية تشبه السفر الحسي:
يُشبه طريق الإيمان السفر الحسي من جهات كثيرة؛ لا وصولَ بلا معرفة الطريق، ولا ثباتَ بلا زادٍ، ولا نجاةَ بلا علامات، ولا تقدُّم بلا مراجعةٍ مستمرة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9].

فكما أن للطريق الحسي طرقًا مستقيمة، وأخرى مُعْوَجَّةً، فكذلك طريق القلب فيه القصد، وفيه الجَور، وفيه الانحراف الذي لا يَنتبه له إلا مَن كان بصيرًا بمحاسبة نفسه.

الفتور الإيماني: مشكلة عامة ليست حكرًا على رمضان:
تظهر الشكوى في رمضان: لماذا نَضعُف بعد أيام من انتهائه؟ لكنَّ المشكلة أعمُّ وأوسعُ، فكثير من الملتزمين منذ سنوات - سواء كانوا طلابَ علمٍ، دعاةً، أو أصحابَ أعمال صالحة مستمرة - يواجهون الفتور نفسه:
نشاط في مرحلة، ثم انطفاء.
اندفاع، ثم ضعف الهِمَّة.
يقظة، ثم غفلة.
انضباط في بداية الطريق، ثم تراخٍ مع الزمن.

هذه الدورات الإيمانية المتكررة ليست طارئة، بل هي نتيجة واضحة لغياب محاسبة النفس؛ فالسير بلا مراجعة يتحول تدريجيًّا إلى عادة بلا رُوحٍ، ثم إلى أداء بلا حضورٍ، ثم إلى فتورٍ لا يدري صاحبه كيف بدأ!

وهكذا يصبح الفتور عارضًا مستمرًّا بعد مواسم الطاعة، وبعد المشاريع الكبرى، وبعد فترات القوة الإيمانية،

والسبب في جذره: عدم سؤال النفس: «ماذا أردت بهذا؟».

وعدم مراجعة أثر العمل في القلب، وعدم تقييم ما إذا أصبحت العبادة "عادة" لا "عبادة".

أنواع النفس الثلاثة بين الصراع والطُّمأنينة:
النفس الأمَّارة بالسوء: وهي التي تُطلق العبد في شهواته، وتَميل به إلى السهولة والراحة، وتُثقل عليه الطاعات، وتشجِّعه على المخالفات؛ قال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53]، هذه طبيعة قابلة للتهذيب بالمحاسبة والمجاهدة والإخلاص، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل.

النفس اللوَّامة: وهي الواعظ الرباني الذي يوقظ العبد عند الغفلة، ويُحاسبه عند الذنب، ويعاتبه عند التقصير، وقد أقسَم الله بها: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 1، 2]، وهي علامة الإيمان؛ لأن القلوب الحية لا تتوقَّف عن معاتبة نفسها، ولا ترضى بالخطأ، ولا تنام على معصية!
النفس المطمئنة: وهي أعلى درجات النفس، تلك التي استوت على اليقين، وهدَأَ اضطرابُها، وسكنت إلى ربها، واطمأنَّ قلبُها بذكره؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 - 30].

لكن يجب التحذير مِن فَهْم الاطمئنان على غير وجهه، فليس كلُّ سكون للنفس طُمأنينةً.

قد تسكن النفس غرورًا، أو جهلًا، أو أمنًا من مكر الله، وهذا ليس من الطمأنينة في شيءٍ، بل هو غفلة مُهلكة تُوهم العبد أنه بخيرٍ، بينما هو يتراجع دون أن يَشعُرَ!

الطُّمأنينة الحقة ليست شعورًا بالراحة، بل ثباتًا في طريق المجاهدة.

طمأنينة المؤمن تعني سكون النفس إلى قدَر الله، وراحة القلب في طاعته، وثِقة العبد في وعد ربِّه، وثباته رغم الصعوبات، لا انطفاء الهمَّة ولا التراخي، فالنفس المطمئنة ثمرة سنوات من المجاهدة والمحاسبة، وليست حالة عاطفية عابرة.

النفس: حقيقتها وسبب ضرورة مراقبتها:
النفس إن تُرِكت كانت كالسيل الجارف، وإن قُيِّدت بالمجاهدة والمحاسبة، صارت مُطيعة مستقيمة إن شاء الله.

ولهذا كانت محاسبتها ضرورةً لا يَكمُل السيْر بغيرها؛ لأن النفس بطبيعتها تبرِّر الأخطاء، وتنسى الذنوب، وتخفي العيوب، وتحب الثناء، وتَطلُب السهولة، وتَفِرُّ من المجاهدة، ولا يَضبِطُ هذه القوى إلا من كان واعيًا بها، متفقِّدًا لمداخلها، عارفًا بمكرها.

نماذج من محاسبة السلف:
عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب، وخرَجت معه حتى دخل حائطًا، فسمعته وهو يقول - وبيني وبينه جدارٌ، وهو في جوف الحائط -: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ، والله لَتَتَّقِيَنَّ الله أو ليُعذبَّنَك»؛ «موطأ مالك - رواية يحيى - ت عبد الباقي» (2/ 992).

عن إبراهيم التيمي رحمه الله: «مثَّلت نفسي في الجنة آكُل ثمارها، وأَشرُب من أنهارها، وأُعانق أبكارها، ثم مثَّلت نفسي في النار آكُل مِن زقُّومها، وأَشرُب من صديدها، وأُعالج سلاسلَها وأغلالها؛ فقلت لنفسي: أيْ نفسي، أيَّ شيءٍ تُريدين؟ قالت: أُريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا فأعمَل صالحًا، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي»؛ «محاسبة النفس لابن أبي الدنيا» (10).

هذه النماذج تكشف أن محاسبة النفس ليست خيارًا، بل واجب قلبي لحياة الإيمان.

أركان محاسبة النفس الثلاثة:
وزن النعمة بالجناية: يُقارن العبد بين عظيم نِعم الله وكثرة تقصيره، فيَنكسِر لله ويوقِن أن أعماله - مهما بلغت - لا تُقابل نعمة واحدة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ: إمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خَيْرًا، وإمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ»؛ أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816).

معرفة ما لله عليك وما لك عنده:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بيْنَا أنَا رَدِيفُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليسَ بَيْنِي وبيْنَهُ إلَّا أخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولَا يُشْرِكُوا به شيئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، فَقالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوهُ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ ألا يُعَذِّبَهُمْ»؛ أخرجه البخاري (5967)، ومسلم (30).

لله على عبده الطاعة والإخلاص، وللعبد عند ربِّه الوعدُ بالمغفرة والقَبول، بهذا الميزان يتوازن القلب بين الخوف والرجاء، فلا يَقنَط ولا يأمَن.

كل طاعة رضِيت بها فهي عليك، وكل معصية عيَّرت بها أخاك فهي إليك، معنى الطاعة التي "رضيت بها": العُجب، هو الإعجاب بالنفس لا الفرح بالطاعة، وهذا أخطرُ أمراض القلوب؛ لأنه يَهدِم العمل من داخله.

معنى "التعيير": الاستعلاء، والعلاقة بينهما أن العُجب يولِّد احتقار الناس، ثم يولد التعيير، ثم يولد فسادًا في القلب أشدَّ من كثير من المعاصي التي يُعيَّر بها الناس!

تحدِّيات المحاسبة في عصرنا:
كثرة الملهيات، وتسارُع الحياة، وضغط العمل، ووجود الهواتف في اليد طول اليوم، كلها أسباب تجعل القلب مشغولًا دائمًا، وتقلِّل فرصَ الخَلوة والمراجعة، ولهذا أصبحت محاسبةُ النفس تشمل: ضبط الوقت، تهذيب النظر، مراقبة المحتوى، حفظ اللسان في الرسائل، مراجعة العلاقات، التفكير في النية قبل الأعمال، وهي كلها ساحات يتسرَّب منها الفتور دون انتباهٍ!

المحاسبة: باب رجاء لا بابُ يأس:
قد يظن البعضُ أن كثرة المحاسبة تُورث الحزن، لكن حقيقتها أنها باب رحمة، فالله لا يفتح باب التوبة إلا ليُقلِّب به القلوب إلى النور، ولا يوقظ النفس اللوَّامة إلا ليقرِّب العبد إليه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].

المحاسبة ليست هدمًا، بل بناءً، وليست جَلْدًا، بل شفاءً، وليست تثبيطًا، بل طريقًا إلى الاطمئنان الحقيقي.

خاتمة:
اليقظة إلى طبيعة السير في الطريق إلى الله، والوقوف مع محاسبة النفس - منزلةٌ أساسية في طريق السير إلى الله، وهي الفارق بين مَن يعيش إيمانه بوعي، ومَن يتركه يَذبُل ببُطء دون أن يَشعُر، والعبد الذي يقف مع نفسه اليوم وقفةَ صدقٍ، يَثبُت غدًا إن شاء الله على الصراط ثبات أهل اليقين.

نسأل الله أن يَجعَلَنا من عباده المطمئنين، اللوَّامين لأنفسهم، المجاهدين في سبيل تزكية قلوبهم.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-02-2026, 12:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: طريق المسلم إلى الله قبل رمضان

طريق المسلم إلى الله قبل رمضان

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر





المقال الثاني: منزلة المحاسبة

المرآة التي تكشف الحقيقة


المقدمة:
الحمد لله؛ جاء المقال الأول من هذه السلسلة ليضَع الأساس النظري لمنزلة محاسبة النفس، من خلال أهمية اليقظة، وبيان أركان المحاسبة الثلاثة، وليَكشِف طبيعة النفس ودورَها في السير إلى الله عز وجل، وأنواعَها الثلاثة، وعُمقَ حضورها في طريق الإيمان.

أما هذا المقال، فيتَّجه إلى محورٍ آخرَ لا يَقِلُّ أهميةً، بل هو المكمل الحقيقي لهذا المنزل، إنه التزوُّد المستمر الذي يجعل العبد قادرًا على مواصلة السير إلى الله دون انقطاع.

فكثير من الناس يُحسنون البداية، ثم يَضعُفون، ويَخبو نورُهم، ويَغلبُهم الفتورُ بعد فترة - سواء بعد رمضان، أو بعد موسم طاعة، أو حتى بعد سنوات من الالتزام - والسبب في جوهره قلة التزوُّد، وضَعفُ المحاسبة من الداخل.

وهذا المقال يعالج هذه الإشكالية، ويقدِّم للقارئ مفاتيحَ الثبات، وموازين السير، وعوامل الاستمرار.

حقيقة الطريق: السير إلى الله ليس لحظة، بل عمر بأكمله:
إن السير إلى الله لا يُشبه أي سيرٍ آخرَ، فالسالك هنا لا ينتقل من مكان إلى مكان، بل من حالٍ إلى حال، ومن درجةٍ إلى درجة، ومن منزلةٍ إلى التي بعدها، ولهذا فالقضية ليست فقط "أن تبدأ"، بل أن تستمرَّ، وليست أن تتحمَّس، بل أن تَنتظم، وليست "أن تَخشَعَ مرة"، بل أن تَحفَظ جَذوةَ الخشوع حيَّةً ما استطعتَ!

إن الطريق طويل، والنفس ضعيفة، والفتن كثيرة، والعوائق متشابكة، ومَن لم يُهيِّئ لنفسه زادًا يَكفيه، سيتوقَّف في منتصف الرحلة وإن أحسَن البداية! ولهذا فإن المسألة ليست في قوة الانطلاق، بل في دَيمومة البقاء.

مشكلة الفتور المتكرر: لماذا نَخبو بعد مواسم الطاعة؟

هذا المقال يُعالج ظاهرة يَعرِفها كلُّ سائر إلى الله، فتورٌ يأتي بعد طاعة عظيمة، أو موسمٍ قوي، أو مرحلة يقظة، وكثير من الناس يَربطون ذلك برمضان فقط، لكن الحقيقة أوسع بكثيرٍ!

الملتزمون منذ سنوات، وطالب العلم، والداعية، وأهل المساجد، كلهم يتعرضون للفتور نفسه؛ لماذا؟

لأن الفتور ليس متعلقًا بالموسم، بل متعلقًا بالوقود الداخلي، فالإنسان قد يصلي ويصوم ويتصدَّق، لكن قلبه يبقى بلا زادٍ يحفَظ حرارة الإيمان، وقد يعمل كثيرًا، لكنه يعمل بالعادة، وقد يَسير سريعًا، لكنه يسير بلا طاقة رُوحية كافية، ومن ثَم فالفتور إذًا ليس "نقصَ عملٍ"، بل "نقصَ تزوُّد بالوقود اللازم"، وكما أن السيارة تتوقف إذا نفِد وقودُها، كذلك القلب يتوقف إذا نفِد وقودُه من اليقين والتدبر والذكر والمجاهدة الباطنة.

التزوُّد: السرُّ الذي لا يستغني عنه السالك:
إن التزوُّد هو القضية المركزية التي تحفظ على السالك قوَّته وثباته؛ ما التزوُّد؟ ليس كثرة الأعمال في ظاهرها، بل هو: استحضار الحقائق الإيمانية في القلب، وتأمُّل نعم الله وآلائه، وتجديد العهد معه في كل حين، ومراجعة النفس عند كلِّ غفلة، وتَكرار طرق أبواب القرب، وإحياء القلب بذكر الله، وربْط العمل بالنية، وقراءة القرآن برُوح راغبة مُقبلة، وسائر الأعمال والأقوال التي يُحبها الله عز وجل.

التزوُّد ليس "نشاطًا"، بل "غذاء"، وليس "حماسًا"، بل "يقينًا"، وليس "لحظة"، بل "عادة"، ولهذا فإن الطريق إلى الله يَقطَعه القلب وزادُه اليقين، فإن فَقَد القلب يقينَه تعطَّّل السَّيْرُ كلُّه!

أثر التزوُّد في ثبات القلب:
إن للتزوُّد أثرين رئيسيين:
أنه يَحفَظ حركة القلب: فالقلب إذا خلا من التزوُّد، ضَعُف، ثم فتَر، ثم قسا، ثم انقطَع، وإذا امتلأ بالتزوُّد، استقام، وثبَت، وقاوَم الشهوات، واستقبَل الطاعات برغبةٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 45، 46]، والخشوع لا يستقيم إلا بالتزوُّد.

أنه يقي العبد من الانتكاس: الذي ينقطع ليس هو مَن قلَّ عمله، بل مَن قلَّ وقودُه، والذي ينتكس ليس هو مَن أخطأَ، بل مَن لم يتزوَّد ويرجِع سريعًا بعد الخطأ، فإن الذنب مع التوبة زادٌ، والطاعة مع العجب وبالٌ، فالتزوُّد يضمن أن يتحوَّل الذنب إلى توبة، وأن تتحوَّل الطاعة إلى استقامة.

محاسبة النفس: المحطة التي يملأ فيها السالك قلبه من جديد:
كلما وقف العبد مع نفسه وقفةَ صدقٍ، حصل له أمران:
كشف المخزون الإيماني الحالي: هل ما زال في القلب حرارة؟ هل ما زال للقرآن أثرٌ؟ هل صارت العبادة عادة؟ هل الذكر حي؟ هل الدعاء حاضر؟ هل النية تتجدَّد؟

تعبئة مخزون جديد: المحاسبة ليست تشخيصًا فقط، بل علاجًا وضخًّا جديدًا للرُّوح؛ لهذا قال تعالى: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18]؛ قال القرطبي: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾؛ يَعني يومَ القيامةِ، والعربُ تُكَنِّي عن المستقبلِ بالغد، وَقِيلَ: ذَكَرَ الغدَ تَنْبِيهًا على أن الساعةَ قريبةٌ؛ كما قال الشاعر:
وإن غدًا للناظرين قَرِيبُ

وقال الحسنُ وقتادةُ: قَرَّبَ الساعةَ حتى جَعَلَهَا كَغَدٍ، ولا شكَّ أن كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، والموتَ لا مَحَالَةَ آتٍ، ومعنى ما قَدَّمَتْ؛ يَعْنِي: مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.

لماذا ينقطع البعض رغم قوتهم الظاهرة؟ الجواب: لأنهم اعتمدوا على قوة البداية لا على ديمومة التزوُّد.

منهم مَن بدأ بحماسٍ، لكنه لم يجدِّد نيته.

ومنهم مَن بدأ بطاعات كثيرة، لكنه لم يجدِّد علاقته بالله.

ومنهم مَن بدأ بعلمٍ، لكنه لم يجدِّد وقود اليقين.

ومنهم من بدأ بصُحبة صالحة، لكنه ترك التزوُّد حين انفرد بنفسه.

والعجيب أن بعضَهم لا يَشعُر بانقطاعه؛ إذ ما يزال يؤدي الأعمال الظاهرة، لكن رُوحه انطفأَت من الداخل؛ عن عَلْقَمَةَ بن وَقَّاصٍ اللَّيثي قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»؛ «صحيح البخاري»، والنية لا تبقى حيَّة إلا بالتزوُّد.

بين الزاد والطريق: كيف تتكامَل المنازلُ؟

إن "المحاسبة"، و"المجاهدة"، و"المراقبة"، و"الإنابة"، ليست منازلَ منفصلةً، بل هي سلسلة مترابطة لا تعمَل إحداها دون الأخرى، والْمِفْصَلُ بينها هو "التزوُّد"، فبدون تزوُّد لا تعمَل المراقبة، ولا تَصِح المجاهدة، ولا تدوم المحاسبة، ولا تَستقيم الإنابةُ.

إنه أشبه بالدم في الجسد، وبالهواء في الرئة، وبالوقود في السفينة؛ لا يتحرَّك أي جزءٍ بدونه!

التزوُّد الحق يورث الطُّمأنينة التي تكلَّم عنها القرآن:
إن الطمأنينة ليست نهاية الطريق، بل ثمرتَه، فالطمأنينة ليست أن يَشعُر العبد بأنه "وصَل"، فهذا غرورٌ مُهلك، بل هي ثبات القلب في الطريق رغم آلامه ومشقَّاته، وهي سكون النفس إلى وعد الله، لا إلى نفسها، وهي راحة القلب بالله لا بالعمل، ومَن عاش هذا المقام عرَف معنى قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

خاتمة:
التزوُّد هو سرُّ الثبات وطوق النجاة: يبدأ السائرون كثيرين، ويَنقطِع المنتكسون كثيرين، ولا يبلغ المنازل إلا مَن كان متزوِّدًا.

التزوُّد يَشمَل استحضارَ الحقائق الإيمانية في القلب، وتأمُّلَ نِعمِ الله وآلائه، وتجديد العهد معه في كل حين، ومراجعة النفس عند كلِّ غَفلةٍ، وتَكرار طَرْق أبواب القُرب، وإحياء القلب بذكر الله، وربط العمل بالنية، وقراءة القرآن برُوح راغبة مُقبلة، وسائر الأعمال والأقوال التي يُحبها الله عز وجل.

التزوُّد هو الذي يبقي القلب حيًّا، والسلوك ثابتًا، والنفس مستقيمة، والرُّوح متعلِّقة بالله.

وهو الذي يجعل مِن محاسبة النفس مَحطَّةَ "بناءٍ" لا مجرد "عتابٍ"، ومن الطريق رحلةَ "عُمرٍ" لا لحظةَ "اندفاعٍ".

ومن لم يجعل لنفسه زادًا مستمرًّا، كان كمَن يَخرُج إلى صحراء بلا ماء، أو يركَب سفينة بلا مَجاديفَ، أو يذهب إلى طريق طويلٍ بلا مِصباحٍ.

نسأل الله أن يَجعل لنا زادًا من الإيمان، ونورًا من اليقين، وأن يَرزُقَنا الثبات حتى نَلقاه وهو راضٍ عنا.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-02-2026, 11:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة التوبة

منزلة التوبة

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر


مقدمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
تتابعت دروس «منازل السائرين إلى الله»؛ لتُعيد القلوب إلى سَيْرها الأول، وتضع العبد على الطريق في سفره الأعظم إلى ربه سبحانه، وبعد أن تحدَّثنا في المقالات السابقة عن منزلة المحاسبة وأركانها، وعن طبيعة النفس وطرائق علاجها، نصل اليوم إلى أشرف المنازل، وأعظمها نفعًا، وألزَمها للعبد طول حياته: منزلة التوبة.

هذه المنزلة - كما يقرِّر العلماء - ليست مرحلة يُمضيها العبد ثم يتجاوزها، بل هي: أول المنازل، ووسطها، وآخرها، لا يَنفَكُّ عنها السائر حتى يلقى ربَّه؛ لأنها سبيل النجاة، وجوهر العبودية، وميزان العبد في الدنيا والآخرة.

ومع أن التوبة كلمةٌ مألوفةٌ شائعة، إلا أن حقائقها العميقة - كما تَكشِفها النصوص وتجارب السلف - تكاد تكون غائبةً عن كثيرٍ من النفوس، في زمنٍ كثُر فيه الغرورُ، وضَعُف فيه الخوفُ من سوء الخاتمة، واستقرَّت في القلوب أمثلةٌ مقلوبة تجعل أمنَ العصاة أشدَّ من خوف الأولياء!

حقيقة التوبة وموقعها في طريق السائرين إلى الله:
التوبة عند أهل العلم ليست انتقالًا بين معصية وطاعة فحسبُ، بل هي رجوعٌ كامل للعبد إلى ربه، وخلعٌ لثوب الغفلة، وانكسارٌ أمام جلال الله، واعترافٌ بالقصور مهما كثُرت الأعمال.

وتُفتتح منزلة التوبة بحقيقة لا مفرَّ منها: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ»؛ أخرجه أحمد (13049)، والترمذي (2499).

هذا تقريرٌ نبوي قاطع، الذنبُ ملازمٌ لابن آدم، مهما بلغ علمُه أو وَرعُه، ليس المقصود تبرير الذنب، بل فضْح وَهْمِ العِصمة الذي يقع فيه بعضُ الناس؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ»؛ أخرجه مسلم (2749).

هذا الحديث يؤسِّس لقاعدة خطيرة: المشكلة ليست في وجود الذنب، بل في غياب التوبة.

لماذا يحتاج العبد إلى التوبة دائمًا؟


لأن الإنسان محاطٌ بخصومٍ ثلاثة:
الشيطان: عدوٌّ قديم، صريح، لا ينسى وعده: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [الحجر: 39، 40].

النفس الأمّارة بالسوء: عدوٌّ داخلي، قد يكون أشدَّ من الشيطان؛ لأنها "معك دائمًا".

شياطين الإنس والجن: محيطٌ اجتماعي وإعلامي وضغوطٌ لا تنقطع.

اجتمع هؤلاء كلُّهم على شيء واحد: إهلاك الإنسان، فكيف ينجو بلا توبة تتجدد كلَّ يوم؟

مَشهد التوبة في ضوء سُنَّة الحياة:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، إن العبودية لا تستقيم إلا بمعرفة طبيعة الدنيا، فالتوبة ليست مجرَّد رجوعٍ من ذنبٍ، بل استيقاظ من خداع الدنيا.

الخوف من سوء الخاتمة: قلب التوبة ورُوحها:
إن العبد كلما قوِي إيمانُه زاد خوفُه، وكلما صفا ورعُه اشتدَّ حياؤه من الله، فإذا رأيتَ العصاة يمشون في الأرض بأمانٍ من غير خوف، فاعلَم أن هذا أعظم البلاء.

لماذا كان السلف يرتعدون من ذكر الموت؟
لأنهم علموا أنَّ العمل مهما حَسُن، فإنه لا يُقبَل إلا برحمة الله، هذا هو الفارق بين المؤمن والمغرور: المؤمن يعمل ولا يرى عملَه، والمغرور لا يَعمَل ويرى نفسَه شيئًا؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا هي أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إنْ كُنَّا لَنَعُدُّها علَى عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المُوبِقاتِ»؛ أخرجه البخاري (6492).

التوبة والعبودية: الوجه الآخر للحقيقة:
التوبة طريقةٌ لرؤية النفس على حقيقتها، وإن العبودية هي أشرف مقام يصل إليه الإنسان، والعبد كلما حقق العبودية، انكسَر قلبُه، وشعَر بفقره، ورأى تقصيره، ولم يُعجب بما يفعل، ولم يَحتقر أحدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات: 17].

ليست الطاعة ملكك، ولا التوبة صنعك، بل كلها منَّة وفضلٌ.

آفتان تَهدِمان التوبة:
الإعجاب بالطاعة: هذه آفة خفيَّة، يُبتلى بها مَن يَعمَل، يظن أنه بلغ شيئًا، فيتهاوَن، ثم يترفَّع على غيره.

تعيير الناس بالذنوب: وهذه من أخطر آفات الطريق، ووعيدها: ربما تُبتلى بالذنب الذي عيَّرت به غيرك، أو تُعاقَب بمثله، أو تُحرَم التوبة منه، لذا فإن التوبة الصحيحة لا تجتمع مع احتقار أحدٍ.

التوبة ليست موسمية:
كثير من الناس يظنون أن التوبة "فترة نشاط"، أو "موسم"، خاصة في رمضان أو بعد حدث مؤثرٍ، لكن الحقيقة: التوبة سيرٌ مستمر، لا علاقة له بالمواسم.

بل إن الفتور الذي يُصيب كثيرًا من الملتزمين سببه: ضعف المحاسبة، غياب الخوف الصادق، فِقدان معنى العبودية، طول الأمل، إعجاب المرء بنفسه، ولهذا قال ابن القيم: «القلبُ في سَيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبةُ رأسه، والخوف والرجاء جناحاه».

أنواع النفوس وصلتها بالتوبة:
النفس الأمَّارة بالسوء: أصل الشرور لا تُطيق التزكية إلا بقهْر المجاهدة.

النفس اللوَّامة: مرحلة الصحوة، تعاتب، لكن قد تَنتكس.

النفس المطمئنة: وليست هي المطمئنة بالغفلة، بل المطمئنة: برحمة الله، وبصدق السعي، وبالرجوع الدائم، دون غرورٍ، ولا أمنٍ مِن مكر الله، فإن الاطمئنان الذي يَمنع التوبة مَهلكةٌ، والاطمئنان الذي يولِّده اليقين طُمأنينةٌ إيمانية.

خاتمة:
منزلة التوبة ليست موضوعًا وعظيًّا عابرًا، ولا مجرَّد فكرة أخلاقية جميلة، بل هي بداية الطريق ووسطه ونهايته، وهي جِماع العبودية، ورُوح الإيمان، وميزان القلوب يوم القيامة.

إن أعظم ما يتعلَّمه العبد من هذه المنزلة أن الذنب لا يُبعدك ما دمتَ تتوب، والطاعة لا تَنفَعك ما دمت تُعجَب بها، والتوبة لا تُقبل إلا إن كانت مقترنة بالصدق والإخلاص، والخوف لا يُثمر ما لم يُرافقه رجاءٌ، ومن ثَم فالقلبُ في طريقه إلى الله لا يقوم على قدَميه إلا بهذه المعاني.

نسأل الله أن يَجعلنا من التوَّابين، وأن يَرزُقنا خوفًا صادقًا، وقلوبًا مُنكسرة بين يدي الله عز وجل، ونفوسًا مُطمئنة بذكره، والحمد لله ربِّ العالمين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-02-2026, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة الهمة والعزم: تحويل العلم إلى حركة

طريق المسلم إلى الله قبل رمضان

منزلة الهمَّة والعزم: تحويل العلم إلى حركة

د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقدمة:
الحمد لله الذي فتَح لعباده أبواب السير إليه، وشرَع لهم منازل الهداية والتزكية، وجعَل القلوب ميادين السباق، والنيَّات مَحَكَّ الصدق، والعمل عنوان الطريق.

وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين والعابدين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

بعد أن تناوَلنا في المقالات السابقة أساسات محاسبة النفس، وبعض آفات القلوب، وبعض مكائد العدوِّ، نَصِل في هذا المقال إلى منزلة مركزية لا يقوم السير إلى الله بدونها: منزلة الهِمَّة والعزم.

فهذه المنزلة هي الشَّرارة الأولى، والبداية الصادقة، والرغبة المشتعلة التي تُحرِّك العبد، وتختبر صدقَه، وتَكشِف حقيقةَ قلبه.

إن العبد قد يَعرِف الطريق، ويَعرِف منازله، ويحفَظ شروطه، لكنه لا يخطو خُطوةً واحدة إن لم يُمنَح في قلبه هِمَّةً تُقاوم التثاقل وتتجاوز المعوِّقات، ولم يُفتَح له بابَ العزم!

العلاقة بين الهمِّ والعزم في ترقِّي السائر إلى الله:
تتجلَّى الصلة بين الهَمِّ والعَزْم باعتبارهما درجتين متعاقبتين من مراتب الإرادة، فالهَمُّ هو الخاطر الأول والميل الابتدائي الذي يَطرَأ على القلب دون ثباتٍ يوقِظه إلى مقصدٍ راشد، أو يُنذره مِن انحرافٍ مُحتمَلٍ.

أما العَزْم فهو انتقال الإرادة من طور الخاطر إلى مرتبة القصد الجازم؛ حيث يستقر التوجيه الداخلي، ويتهيَّأ العبد للعمل والمجاهدة، وبه تبدأ ملامح الطريق في الظهور؛ إذ لا يبلغ شيئًا من منازل القرب إلا بإرادةٍ صادقة تُحوِّل ما كان هَمًّا عابرًا إلى سعي واعٍ يَمضي بصاحبه نحو طاعة الله وثباته على منهجه.

جوهر العزم في طريق السائرين إلى الله:
العزم هو أول منازل الإرادة، وهو عقدُ القلب على الفعل.

العزم ليس مجرَّد رغبة، ولا فكرة عابرة، بل هو «قوة في القلب» تُشبه في العالم المحسوس إشعالَ المحرِّك قبل انطلاق المركبة، فالعزمُ هو الجسر بين العلم والعمل، فالعبد قد يتعلم ويحفظ، ويُعجب بما يسمَع، لكنه يظَل ساكنًا إن لم يَنهض بالعزم، لذلك كانت منزلة العزم في التزكية كمنزلة "انطلاق الإرادة"؛ فالنية تُحدِّد الاتجاه، ولكن العزم هو الذي يبدأ الحركة، ويَكشِف صدقَ العبد.

مراتب الناس في الهمَّة:
إن الناس في الهِمَّة على ثلاث طبقات:
أصحاب الهمم الساقطة: وهم الذين يعرفون الخير ولا يعملون به، يُعجبون بالكلام، ويُثنون على العباد، ويقدِّرون الطريق، لكنهم لا يحرِّكون ساكنًا، هذه الفئة أسيرة العجز والتمنِّي، يتمنَّون البرَّ بلا عملٍ، والإصلاح بلا بذل، والتوبة بلا مجاهدةٍ، هؤلاء لا يخونون الدين عمدًا، لكنهم يخونون أنفسهم بالعجز.

أصحاب الهمم المتوسطة: وهم الذين يتحرَّكون إذا تحرَّك مَن حولهم، ويَخمُدون إذا خَمَد الناس، ويقع سيرُهم كله تحت تأثير "الأجواء الإيمانية"، يدخل رمضان فينهَض، ويأتي درسٌ مؤثر فيتغيَّر، لكن بعيدًا عن الأجواء التربوية يَخبو ويَضعُف، إذا وَجَدَ مَن يَحْمِلُهُ سَار، وإذا تُرِكَ تَخَلَّف، هم خيرٌ ممن قبلهم، لكنهم لا يَبلغون المقامات العالية.

أصحاب الهِمم العالية: وهؤلاء هم السائرون حقًّا، لا ينتظرون مناسبة، ولا ينتظرون رُفقة، بل قلوبهم تُولِّد طاقتها الإيمانية من داخلها، ومن علامات هذه الفئة:
* أن العمل أحبُّ إليهم من الأماني.
* وأن الطاعة عندهم قرارٌ لا انفعال.
* وأنهم يَجِدون في العبادة لذةً تدفَعهم، لا مجرد عادة.
* وأنهم إن سقَطوا نَهَضوا، وإن ضعُفوا جاهَدوا.

هذا الصنف هو الذي يَنطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»؛ أخرجه مسلم (2664).

بداية الطريق هي "الهم بالحسنة":
إن العزم يبدأ بـ"هَم الفعل"، وأن الهمَّ نفسه عمل يُكتَب في ميزان العبد؛ جاء في الحديث الصحيح: «مَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كُتِبَتْ له حَسَنَةً، ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَعَمِلَها، كُتِبَتْ له عَشْرًا إلى سَبْعمائةِ ضِعْفٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَبْ، وإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ»؛ أخرجه مسلم (130).

وهذا تعليمٌ ربَّاني: أن الطريق يبدأ من الداخل؛ من همٍّ صادق، ونيَّةٍ جادة، وشعورٍ حقيقي بالرغبة في إصلاح الحال، فإذا صدق الهمُّ، انطلق العزم، وإذا انطلق العزم، تحرَّكت الجوارح، وإذا تحركت الجوارح، ظهر أثرُ السلوك، ولهذا فإن الهمَّ أولُ العمل.

العزم يحتاج إلى صدقٍ، والصدق يحتاج إلى ابتلاء:
هناك حقيقة قاسية: أن كل عزم حقيقي سيُبتلى.
فإذا عزمتَ على ترك معصية، جاءك الابتلاء.
وإذا عزَمتَ على الطاعة، جاءك التثبيط.
وإذا عزَمتَ على التوبة، وقَف لك الشيطان والنفس والهوى.
والابتلاء هنا ليس لإفشالك، بل لإظهار صدقك.
قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142].
الإرادة الحقيقية لا تُعرف إلا عند المصادمة.

بين العزم الحقيقي والعزم الكاذب:
العزم نوعان:
عزمٌ حقيقي: وهو العزم الذي يترتَّب عليه عملٌ، ومن علاماته:
* أن يكون مقرونًا بمجاهدة.
* أن يَصبِر العبد على الابتلاء.
* أن يَثبُت العبد عند الفتور.
* أن يُخرج العبد من عادته إلى حالٍ أفضل.

عزمٌ كاذب: وهو الذي يَطير مع أول ريحٍ، ويَختفي مع أول امتحان، ومن علاماته:
* أن يبقى الكلام أكبرَ من العمل.
* أن يكتفي صاحبه بالثناء على أهل الطاعة.
* أن يستمرَّ في التسويف.
* أن يُعجَب بنفسه وهو لم يفعل شيئًا.

العزم الصادق يدفَعك، والعزم الكاذب يُعجبك.
فالإنسان بين حرثٍ (عمل) وهَمٍّ (نيَّة)، فمن فقَدهما فقَد خيرًا كثيرًا.

خطورة التسويف وتأجيل العزم:
التسويفُ هو أكبرُ سارقٍ للطريق؛ يستحيي العبد من المعصية، ويتألَّم مِن ضعف نفسه، لكنه يقول:
* سأبدأ غدًا.
* سألتزم بعد الامتحانات.
* سأَتوب بعد أن أرتِّب حياتي.
* سأستقيم حين أرتاح.

هذا الأسلوبُ في ميزان السير إلى الله عز وجل، أخطرُ من الذنب نفسه؛ لأن الذنب يدفع للتوبة، لكن التسويف يدفَع للغفلة؛ يُروى عن علي بن أبي طالب بإسناد ضعيف: «إنَّ أشدَّ ما أخافُ عليكم خَصْلتانِ: اتباعُ الهوى وطولُ الأملِ، فأما اتباعُ الهوى فإنَّهُ يصدُّ عن الحقِّ، وأما طولُ الأملِ فإنَّهُ الحبُّ للدنيا، ثم قال: ألا إنَّ اللهَ تعالَى يُعطي الدنيا مَن يُحبُّ ويبغضُ، وإذا أحبَّ عبدًا أعطاه الإيمانَ، ألا إنَّ للدينِ أبناءً، وللدنيا أبناءً، فكونوا من أبناءِ الدِّينِ، ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا، ألا إنَّ الدنيا قد ارتحلتْ مُولِّيةً، ألا إنَّ الآخرةَ قد ارتحلت مُقبلةً، ألا وإنَّكم في يومِ عملٍ ليس فيه حسابٌ، ألا وإنكم تُوشكونَ في يومِ حسابٍ ليس فيه عملٌ»؛ أخرجه ابن أبي شيبة (34495)، وأبو داود في «الزهد» (116)، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (3)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (10129).

موافقة العمل للشرع لا للهوى:
إن العزم وحدَه لا يكفي؛ لا بد أن يكون مقرونًا بـ (الموافقة).
والموافقة هي: أن يكون العمل على وَفْق الشرع، لا على وَفْق الهوى.

فالإنسان قد يَعزِم على عبادةٍ ما، لكنه يَبتدع فيها، أو يبالغ، أو يَخترع طريقًا لم يَشرَعه الله، فيكون عذابه أقربَ من ثواب عمله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ»؛ أخرجه البخاري (2697).

العزم بلا موافقة: هلاك، والموافقة بلا عزم: جمود، واجتماعهما: طريق القلب السليم في سيْره إلى الله عز وجل.

العلاقة بين الهمة واليقظة:
الهمة لا تولَد في قلبٍ غافلٍ، واليقظة هي الشرارةُ التي توقِظ الهمَّة.
* إذا أحسَّ العبد بقِصَر عمره، استيقَظ.
* إذا رأى سرعة تغيُّر نفسه، استيقَظ.
* إذا تذكَّر الآخرة، نَهَض.
* إذا أدرك خطورة الغفلة، انكسَر.

ولهذا قال بعض السلف: «ما نِمتُ نومًا فاستيقظتُ إلا ورأيتُ نعمة الله عليَّ».

اليقظة ليست معرفة، بل "إحساس"، وإذا حصَل هذا الإحساس، انطلقت الهمَّة.

خاتمة:
السير إلى الله لا يَقطَعه إلا أصحاب الهمم العالية:
منزلةُ العزم هي المنزلة التي تُفرز السالكين، وهي التي تجعل العبد يترك التسويف، ويقوم لله على صدقٍ، ويعمل عملًا يليق بعظمة ربه، فإن الطريق طويل، والتكاليف ثقيلة، والعقبات كثيرة، ولا يقطع هذا الطريق ضعيفُ الهمَّة، ولا صاحبُ أملٍ طويل، ولا مُعجبٌ بنفسه، ولا متكاسلٌ ينتظر المواسمَ، ولا متساهلٌ يَرضى لنفسه بالدُّون، إنما يقطَعه مَن عرَف قدرَ الله، وقدرَ نفسه، وقدرَ الطريق، فإذا اجتمَع له صدقُ الهمَّة، وصحةُ العزم، والموافقةُ الشرعية، والمجاهدةُ والمحاسبة، واليُسر الربَّاني - صار من الذين قال الله فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 110.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 106.71 كيلو بايت... تم توفير 3.51 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]