|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
ثم شرع في تعداد أمثالهم من المنافقين والمدسوسين وضعاف الإيمان صنفًا بعد صنف فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ ِالْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 49]، كما ورد عنهم في رواية ابن حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (يَا جدُّ، هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟) قَالَ جدٌّ: "أَتَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّسَاءَ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ أَفْتَتِنَ"، فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ: (قَدْ أَذِنْتُ لَكَ). ومنهم من يفرح لكل أذى يصيب المسلمين كما في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: 50]، وهو حال المنافقين المخلفين في المدينة عن غزوة تبوك في رواية ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال: "جَعَلَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا فِي الْمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَارَ السُّوءِ؛ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ جَهِدُوا فِي سَفَرِهِمْ وَهَلَكُوا، فَبَلَغَهُمْ تَكْذِيبُ خَبَرِهِمْ وَعَافِيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَسَاءَهُمْ ذَلِك". ومنهم طائفة تسر الكفر وتعلن الإيمان تقيةً، وتحلف بالله على صدق إيمانها خوفًا من أن يفتضح أمرها ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ [التوبة: 56، 57]، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ [التوبة: 58]، وفيهم عبدالله بن أبي رأس المنافقين؛ إذ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، ويزعم أنه يعدل. وذو الخويصرة، حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين، فاستعطف قلوب أهل مكة، وآثرهم بالعطاء، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: (ويلك، إن لم أعدل فمن يعدل؟). ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 61]، وقد نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَقُولُونَ عنه مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَبْلُغَهُ مَا تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنَا، فَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ مِنْهُمْ: بَلْ نَقُولُ مَا شِئْنَا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنُنْكِرُ مَا قُلْنَا وَنَحْلِفُ فَيُصَدِّقُنَا بِمَا نَقُولُ، فَإِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ. ومنهم الذين يعتذرون عن تخلفهم عن الجهاد بأعذار واهية ويحلفون كذبًا ونفاقًا ليرضى عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]. ومنهم الذين يستهزئون في مجالسهم بالمؤمنين تنفيرًا من دعوة الجهاد، فإن انكشف أمرهم وعوتبوا اعتذروا بكون فعلهم مجرد تَفَكُّهٍ بريء: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [التوبة: 65]، كما هو الشأن فيما روي عن ركب من المنافقين مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقالوا: "انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات"، فأخبر الله نبيه، فدعاهم فقال: (قلتم: كذا وكذا؟)، فقالوا: لا، والله، ما كنا في شيء من أمرك، ولا من أمر أصحابك، ولكنا كنا في شيء مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر. ومن هذه الفئات أيضًا طائفة اغتنت بما أعطوا من غنائم الفتح، فبطروا وبخلوا وتولوا، ففضح الله أمرهم بقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 - 77]. ومنهم الذين اعتذروا عن المشاركة في الجهاد بشدة الحر، وتخلفوا عن الخروج لتبوك، كحال رجال من بني سليم، صعب عليهم السفر إلى تبوك في الحر ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81]. وبعد أن استعرض الوحي الكريم أغلب الطوائف المنحرفة والمريضة والمنتسبة دسيسة للإسلام، جمعها في حكم واحد بقوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [التوبة: 67، 68]. ثم عقب الحق تعالى بذكر المؤمنين الصادقين الثابتين حقًّا، المتراصين في الصف حقًّا، يجمعهم الولاء لله وللمؤمنين، يشيد بهم ويقول عز وجل: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، ويعقب داعيًا إلى مكافحة الطوائف الضالَّة وتطهير الصف منها بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، ليعود إلى طائفة أخرى نشأت في الصف المسلم من بعض أثرياء هذه الفترة الذين ضاقوا بحروب الجهاد المتتابعة وقد اغتنوا ويريدون التمتع بأموالهم والترفُّهَ بما كسبوا، فتوافقوا على التخلص من رسول الله صلى الله عليه وسلم باغتياله في طريق عودته من تبوك، بأن يدفعوه بالعقبة عن راحلته إلى الوادي فيسقط فيه، إلا أن الله أفشل مكرهم وكشف أمرهم بقوله تعالى:﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [التوبة: 74]، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم في عودته من تبوك وصل إلى وادي أتانة على الطريق إلى المدينة، فوجد أمامه واديًا واسعًا بجواره عقبة عالية في ممرٍّ جبلي بركاني ضيِّق مرتفع، لا يتسع للجيش فأمر صلى الله عليه وسلم أن يمر الجيش من الوادي المتَّسِع، واتخذ هو وحده ممر العقبة يقود به الناقة حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضي الله عنهما، ونادى مناديه في الجيش: "إن رسول الله يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد، واسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي، وسلك رسول الله طريق "العقبة"، فخرج عليه فيها ملثمون ما بين اثني عشر وخمسة عشر، فصاح فيهم صلى الله عليه وسلم، وتصدى لهم حذيفة وعمار ففرُّوا، وعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعف عن معاقبتهم، كيلا يقال: إن محمدًا قاتل بأصحابه، فلما انتصر قتلهم، وفي هذه الحادثة يقول القرطبي في تفسيره لسورة التوبة: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَدَّهُمْ كُلَّهُمْ. فَقُلْتُ: أَلَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ فَتَقْتُلُهُمْ؟ فَقَالَ: (أَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ لَمَّا ظَفِرَ بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بِالدُّبَيْلَةِ)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: (شِهَابٌ مِنْ جَهَنَّمَ يَجْعَلُهُ عَلَى نِيَاطِ فُؤَادِ أَحَدِهِمْ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ)، فَكَانَ كَذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ". كما وردت الحادثة في خبر صحيح أخرجه أحمد في مسنده[16] قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ عبدالله بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ الْعَقَبَةَ، فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ، غَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ[17]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُذَيْفَةَ: (قَدْ.. قَدْ) حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: (يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟) فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ" قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟) قَالَ: "اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ"، قَالَ: (أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَطْرَحُوهُ) قَالَ: فَسَأَلَ عَمَّارٌ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟" فَقَالَ: "أَرْبَعَةَ عَشَرَ" فَقَالَ: "إِنْ كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ"، فَعَذَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً قَالُوا: "وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ"، فَقَالَ عَمَّارٌ: "أَشْهَدُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ". وقال ابن كثير في تفسيره أيضًا: "وقد ورد أن نفرًا من المنافقين همُّوا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الْآيَةَ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُ بِهِ وَعَمَّارٌ يَسُوقُ النَّاقَةَ، أَوْ أَنَا أَسُوقُهُ وَعَمَّارٌ يَقُودُهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا، قَالَ فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ، فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ؟) قُلْنَا: "لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَدْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ وَلَكنَّا قَدْ عَرَفْنَا الرِّكابَ، قَالَ: (هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا أرادوا؟) قلنا: "لا"، قال: (أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الْعَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنْهَا)، قُلْنَا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفلا تَبْعَثُ إلى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ؟" قَالَ: (لَا، أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى إِذَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ؟ قَالَ: (شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبي نضرة، عن قيس بن عبادة. قَالَ: "قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا فِيمَا كان من أمر عليّ، أرَأْيٌ رأيتموه أم شيء عهده إليكم رسول الله؟ فقال: ما عهد إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلى النَّاس كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "فِي أَصْحَابِي اثَنَا عَشَرَ مُنَافِقًا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجنَّة حتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سمِّ الخيَاط "، وَفِي رواية مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ: "إنَّ فِي أُمَّتِي اثْنَيْ عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الجنَّة حتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سمِّ الخيَاط، ثَمَانِيَةٌ منهم يكفيكهم الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّار يَظْهَرُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ حتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ ". وفي الوقت نفسه كانت طائفة من المدسوسين في الصفِّ والمنافقين قد أسسوا في قباء مسجدًا للضرار يتخذونه بديلًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال نجاح مؤامرة الاغتيال هذه، وطلبوا منه الصلاة فيه لتزكيته عند خروجه لتبوك، فاستمهلهم إلى ما بعد الغزوة، وعندما رجع سألوه الصلاة فيه مرة أخرى، فأخبره جبريل عليه السلام بأمرهم، فأمر بهدم المسجد وإحراقه واتخاذه مزبلة. وكان وراء هذه المؤامرة جماعة من منافقي الصف المسلم يقودهم أبو عامر الراهب [18] الذي زار هرقل ملك الروم وتنصَّر فسخره في الدس والتآمر على دعوة الإسلام، وكان له جاسوسًا عليها، ورسولًا إلى بعض قادة المنافقين فيها، إعدادًا لغزو المدينة والقضاء على دولتها ونبيها صلى الله عليه وسلم، فسمَّاه الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق، وفي مسجد الضرار هذا وأصحابه نزل قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 107 - 110]. ويصدر تعالى حكمَه النهائي في هذه الطوائف كلها، وأمرَه للرسول صلى الله عليه وسلم في شأنها، بمنع مشاركتهم في الجهاد مستقبلًا، وتحريم الصلاة عليهم عند موتهم، أو القيام على قبورهم أو الدعاء لهم، بقوله تعالى:﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ * وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 83، 84]؛ ولذلك كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه لمعرفته بأسماء المنافقين لا يصلي عليهم، وكان المسلمون يترصدونه كلما مات واحد من الصف المسلم في عهده، فإن صلى صلوا، وإن لم يصل لم يصلوا. وفي نهاية السورة ركَّز الوحي الكريم على ترميم الصف المسلم، فأشاد برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الصادقين ووعدهم خيرًا بقوله عز وجل: ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: 88]، وقَبِل أعذار الصادقين من الضعفاء عن الجهاد لمرض أو فقر أو عجز عن توفير ركوبة إلى مؤتة، فقال تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 91 - 93]، وأمر بالإعراض عمن سواهم من المخلفين عن الجهاد لغير عذر ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: 95]. ثم التفت إلى ما حول المدينة من الأعراب، فميَّز صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم بقوله تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 97 - 99]. وختمت السورة بأن أشاد الله عز وجل بأخص صفات المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله، ووفوا بعهودهم معه، وفيهم ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 112]، وحث تحذيرًا من ضياع الدين ونسيانه في هذا الظرف الذي تكالب فيه عليهم الأعداء داخل الجزيرة العربية وخارجها، وتألَّب عليهم فيه المنافقون والراكنون للدنيا، من ضعاف الإيمان وعملاء الروم، على أن تتفرغ من الأمة في كل عصر طائفة تَتَفَقَّه في الدين وتُفَقِّه به، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122]. وقدم لهم مقياسًا لا يخطئ، يعرفون به أنفسهم وإيمانهم ومدى تجاوبهم مع القرآن، فقال عز وجل: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 124، 125]. وختم عز وجل السورة الكريمة يخاطبهم ويمنُّ عليهم بفضله؛ إذ بعث فيهم خير خلقه صلى الله عليه وسلم، فلْيَعرِفوا قدرَه ولْيُطيعوا أمرَه، بقوله سبحانه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، ويخاطب رسوله الكريم يواسيه فيما يصيبه من أمته بقوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [التوبة: 129]. وبعد، فهذا بعض ما تضمنته هذه السورة العظيمة، وما شهد الله تعالى به على الجيل الأول من الأمة الإسلامية، ومهَّد به لانتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، بعد أن أدَّى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأقام الشهادة، فتمَّت نعمة الله للعالمين. يسَّر الله أمرنا، وأعاننا على مواصلة السعي في رحاب كتابه والعمل بما يحبه ويرضاه، إنه تعالى سميع عليم قريب مجيب. [1] إشارة إلى قول الله تعالى لهم: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26]. [2] أخرجه مسلم كتاب الوصية، (بشرح النووي) كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه 6/ 100 رقم 1637، والبخاري (بشرح فتح الباري) في: كتاب العلم، باب كتابة العلم 1/ 251 رقم 114، وكتاب الجهاد، باب جوائز الوفد 6/ 196 رقم 3053، وكتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب 6/ 312 رقم 3168، وكتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته 7/ 738 رقم:4431، ورقم: 4432، وكتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عني 10/ 131 رقم 5669، وكتاب الاعتصام، باب كراهية الاختلاف 13/ 347 رقم 7366، ورواه أحمد في مسنده 1/ 293، 324، والبيهقي في دلائل النبوة 7/ 181 – 183. [3] أي: حضرته الوفاة. [4] اللَّغْطُ واللَّغَطُ: الأَصْواتُ المُبْهَمة المُخْتَلطة والجَلَبةُ لَا تُفهم؛ معجم لسان العرب. [5] الطلقاء من قريش والعتقاء من غير قريش هم الذين عفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحًا. [6] موقعة ذات السلاسل كانت في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ للهجرة، بأرض بَلِيّ وعُذرة وسعد الله ومن يليهم من قُضاعة على مشارف الشام، بينها وبين المدينة عشرة أيام قادها عمرو بن العاص بتكليف من النبي صلى الله عليه وسلم فلقيته جموع الروم ومتَـنَصِّرة العرب، فبعث إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستمدّه، فأمدَّه بثمانين فيهم أبو بكر، وعمر وغيرهما وأمَّر عليهم أَبَا عبيدة. [7]وقعت غزوة حنين بين مكة والطائف في وادي حنين الذي تسمت باسمه، في العاشر من شوال في السنة الثامنة للهجرة، وكانت بين المسلمين وبين المشركين من قبيلتي هوازن وثقيف، أما غزوة الطائف فهي امتداد لها؛ لأن معظم فلول هوازن وثقيف المنهزمة في حنيندخلوا الطائف مع قائدهم مالك بن عوفالنصري وتحصنوا بها، فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في نفس شهر شوال من نفس السنة الثامنة. [8] صحيح، الألباني. [9] عن سعد بن أبي وقاص قال: "خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي"؛ صحيح. [10] كانت غزوة تبوك أو غزوة العسرة بأرض قضاعة الخاضعة للروم البيزنطيين، شمال الحجاز على بعد حوالي ألف كيلومتر من المدينة، بعين تسمى "تبوك"، وقد أمر الله بالتوجه إليها للجهاد بقوله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]، وقال عنها صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق إليها: (إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ، عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ)، بدأت تداعيات هذه الغزوة عندما قرر الروم تصفية حركة الإسلام الناهضة التي تهدد الإمبراطورية البيزنطية، ووقعت في رجب من السنة التاسعة للهجرة بعد العودة من حصار الطائفبنحو ستة أشهر، وهي آخر غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفًا من المسلمين، واجهوا أربعين ألفًا من جنود رومانيين ومجندين عرب من مستعمراتهم في قضاعة والغساسنة، سرعان ما دبَّ فيهم الخلاف فتخلَّوا عن المواجهة، وأخلوا مواقعهم للمسلمين، فحققَّوا لهم نصرًا بدون قتال، وخضعت لهم بذلك بعض الإمارات التابعة للنفوذ الروماني في المنطقة، كإمارة دومة الجندل على حدود قبائل الغساسنة، وإمارة إيلة في خليج العقبة. [11] أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية، "أم سلمة"، بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمته وشهدت اليرموك، وكانت فيمن جهز عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزفَّها. [12] هو عمرو بن شرحبيل الهمداني أبو ميسرة الكوفي محدث من الطبقة الأولى من التابعين.كان من أهل العبادة والزهد، حدث عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم وحدث عنه أبو وائل والشعبي والقاسم بن مخيمرة وأبو إسحاق ومحمد بن المنتشر. [13] وهو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 43]. [14] سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون (107- 198 هـ) محدث الحرم، ولد بالكوفة وتوفي بمكة، حافظ ثقة، واسع العلم، انتهى إليه علو الإسناد، قال عنه الشافعي: "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز". [15]المقصود بالسبع الطوال: السُّور السبع الطِّوال من أوَّل القرآن، وهي: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنعام، وسورة الأعراف، وفي السابعة خلاف، قيل: هي سورة الأنفال، وقيل: هي سورتا الأنفال والتوبة معًا، وقيل: هي سورة يونس، والراجح أنها سورة الأنفال، ورد فيها حديث حسَّنه الألباني عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ السبع الأول فهو حَبْر). [16] مسند الإمام أحمد، أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المتوفى سنة 241هـ. [17] الرواحل جمع راحلة؛ وهي الناقة التي تحمل صاحبها ويرحل عليها. [18] اسمه عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة من الأوس، كنيته أبو عامر الراهب، لم يسلم وظل يناصب العداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمَّاه الرسول أبا عامر الفاسق، وفي غزوة أحد حاول أن يشق جيش المسلمين ونادى: يا أهل الأوس، أنا أبو عامر الراهب، فردوا عليه: "لا أنعمت يا أبا عامر الفاسق"، وحفر حفرًا للإيقاع بجيش المسلمين، اتصل بهرقل الروم وتنصَّر، وكان واسطته لتحريض المنافقين والاطلاع على أسرار المسلمين والإعداد لغزوهم، ابنه هو حنظلة غسيل الملائكة، استشهد في غزوة أُحُد صبيحة عرسه فغسلته الملائكة.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-09-2023 الساعة 08:29 PM. |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |