|
ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#2
|
||||
|
||||
![]() في مطلع القصيدة تناول الشاعر تصوير المسافات التي قطعها الجيش الإسلامي انتصارًا لدين الإسلام ونشره والدعوة إليه. وقد أبدع كعب في تصوير الأرض المُوحِشة التي قطعها الجيش المجاهد؛ "فهي في شِعره مصيدة لأقوى الجِمال، فلا يقدر على اجتيازها أيُّ مُسافر مهما بلغت راحلته من الصبر والتمرُّس على الأسفار، موحشة، لا أنيس فيها ولا رفيق". ولكن سرعان ما يَرسم في تعبيره صورة أخرى لهذه الأرض الموحشة؛ إنها مرتع خِصب للظباء الخالصة البياض، ولأسراب النعام والطيور البرية؛ فقد جمع "كعب" في تصويره الشاعريِّ بين نقيضَين لصورة هذه الصحراء الواسعة المُوحِشة، فهناك حياة الصمت الرهيب الذي لا يقطعه إلا دلاج في السير، وهناك الشعاب المُتناثِرة التي لا يسكنها راجل أو راحل، وبجانب هذه الصورة تجد صورة الحياة تعجُّ بالحركة الدائبة التي تمتِّع النظر؛ فهناك الظباء والطيور، وأعداد مِن حيوانات البرِّ تسرَح وتمرَح وترتَع في مواطن الكلأ ورياض السهل والوعر. به العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خلفة ![]() وبَيضُ نَعَامٍ قَيضُه يَتقلَّعُ ![]() وشبيه قول كعب في هذا البيت "به العين والآرام يمشين خلفة" بقول زهير بن أبي سلمى: بِها العينُ وَالآرآمُ يَمشينَ خلفَة ![]() وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مجثمِ ![]() ومعلوم أنه يَبقى لزهير فضْل السَّبق إلى هذه الصورة النابضة بالحياة والحركة. يقول الدكتور/ زكريا صيام - حول الصور التي رسَمها كعب في قصيدته تلك -: "ولا أدري كيف تسَنَّى لشاعر المدينة حيث الحضارة والاستقرار أن يأتي بصور بدوية، بل موغِلة في البداوة والغرابة، لكنه خيال الشعراء الذي لا يحدُّ أفقَه شيء"[2]. ويمكننا أن نأخذ مِن ملاحظة الدكتور/ صيام معنى قدرة الشاعر المسلم على الإبداع في التصوير على حسب ما تقع عليه حاسته، وعلى حسب ما يراه في ذهنه مِن مواقف ومشاهد. فكعب في هذه القصيدة يُقوي لفظَه في رسم الصورة التي تتطلَّب منزع القوة؛ كهَول الصحراء وسعتها ووحشتها، وحين يرتبط شعوره بمشاهد الحضارة واللين نراه سهل اللفظ وواضح المعنى، حتى لكأنَّ القارئ يُحسُّ أن مطلع القصيدة لونٌ خاصٌّ بعيد عن وسطها وآخرها، فهل تُحسُّ بصلابة أو غرابة أو وحشية في قوله من هذه القصيدة؟ وفينا رسول الله نتبَع أمره ![]() إذا قال فينا القول لا نتطلَّع ![]() نُشاوره فيما نريد وكلنا ![]() إذا ما دعا - حتمًا - نُطيع ونسمع ![]() وقال رسول الله لما بدَوا لنا ![]() ذَروا عنكمُ هول المنيات واطمَعوا ![]() وكونوا كمن يَشري الحياة تقرُّبًا ![]() إلى ملك يُحيا لديه ويُرجَع ![]() فتأمَّل هل تجد في هذه الأبيات مِن قصيدة كعب لفظًا غريبًا، أو حرفًا متنافرًا، أو معنًى غامضًا؟! إن هذه الأبيات جميعها تدل - في إطارها ومضمونها - على سعة قاموس لغة الشاعر، وخصوصًا شاعر مثل كعب بن زهير، ذلك الصحابي الذي تخرَّج في مدرسة المسلمين، مدرسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، مدرسة الرعيل الأول من المسلمين، ومَن حذا حذوهم مِن أدباء ومفكِّري الإسلام إلى اليوم. إن هذه الخصائص، التي تجمع بين سهولة اللفظ وعذوبته، وفخامته وقوته، وبين وضوح المعنى وعُمقِه، خصائص تَصدُق على الشعر الذي نبَت وأينَع في رياض الفِكر الإسلامي. وقامت عليه دراسات أدبية ونقدية قديمة وحديثة أولئك الأدباء، فكْر أدبيٌّ زخرت به أمهات المصادر من مثل كتاب "الأغاني"؛ لأبي الفرج الأصفهاني، و"البيان والتبيين"؛ للجاحظ، و"العقد الفريد"؛ لابن عبدربه، و"يتيمة الدهر"؛ للثعالبي، و"زهر الآداب"؛ للحصري، و"المثل السائر"؛ لابن الأثير، و"صبح الأعشى في صناعة الإنشا"؛ للقلقشندي، و"الطراز"؛ للعلوي، وكان ذلك الشِّعر قِبلة النحاة في شواهدهم، ومحط أنظار البلغاء في كلامهم، والبلاغيين في بحوثهم، واللغويين في آثارهم، والنُّقاد في آرائهم. [1] انظر هذه القضية وتفصيلاتها في: البيان والتبيين؛ للجاحظ جـ1، والصناعتين؛ لأبي هلال العسكري، في باب النظم، وأسرار البلاغة؛ لعبدالقاهر الجرجاني، شرح فكرة النظم، وسر الفصاحة؛ لابن سنان الخفاجي، والمثل السائر؛ لابن الأثير. [2] الأدب العربي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، ص: 143، د. زكريا عبدالرحمن صيام.
__________________
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |