قراءة نقدية في قصيدة "نفثة مصدور": صراع الحضارات وثنائية المركز والهامش - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إيران عدو تاريخي للعرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الخوارج تاريخ وعقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 24 - عددالزوار : 814 )           »          إنه ينادينا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 37 - عددالزوار : 11432 )           »          إيقاظ الأفئدة بذكر النار الموقدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          علة حديث: (يخرج عُنُقٌ من النار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          علة حديث: (من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الأنفصال العاطفي بين الزوجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          مقاومة السمنة في السنة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الذنوب قنطرة البلايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          المشقة في مخالفة السنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى النقد اللغوي
التسجيل التعليمـــات التقويم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #5  
قديم 28-09-2022, 02:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قراءة نقدية في قصيدة "نفثة مصدور": صراع الحضارات وثنائية المركز والهامش

قراءة نقدية في قصيدة "نفثة مصدور": صراع الحضارات وثنائية المركز والهامش


فتيحة حسون




شكسبير و"الأنا" بين الحقيقة والسراب!

مسرحية "جعجعة بلا طحن"، أو حسب الترجمات الأخرى "ضجَّة فارغة": مسرحية كوميدية، كتَبَها شكسبير، ليس المقام هنا مقام الحديث عن مُحتوى المسرحية، بل سأتناول رمزيَّةً تخدم العلاقة بين "جعجعة" الشاعر و"جعجعة" شكسبير.. كلاهما المضحِك المبكي، "وشرُّ البليَّة ما يُضحِك"؛ تناقض في المعطيات والنَّتائج، وتناقض ما بين الظَّاهر والباطن، والتناقضات تزداد، ويزيح الزمن بعضًا من ستائرها لتظهر الحقيقة، لكنَّها أحيانًا تصير سرابًا.. الشاعر يَبسط زرابي الشِّعر ما بين الأزمنة؛ ويَستدعي شاعرًا من أمَّة أخرى، أمة من الأمم التي تَقود العالم.. ومن بين مجالات القيادة الأدبُ والشِّعر والثقافة، لكن يا ترى، هل هذه الشخصيَّة - شكسبير - حقًّا شاعرٌ وكاتب؟ أم أنَّه انتحل شخصيَّة الشِّعر والكِتابة؟!

أليس شكسبير تُثار حوله الشكوك بأنَّه ليس هو مَن كتَب تلك الروائع التي اشتهر بها، وأنه شبه أمِّي، وأنَّ هذا الاسم "شكسبير" ما هو إلَّا اسم مستعار وقناع، كان وراءه شخص آخر يكتب تلك الأشعار والمسرحيَّات؟! وكأنَّ الشاعر في قصيدته هذه "نفثة مصدور" في حواره مع "الآخر" يعطي له درسًا في الصِّدق، ويبرهِن على أنَّ أقنعته تعدَّدَت حتى تمدَّدَت، وأفعاله ما هي إلَّا سراب وجعجعة بلا طحين، زيف للحقائق، وما أكثر الحقائق التي زيَّفها إعلامه.. إنَّ ميدان الثقافة والأدب والشِّعر خاصَّة ميدانٌ تتبَلور فيه معطيات شتى تكوِّن ركائز بناء الفِكر الثَّقافي للأمم.. وأمَّة الشاعِر ديوانها الشِّعر، والشعر لسانها في محافل المواقف التي تَستوجب الحديث بلغة الحجاج والقوافي.. و"خير صناعات العرب أبيات يقدِّمها الرجلُ بين يدي حاجته"[11].

والقافية في مقام الغربة هذا تحاوِل إرسالَ رسائل ليس للمتلقِّي فقط؛ بل كذلك لذاك "الآخر" الذي يداهِم ويَغتال ضاربًا عرض الحائط كل القوانين الدولية؛ مما يَجعل الأنا الشاعرة تَحتمي بجدار الشِّعر، تنفث نفثاتها التي لا حيلةَ لها ولا قوة، سوى مسافات الغربة الشاسعة التي يَتيه فيها الشاعِر؛ فتتسارع دفقاته الشعوريَّة وتَنتظم لتشكِّل أوتارًا لقيثارة الإيقاع؛ فيعزف عليها ويترنَّم بسمفونيَّة المعاناة والاغتراب، وشجنُ الغربة يصَّاعد مع كلِّ نَفَس يتنفَّسه.. إنَّه يعاني من الاغتراب الفِكري والوجداني؛ بسببِ واقع متدهوِر سياسيًّا واقتصاديًّا، واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا.. والشاعر يتأثَّر بمحيطه، ولرهافة حسِّ الشعراء فإنَّ المعاناة تزداد؛ لأنَّ "الشاعر يَشعر بما لا يشعر به غيره"[12].

إنَّ الشاعر يحاوِل إعادةَ تشكيل "الأنا" الغارِقة في متاهة الغُربة، وأسلوبه في رؤيته لِما حوله ليس أسلوب العاجِز، لكنَّه أسلوب المغلوب على أمره، الذي يَسعى إلى استنهاض الهِمَم.. وهذه النَّفثات رافِضة للسكون والاستِكانة، وأصواتها - حروفها - تشي بذلك وتحيلُ عليه؛ فحرَكة إيقاع الفونيمات التي تَصرخ ملءَ مقاطعها صرخات مدوية، تضع أصابعَ النَّبر على مواطن العِلَل، وتشير ببنان التنغيم إلى أهمِّ القضايا الإنسانيَّة: العدل، والحريَّة، واحترام كيان الآخر بكلِّ مقوماته الدينية والفكرية والتاريخية.

وتوظيف المورفيم الصِّفري - السكون - زاد من حدَّة التأوُّهات والنفثات، وطبقة صوت الأنين طاغية في القصيدة.. يتمازَج الإيقاع النَّفسي والإيقاع الدَّاخلي للقصيدة؛ حتى لنكاد نَسمع أزيزَ النَّفثات، وحالة من التوتُّر غير متناهية في ذروة الانفعال والاتصال والانفِصال؛ عن الزَّمن، عن الواقع، وعن الذات، تَجعل الشاعر يعيش عيشة الغرباء نفسيًّا ومكانيًّا؛ لأنَّ المسلمين يَفتقدون عزَّتَهم التي طمسَت بوحل الهوان والتمزُّق.. وحين يرى أمَّتَه قابعةً في هذا الهوان، تَزداد خيبة الأمل عنده اتِّساعًا، وتستعر الغصص الحرَّى التي يتجرَّعها، وينمو لهيب النَّفثات في صدره؛ فلا يَجد حيلةً إلَّا أن يكون الشِّعر واحةً يَرتاح في ظلالها يخفِّف عنه مصيبتَه، ويرسل عبرَه رسائل تنبيه للمتلقِّي: أنْ كفَانا من الانكسارات والانتكاسات، كفانا من محاولة مَسخ هويَّتنا، وتشويه ثَقافتنا الدينيَّة والفِكرية وتراثنا المعرفي... فحضارتنا هذي هي، بهذه الأعلام التاريخيَّة بُنيَت؛ فكانت عزَّة وسلامًا وأمنًا وأمانًا للإنسانيَّة جمعاء.. وهذه القوافي تنادي إلى عدم التقوقع في صدفة "الذات" وبعدي الطوفان، الشاعِر يحاول نزعَ رداء النرجسية عن جسد الأمَّة ليُلبسها لبوسَ التلاحم والتعاون، ويَدعو إلى التواصل لمواصلة الطَّريق في أمان وإيمان، وأن الاختلاف في الفِكر لا يعدُّ جريمةً ولا إثمًا، ولا مدعاة للنزاعات والصراعات، وليس ذلك مؤشِّر جهلٍ ولا ضعف، يَستدعي المداهمة واغتيال الآمال؛ بل ذلك أَدعى إلى مدِّ الجسور وقَبول الآخر كما هو دون وصاية حديديَّة.

ونجد مفردة "غريب" تتكرَّر ثلاث مرَّات في أول القصيدة، ثمَّ جاءت كذلك في آخر مقطع منها.. واللَّفظ المكرَّر ليس زائدًا ولا حشوًا ولا إطنابًا في القول، بل له دورٌ فعَّال في هندسة النصِّ؛ وهو "إلحاح على جهة هامَّة في العبارة يُعنى بها الشَّاعِر أكثر من عنايته بسواها"[13]، وأسلوب التكرار جزء مهمٌّ من اللُّغة الشعريَّة، ونلاحظ أنَّ الشاعر استخدمه لإحداث هزَّة انفعاليَّة لدى المتلقِّي والتأثير فيه، وقد استعمل لغةً مشحونةً بالموسيقا ذات الإيقاع السَّريع؛ ليسبغ على غربته نوعًا من الثورة والرَّفض لِما يَجري في عقر داره.. "والتكرار له دلالات فنيَّة ونفسيَّة، يدلُّ على الاهتمام بموضوعٍ ما يشغل البال (...)، ويَستحوذ هذا الاهتمام على حواسِّ الإنسان وملَكاته"[14]، وهو يخلق إيقاعًا ويًّا، وتناغمًا موسيقيًّا، وتوافقًا صوتيًّا يزيد من قوة المعنى، يساهِم في تَرسيخه في ذهن القارئ؛ ليَستقطِب وعيه وشعوره.

الآخر: المركزيَّة الغربية التي ترى في الغير "الأنا" هامشًا لا بدَّ أن يدور في فلَكها ولا يحيد عنه، اتَّسع بفِعلها هذا الخرق فاستحالَ الرقع؛ لأنَّ "الحوار بين الحضارات يفترض أن يكون كل طرف مقتنعًا بأنَّ ثمَّة شيئًا يمكن أن يتعلَّمه من الطرف الآخر"[15].

وممَّا يلاحظ أيضًا في القصيدة أنَّ الشاعِر هشم أفق الانتظار، وجعل المتلقِّيَ يعود إلى نقطة الانطلاق؛ وهي فقدان الكينونة والتقوقع في الغربة.. حلقات وسلسلة من المعاناة كما سوار حديدي يحيط بمِعصَمِ القرار؛ لا لتتابع الخطوات.

وممَّا يزيد من كثافة وثقل الغربة التي تُعاني منها الأنا الشاعِرة - أنَّ ثمَّة تضمينًا في القصيدة، وهو ركن بلاغي زاخِر بالمعاني والدلالات، وهذا المصطلَح ورَدَ عند الرماني والزمخشري خاصَّة، و"تضمين الكلام هو حصول معنًى فيه"، أو كما يسمَّى في المنظومة النقديَّة الغربيَّة "التناص"؛ أول من استعمل هذا المصطلح جوليا كريستيفا، وحسب ما تُعرِّفه فهو: "ذلك التقاطع داخل التعبير مأخوذ من نصوصٍ أخرى"[16].

وكان يسمى الحواريَّة قبل ذلك، حسب ما أشار إلى ذلك حميد الحميداني في كتابه "التناص وإنتاجيَّة المعنى، علامات في النقد الأدبي".. والتناص هنا يروم تَعميق المقام الشِّعري؛ حيث إنَّ الشاعِر أراد تعميق دلالات "الغربة" في مشاعر المتلقِّي بعدما تعمَّقَت في أحاسيسه وأعماقه، ويحضر في هذا المقام حديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((فطُوبى للغُرباء))، توجيهٌ إلى الصبر؛ لأنَّ الغربة ليسَت نِقمة ولا مِحنة؛ بل هي مِنحة ربَّانية، حين يكون الإنسان غريبًا، فغربته تعني تميُّزه، وتعني أنَّه لم تَذُب مبادئه في وَحْل الواقع المرير الذي حولَه، تعني أنَّه حاول الفعل، ومحاولته وإن فشِلَت لكنَّها محاولة صِدق وصادق صدوق مع نفسه.. فهو لم يَجِد مَن يعينه؛ لا الذَّات الفرديَّة، ولا الذات الجماعية؛ ((لأنَّكم تجدون على الخير معوانًا ولا يجدون))[17].

وإذا كان الخِطاب - الكلام - المسموع يمثِّل مساحةً زمانيَّة، فإنَّ الخطاب المكتوب يمثِّل مساحة مكانيَّة، وأديم الورق نص ورِسالة يَنضاف إلى نصِّ الكلمات المكتوبة.. حين يَتنقَّل القارئ ببصره على مساحة القصيدة يَجد أنَّها مقسمة إلى أربعة مقاطع، وقد فصَل الشاعِر بينها بنجمات ثلاث، فمعمار القصيدة يعدُّ أيقونة سيميائية، وموسيقا الشَّكل البصري يتلاحَم مع الإيقاع والصورة الشعريَّة؛ ليرسم لنا مقصديَّة القصيدة، والتعبير عن القصد يعدُّ ركيزة الخطاب، وهذا نخاع الفاعليَّة الشعريَّة الرائعة.

وشكل القصيدة عبارة عن دَرج يؤدِّي إلى سبيلين لا ثالث لهما؛ إمَّا الصعود إلى القمَّة، أو النزول إلى الهاوية، وهذا شكل القصيدة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ!
ـــــــــ!
ـــــــــ!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــ..!
ــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــ
♦ ♦ ♦
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــ..
ــــــ..
ـــــــ..
ــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــ
ـــــــــــــ
ــــــــــــــ
ــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ!
♦ ♦ ♦
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
♦ ♦ ♦
ــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــ
ـــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــ..!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ!
ــــــــــــ!
ــــــــــــ!


وهذا التَّخطيط هو تَخطيط نَبض الكلمات الذي تتباين منعرجاته وتقطعاته، كما تتقطَّع أنفاس الأنا الشاعِرة؛ صعودًا لمحاولة النهوض من جديد، ونزولًا بسبب ثقل الأصفاد المحيطَة بخطوات قراره؛ منعًا لمحاولات ثَورته على ما يراه من اغتيالِ الآمال، وكذلك تَقطيع الزَّمن بسيوف المداهمين؛ كي لا يتَّصل فيَنتصر! وهذا المعمار للقصيدة له دلالات ورمزيَّة جد موغلة في ثنايا الزَّمان والمكان الذي يَعيشه الشاعِر؛ فالصورة أصبحَت لغة وأيقونة تواصليَّة، سواء على الساحة السياسيَّة أو الاجتماعيَّة أو الأدبية أو الاقتصادية، وما شكلُ القصيدة إلَّا فرعٌ من فروع بلاغة الصورة.. ولأنَّ صوت القوافي بُحَّ من كثرة النِّداء للنهوض استعان الشاعِر بصوت معمار القصيدة؛ علَّ السَّمع والبصر يَفتح أبواب البصيرة، إلى جانب هذا جاءت عبارة "ولا أطــ...!" مضغوطة الخط، والكلمات المضغوطة بخطٍّ بارِز عادة ما تكون مدار المعنى؛ تَستوقف القارئ وتنبِّه وتشير إلى أهميَّة المَقصَد، فهي علامة سيميائية تساهِم في إيصال فِكرة ورسالة الشَّاعِر المزمع إيصالُها للمتلقي، وكذلك الفراغات بين الكلمات هي أيضًا لغة، والصَّمت لغة والكفاءة التداوليَّة تحيل على المرسل - الشاعر - يدرك أنَّ المرسل إليه - القارئ - قد فهم القصد من "أجعجع ولا أطـ..."، إنَّها تعابير اصطلاحيَّة يفهم قصدها المتداول بين الناس، "وقد اعتبر الدَّارسون الصمتَ شكلًا تواصليًّا إلى جانب الصوت [والكتابة كذلك] نظرًا لما يَحمله من دلالات معيَّنة، ويمكن أن يكون تعبيرًا عن الغضب..."[18].

شجرة البيت العربي!
لقد أنهى الشاعِر القصيدةَ بنفس السَّطر الشعري الذي بدَأ به، وعليه؛ فإنَّ النهاية = البداية، فلا نَتيجة رغم كلِّ ما قيل، ورغم النَّفثات التي تصاعدَت غضبًا واستنكارًا وشجبًا، ودعوة للنهوض، ومحاولة رفع قامَة الكرامة أمام المداهمين، لا فائدة! القصيدة غربة من أَلِفها إلى يائها.

والقصيدة رغم انقسامها إلى أربعة مقاطع، إلَّا أنها جسَد واحد متلاحِم الفكرة، ومَسبوك المعنى، ومَحبوك الدلالة؛ أولها متَّصل بثانيها، وثالثها مرتبط برابعها؛ كلُّ جزء مرتبط بالآخر وغير تامٍّ بذاته، وكأنَّ الشاعر يريد القولَ بأنَّ قصيدته هذه ما هي إلَّا جسد الأمَّة من شَرقِها إلى غربها، ومن شَمالها إلى جنوبها، جسَد واحد يَشعر بالغربة.. وإن أرادت الأمَّة الارتقاءَ إلى معارج الاحتواء والتمكين والتمكُّن من القبض على المستقبل، والعثور على الكينونة الضَّائعة في متاهات الزمان والمكان - ما عليها إلَّا الصعود والتحليق كما النَّوارس، وبعزيمة الفرسان حتى بلوغ مكان ولادة الفجر!

البداية!
القراءة السطحيَّة للنصِّ تَغتال الدرَر المخبَّأة في أَعماقه، وما من نصٍّ يؤوَّل تأويلًا أحادي الجانب إلَّا سُجِن في بوتقة المعنى، ومهمَّة المتلقِّي هي قراءة معنى المعنى.. ومعنى المعنى: هو الصَّنعة الشعريَّة الإبداعيَّة، والتأويلات المتعددة بمثابة ألوان الطَّيف تمتزج لتشكِّل لوحة نقديَّة فسيفسائية؛ تَجعل القصيدةَ حمَّالة أوجه.. وقد حاولتُ الغوصَ فيها من زاوية.. ثمَّة زوايا أخرى يُمكن من خلالها استنطاق هذه القصيدة الرائعة.


[1] "قراءات في الشعر الحديث"؛ بشرى البستاني، دار الكتاب العربي، ط 1، 2002، ص 32.

[2] "السيميوطيقا والعنونة"؛ جميل حمداوي، مقال من الشابكة.

[3] "أثر الصوائت في الدلالة اللغوية"؛ د. محمد إسماعيل / صفوت سلوم، مجلة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، "سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية"؛ بحث على الشابكة.

[4] "من الصوت إلى النص؛ نحو نسق منهجي لدراسة النص الشعري"؛ مبروك عبدالرحمن، ص 48.

[5] "الحيوان"؛ الجاحظ، ج 3، ص (131، 132).

[6] "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب"؛ جابر عصفور، ط 3، 1992، ص 257.

[7] "النقد الأدبي الحديث"؛ محمد غنيمي هلال، ص 443.

[8] ينظر: "ابن رشد - سيرة وفكر"؛ محمد الجابري، ص 16.

[9] المرجع نفسه، ص 19.

[10] "مقال على الشابكة"؛ مجلة دعوة الحق، العدد 176.

[11] "البيان والتبين"؛ الجاحظ، ص 372.

[12] "العمدة"؛ ابن رشيق، ص 116.

[13] "قضايا الشعر المعاصر"؛ نازك الملائكة، مطبعة دار التضامن، ط 2 1965، ص 242.

[14] "الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر"؛ عبدالحميد جيدة، ط 1 1980، ص 67.

[15] عبارة للمفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي.

[16] "إنتاج معرفة بالنص"، ص 102، ينظر: مقالة على الشابكة: "ماهية التناص - قراءة في إشكالياته النقدية"؛ عبدالستار جبر الأسدي.


[17] "حديث شريف"؛ رواه الترمذي عن أنس بن مالك.

[18] "التداوليات وتقنيات التواصل"؛ د. يوسف تغزاوي، ط 1، 2012، ص 85.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 150.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 149.15 كيلو بايت... تم توفير 1.71 كيلو بايت...بمعدل (1.14%)]