|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#12
|
||||
|
||||
|
كتاب مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود محمد شاكر يتبعصفية الشقيفي (16) بحث أبي سليمان الخطابي وأبي بكر الباقلاني عن بيان كيفية بلاغة القرآن قال أبو فهر محمود بن محمد شاكر الحسيني (ت: 1418هـ): (16) كانت ثمرة هذا السياق الذي اتصل منذ عهد أبي عثمان الجاحظ (150 – 255هـ)، إلى أن انتهى إلى الرماني (-386هـ) هو: أن التحمت خمسة ألفاظ التحامًا واحدًا، في الفكر وفي الاستعمال، في كل بحث يكون في شأن القرآن، وفي كلام المتفقين والمختلفين على السواء، وهذه الألفاظ الخمسة هي: (الإعجاز، والمعجزة = التحدي، والعجز = البلاغة)، وكان لفظ (البلاغة) [مداخل إعجاز القرآن: 80] هو أشدهن سحرًا، حين وضع في حيز الإبانة عن أعظم وجوه (إعجاز القرآن)، وذلك لأن لفظ (البلاغة) الذي أسند إليه (إعجاز القرآن) كان، ولم يزل، لفظًا مبهمًا غير بين المعالم والحدود والدرجات، فكان لهذا الإبهام، مع حضور التذوق في الأنفس حضورًا واحدًا حيًا في تذوق نظم القرآن وتأليفه، وفي تذوق نظم الشعر والكلام البليغ = كان له سحر يربط هذا التذوق، بلفظ له في نفسه دلالة مغرية، فيوهم المرء بأن معناه بين، والحقيقة أن معناه ليس ببين ولا محدود. ولم يغفل بعض القدماء عن موطن هذا الغموض والإبهام، بل انتبهوا له، ولكن جرفهم سحر لفظ (البلاغة) في حيز (إعجاز القرآن)، فسكتوا عنه، أو ذكروه ثم تجاوزوه، وعادوا إلى البلاغة، بلا غضاضة ولا تردد. 4- ومن الدليل على ذلك أن الرجل الرابع، بعد الثلاثة الأول، كان أول من صرح بغموض هذا اللفظ، ثم عاد إليه مسحورًا به، وسار في الطريق الذي مشى فيه من قبله، وسيمشي فيه من بعده، وهذا الرجل هو الإمام الجليل القدر في أهل السنة، وعند أهل الأدب واللغة،: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي، من ولد زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وقد ولد أبو سليمان الخطابي سنة 319، وتوفي [مداخل إعجاز القرآن: 81] سنة 388هـ، فهو معاصر لأبي الحسن الرماني المعتزلي، وإن كان أبو الحسن أسن منه، وخليق أن يكون في مرتبة شيوخه. وقد كتب أبو سليمان رسالة سماها (كتاب بيان إعجاز القرآن)، والوقوف على ما افتتح به كتابه، أمر لا بد منه، لنعرف السياق الصحيح الذي سار فيه تاريخ (إعجاز القرآن). يقول أبو سليمان في فاتحة رسالته: (القول في بيان إعجاز القرآن. قال أبو سليمان: قد أكثر الناس في هذا الباب قديمًا وحديثًا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم صدروا عن رمى، وذلك لتعذر معرفة وجه إعجاز القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته)، فأبان عن الحيرة التي تبحث عن شيء مبهم تتلمسه تلمسًا، ثم ذكر أربعة وجوه في إعجاز القرآن، فأولها: ما كان من ترك معارضته، مع وقوع الحاجة إليها، وهذا دليل (العجز) ثم وصفه فقال: (وهذا من وجوه ما قيل فيه، أبينها دلالة، وأيسرها مؤونة، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه) = ثم ذكر الوجه الثاني، وهو (الصرفة) فرده وأبطله = ثم ذكر الوجه الثالث، وهو الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، فضعفه ولم يرده، - ثم ذكر الوجه الرابع، فأتى فيه بكلام مهم جدًا، ينبغي أن تقرأه بعناية، قال أبو سليمان: (وزعم آخرون أن إعجازه من جهة [مداخل إعجاز القرآن: 82] البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، وفي كيفيتها يعرض لهم الإشكال، ويصعب عليهم منه الانفصال. ووجدت عامة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له وإحاطة العلم به. ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن، الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام، وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربًا من المعرفة لا يمكن تحديده، وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذي يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفة ذلك ... قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان معًا فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة. قال أبو سليمان الخطابي. قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل، وإنما هو إشكال أحيل إبهام). [مداخل إعجاز القرآن: 83] ولست هنا بصدد بيان مقالة أبي سليمان أو غيره في إعجاز القرآن، بل همى هنا أن أظهر هذه الحقيقة، وهي أن (البلاغة) التي جعلوها وجهًا من وجوه الإعجاز، إذا أنت ذهبت تتطلب بيانها، وجدتها محفوفة بالإبهام، لا تثبت على النظر! ثم لا أكتم عجبي من أن أبا سليمان قد كشف هذا الإبهام كشفًا لا مرية فيه، فلما أراد أن يقول في الإعجاز برأيه، لم يزد على ما فعله الرماني في تقسيم أجناس الكلام الفاضل ومراتبه، وجعلها ثلاثة: (البليغ الرصين الجزل = والفصيح القريب السهل = والجائز الطلق الرسل = فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والثاني أوسطه وأقصده، والثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ...، وقد توجد الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير ...)! والعجب من هذه المبهمات الثلاثة التي لا حدود لها، إذا هي اجتمعت، كيف يخرج منها ما نسميه (إعجاز القرآن)؟ وسر هذا الاضطراب بعد الاستقامة والوضوح، هو سحر لفظ (البلاغة). كما أسلفت. 5- أما الرجل الخامس، الذي كان مع الرماني المعتزلي، وأبي سليمان الخطابي من أهل السنة في زمان واحد، (توفى سنة [مداخل إعجاز القرآن: 84] 403) فهو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني، (شيخ السنة، ولسان الأمة)، وهو أحد بحور العلم في القرن الرابع، وهو رأس الطبقة الثانية من أصحاب أبي الحسن الأشعري، (علي بن وإسماعيل بن أبي بشر)، من ولد أبي موسى الأشعري الصحابي (260 – 324هـ). وكان متكلمًا لا يبارى في نصرة مذهب الأشعري، ولكنه كان أيضًا أديبًا جيد التذوق ينفي عن نفسه صدأ الكلام. وقد ألف القاضي الباقلاني كتابًا جليل القدر، فريدًا، هو كتابه (إعجاز القرآن)، وقد ذكرت بعض قولي فيه آخر (المدخل الثالث) من هذا الكتاب بما يغنى عن ذكره هنا. وكتابه دال على أنه كان قد اطلع على جميع كتب من سبقه منذ عهد أبي عثمان الجاحظ، ممن كتب في إعجاز القرآن، وكل من قال فيه قولاً. وقد ذكر كتاب الجاحظ المعتزلي (نظم القرآن) وجار عليه فيه، ثم أشار تعريضًا لا تصريحًا إلى كتاب الرماني المعتزلي حيث يقول: (قد أبنا لك أن من قدر البلاغة في عشرة أوجه من الكلام، لا يعرف من البلاغة إلا القليل، ولا يفطن منها إلا لليسير)، [انظر ما سلف: 79] ولكن الغريب عندي أن ظاهر كتابه لا يدل على أنه اطلع على كتاب أبي سليمان الخطابي، فلو كان قد رآه، لأشار إلى تلك الحقيقة التي كشف عنها الخطابي في [مداخل إعجاز القرآن: 85] صدر كتابه، من إبهام معنى (البلاغة)، وأن العلماء سلموا بهذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وغلبة الظن ... وأنهم قالوا إنهم لا يستطيعون تحديد هذه البلاغة بأمر ظاهر (يعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام) كما نقلت ذلك منذ قليل. وهذا غريب جدًا من بحر متكلم كالقاضي الباقلاني! بل إن ظاهر كتابه يدل أيضًا على إنه لما ذكر (البلاغة) ذكرها ذكر الواثق المطمئن الذي لا تدخله ريبة في أنه قد فرغ من تحديد معناها في قلبه تحديدًا سالمًا من العيب، وتصورها في نفسه تصورًا لا يحجبه شك أو غموض. ولكني بعد التأمل، وجدت الأمر يحتاج إلى نظر، وأنه إما أن يكون القاضي لم يطالع قط على كتاب الخطابي، ولكن ساوره في شأن (البلاغة) ما ساور الخطابي، وإما أن يكون اطلع عليه، ثم سكت عنه وعن التصريح بهذه المقالة، ولم يعاملها معاملة المتكلم، مع أن آفة كتابه هو أنه يحمل آفة المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة جميعًا في النظر، بلجوئهم إلى التكثير والتشقيق والمماحكة التي تنال بها الغلبة على الخصوم. وقد تبين لي أن القاضي رحمه الله منذ بدأ القول (في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن) (كتابه ص: 271) إلى انتهى من كتابه (ص: 462)، كان في الحقيقة يحاول محاولة صادقة لإزالة (الإبهام) عن معنى (البلاغة) و(الفصاحة)، ولكنه [مداخل إعجاز القرآن: 86] كان كسائر المتكلمين، يصرفه الجدال وحب الغلبة عن الطريق الواضح الذي يلوح له من قريب، وتشغله عنه المسالك والمضايق التي تكشف عن البراعة في الجدال والنظر. والقاضي المتكلم، كان أيضًا أدبيًا ذواقة، فكان إذا حزبه الأمر وهو في فحصه عن البلاغة ونظره فيها على طريقة المتكلمين، فزع إلى التذوق الذي يعصمه من الزلل، فكان دائم الأوبة إلى الطريق الذي سلكه من قبله أبو عثمان الجاحظ، وهو أن ينعت ما يجده في نفسه من تذوق القرآن، وبديع تركيبه، وغريب نظمه، ودقة رصفه، وروعة بيانه. ومعنى ذلك في الحقيقة أن فراره من طريق المتكلمين، إلى النعوت التي يجريها أهل البيان والتذوق، تكشف عما يجده في نفسه من غموض معنى (البلاغة) وما فيها من الإبهام. وقد بلغ القاضي في ذلك مبلغًا أربى فيه على أبي عثمان الجاحظ، وإن كان في كثير من ألفاظه عالة عليه، ونازعًا منه، ولكنه كان أشد تنبهًا من أبي عثمان إلى أن بيان القرآن مفارق لبيان البشر، ولذلك كان أحسن منه بيانًا عن هذا المعنى، وإن كان قد شغل عنه بحل إشكال (البلاغة)). [مداخل إعجاز القرآن: 80-87] (17) محاولة عبد الجبار الهمداني وعبد القاهر الجرجاني بيان بلاغة القرآن قال أبو فهر محمود بن محمد شاكر الحسيني (ت: 1418هـ): (17)6- ثم جاء الرجل السادس، وهو معاصر للرماني المعتزلي، وللخطابي والباقلاني من أهل السنة، وهو قاضي القضاة (عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني)، البحر المتكلم المعتزلي، عمر دهرًا طويلاً قارب المئة، وتوفى سنة 415 من الهجرة، وكان في المعتزلة، كالقاضي الباقلاني في الأشاعرة من أهل السنة. وهو الذي نافح عن الاعتزال، وألف الكتب الكبار الجامعة للمذهب، وصحح منه وزاد فيه. ولكنه لم يكن كالقاضي الباقلاني في التذوق، وإن ضارعه في التكلم (أي في علم الكلام)، وقد كتب القاضي كتابه الكبير: (المغني)، فعقد جزءًا من أجزائه للكلام في مسألة (خلق القرآن)، وعقد جزءًا آخر للكلام في (إعجاز القرآن) وحشد في هذا الجزء مذاهب أهل الاعتزال في (إعجاز القرآن). وقد سلك قاضي القضاة عبد الجبار سبيل من سبقه من المتكلمين في الإعجاز، ولكنه في خلال ذلك أراد أن يزيد الإبهام عن معنى (الفصاحة) و(البلاغة)، ويفعل ما لم يفعله أحد قبله ممن كتب في (إعجاز القرآن). وكان سبيله إلى ذلك مجرد النظر على أسلوب المتكلمين، وهو أسلوب يعلوه صدأ كثير يجلب من الضرر أضعاف [مداخل إعجاز القرآن: 88] ما يجلب من النفع، ولا سيما فيما يتعلق بآداب اللسان وتذوق النفوس. وقد كان كلام القاضي خالصًا لعلم الكلام منذ بدأ ذلك في كتابه المغني (16: 197 – 315). ولكن هذه المحاولة في كشف (الإبهام) والتي تجاوزها القاضي الباقلاني، سوف يكون لها أثر عظيم في تاريخ اللغات والألسنة، والظاهر أن أقوال القاضي عبد الجبار المعتزلي، كانت قد استفاضت وأثارت ضروبًا من الصراع والمناقشة بين المعتزلة والأشاعرة، في شأن البلاغة والفصاحة، وامتد الصراع والنظر إلى من يخصهم تفسير (الفصاحة) و(البلاغة) من الأدباء والعلماء وأصحاب اللغة والشعر، ولكنه كان مشوبًا بالعصبية للمذهب والتأثر به، وهذا شيء ينبغي أن يتتبعه باحث حتى يقول فيه قولاً مرضيًا، من خلال دراسة كتب الآداب والنقد، فيما بين زمن حياة القاضي عبد الجبار، وزمن حياة عبد القاهر. 7- ثم جاء الرجل السابع، جاء أمة وحده، جاء ليضع ميسمه على علم قائم برأسه، لم يسبقه إلى مثله أحد، ثم جاء من بعده ليتموا عمله ببراعة واقتدار ومع ذلك ظل عمله هو منفردًا بسجاياه عن أعمالهم: هو الإمام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، لعله أدرك أواخر القرن الرابع، ثم توفى في [مداخل إعجاز القرآن: 89] القرن الخامس سنة 471 من الهجرة، وعبد القاهر فقيه شافعي، ومتكلم على مذهب أبي الحسن الأشعري، كان إمامًا في النحو واللغة والأدب، استوعب ما كان من علم أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني، وهو الذي تولى شرح كتاب (الإيضاح) في النحو لأبي علي الفارسي، وسماه (المغني) وهو في ثلاثين مجلدًا. كانت نشأة عبد القاهر في زمن يموج موجًا بالعلم، وبالصراع بين المذاهب، وبعصبية صاحب كل بضاعة من العلم لبضاعته، وتناثرت أقوال غريبة وتضاربت، إذ كان الفساد قد دخل على الناس، فأصاب منه حصته كل عالم وجاهل، وقد وصف بعض هذا عبد القاهر نفسه في أول كتابه (دلائل الإعجاز)، وأفرد منهم بالذكر طائفة ترى أن (البيان) هو الإفهام لا غير، أما ما يسمونه (الفصاحة والبلاغة والبراعة) فلا معنى لها سوى الإطناب في القول، وأن غاية (البيان) أن تعرف أوضاع اللغة، ومغزى كل لفظة وأن تتجنب ظاهر اللحن في الإعراب فإذا فعلت ذلك فأنت (كامل الأداة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها!. وقد طعنت هذه الطائفة في شيئين: في الشعر (فليس فيه كثير طائل، وأنه ليس إلا ملحة أو فكاهة، أو بكاء منزل أو طلل. [مداخل إعجاز القرآن: 90] أو إسراف قول في مدح أو هجاء وإنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في دين أو دنيا)، [دلائل الإعجاز: 6] = وطعنت في النحو. (فهو ضرب من التكلف، وباب من التعسف، وشيء لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصف والجر وما يتصل بذلك، مما تجده في المبادئ، فهو فضل (أي زيادة) لا يجدى نفعًا، ولا يحصل منه على فائدة)، [دلائل الإعجاز: 6]، هكذا قال عبد القاهر. وأقول: هذا كله شبيه بما يقوله جهلة زماننا عن الشعر، وعن تبسيط النحو واختصاره، والبلاء واحد، ولكنه اليوم أخطر وأبشع وأخبث، لأن الحق اليوم أضعف ناصرًا وأقل عددًا]. وكان عبد القاهر نحويًا متكلمًا، ولكنه استودع قدرًا باهرًا من تذوق البيان، فلم يطمس عليه صدأ الكلام والمتكلمين، وزاده تذوقه بصيرة في (النحو). وقريب جدًا أن يكون منذ نشأته قد شارك في معمعة الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة في كل أبواب (الكلام) التي شغلوا بها واصطرعوا عليها، ولكن يظهر أن عبد القاهر كان يجعل مشاركته هذه مشوبةً دائما بالحس المتذوق للبيان، فلما استوى واشتد، واتسع علمه بالأدب والشعر واللغة حتى صار فيها إمامًا، كانت تشغله قضية (إعجاز القرآن) التي هي جزء [مداخل إعجاز القرآن: 91] من أجزاء (علم الكلام)، وجزء مما اختلف فيه المختلفون من المتكلمين، وكتب عبد القاهر: (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة)، وبعض رسائله، وكلها تدل على أنه لم يفته شيء مما قاله الجاحظ، وأبو عبد الله الواسطي، والرماني، والخطابي، والباقلاني، وعبد الجبار، فوقف على ألفاظ الجاحظ الموحية المثيرة، والتي كان ينعت بها ما يجده في نفسه من تذوق القرآن، واستوعب ما زاد عليه فيها الباقلاني، وهو يحاول أن يكشف الإبهام عن معنى (البلاغة). وأنا أرجح أن الذي أرق عبد القاهر دهرًا طويلاً منذ أول اشتغاله بالعلم والأدب هو ما قاله الخطابي في افتتاح كتابه (انظر ص: 87 – 89)، حيث ذكر أن (البلاغة) معنى مبهم غامض، وأن المتكلمين، حين طلبوا وجه (إعجاز القرآن) اقترحوا أن يكون وجه الإعجاز هو (البلاغة)، وأن الناس قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن، وأنهم عاجزون عن تحديدها وتصويرها، وأن الكلامين يتفاضلان بالعذوبة في السمع وبهشاشة النفس له، ولكنهم لا يقفون على العلة التي تجعل لأحدهما على الآخر فضيلة ومزية. فلما جاء القاضي عبد الجبار، رأس المعتزلة، حاول كشف الإبهام والغموض عن معنى (البلاغة) و(الفصاحة)، وسلك في [مداخل إعجاز القرآن: 92] ذلك مسلك المتكلمين، فطرح (الكلام) صدأه على ما كتب، ولم يستطع أن يزيد على ضروب من تشقيق الكلام، تجعل البلاغة والفصاحة ضربًا من الكلام، لا دروة من درى البيان. وظاهر أن أقوال القاضي عبد الجبار، كانت مما دخل في نزاع المتكلمين وغير المتكلمين من الأدباء والشعراء، وأن عبد القاهر كان قد شارك الأشاعرة، منذ نشأته، في حوارهم وحديثهم وجدالهم وفي كل ما نازعوا فيه المعتزلة، إلا أنه كان في خلال ذلك كله أديبًا متذوقًا، قبل أن يكون أشعريًا متكلمًا. ومع الأيام، ظهر له قدر الفساد الذي أحدثه القاضي عبد الجبار، ببعض ما قاله فيما حاول به كشف الإبهام عن (الفصاحة والبلاغة). هذا، فضلاً عما وصفه قبل من فساد الناس، وفساد أقوالهم في الشعر والنحو. وقد هيج هذا كله تذوقه الذي كان يزداد على الأيام صقلاً، فعزم عندئذ على أن يقول قولاً في كشف هذا الإبهام الذي يكتنف (الفصاحة والبلاغة). وقد دل عبد القاهر نفسه على صحة ما قلت، في أول كتابه (دلائل الإعجاز) (ص34 – 38) حيث يقول، في فصل مهم جدًا: 1- ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة، والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من [مداخل إعجاز القرآن: 93] هذه العبارات وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان الخبئ ليطلب، وموضع الدفين ليبحث عنه ويخرج، وكما يفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبنى عليها. ووجدت المعول على أن ههنا نظمًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا، وصياغة وتصويرًا، ونسجًا وتحبيرًا = وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه، سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها ...)، ثم يقول (ص30 – 31). 2- ولا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسًا ما، وأن تصفها وصفًا مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً، بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئًا شيئًا، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الأجر في البناء البديع). فالفقرة الأولى دالة على أن كلام الخطابي في إبهام (البلاغة) كان يشغله ويهمه، والفقرة الثانية تشير إلى محاولة [مداخل إعجاز القرآن: 94] القاضي عبد الجبار في كشف الإبهام، وما في محاولته من العيب، فضلاً عن بعض أقواله الفاسدة التي أشار إليها عبد القاهر في مواضع من كتابه غير هذا الموضع. بيد أن الذي يهمني هنا أن أشير إليه، هو هذه الألفاظ الثمانية التي وضعت تحتها خطا في الفقرة الأولى. فهذه الألفاظ، كما ترى، هي نفس ألفاظ أبي عثمان الجاحظ. ومن بعده القاضي الباقلاني. كان أبو عثمان ينعت بها وبأخوات لها ما كان يجده في نفسه من تذوق هذا القرآن العظيم، حين أفزعته النتائج التي أفضت إليها (الصرفة) من سلب القرآن كل فضيلة، [كما بينت ذلك آنفًا ص65 – 69] وهي أيضًا ألفاظ الباقلاني، مع أخوات لها، كان يفزع إليها الباقلاني، حين يخامر قلبه الشك في إبهام هذه (البلاغة) ما هي؟ ولا يجد عند نفسه قدرة على الإبانة عنها، فيلجأ هو أيضًا عند ذلك إلى نعت ما يجد في نفسه من تذوق القرآن، بألفاظ الجاحظ، وبألفاظ أخرى استخرجها ببيانه وبراعته. وقد قلت آنفًا إن أبا عثمان قد استطاع ببراعته وبيانه وتدفقه، أن يستخرج من أعماق اللغة نعوتًا لأقصى ما يجده في أغوار نفسه من أثر تذوق القرآن العظيم، فجاءته ألفاظ عظيمة الوقع في النفوس بإبهامها واستثارتها، وكان يبثها في سيا كلامه [مداخل إعجاز القرآن: 95] حاملة صدقه وإخلاصه وتدفقه ونفاذ تذوقه، فتألقت تألقًا يثير كوامن الخواطر. من مثل قوله (نظم القرآن، وبديع تركيبه، وغريب تأليفه ...) = فالذي لا أشك فيه أن هذه الألفاظ في كلام الجاحظ، ومن بعده الباقلاني، هي التي ظلت تقع في نفس عبد القاهر موقعًا بعد موقع، كما وصفها في الفقرة (1)، بأنها كالرمز الإيماء والتنبيه على مكان الخبيء إلى آخر ما قال الشيخ الإمام، وصدق. وكان عليه أن يحل رموز هذه الألفاظ، ويكشف عن خباياها، ويذهب المذاهب مع كل إيماءة وإشارة، فكانت تستجيب له مفاتحها، شيئًا بعد شيء، وذلك لأنها كانت تحمل صدق النعت ودقته، عن إحساس مرهف صادق، ببيان هذا القرآن العظيم. ومن تأمل هذه النعوت الصادقة الدقيقة، المعبرة عن أقصى الحقيقة في نفس أبي عثمان، وقد وصف هو نفسه ما بذله من الجهد فيها، فيما سلف (ص: 69 – 76] من تأملها استخرج عبد القاهر أصول كتابيه العظيمين: (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز)، وانفرد وحده في تاريخ آداب الأمم جميعًا بتأسيس علم لم يسبقه إلى مثله أحد، ولم يزل ما يتضمنه هذان الكتابان ساميًا سامقًا تعيي أقلام الدارسين والكتاب عن بلوغ بعض دراه الشامخة). [مداخل إعجاز القرآن: 88-96]
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |