تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5135 - عددالزوار : 2426605 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4724 - عددالزوار : 1742207 )           »          الاختلاف ؛ قواعده وآدابه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          لماذا اختار المسلمون الهجرة مبتدأ لتاريخهم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          بالهجرة تحررت البشرية من شرورها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          قلبٌ وقلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 86 - عددالزوار : 28266 )           »          أخلاق المسلمين بأقلام المؤرخين الغربيين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          قضية المرأة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 33 )           »          آية من سورة النحل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          هكذا علمتني أمي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-12-2021, 12:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (11)

صــ49 إلى صــ 54

فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا يَعْنِي: شُرَكَاءَ ، أَمْثَالًا . يُقَالُ: هَذَا نِدُّ هَذَا ، وَنِدِيدُهُ . وَفِيمَا أُرِيدَ بِالْأَنْدَادِ هَاهُنَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْأَصْنَامُ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، . وَالثَّانِي: رِجَالٌ كَانُوا يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهُمَا: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاءَ ، وَأَنْزَلَ الْمَاءَ ، وَفَعَلَ مَا شَرَحَهُ فِي هَذِهِ الْآَيَاتِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ .

الثَّانِي: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَهُوَ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ .

وَالثَّالِثُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعِلْمُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْعَقْلِ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ .

وَالْخَامِسُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلٍ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ سِوَاهُ . ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ .

وَالسَّادِسُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهَا حِجَارَةٌ ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْخَشَّابِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ .

سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا بِهِ مُحَمَّدٌ لَا يُشْبِهُ الْوَحْيَ ، وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٍ . و"إِنَّ" هَاهُنَا لِغَيْرِ شَكٍّ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ مُرْتَابُونَ ، وَلَكِنَّ هَذَا عَادَةُ الْعَرَبِ ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ: إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطِعْنِي . وَقِيلَ: إِنَّهَا هَاهُنَا بِمَعْنَى إِذْ ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الْبَقَرَةِ: 278 ] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّورَةُ تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ ، فَمَنْ هَمَزَهَا جَعَلَهَا مِنْ أَسْأَرَتْ ، يَعْنِي [أَفْضَلَتْ ] لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآَنِ ، وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْهَا جَعَلَهَا مِنْ سُورَةِ الْبِنَاءِ ، أَيْ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ . قَالَ النَّابِغَةُ فِي النُّعْمَانِ:


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ


وَالسُّورَةُ فِي هَذَا الْبَيْتِ: سُورَةُ الْمَجْدِ ، وَهِيَ مُسْتَعَارَةٌ مِنْ سُورَةِ الْبِنَاءِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ السُّورَةُ سُورَةً لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ فِيهَا مِنْ مَنْزِلَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ ، مِثْلُ سُورَةِ الْبِنَاءِ . مَعْنَى: أَعْطَاكَ سُورَةً ، أَيْ: مَنْزِلَةَ شَرَفٍ ارْتَفَعَتْ إِلَيْهَا عَنْ مَنَازِلِ الْمُلُوكِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ سُورَةً لِشَرَفِهَا ، تَقُولُ الْعَرَبُ: لَهُ سُورَةٌ فِي الْمَجْدِ ، أَيْ: شَرَفٌ وَارْتِفَاعٌ ، أَوْ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآَنِ مِنْ قَوْلِكَ: أَسَأَرْتُ سُؤْرًا ، أَيْ: أَبْقَيْتُ بَقِيَّةً ، وَفِي هَاءِ "مِثْلِهِ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْقُرْآَنِ الْمُنَزَّلِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَالْفَرَّاءُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ الْأُمِّيِّ ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالزَّجَّاجُ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: تَكُونُ "مِنْ" لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تَكُونُ زَائِدَةً .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ .

فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: اسْتَعِينُوا مِنَ الْمَعُونَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ وَالْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: اسْتُغِيثُوا مِنَ الِاسْتِغَاثَةِ ، وَأَنْشَدُوا:


فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يَا لَ كَعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ


وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: [ ص: 51 ] وَفِي شُهَدَائِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ آَلِهَتُهُمْ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَالْفَرَّاءُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَسُمُّوا شُهَدَاءَ ، لِأَنَّهُمْ يُشْهِدُونَهُمْ ، وَيُحْضِرُونَهُمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُمْ عَبَدُوهُمْ لِيَشْهَدُوا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَعْوَانُهُمْ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ: فَأْتُوا بِنَاسٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ مَا تَأْتُونَ بِهِ مِثْلَ الْقُرْآَنِ ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَيْ: فِي قَوْلِكُمْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فِي هَذِهِ الْآَيَةِ مُضْمَرٌ مُقَدَّرٌ ، يَقْتَضِي الْكَلَامُ تَقْدِيمَهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا تَحَدَّاهُمْ بِمَا فِي الْآَيَةِ الْمَاضِيَةِ مِنَ التَّحَدِّي ، فَسَكَتُوا عَنِ الْإِجَابَةِ; قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ تَفْعَلُوا أَعْظَمُ دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ، وَلَمْ يَفْعَلُوا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ .

وَالْوَقُودُ: بِفَتْحِ الْوَاوِ: الْحَطَبُ ، وَبِضَمِّهَا: التَّوَقُّدُ ، كَالْوَضُوءِ بِالْفَتْحِ: الْمَاءُ ، وَبِالضَّمِّ: الْمَصْدَرُ ، وَهُوَ: اسْمُ حَرَكَاتِ الْمُتَوَضِّئِ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَقُودُهَا ، بِضَمِّ الْوَاوِ ، وَالِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ . وَالنَّاسُ أَوْقَدُوا فِيهَا بِطَرِيقِ الْعَذَابِ ، وَالْحِجَارَةِ ، لِبَيَانِ قُوَّتِهَا وَشِدَّتِهَا ، إِذْ هِيَ مُحْرِقَةٌ لِلْحِجَارَةِ . وَفِي هَذِهِ الْحِجَارَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا أَصْنَامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوهَا ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ ، وَهِيَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرًّا ، إِذَا أُحْمِيَتْ يُعَذَّبُونَ بِهَا . وَمَعْنَى "أُعِدَّتْ": هُيِّئَتْ . وَإِنَّمَا خَوْفُهُمْ بِالنَّارِ إِذَا لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ الْقُرْآَنِ ، لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَّبُوهُ ، وَعَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ ، ثَبَتَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ، وَصَارَ الْخِلَافُ عِنَادًا ، وَجَزَاءُ الْمُعَانِدِينَ النَّارُ .

[ ص: 52 ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا .

الْبِشَارَةُ: أَوَّلُ خَبَرٍ يَرِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ ، وَسُمِّيَ بِشَارَةً ، لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي بَشْرَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا ، أَثَرُ الْمَسَرَّةِ وَالِانْبِسَاطِ ، وَإِنَّ شَرًّا ، أَثَرُ الْانْجِمَاعِ وَالْغَمِّ ، وَالْأَغْلَبُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِالْخَيْرِ ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ النِّسَاءِ: 138 ] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .

يَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْلِصُوا الْأَعْمَالَ .

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَقَامُوا الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ . فَأَمَّا الْجَنَّاتُ ، فَجَمْعُ جَنَّةٍ . وَسَمِّيَتِ الْجَنَّةُ جَنَّةً ، لِاسْتِتَارِ أَرْضِهَا بِأَشْجَارِهَا ، وَسُمِّيَ الْجِنُّ جِنًّا ، لِاسْتِتَارِهِمْ ، وَالْجَنِينُ مِنْ ذَلِكَ ، وَالدِّرْعُ جَنَّةٌ ، وَجَنَّ اللَّيْلُ: إِذَا سَتَرَ ، وَذَكَرَ عَنِ الْمُفَضَّلِ أَنَّ الْجَنَّةَ: كُلُّ بُسْتَانٍ فِيهِ نَخْلٌ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ كَثَفَ وَكَثُرَ وَسَتَرَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَهُوَ جَنَّةٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أَيْ: مِنْ تَحْتِ شَجَرِهَا لَا مِنْ تَحْتِ أَرْضِهَا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي طُعِمْنَا مِنْ قَبْلُ ، فَرِزْقُ الْغَدَاةِ كَرِزْقِ الْعَشِيِّ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ .

وَالثَّانِي: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ إِذَا جُنِيَ خَلَفَهُ مِثْلُهُ ، فَإِذَا رَأَوْا مَا خَلَفَ الْجَنَى ، اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ .
[ ص: 53 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا .

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْمَنْظَرِ وَاللَّوْنِ ، مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي جَوْدَتِهِ ، لَا رُدِئَ فِيهِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُشْبِهُ ثِمَارَ الدُّنْيَا فِي الْخِلْقَةِ وَالِاسْمِ ، غَيْرَ أَنَّهُ أَحْسَنُ فِي الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وَجْهُ الِامْتِنَانِ بِمُتَشَابِهِهِ ، وَكُلَّمَا تَنَوَّعَتِ الْمَطَاعِمُ وَاخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُا كَانَ أَحْسَنَ؟! فَالْجَوَابُ: أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُتَشَابِهُ الْمَنْظَرِ مُخْتَلِفُ الطَّعْمِ ، كَانَ أَغْرَبَ عِنْدَ الْخُلُقِ وَأَحْسَنَ ، فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ تُفَّاحَةً فِيهَا طَعْمُ سَائِرِ الْفَاكِهَةِ ، كَانَ نِهَايَةً فِي الْعَجَبِ . وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْجَوْدَةِ; جَازَ اخْتِلَافُهُ فِي الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ . وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُشْبِهُ صُورَةَ ثِمَارِ الدُّنْيَا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي; كَانَ أَطْرَفَ وَأَعْجَبَ وَكُلُّ هَذِهِ مَطَالِبٌ مُؤَثِّرَةٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ أَيْ: فِي الْخُلُقِ ، فَإِنَّهُنَّ لَا يَحِضْنَ وَلَا يَبُلْنَ ، وَلَا يَأْتِينَ الْخَلَاءَ . وَفِي الْخُلُقِ ، فَإِنَّهُنَّ لَا يَحْسُدْنَ ، وَيَغِرْنَ ، وَلَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَقِيَّةٌ عَنِ الْقَذَى وَالْأَذَى . قَالَ الزَّجَّاجُ: و"مُطَهَّرَةٌ" أَبْلَغُ مِنْ طَاهِرَةٍ ، لِأَنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ . وَالْخُلُودُ: الْبَقَاءُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا .

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الْحَجُّ 73 وَنَزَلَ قَوْلُهُ: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ [ ص: 54 ] اتَّخَذَتْ بَيْتًا [ الْعَنْكَبُوتُ: 41 ] . قَالَتِ الْيَهُودَ: وَمَا هَذَا مِنَ الْأَمْثَالِ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحُسْنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَالْفَرَّاءُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ الْبَقَرَةِ: 17 ] وَقَوْلُهُ: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [ الْبَقَرَةِ: 19 ] قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اللَّهُ أَجْلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ نَحْوُهُ .

وَالْحَيَاءُ بِالْمَدِّ: الِانْقِبَاضُ وَالِاحْتِشَامُ ، غَيْرَ أَنَّ صِفَاتِ الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَطَّلِعُ لَهَا عَلَى مَاهِيَةٍ ، وَإِنَّمَا تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ" وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يَسْتَحْيِي: لَا يَتْرُكُ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى لَا يَسْتَحْيِي: لَا يَخْشَى . وَمَثَلُهُ: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [ الْأَحْزَابِ: 37 ] أَيْ: تَسْتَحْيِي مِنْهُ . فَالِاسْتِحْيَاءُ وَالْخَشْيَةُ يَنُوبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ . وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: لَا يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ لُغَةٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ يَذْكُرَ شَبَهًا ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ الْمَثَلِ أَنْ يَبِينَ لِلْمَضْرُوبِ لَهُ الْأَمْرُ الَّذِي ضَرَبَ لِأَجَلِهِ ، فَيَنْجَلِي غَامِضُهُ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-12-2021, 06:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (21)

صــ109 إلى صــ 114


[ ص: 109 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذِي الْقُرْبَى أَيْ: وَوَصَّيْنَاهُمْ بِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ . وَأَمَّا الْيَتَامَى; فَجَمْعُ: يَتِيمٍ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْيُتْمُ فِي النَّاسِ ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَفِي غَيْرِ النَّاسِ: مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: قَالَ ثَعْلَبٌ: الْيُتْمُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِانْفِرَادُ . فَمَعْنَى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: مُنْفَرِدٌ عَنْ أَبِيهِ . وَأَنْشَدْنَا


أَفَاطِمُ إِنِّي هَالِكٌ فَتَبِينِي وَلَا تَجْزَعِي كُلُّ النِّسَاءِ يَتِيمُ


قَالَ: يُرْوَى: يَتِيمٌ وَيَئِيمُ . فَمَنْ رَوَى يَتِيمَ بِالتَّاءِ; أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ ضَعِيفٌ مُنْفَرِدٌ . وَمَنْ رَوَى بِالْيَاءِ أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ يَمُوتُ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَقَالَ: أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:


ثَلَاثَةُ أَحْبَابٍ: فَحُبُّ عَلَاقَةٍ وَحُبُّ تَمَلَّاقٍ وَحُبٌّ هُوَ الْقَتْلُ


قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: زِدْنَا ، فَقَالَ: الْبَيْتُ يَتِيمٌ: أَيْ: مُنْفَرِدٌ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ ، قَالَ: إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، زَالَ عَنْهُ اسْمُهُ الْيُتْمُ . يُقَالُ: مِنْهُ يَتَمَ يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا . وَجَمْعُ الْيَتِيمِ: يَتَامَى ، وَأَيْتَامٌ . وَكُلُّ مُنْفَرِدٍ عِنْدَ الْعَرَبِ يَتِيمٌ وَيَتِيمَةٌ . قَالَ: وَقِيلَ: أَصْلُ الْيُتْمِ: الْغَفْلَةُ ، وَبِهِ سُمِّيَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّهُ يَتَغَافَلُ عَنْ بِرِّهِ . وَالْمَرْأَةُ تُدْعَى: يَتِيمَةٌ مَا لَمْ تُزَوَّجْ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ ، وَقِيلَ: لَا يَزُولُ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ أَبَدًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْيُتْمُ: الْإِبْطَاءُ ، وَمِنْهُ أُخِذَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّ الْبِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ . "وَالْمَسَاكِينَ": جَمْعُ مِسْكِينٍ ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ ، كَأَنَّ الْمِسْكِينَ قَدْ أَسْكَنَهُ الْفَقْرُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (حُسْنًا) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالتَّثْقِيلِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ "حَسَنًا" فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ لُغَةً فِي الْحُسْنِ ، كَالْبُخْلِ ، وَالْبَخَلِ ، وَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ . وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الصِّفَةِ كَمَا جَاءَ فِي الِاسْمِ ، أَلَا تَرَاهُمْ قَالُوا: الْعَرَبُ وَالْعُرْبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ مَصْدَرًا كَالْكُفْرِ وَالشُّكْرِ وَالشُّغْلِ ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَهُ ، كَأَنَّهُ [ ص: 110 ] قَالَ قُولُوا قَوْلًا ذَا حَسَنٍ . وَمَنْ قَرَأَ (حَسَنًا) جَعَلَهُ صِفَةً ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: قُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا حَسَنًا ، فَحُذِفَ الْمَوْصُوفَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ بِهَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ . وَمَعْنَاهُ: اصْدُقُوا وَبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قُولُوا لِلنَّاسِ مَعْرُوفًا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ : كَلِّمُوهُمْ بِمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَقُولُوا لَكُمْ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُسَاهَلَةُ الْكُفَّارِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . فَعَلَى هَذَا; تَكُونُ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أَيْ: أَعْرَضْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ . وَفِيهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَوْلَّوْهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مِنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ ، وَلَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْعَهْدِ ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَالْإِقْرَارُ عَلَى هَذَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى سَلَفِهِمْ ، وَالشَّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى خَلَفِهِمْ . ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفَاءَ الْأَوْسِ ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ فِي حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا النَّضِيرَ وَحُلَفَاءَهَا ، وَكَانَتْ [ ص: 111 ] النَّضِيرُ تُقَاتِلُ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهَا ، فَيَغْلِبُونَهُمْ وَيُخَرِّبُونَ الدِّيَارَ وَيُخْرِجُونَ مِنْهَا ، فَإِذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟! فَيَقُولُونَ: أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ ، حَرُمَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ . فَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أَنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ:
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِهِ: فِدَاءَهُمُ الْأَسَارَى ، وَكُفْرَهُمْ: قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَظَاهَرُونَ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تُظَاهِرُونَ) وَفِي (التَّحْرِيمِ) (تَظَاهَرَا) بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مَعَ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ; أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ ، لِمُقَارَبَتِهَا لَهَا ، فَخَفَّفَ بِالْإِدْغَامِ . وَمَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) خَفِيفَةً; حَذَفَ التَّاءَ الَّتِي أَدْغَمَهَا أُولَئِكَ مِنَ اللَّفْظِ ، فَخَفَّفَ بِالْحَذْفِ . وَالتَّاءُ الَّتِي أَدْغَمَهَا ابْنُ كَثِيرٍ هِيَ الَّتِي حَذَفَهَا عَاصِمٌ . وَرَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي جَعْفَرٍ (تَظَّهَرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ، فَالتَّظَاهُرُ: التَّعَاوُنُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَأَصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ ، فَكَأَنَّ التَّظَاهُرَ: أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ [أَوْ مِنَ الْقَوْمِ ] الْآَخَرِ ظَهْرًا لَهُ يَتَقَوَّى بِهِ ، وَيَسْتَنِدُ إِلَيْهِ . قَالَ مُقَاتِلٌ: وَالْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ أَصْلُ الْأَسْرِ: الشَّدُّ . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ (أَسَارَى) وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (أَسْرَى) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَجْمَعُونَ الْأَسِيرَ "أَسَارَى" وَأَهْلُ نَجْدٍ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ "أَسْرَى" وَهُوَ أَجْوَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جَرِيحٌ وَجَرْحَى ، وَصَرِيعٌ وَصَرْعَى . وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: الْأَسَارَى: مَا شُدُّوا ، وَالْأَسْرَى: فِي أَيْدِيهِمْ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشَدُّوا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "فَعَلَى" جَمْعٍ لِكُلِّ مَا أُصِيبَ بِهِ النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ . يُقَالُ: هَالِكٌ وَهَلْكَى ، وَمَرِيضٌ وَمَرْضَى ، وَأَحْمَقُ [ ص: 112 ] وَحَمْقَى ، وَسَكْرَانُ وَسَكْرَى ، فَمَنْ قَرَأَ: (أَسَارَى); فَهِيَ جَمْعُ الْجَمْعِ . تَقُولُ: أَسِيرٌ وَأَسْرَى وَأُسَارَى جَمْعُ أَسْرَى .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تُفَادُوهُمْ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عُمَرَ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (تَفْدُوهُمْ) وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَالْكِسَائِيُّ: (تُفَادُوهُمْ) بِأَلِفٍ . وَالْمُفَادَاةُ: إِعْطَاءُ شَيْءٍ وَأَخْذُ شَيْءٍ مَكَانَهُ .

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَهُوَ: فِكَاكُ الْأَسْرَى . وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وَهُوَ: الْإِخْرَاجُ وَالْقَتْلُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَفْدِيهِ فِي يَدِ غَيْرِكَ ، وَتَقْتُلُهُ أَنْتَ بِيَدِكَ . ؟!

وَفِي الْمُرَادِ بِالْخِزْيِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْجِزْيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وَنَفْيُ النَّضِيرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَاعُوا الْآَخِرَةَ بِمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنْيَا .
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ يُرِيدُ التَّوْرَاةَ . وَقَفَّيْنَا: أَتْبَعْنَا . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَفَا . يُقَالُ: قَفَوْتُ الرَّجُلَ: إِذَا سِرْتُ فِي أَثَرِهِ . وَالْبَيِّنَاتُ: الْآَيَاتُ وَالْوَاضِحَاتُ كَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى . وَأَيَّدْنَاهُ: قَوَّيْنَاهُ . وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ .

وَفِي رُوحِ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ . وَالْقُدْسُ: الطَّهَارَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ، فِي آَخَرِينَ . وَكَانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ: (بِرُوحِ الْقُدْسِ) سَاكِنَةَ الدَّالِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ فِيهِ حَسَنَانِ ، نَحْوُ: الْعُنْقُ وَالْعُنُقُ ، وَالطُّنْبُ وَالطُّنُبُ .

وَفِي تَأْيِيدِهِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . ذَكَرَهَا الزَّجَّاجُ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ ظَاهِرَ حُجَّتِهِ وَأَمْرَ دِينِهِ .

[ ص: 113 ] . وَالثَّانِي: لِدَفْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ إِذْ أَرَادُوا قَتْلَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْإِنْجِيلُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَقَرَأَ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّهَا . قَالَ الزَّجَّاجُ: قَرَأَ: (غُلْفٌ) بِتَسْكِينِ اللَّامِ ، فَمَعْنَاهُ: ذَوَاتُ غُلْفٍ ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَوْعِيَةٍ . وَمَنْ قَرَأَ (غُلُفٌ) بِضَمِّ اللَّامِ ، فَهُوَ جَمْعُ "غِلَافٍ" فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ ، فَمَا بِالُهَا لَا تَفْهَمُ وَهِيَ أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ؟! فَعَلَى الْأَوَّلِ ، يَقْصِدُونَ إِعْرَاضَهُ عَنْهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا نَفْهَمُ شَيْئًا وَعَلَى الثَّانِي: يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكَ حَقًّا لِقَبِلَتْهُ قُلُوبُنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى قَلِيلٌ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالَ مُعَمَّرُ: يُؤْمِنُونَ بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَيَكْفُرُونَ بِأَكْثَرِهِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَمَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا . ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَقَالَ: هَذَا عَلَى لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ ، يَقُولُونَ: قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ . وَالرَّابِعُ: فَيُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مِنَ الزَّمَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمِنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَيْضًا . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَإِيمَانُهُمْ قَلِيلٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَحَكَى فِي "مَا" قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا زَائِدَةٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَجْمَعُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ تَخُصُّ بَعْضَ مَا عَمَّتْهُ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا .
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مِنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [ ص: 114 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ . وَ"يَسْتَفْتِحُونَ": يَسْتَنْصِرُونَ . وَكَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا قَاتَلْتِ الْمُشْرِكِينَ اسْتَنْصَرُوا بِاسْمِ نَبِيِّ اللَّهِ ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ ، وَنَقِيضِهَا: "نِعْمَ" وَاشْتَرَوْا ، بِمَعْنَى: بَاعُوا . وَالَّذِي بَاعُوهَا بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْيًا) قَالَ قَتَادَةُ: حَسَدًا . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَفَرُوا بَغْيًا ، لِأَنْ نَزَّلَ اللَّهُ الْفَضْلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْغَضَبَ الْأَوَّلَ لِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ . وَالثَّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ . وَالثَّانِي: لِعَدَاوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ . رَوَاهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَوَّلَ حِينَ قَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ الْمَائِدَةِ: 64 ] . وَالثَّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ . رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآَنِ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْرَاةَ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالْمَهِينُ: الْمُذِلُّ .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ; قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا يَعْنُونَ: التَّوْرَاةَ .

وَفِي قَوْلِهِ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا سِوَاهُ . وَمِثْلُهُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [ النِّسَاءِ: 24 ] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: بِمَا بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الْحَقُّ) يَعُودُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-01-2022, 09:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (31)

صــ169 إلى صــ 174

قوله تعالى: وتصريف الرياح قرأ ابن كثير (الرياح) على الجمع في خمسة مواضع: هاهنا . وفي [ الحجر: 22 ] وأرسلنا الرياح لواقح وفي [ الكهف: 46 ] تذروه الرياح وفي [ الروم: 46 ] الحرف الأول (الرياح) . وفي [ الجاثية: 4 ] وتصريف الرياح ، وقرأ باقي القرآن (الريح) . وقرأ أبو جعفر (الرياح) في خمسة عشر موضعا في البقرة ، وفي [ الأعراف: 56 ] يرسل الرياح ، وفي [ إبراهيم: 18 ] اشتدت به الرياح ، وفي [ الحجر: 22 ] الرياح لواقح ، وفي [ سبحان: 19 ] ، وفي [ الكهف: 45 ] تذروه الرياح وفي [ الأنبياء: 81 ] . [ ص: 169 ] وفي [ الفرقان: 48 ] أرسل الرياح ، وفي النمل . والثاني: من [ الروم: 48 ] ، وفي [ سبإ: 12 ] ، وفي [ ص: 36 ] ، وفي [ عسق: 33 ] يسكن الرياح وفي [ الجاثية: 5 ] وتصريف الرياح تابعه نافع إلا في سبحان ، ورياح سليمان [ الأنبياء: 81 ] وتابع نافعا أبو عمرو إلا في حرفين: (الريح) في إبراهيم ، وعسق ، ووافق أبا عمرو ، وعاصما ، وابن عامر . وقرأ حمزة (الرياح) جمعا في موضعين: في الفرقان ، والحرف الأول من الروم ، وباقيهن على التوحيد . وقرأ الكسائي مثل حمزة ، إلا إنه زاد عليه في [ الحجر: 22 ] الرياح لواقح ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام ، فمن جمع; فكل ريح تساوي أختها في الدلالة على التوحيد والنفع ، ومن وحد; أراد الجنس .

ومعنى تصريف الرياح: تقلبها شمالا مرة ، وجنوبا مرة ، ودبورا أخرى ، وصبا أخرى ، وعذابا ورحمة والسحاب المسخر : المذلل . والآية فيه من أربعة أوجه ، ابتداء كونه ، وانتهاء تلاشيه ، وقيامه بلا دعامة ولا علاقة ، وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى . لآيات . الآية: العلامة . أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أخبرنا عاصم قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون قال: حدثني عفان عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: كانوا يقولون ، يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الرفيق ، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف ، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه ، وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات ، أنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين ، وجعل فيها معاشا ، وسراجا وهاجا ، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق ، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين ، وجعل فيه سكنا ونجوما ، وقمرا منيرا ، وإذا شاء بنى بناء ، جعل فيه المطر ، والبرق ، والرعد ، والصواعق ، ما شاء ، وإذا شاء صرف ذلك ، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس ، وإذا شاء ذهب بذلك ، وجاء بحر يأخذ [ ص: 170 ] أنفاس الناس ، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات ، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة .
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب .

قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا .

وفي الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة . وفي قوله: (يحبونهم كحب الله) قولان .

أحدهما: أن معناه: يحبونهم كحب الذين آمنوا لله ، هذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، وأبي العالية ، وابن زيد ، ومقاتل ، والفراء .

والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله ، أي: يسوون بين الأوثان وبين الله تعالى في المحبة .

هذا اختيار الزجاج ، قال: والقول الأول ليس بشيء ، والدليل على نقضه قوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله) قال المفسرون: أشد حبا لله من أهل الأوثان لأوثانهم .

قوله تعالى: (ولو يرى الذين ظلموا) قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، وعاصم ، وحمزة والكسائي: (يرى) بالياء ، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة; لعلموا أن القوة لله جميعا . وقرأ نافع ، وابن عامر ، ويعقوب: (ولو ترى) بالتاء ، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به جميع الناس . وجوابه محذوف ، تقديره: لرأيتم أمرا عظيما ، كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه . وإنما حذف الجواب ، لأن المعنى واضح بدونه . قال أبو علي: وإنما قال: "إذ" ولم يقل: "إذا" وإن كانت "إذ" لما مضى ، لإرادة تقريب الأمر ، فأتى بمثال الماضي ، وإنما حذف جواب "لو" لأنه أفخم ، لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد . وقرأ أبو جعفر ، (إن القوة لله) و: (إن الله) بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف ، كأنه يقول: [ ص: 171 ] فلا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم (إن القوة لله جميعا) قال ابن عباس: القوة: القدرة ، والمنعة .
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار .

قوله تعالى: (من الذين اتبعوا) فيهم قولان . أحدهما: أنهم القادة والرؤساء ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، وقتادة ، ومقاتل ، والزجاج . والثاني: أنهم الشياطين ، قاله السدي .

قوله تعالى: (ورأوا العذاب) يشمل الكل . (وتقطعت بهم الأسباب) أي: عنهم ، مثل قوله: فاسأل به خبيرا [ الفرقان: 59 ] . وفي الأسباب أربعة أقوال . أحدها: أنها المودات ، وإلى نحوه ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . والثاني: أنها الأعمال ، رواه السدي عن ابن مسعود ، وابن عباس وهو قول أبي صالح وابن زيد . والثالث: أنها الأرحام . رواه ابن جريج عن ابن عباس . والرابع: أنها تشمل جميع ذلك . قال ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا ، فأما تسميتها بالأسباب ، فالسبب في اللغة: الحبل ، ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى المقصود: سبب . والكرة: الرجعة إلى الدنيا ، قاله ابن عباس ، وقتادة في آخرين (فنتبرأ منهم) يريدون: من القادة (كما تبرءوا منا) في الآخرة . كذلك يريهم الله أعمالهم قال الزجاج: أي: كتبرؤ بعضهم من بعض ، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم لأن أعمال الكافر لا تنفعه ، وقال ابن الأنباري: يريهم الله أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم ، قال: ويجوز أن يكون: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم الصالحة وجزاءها ، فحذف ! الجزاء [ ص: 172 ] وأقام الأعمال مقامه . قاله ابن فارس: والحسرة: التلهف على الشيء الفائت . وقال غيره: الحسرة: أشد الندامة .
يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين .

قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا نزلت في ثقيف ، وخزاعة ، وبني عامر بن صعصعة ، فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ، وحرموا البحيرة ، والسائبة ، والحام ، قاله ابن السائب .

قوله تعالى: ولا تتبعوا خطوات الشيطان قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي ، وحفص عن عاصم (خطوات) مثقلة . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وحمزة (خطوات) ساكنة الطاء خفيفة . وقرأ الحسن ، وأبو الجوزاء (خطوات) بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز . وقرأ أبو عمران الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز . قال ابن قتيبة: خطواته: سبيله ومسلكه ، وهي جمع خطوة ، والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين ، وبفتحها: الفعلة الواحدة . واتباعهم خطواته: أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله ، ويحلون أشياء قد حرمها الله .

قوله تعالى: إنه لكم عدو مبين أي: بين . وقيل: أبان عداوته بما جرى له مع آدم .
إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .

قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء السوء: كل إثم وقبح . قال ابن عباس: وإنما سمي سوءا ، لأنه تسوء عواقبه ، وقيل: لأنه يسوء إظهاره (والفحشاء) من: فحش الشيء: إذا جاز قدره . وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال . أحدها: أنها كل معصية لها حد في الدنيا .

[ ص: 173 ] . والثاني: أنها ما لا يعرف في شريعة ولا سنة . والثالث: أنها البخل ، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ابن عباس . والرابع: أنها الزنى ، قاله السدي . والخامس: المعاصي ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أي: أنه حرم عليكم ما لم يحرم .
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون .

قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله .

اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها في الذين قيل لهم: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) فعلى هذا تكون الهاء والميم عائدة عليهم ، وهذا قول مقاتل . والثاني: أنها نزلت في اليهود ، وهي قصة مستأنفة ، فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور ، ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس . والثالث: في مشركي العرب وكفار قريش ، فتكون الهاء والميم عائدة إلى قوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا فعلى القول الأول; يكون المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال ، وتحريم الحرام . وعلى الثاني يكون: الإسلام . وعلى الثالث: التوحيد والإسلام . و(ألفينا) بمعنى: وجدنا .

قوله تعالى: أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ، ولا يهتدون له ، أيتبعونهم أيضا في خطئهم وافترائهم؟! .
ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .

قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق

[ ص: 174 ] في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال .

أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي ، وهذا قول الفراء ، وثعلب ، قالا جميعا: أضاف المثل إلى الذين كفروا ، ثم شبههم بالراعي ، ولم يقل :كالغنم ، والمعنى: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت ، فلو قال لها الراعي: ارعي ، أو اشربي; لم تدر ما يقول لها ، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن ، وإنذار الرسول ، فأضيف التشبيه إلى الراعي ، والمعنى في المرعي ، وهو ظاهر في كلام العرب ، يقولون: فلان يخافك كخوف الأسد ، والمعنى: كخوفه الأسد [لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف ] قال الشاعر:


كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم


والمعنى: كما كان الرجم فريضة الزنى .

والثاني: أن معناها: ومثل الذين كفروا ، ومثلنا في وعظهم ، كمثل الناعق والمنعوق به ، فحذف: ومثلنا ، اختصارا ، إذ كان في الكلام ما يدل عليه ، وهذا قول ابن قتيبة ، والزجاج .

والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون ، كمثل الذي ينعق ، هذا قول ابن زيد ، والذي ينعق هو الراعي ، يقال: نعق بالغنم ، ينعق نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا . قال ابن الأنباري: والفاشي في كلام العرب أنه لا يقال: نعق ، إلا في الصياح بالغنم وحدها ، فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى . (صم بكم) إنما وصفهم بالصم والبكم ، لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون يمنزلة من لا يسمع ، وكذلك في النطق والنظر ، وقد سبق شرح هذا المعنى .
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-01-2022, 12:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (41)

صــ225 إلى صــ 229

[ ص: 225 ] وفي معنى " السلم " قولان . أحدهما: أنه الإسلام ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي ، وابن قتيبة ، والزجاج في آخرين . والثاني: أنها الطاعة ، روي عن ابن عباس أيضا ، وهو قول أبي العالية ، والربيع . وقال الزجاج: و"كافة" بمعنى الجميع ، وهو في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء في آخره ، من ذلك: كفه القميص ، وكل مستطيل فحرفه كفة: بضم الكاف . ويقال: في كل مستدير: كفه بكسر الكاف ، نحو: كفة الميزان . ويقال: إنما سميت كفة الثوب ، لأنها تمنعه أن ينتشر ، وأصل الكف: المنع ، وقيل لطرف اليد: كف ، لأنها تكف بها عن سائر البدن ، ورجل مكفوف: قد كف بصره أن ينظر . واختلفوا: هل قوله: "كافة" يرجع إلى السلم ، أو إلى الداخلين فيه؟ على قولين . أحدهما: أنه راجع إلى السلم ، فتقديره: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام . وهذا يخرج على القول الأول الذي ذكرناه في نزول الآية . والثاني: أنه يرجع إلى الداخلين فيه ، فتقديره: ادخلوا كلكم في الإسلام ، وبهذا يخرج على القول الثاني . وعلى القول الثالث يحتمل قوله: "كافة" ثلاثة أقوال . أحدها: أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم ، والثاني أن يكون أمرا للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه . والثالث: أن يكون أمرا لهم بالثبات عليه ، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا [ النساء: 136 ] . و: "خطوات الشيطان" المعاصي . وقد سبق شرحها . و"البينات" الدلالات الواضحات . وقال ابن جريج: هي الإسلام والقرآن . و"ينظرون" بمعنى: ينتظرون .

قوله تعالى: (إلا أن يأتيهم الله) كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا . وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: قدرته وأمره . قال: وقد بينه في قوله تعالى: أو يأتي أمر ربك [ الأنعام: 158 ] .

[ ص: 226 ] قوله تعالى: في ظلل من الغمام أي: بظلل . والظلل: جمع ظلة . و"الغمام": السحاب الذي لا ماء فيه . قال الضحاك: في قطع من السحاب . ومتى يكون مجيء الملائكة؟ فيه قولان . أحدهما: أنه يوم القيامة ، وهو قول الجمهور . والثاني: أنه عند الموت ، قاله قتادة . وقرأ الحسن بخفض "الملائكة" و"قضي الأمر": فرغ منه . (وإلى الله ترجع الأمور) أي: تصير . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ، "ترجع" بضم التاء . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بفتحها . فإن قيل: فكأن الأمور كانت إلى غيره؟ فعنه أربعة أجوبة . أحدها: أن المراد به إعلام الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب ، قاله الزجاج . والثاني: أنه لما عبد قوم غيره ، ونسبوا أفعاله إلى سواه ، ثم انكشف الغطاء يوم القيامة; ردوا إليه ما أضافوه إلى غيره . والثالث: أن العرب تقول: قد رجع علي من فلان مكروه: إذا صار إليه منه مكروه ، وإن لم يكن سبق ، قال الشاعر:


فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب


ذكرهما ابن الأنباري ومما يشبه هذا قول لبيد:


وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع


أراد: يصير رمادا ، لا أنه كان رمادا . وقال أمية بن أبي الصلت:


تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا


أي: صار . والرابع: أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق ، ثم أوجدهم فملكهم بعضها رجعت إليه بعد هلاكهم . فإن قيل: قد جرى ذكر اسمه تعالى في قوله: (أن يأتيهم الله) فما [ ص: 227 ] الحكمة في أنه لم يقل: وإليه ترجع الأمور؟ فالجواب: أن إعادة اسمه أفخم وأعظم ، والعرب إذا جرى ذكر شيء يفخم أعادوا لفظه ، وأنشدوا:


لا أرى الموت يسبق الموت شيئا نغص الموت ذا الغنى والفقيرا


فأعادوا ذكر الموت لفخامته في صدورهم ، ذكره الزجاج .
سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب .

قوله تعالى: (سل بني إسرائيل) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمعنى: له وللمؤمنين . قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: "سل" بغير همز ، وبعض تميم يقول: "اسأل" بالهمز ، وبعضهم يقول "إسل" بالألف وطرح الهمز ، والأولى أغربهن ، وبها جاء الكتاب وفي المراد بالسؤال قولان . أحدهما: أنه التقرير والإذكار بالنعم . والثاني: التوبيخ على ترك الشكر .

والآية البينة: العلامة الواضحة ، كالعصا ، والغمام ، والمن ، والسلوى ، والبحر . وفي المراد بنعمة الله قولان . أحدهما: أنها الآيات التي ذكرناها ، قاله قتادة . والثاني: أنها حجج الله الدالة على أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الزجاج .

وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الكفر بها ، قاله أبو العالية ومجاهد . والثاني: تغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ، قاله أبو سليمان الدمشقي . والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة .
زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب

[ ص: 228 ] قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا في نزولها ثلاثة أقوال . أحدها: أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه ، قاله ابن عباس . والثاني: نزلت في علماء اليهود ، قاله عطاء . والثالث: في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين ، قاله مقاتل . قال الزجاج: وإنما جاز في "زين" لفظ التذكير ، لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي ، إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد .

وإلى من يضاف هذا التزيين فيه قولان . أحدهما: أنه يضاف إلى الله . وقرأ أبي بن كعب ، والحسن ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وابن أبي عبلة: "زين" بفتح الزاي والياء ، على معنى: زينها الله لهم . والثاني: أنه يضاف إلى الشيطان ، روي عن الحسن . قال شيخنا علي بن عبيد الله: والتزيين من الله تعالى: هو التركيب الطبيعي ، فإنه وضع في الطبائع محبة المحبوب ، لصورة فيه تزينت للنفس ، وذلك من صنعه ، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو إلى نفسه لزينته ، فالله تعالى يزين بالوضع ، والشيطان يزين بالإذكار .

وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنهم سخروا منهم للفقر . والثاني: لتصديقهم بالآخرة . والثالث: لاتباعهم للنبي ، صلى الله عليه وسلم . وقيل: إنهم كانوا يوهمونهم أنكم على الحق ، سخرية منهم بهم .

وفي معنى كونهم "فوقهم" ثلاثة أقوال . أحدها: أن ذلك على أصله ، لأن المؤمنين في عليين ، والكفار في سجين . والثاني: أن حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين ، فهم المنصورون . والثالث: في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق نعيم الكافرين في الدنيا .

قوله تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب فيه قولان . أحدهما: أنه يرزق [ ص: 229 ] من يشاء رزقا واسعا غير ضيق . والثاني: يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة .
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة في المراد بـ"الناس" هاهنا ثلاثة أقوال . أحدها: جميع بني آدم ، وهو قول الجمهور . والثاني: آدم وحده ، قاله مجاهد . قال ابن الأنباري: وهذا الوجه جائز ، لأن العرب توقع الجمع على الواحد . ومعنى الآية: كان آدم ذا دين واحد ، فاختلف ولده من بعده . والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق ، فاختلفوا حين قتل قابيل وهابيل . ذكره ابن الأنباري . والأمة هاهنا: الصنف والواحد على مقصد واحد .

وفي ذلك المقصد الذي كانوا عليه قولان . أحدهما: أنه الإسلام قاله أبي بن كعب ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل . والثاني: أنه الكفر . رواه عطية عن ابن عباس .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-01-2022, 07:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (51)

صــ276 إلى صــ 280

ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا [ ص: 276 ] عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم .

قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيه قولان . أحدهما: أن معناه: فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك . والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن . قال أبو سليمان الدمشقي: وهو خطاب لأوليائهن .

قوله تعالى: فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فيه قولان . أحدهما: أنه التزين والتشوف للنكاح ، قاله الضحاك ، ومقاتل . والثاني: أنه النكاح ، قاله الزهري ، والسدي . و"الخبير" من أسماء الله تعالى ، ومعناه: العالم بكنه الشيء ، المطلع على حقيقته . و"الخبير" في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع من العلم ، وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببدائه العقول . وعلم الله تعالى سواء ، فيما غمض ولطف ، وفيما تجلى وظهر .

قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدة . والتعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف ، فهو إشارة بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر . والخطبة بكسر الخاء: طلب النكاح ، والخطبة بضم الخاء: مثل الرسالة التي لها أول وآخر . قال ابن عباس: التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج . وقال مجاهد: أن يقول: إنك لجميلة ، وإنك لحسنة ، وإنك لإلى خير .

قوله تعالى: أو أكننتم في أنفسكم قال الفراء: فيه لغتان ، كننت الشيء ، وأكننته [ ص: 277 ] وقال ثعلب: أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك ، وكننته: إذا سترته بشيء . وقال ابن قتيبة: أكننت الشيء: إذا سترته ، ومنه هذه الآية ، وكننته: إذا صنته ، ومنه قوله تعالى: كأنهن بيض مكنون [ الصافات: 49 ] قال بعضهم يجعل كننته ، وأكننته ، بمعنى .

قوله تعالى: علم الله أنكم ستذكرونهن قال مجاهد: ذكره إياها في نفسه .

قوله تعالى: ولكن لا تواعدوهن سرا فيه أربعة أقوال . أحدها: أن المراد بالسر هاهنا: النكاح ، قاله ابن عباس . وأنشد بيت امرئ القيس:


ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي


وفي رواية: يشهد اللهو قال الفراء: ونرى أنه مما كنى الله عنه ، كقوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط [ النساء: 43 ] . وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: الإفضاء بالنكاح [المحرم ] وأنشد:


ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع


قال ابن قتيبة: استعير السر للنكاح ، لأن النكاح يكون سرا ، فالمعنى: لا تواعدوهن [ ص: 278 ] بالتزويج ، [وهن في العدة ] تصريحا إلا أن تقولوا قولا معروفا لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا . والثاني: أن المواعدة سرا: أن يقول لها: إني لك محب ، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري ، روي عن ابن عباس أيضا . والثالث: أن المراد بالسر الزنا . قاله الحسن ، وجابر بن زيد ، وأبو مجلز ، وإبراهيم ، وقتادة ، والضحاك . والرابع: أن المعنى: لا تنكحوهن في عدتهن سرا ، فإذا حلت أظهرتم ذلك ، قاله ابن زيد . وفي القول المعروف قولان . أحدهما: أنه التعريض لها ، وهو قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والقاسم بن محمد ، والشعبي ، ومجاهد ، وإبراهيم ، وقتادة ، والسدي . والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها ، وهو قول عبيدة .

قوله تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح قال الزجاج: معناه لا تعزموا على عقدة النكاح ، وحذفت "على" استخفافا ، كما قالوا: ضرب زيد الظهر والبطن ، معناه: على الظهر والبطن (حتى يبلغ الكتاب أجله) أي: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله . قال: ويجوز أن يكون "الكتاب" بمعنى "الفرض" كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام [ البقرة: 183 ] . فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض أجله . قال ابن عباس ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة ، والسدي: بلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة .

قوله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم قال ابن عباس: من الوفاء ، فاحذروه أن تخالفوه في أمره . والحليم قد سبق بيانه .
[ ص: 279 ] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين .

قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وأبو عمرو "تمسوهن" بغير ألف حيث كان ، وبفتح التاء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف "تماسوهن" بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب ثالث . قال أبو علي: وقد يراد بكل واحد من "فاعل" و"فعل" ما يراد بالآخر ، نقول: طارقت النعل ، وعاقبت اللص . قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ، ولم يسم لها مهرا ، فطلقها قبل أن يسمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل متعتها بشيء؟" قال: لا . قال: "متعها ولو بقلنسوتك" ومعنى الآية: ما لم تمسوهن ، ولم تفرضوا لهن فريضة . وقد تكون "أو" بمعنى الواو . كقوله تعالى: ولا تطع منهم آثما أو كفورا [ الدهر: 24 ] .

والمس: النكاح ، والفريضة: الصداق ، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح بغير تسمية مهر (ومتعوهن) أي: أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على قدر أحوالكم في الغنى والفقر . والمتاع: اسم لما ينتفع به ، فذلك معنى قوله تعالى: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو "قدره" بإسكان الدال في الحرفين ، وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، الكسائي بتحريك الحرفين ، وعن عاصم :كالقرأتين ، وهما لغتان .

[ ص: 280 ] فصل

وهل هذه المتعة واجبة ، أم مستحبة؟ فيه قولان . أحدهما: واجبة ، واختلف أرباب هذا القول ، لأي المطلقات تجب . على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة ، روي عن علي ، والحسن ، وأبي العالية ، والزهري . والثاني: أنها تجب لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها صداقا ، ولم يمسها ، فإنه يجب لها نصف ما فرض ، روي عن ابن عمر ، والقاسم بن محمد ، وشريح ، وإبراهيم . والثالث: أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا ، فإن دخل بها ، فلا متعة ، ولها مهر المثل ، روي عن الأوزاعي ، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل . والثاني: أن المتعة مستحبة ، ولا تجب على أحد ، سواء سمي للمرأة ، أو لم يسم ، دخل بها ، أو لم يدخل ، وهو قول مالك ، والليث بن سعد ، والحكم ، وابن أبي ليلى . واختلف العلماء في مقدار المتعة ، فنقل عن ابن عباس ، وسعيد بن المسيب: أعلاها خادم ، وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها ، وروي عن حماد وأبي حنيفة: أنه قدر نصف صداق مثلها . وعن الشافعي وأحمد: أنه قدر يساره وإعساره ، فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم . ونقل عن أحمد: المتعة بقدر ما تجزئ فيه الصلاة من الكسوة ، وهو درع وخمار . و قوله تعالى: متاعا بالمعروف أي: بقدر الإمكان ، والحق: الواجب . وذكر المحسنين والمنافقين ضرب من التأكيد .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17-12-2021, 12:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (12)

صــ55 إلى صــ 60

قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا بَعُوضَةً .

مَا زَائِدَةٌ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالزَّجَّاجُ وَالْبَصْرِيِّينَ . وَأَنْشَدُوا لِلنَّابِغَةِ:


[قَالَتْ ]: أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامُ لَنَا [إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفِهِ فَقَدَ ]


وَذَكَر أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا ، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ "بَيْنَ" و"إِلَى" إِذْ كَانَ فِي نَصْبِ الْبَعُوضَةِ ، وَدُخُولِ الْفَاءِ فِي "مَا" الثَّانِيَةِ; دَلَالَةٌ عَلَيْهِمَا ، كَمَا قَالَتْ [ ص: 55 ] الْعَرَبُ: مُطِرْنَا مَازِبَالَةَ فَالثَّعْلَبِيَّةُ ، وَلَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا ، وَهِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ مَا قَرَنَا فَقَدَّمَا [يَعْنُونَ: مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا ] . وَقَالَ غَيْرُهُ: نَصَبَ الْبَعُوضَةَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمَثَلِ .

وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ عَنْ نَافِعٍ: "بَعُوضَةٌ" بِالرَّفْعِ ، عَلَى إِضْمَارِ هُوَ . وَالْبَعُوضَةُ: صَفِيرَةُ الْبَقِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا فَوْقَهَا فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَا فَوْقَهَا فِي الْكِبَرِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالْفَرَّاءُ .

وَالثَّانِي: فَمَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَمَا دُونَهَا ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ .

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَقَدْ يَكُونُ الْفَوْقُ بِمَعْنَى: دُونَ ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَمِثْلُهُ: الْجَوْنُ; يُقَالُ: لِلْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ . وَالصَّرِيمِ: الصُّبْحُ ، وَاللَّيْلُ . وَالسُّدْفَةُ: الظُّلْمَةُ ، وَالضَّوْءُ . وَالْحُلَلُ: الصَّغِيرُ ، وَالْكَبِيرُ . وَالنَّاهِلُ: الْعَطْشَانُ ، وَالرَّيَّانُ . وَالْمَاثِلُ: الْقَائِمُ ، وَاللَّاطِئُ بِالْأَرْضِ وَالصَّارِخُ: الْمُغِيثُ ، وَالْمُسْتَغِيثُ . وَالْهَاجِدُ: الْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ ، وَالنَّائِمُ . وَالرَّهْوَةُ: الِارْتِفَاعُ ، وَالِانْحِدَارُ . وَالتَّلْعَةُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَمَا انْهَبَطَ مِنَ الْأَرْضِ . وَالظَّنُّ: يَقِينٌ ، وَشَكٌّ . وَالْأَقْرَاءُ: الْحَيْضُ ، وَالِاطِّهَارُ . وَالْمُفَرَّعُ فِي الْجَبَلِ: الْمِصْعَدُ ، وَالْمُنْحَدَرُ . وَالْوَرَاءُ: خَلْفًا ، وَقَدَّامًا . وَأَسْرَرْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ ، وَأَعْلَنْتُهُ . وَأَخْفَيْتُ الشَّيْءَ: أَظْهَرْتُهُ وَكَتَمَتْهُ . وَرَتَوْتُ الشَّيْءَ: شَدَدْتُهُ ، وَأَرْخَيْتُهُ . وَشَعَّبْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ ، وَفَرَّقْتُهُ . وَبِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى: بِعْتُهُ ، وَاشْتَرَيْتُهُ . وَشَرَيْتُ الشَّيْءَ: اشْتَرَيْتُهُ ، وَبِعْتُهُ . وَالْحَيُّ خُلُوفٌ: غُيَّبٌ ، وَمُخْتَلِفُونَ .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا هَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا [ الْبَقَرَةِ: 26 ] أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .

[ ص: 56 ] أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ . قَالَ الْفَرَّاءُ: كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ ، يَضِلُّ بِهِ هَذَا ، وَيَهْدِي بِهِ هَذَا؟! [ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْكَلَامُ وَالْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ ] فَقَالَ اللَّهُ: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ [ الْبَقَرَةِ: 26 ] .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ .

فَأَمَّا الْفِسْقُ; فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا . فَالْفَاسِقُ: الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ .

وَفِي الْمُرَادِ بِالْفَاسِقِينَ هَاهُنَا ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: الْمُنَافِقُونَ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّالِثُ: جَمِيعُ الْكُفَّارِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .

هَذِهِ صِفَةٌ لِلْفَاسِقِينَ ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِيهِمُ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ . وَالنَّقْضُ: ضِدُّ الْإِبْرَامِ ، وَمَعْنَاهُ: حِلُّ الشَّيْءِ بَعْدَ عَقْدِهِ . وَيَنْصَرِفُ النَّقْضُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ ، فَنَقْضُ الْبِنَاءِ: تَفْرِيقُ جَمْعِهِ بَعْدَ إِحْكَامِهِ . وَنَقُضُ الْعَهْدِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ الْمَقَامِ عَلَى أَحْكَامِهِ .

وَفِي هَذَا الْعَهْدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَا عَهِدَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَصِيَّةُ بِاتِّبَاعِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي الْقُرْآَنِ ، فَأَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آَدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَذْكُرْ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَقَدْ ثَبَتَ بِخَبَرِ الصَّادِقِ ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ .

وَفِي "مِنْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا زَائِدَةٌ ، . وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ: ابْتِدَاءُ نَقْضِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ . وَفِي هَاءِ "مِيثَاقِهِ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْعَهْدِ ، فَتَقْدِيرُهُ: بَعْدَ إِحْكَامِ التَّوْفِيقِ فِيهِ .

[ ص: 57 ] وَفِي: الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُوصِلَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: الرَّحِمُ وَالْقَرَابَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ . وَالثَّالِثُ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، فَآَمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَفِي فَسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْتِدْعَاؤُهُمُ النَّاسَ إِلَى الْكُفْرِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعَمَلُ بِالْمَعَاصِي ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ جَاءَ مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَمْنَعُوا النَّاسَ مِنَ الْإِسْلَامِ .

وَالْخُسْرَانُ فِي اللُّغَةِ: النُّقْصَانُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فِي كَيْفَ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى التَّعَجُّبِ ، وَهَذَا التَّعَجُّبُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، أَيِ: اعْجَبُوا مِنْ هَؤُلَاءِ كَيْفَ يَكْفُرُونَ ، وَقَدْ ثَبَتَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ خَارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ . تَقْدِيرُهُ: وَيَحْكُمُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ قَالَ الْعَجَّاجُ:


أَطْرَبَا وَأَنْتَ قَنَسْرِي [وَالدَّهْرُ بِالْإِنْسَانِ دَوَّارِي ]


أَرَادَ: أَتَطْرَبُ وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟! قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا .

قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْ: وَقَدْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا . وَمِثْلُهُ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [ النِّسَاءِ: 90 ] أَيْ: قَدْ حَصِرَتْ . وَمِثْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ [ يُوسُفَ: 26 ] أَيْ: فَقَدْ كَذَبَتْ ، وَلَوْلَا إِضْمَارُ "قَدْ" لَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ .

وَفِي الْحَيَاتَيْنِ ، وَالْمَوْتَتَيْنِ أَقْوَالٌ . أَصَحُّهَا: أَنَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى ، كَوْنُهُمْ نُطَفًا وَعُلَقًا [ ص: 58 ] وَمُضَغًا ، فَأَحْيَاهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا ، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَثَعْلَبٍ ، وَالزَّجَّاجِ ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ ، وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا أَيْ: لِأَجْلِكُمْ ، فَبَعْضُهُ لِلِانْتِفَاعِ ، وَبَعْضُهُ لِلِاعْتِبَارِ .

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ أَيْ: عَمَدَ إِلَى خُلُقِهَا ، وَالسَّمَاءِ: لَفْظُهَا لَفْظُ الْوَاحِدِ ، وَمَعْنَاهَا ، مَعْنَى الْجَمْعِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَسَوَّاهُنَّ .

وَأَيُّهُمَا أَسْبَقُ فِي الْخَلْقِ: الْأَرْضُ ، أَمِ السَّمَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْأَرْضُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: السَّمَاءُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَكْمِيلِ خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِي يَوْمَيْنِ ، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي يَوْمَيْنِ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: جَمَعَ خَلْقَ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ فِي يَوْمَيْنِ .

وَالْعَلِيمُ: جَاءَ عَلَى بِنَاءِ: فَعِيلٍ ، لِلْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِهِ بِكَمَالِ الْعِلْمِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ .

كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: "إِذْ" مُلْغَاةٌ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَقَالَ رَبُّكَ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا الزَّجَّاجُ وَابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِذْ مَعْنَاهَا: الْوَقْتُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ابْتِدَاءُ خَلْقِكُمْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ .

وَالْمَلَائِكَةُ: مِنَ الْأُلُوكِ ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ ، قَالَ لَبِيَدُ:


وَغُلَامٌ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلَ


وَوَاحِدُ الْمَلَائِكَةِ: مَلَكٌ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: مَلْأَكُ . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: [ ص: 59 ]
فَلَسْتُ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ تَنْزِلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ


قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَمَعْنَى مَلْأَكِ: صَاحِبُ رِسَالَةٍ ، يُقَالُ: مَأْلَكَةٌ وَمَأْلُكَةٌ وَمَلْأَكَةٌ . وَمَآَلُكٌ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ . قَالَ الشَّاعِرُ:


أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكًا أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي


وَفِي هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيسَ حِينَ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ، ذَكَرَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ آَدَمَ خَلْقٌ ، فَأَفْسَدُوا ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْلِيسَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَأَهْلَكُوهُمْ .

وَاخْتَلَفُوا مَا الْمَقْصُودُ فِي إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمَلَائِكَةَ بِخَلْقِ آَدَمَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ فِي نَفْسِ إِبْلِيسَ كِبْرًا ، فَأَحَبَّ أَنْ يُطْلِعَ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يُظْهِرَ مَا سَبَقَ عَلَيْهِ فِي عِلْمِهِ ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَ طَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ النَّارَ خَافَتِ الْمَلَائِكَةُ ، فَقَالُوا: رَبُّنَا لِمَنْ خَلَقْتَ هَذِهِ؟ قَالَ: لِمَنْ عَصَانِي ، فَخَافُوا وُجُودَ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ خَلْقٍ سِوَاهُمْ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [ الْبَقَرَةِ: 30 ] قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ أَرَادَ إِظْهَارَ عَجْزِهِمْ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِعِلْمِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ حَتَّى قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا؟ فَأَجَابَهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ .

وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ أَرَادَ تَعْظِيمَ آَدَمَ بِذِكْرِهِ بِالْخِلَافَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ ، لِيَكُونُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ إِنْ أَوْجَدَهُ . [ ص: 60 ] وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ أَرَادَ إِعْلَامَهُمْ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ لِيُسْكِنَهُ الْأَرْضَ ، وَإِنْ كَانَتِ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ فِي السَّمَاءِ .

وَالْخَلِيفَةُ: هُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ غَيْرِهِ ، يُقَالُ: هَذَا خَلْفُ فُلَانٍ وَخَلِيفَتُهُ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْأَصْلُ فِي الْخَلِيفَةِ خَلِيفٌ ، بِغَيْرِ هَاءٍ ، فَدَخَلَتِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي مَدْحِهِ بِهَذَا الْوَصْفِ ، كَمَا قَالُوا: عَلَّامَةٌ وَنَسَّابَةٌ وَرَاوِيَةٌ . وَفِي مَعْنَى خِلَافَةِ آَدَمَ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِقَامَةِ شَرْعِهِ ، وَدَلَائِلِ تَوْحِيدِهِ ، وَالْحُكْمِ فِي خَلْقِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَلَفُ مَنْ سَلَفَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17-12-2021, 12:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (13)

صــ61 إلى صــ 66

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا .

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْأَلِفِ الِاسْتِفْهَامُ ، دَخَلَ عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ قَالَ جَرِيرٌ:


أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ


مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوهُ لِاسْتِعْلَامِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ . ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ حَالِ أَنْفُسِهِمْ ، فَتَقْدِيرُهُ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أَمْ لَا؟

وَهَلْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَمْ قَاسُوا عَلَى حَالِ مَنْ قَبْلَهُمْ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: رَبُّنَا وَمَا يَكُونُ [ ص: 61 ] ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ قَالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَتَحَاسَدُونَ ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى أَحْوَالِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَ آَدَمَ ، رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُقَاتِلٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ .

قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْفَاءِ ، وَضَمَّهَا ابْنُ مُصَرِّفِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، وَهُمَا لُغَتَانِ ، وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وَابْنِ مِقْسَمٍ: وَيُسَفِّكُ: بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَفَتْحِ السِّينِ ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَعَ كَسْرِهَا ، وَهِيَ لِتَكْثِيرِ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرِهِ . وَسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ وَإِرَاقَتُهُ وَسَفْحُهُ ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ مُضَيَّعٍ ، إِلَّا أَنَّ السَّفْكَ يَخْتَصُّ الدَّمَ ، وَالصَّبَّ وَالسَّفْحَ وَالْإِرَاقَةَ يُقَالُ فِي الدَّمِ وَفِي غَيْرِهِ .

وَفِي مَعْنَى تَسْبِيحِهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الصَّلَاةُ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلُهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ التَّعْظِيمُ وَالْحَمْدُ ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ الْخُضُوعُ وَالذُّلُّ ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُقَدِّسُ لَكَ .

الْقُدْسُ: الطَّهَارَةُ ، وَفِي مَعْنَى تَقْدِيسِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: نَتَطَهَّرُ لَكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: نُعَظِّمُكَ وَنَكْبُرُكُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ: نُصَلِّي لَكَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ .

فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَغْيِ وَالْمَعْصِيَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَنْبِيَاءٌ [ ص: 62 ] وَصَالِحُونَ قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَعْلَمُ أَنِّي أَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .

وَالرَّابِعُ: أَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ ، فَأَنَا أَبْتَلِي مَنْ تَظُنُّونَ أَنَّهُ مُطِيعٌ ، فَيُؤَدِّيهِ الِابْتِلَاءُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ كِإِبْلِيسَ ، وَمَنْ تَظُنُّونَ بِهِ الْمَعْصِيَةَ فَيُطِيعُ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

الْإِشَارَةُ إِلَى خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

رَوَى أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، خَلَقَ آَدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آَدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ [وَالْأَبْيَضُ ] وَالْأَسْوَدُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آَدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا" . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ آَدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةَ آَخِرَ الْخَلْقِ فِي آَخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمْعَةِ ، مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، أَتَتْهُ النَّفْخَةُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَجَعَلَتْ لَا تَجْرِي مِنْهُ فِي شَيْءٍ إِلَّا صَارَ لَحْمًا وَدَمًا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا .

فِي تَسْمِيَةِ آَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْأُدْمَةِ فِي اللَّوْنِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، وَالنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَقُطْرُبٌ .

وَفِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَّمَهُ كُلَّ الْأَسْمَاءِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، [ ص: 63 ] وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ مَعْدُودَةً لِمُسَمَّيَاتٍ مَخْصُوصَةٍ . ثُمَّ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا ، كَقَوْلِكَ: إِنْسَانٌ وَمَلِكٌ وَجِنِّيٌّ وَطَائِرٌ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ مَا خَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْهَوَامِّ وَالطَّيْرِ ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ .

يُرِيدُ أَعْيَانَ الْخَلْقِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَلَائِكَةُ هَاهُنَا: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيسَ خَاصَّةً .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْبِئُونِي أَخْبَرُونِي .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .

فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ . وَالثَّانِي: أَنِّي أَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سُبْحَانَكَ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ: التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ سُوءٍ . وَالْعَلِيمُ بِمَعْنَى: الْعَالِمِ ، جَاءَ عَلَى بِنَاءِ "فَعِيلٍ" لِلْمُبَالَغَةِ . وَفِي الْحَكِيمِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالثَّانِي: الْمُحْكِمُ لِلْأَشْيَاءِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أَيْ: أَخْبَرَهُمْ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْبِئْهِمْ بِكَسْرِ الْهَاءِ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ عَلَى الْأَصْلِ ، لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الضَّمِيرِ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ مَضْمُومَةً فِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: ضَرْبَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ، وَهَذَا لَهُمْ . وَمَنْ كَسَرَ أَتْبَعَ كَسْرَ الْهَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ كَسْرَةُ الْبَاءِ . وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ تَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ . وَفِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ [ ص: 64 ] مِنْ "أَسْمَائِهِمْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي عَرَضَهَا ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ .

وَفِي الَّذِي أَبْدُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ حَيْثُ مَرُّوا عَلَى جَسَدِ آَدَمَ ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: إِنَّ فَضْلَ هَذَا عَلَيْكُمْ مَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نُطِيعُ رَبَّنَا ، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: لَئِنْ فُضِّلْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكْنَهُ ، وَلَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَفِي الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اعْتِقَادُ الْمَلَائِكَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْلُقُ خَلْقًا أَكْرَمَ مِنْهُمْ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا أَسَرَّهُ إِبْلِيسُ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعِصْيَانِ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُقَاتِلٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا .

عَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْمَشُ بِضَمِّهَا فِي الْوَصْلِ ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ لُغَةٌ أَزْدَشَنُوءَةَ .

وَفِي هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .

وَالسُّجُودُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ ، وَأَنْشَدُوا:


سَاجِدُ الْمَنْخَرِ مَا يَرْفَعُهُ خَاشِعُ الطَّرْفِ أَصَمُّ الْمُسْتَمِعِ


وَفِي صِفَةِ سُجُودِهِمْ لِآَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى صِفَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ الِانْحِنَاءُ وَالْمَيْلُ الْمُسَاوِي لِلرُّكُوعِ .

[ ص: 65 ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا إِبْلِيسَ .

فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ مَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْطَانًا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، فَهُوَ مِنَ الْجِنِّ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ ، وَكَانَ يُدِيرُ أَمْرَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتُثْنِيَ وَلَيْسَ مِنَ الْجِنْسِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَهُمْ ، فَاسْتُثْنِيَ مِنْهُمْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: أَمَرْتُ عَبْدِي وَإِخْوَتِي فَأَطَاعُونِي إِلَّا عَبْدِي ، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ .

وَفِي إِبْلِيسَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ ، وَلِذَلِكَ لَا يُصْرَفُ ، هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالزَّجَّاجِ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْلَاسِ ، وَهُوَ: الْيَأْسُ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ ، لِأَنَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ ، فَاسْتُثْقِلَ . قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَنْصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْإِبْلَاسِ لَصُرِفَ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ رَجُلًا: بِإِخْرِيطٍ وَإِجْفِيلٍ; لِصُرِفَ فِي الْمَعْرِفَةِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَبَى مَعْنَاهُ: امْتَنَعَ ، وَاسْتَكْبَرَ اسْتَفْعَلَ مِنَ: الْكِبْرِ ، وَفِي " وَكَانَ " قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: صَارَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْمَاضِي ، فَمَعْنَاهُ: كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ كَافِرًا ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ زَوْجُهُ: حَوَّاءُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: زَوْجٌ ، وَيَجْمَعُونَهَا: الْأَزْوَاجَ . وَتَمِيمٌ وَكَثِيرٌ مِنْ قِيسٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَوْجَةٌ ، وَيَجْمَعُونَهَا: زَوْجَاتٌ . [ ص: 66 ] قَالَ الشَّاعِرُ:


فَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى يُحِرِّشُ زَوْجَتِي كَمَاشٍ إِلَى أَسَدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا


وَأَنْشَدَنِي أَبُو الْجَرَّاحِ:


يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كُلِّهِمُ أَنْ لَيْسَ وَصْلٌ إِذَا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ


وَفِي الْجَنَّةِ الَّتِي أَسْكَنَهَا آَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: جَنَّةُ عَدْنٍ . وَالثَّانِي: جَنَّةُ الْخُلْدِ .

وَالرَّغَدُ: الرِّزْقُ الْوَاسِعُ الْكَثِيرُ ، يُقَالُ: أَرْغَدَ فُلَانٌ: إِذَا صَارَ فِي خِصْبٍ وَسِعَةٍ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17-12-2021, 12:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (14)

صــ67 إلى صــ 72

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ أَيْ: بِالْأَكْلِ لَا بِالدُّنُوِّ مِنْهَا .

فِي الشَّجَرَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا السُّنْبُلَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَوَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، وَمُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، وَمُقَاتِلٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْكَرَمُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَعْدَةَ وَبْنِ هُبَيْرَةَ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا التِّينُ ، رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا شَجَرَةٌ يُقَالُ: لَهَا شَجَرَةُ الْعِلْمِ ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالْخَامِسُ: أَنَّهَا شَجَرَةُ الْكَافُورِ ، نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .

وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ .

وَقَدْ ذَكَرُوا وَجْهًا سَابِعًا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى جِنْسِهَا . [ ص: 67 ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ .

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الظُّلْمُ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَيُقَالُ: ظَلَمَ الرَّجُلُ سِقَاءَهُ إِذَا سَقَاهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ وَقَالَ الشَّاعِرُ:


وَصَاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكَاتُهُ ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ


أَرَادَ بِالصَّاحِبِ: وَطْبُ اللَّبَنِ ، وَظُلْمُهُ إِيَّاهُ: أَنْ يَسْقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ .

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هُوَ أَظْلَمُ مِنْ حَيَّةٍ ، لِأَنَّهَا تَأْتِي الْحَفْرَ الَّذِي لَمْ تَحْفِرْهُ فَتَسْكُنُهُ ، وَيُقَالُ: قَدْ ظَلَمَ الْمَاءُ الْوَادِي: إِذَا وَصَلَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إِلَيْهِ فِيمَا مَضَى . فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي تَخْصِيصِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ بِالنَّهْيِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أَرَادَ .

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ لَهَا ثِقَلٌ مِنْ بَيْنِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنْهَا ، قِيلَ: اخْرُجْ إِلَى الدَّارِ الَّتِي تَصْلُحُ لِمَا يَكُونُ مِنْكَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ .

أَزَلَّهُمَا بِمَعْنَى: اسْتَزَلَّهُمَا ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ: (فَأَزَالُهُمَا) ، أَرَادَ: نَحَّاهُمَا . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ اثْبُتَا فِيهَا ، فَثَبَتَا; قَابَلَ حَمْزَةُ الثَّبَاتَ بِالزَّوَالِ الَّذِي يُخَالِفُهُ ، وَيُقَوِّي قِرَاءَتَهُ: فَأَخْرَجَهُمَا .

وَالشَّيْطَانُ: إِبْلِيسُ ، وَأُضِيفَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ ، لِأَنَّهُ السَّبَبُ . وَفِي هَاءِ (عَنْهَا) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْجَنَّةِ . وَالثَّانِي: تَرْجِعُ إِلَى الطَّاعَةِ . وَالثَّالِثُ: تَرْجِعُ إِلَى الشَّجَرَةِ . فَمَعْنَاهُ: فَأَزَلَّهُمَا بِزِلَّةٍ صَدَرَتْ عَنِ الشَّجَرَةِ .

وَفِي كَيْفِيَّةِ إِزْلَالِهِ لَهُمَا ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ احْتَالَ حَتَّى دَخَلَ إِلَيْهِمَا الْجَنَّةَ ، وَكَانَ الَّذِي أَدْخَلَهُ الْحَيَّةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، وَنَادَاهُمَا ، قَالَهُ الْحَسَنُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَسْوَسَ إِلَيْهِمَا ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُخَاطِبَةٍ [ ص: 68 ] وَلَا مُشَاهَدَةٍ ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَفِيهِ بَعْدُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَجْوَدُ: أَنْ يَكُونَ خَاطَبَهَا ، لِقَوْلِهِ: (وَقَاسَمَهُمَا) .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْصِيَةِ آَدَمَ بِالْأَكْلِ ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ نُهِيَ عَنْ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا ، فَأَكَلَ مِنْ جِنْسِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ: تَأَوَّلَ الْكَرَاهَةَ فِي النَّهْيِ دُونَ التَّحْرِيمِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ الْهُبُوطُ بِضَمِّ الْهَاءِ: الِانْحِدَارُ مِنْ عُلُوٍّ ، وَبِفَتْحِ الْهَاءِ: الْمَكَانُ الَّذِي يَهْبِطُ فِيهِ ، وَإِلَى مَنِ انْصَرَفَ هَذَا الْخِطَابُ؟ فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ انْصَرَفَ إِلَى آَدَمَ وَحَوَّاءَ وَالْحَيَّةِ ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: إِلَى آَدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةِ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: إِلَى آَدَمَ وَإِبْلِيسَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالرَّابِعُ: إِلَى آَدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالْخَامِسُ: إِلَى آَدَمَ وَحَوَّاءَ وَذُرِّيَّتِهِمَا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالسَّادِسُ: إِلَى آَدَمَ وَحَوَّاءَ فَحَسْبُ ، وَيَكُونُ لَفْظُ الْجَمْعِ وَاقِعًا عَلَى التَّثْنِيَةِ ، كَقَوْلِهِ: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 78 ] ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَهُوَ الْعِلَّةُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ أُهْبِطُوا جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أُهْبِطُوا جُمْلَةً ، لَكِنَّهُمْ نَزَلُوا فِي بِلَادٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، قَالَهُ كَعْبٌ ، وَوَهْبٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ ، فَهَبَطَ إِبْلِيسُ قَبْلَ آَدَمَ ، وَهَبَطَ آَدَمُ بِالْهِنْدِ ، وَحَوَّاءُ بِجَدَّةٍ ، وَإِبْلِيسُ بِالْأَبُلَّةِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِنَصِيبَيْنِ ، قَالَ: وَأَمَرَ اللَّهِ تَعَالَى جِبْرِيلُ بِإِخْرَاجِ آَدَمَ ، فَقَبَضَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخَلَّصَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَبَضَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ ارْفُقْ بِي . قَالَ جِبْرِيلُ: إِنِّي لَا أَرْفُقُ بِمَنْ عَصَى اللَّهَ ، فَارْتَعَدَ آَدَمُ وَاضْطَرَبَ ، وَذَهَبَ كَلَامُهُ ، وَجِبْرِيلُ يُعَاتِبُهُ فِي مَعْصِيَتِهِ ، وَيُعَدِّدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قَالَ: [ ص: 69 ] وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ضَحْوَةً ، وَاخْرُجْ مِنْهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، فَمَكَثَ فِيهَا نِصْفَ يَوْمٍ ، خَمْسَمِائَةِ عَامٍ مِمَّا يَعُدُّ أَهْلُ الدُّنْيَا .

وَفِي الْعَدَاوَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ ذَرِّيَّةَ بَعْضِهِمْ أَعْدَاءٌ لِبَعْضٍ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لِآَدَمَ وَحَوَّاءَ ، وَهَمَا لَهُ عَدُوٌّ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

وَفِي الْمُسْتَقَرِّ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُبُورُ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: مَوْضِعٌ الِاسْتِقْرَارِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَالزَّجَّاجُ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَهُوَ أَصَحُّ .

وَالْمَتَاعُ: الْمَنْفَعَةُ . وَالْحِينُ: الزَّمَانُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِلَى حِينٍ) ، أَيْ: إِلَى فِنَاءِ الْأَجَلِ بِالْمَوْتِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

تَلَقَّى: بِمَعْنَى أَخَذَ ، وَقَبِلَ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ [وَسَيَتَقْبِلَهُ ] بِكَلَامٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَفَعَلَ [ذَلِكَ آَدَمُ ] فَتَابَ عَلَيْهِ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: " فَتَلَقَّى آدَمَ " بِالنَّصْبِ ، " كَلِمَاتٌ " : بِالرَّفْعِ; عَلَى أَنَّ الْكَلِمَاتِ هِيَ الْفَاعِلَةُ .

وَفِي الْكَلِمَاتِ أَقْوَالٌ .

أَحَدُهَا: أَنَّهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الْأَعْرَافِ: 23 ] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: أَيْ: رَبِّ; أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى . قَالَ: أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى ، قَالَ: أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ إِلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ؟ قَالَ: بَلَى . قَالَ: أَلَمْ [ ص: 70 ] تُسْجِدْ لِي مَلَائِكَتَكَ ، وَتُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى . قَالَ: أَيْ: رَبِّ [أَرَأَيْتَ ] إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ ، أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ . حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ، إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ، اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي ، فَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ، [اللَّهُمَّ ] لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَدْ ذُكِرَتْ أَقْوَالٌ مِنْ كَلِمَاتِ الِاعْتِذَارِ تُقَارِبُ هَذَا الْمَعْنَى .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَابَ عَلَيْهِ .

أَصْلُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْ آَدَمَ: رُجُوعُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ ، وَالثَّوَابُ الَّذِي كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ تَوْبَةُ الْعَبْدِ تَكَرَّرَ قَبُولُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ حَوَّاءُ فِي التَّوْبَةِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِرْ لَهَا ذِكْرٌ ، لَا أَنَّ تَوْبَتَهَا لَمْ تُقْبَلْ . وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كَانَ مَعْنَى فِعْلِ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا; جَازَ أَنْ يُذْكَرَ أَحَدُهُمَا وَيَكُونُ الْمَعْنَى لَهُمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التَّوْبَةِ: 63 ] وَقَوْلُهُ: فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [ طه: 117 ] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ :

فِي إِعَادَةِ ذِكْرِ الْهُبُوطِ- وَقَدْ تَقَدَّمَ- قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُعِيدَ لِأَنَّ آَدَمَ أُهْبِطَ إِهْبَاطَيْنِ ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَالثَّانِي مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ . وَأَيُّهُمَا الْإِهْبَاطُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآَيَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا كَرَّرَ الْهُبُوطَ تَوْكِيدًا .

[ ص: 71 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِمَّا قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذِهِ "إِنَّ" الَّتِي لِلْجَزَاءِ ، ضُمَّتْ إِلَيْهَا "مَا" وَالْأَصْلُ فِي اللَّفْظِ "إِنَّ مَا" مَفْصُولَةٌ ، وَلَكِنَّهَا مُدْغَمَةٌ ، وَكُتِبَتْ عَلَى الْإِدْغَامِ ، فَإِذَا ضُمَّتْ "مَا" إِلَى "إِنْ" لَزِمَ الْفِعْلُ النُّونَ الثَّقِيلَةَ أَوِ الْخَفِيفَةَ . وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ النُّونُ لِأَنَّ "مَا" تَدْخُلُ مُؤَكَّدَةً ، وَدَخَلَتِ النُّونُ مُؤَكَّدَةً أَيْضًا ، كَمَا لَزِمَتِ اللَّامُ النُّونَ فِي الْقَسَمِ فِي قَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، وَجَوَابُ الْجَزَاءِ الْفَاءُ .

وَفِي الْمُرَادِ بِـ "الْهُدَى" هَاهُنَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الرَّسُولُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: الْكِتَابُ ، حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ .

وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: فَلَا خَوْفَ: بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الْفَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ . وَالْمَعْنَى: فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الْعَذَابِ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ . وَالْخَوْفُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ، وَالْحُزْنُ لِأَمْرٍ مَاضٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فِي مَعْنَى الْآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْعَلَامَةُ ، فَمَعْنَى آَيَةٍ: عَلَامَةٌ لِانْقِطَاعِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا ، وَالَّذِي بَعْدَهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ:


أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ بِآَيَةِ مَا يُحِبُّونَ الطَّعَامَا


وَقَالَ النَّابِغَةُ:


تَوَهَّمْتُ آَيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعُ


وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ آَيَةً ، لِأَنَّهَا جَمَاعَةُ حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآَنِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: يُقَالُ: خَرَجَ الْقَوْمُ بِآَيَاتِهِمْ ، أَيْ: بِجَمَاعَتِهِمْ . وَأَنْشَدُوا:


خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَا بِآَيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلَا
[ ص: 72 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا سُمِّيَتْ آَيَةً ، لِأَنَّهَا عَجَبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَارِئَهَا يَسْتَدِلُّ إِذَا قَرَأَهَا عَلَى مُبَايَنَتِهَا كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: فَلَانٌ آَيَةً مِنَ الْآَيَاتِ; أَيْ: عَجَبٌ مِنَ الْعَجَائِبِ . ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .

فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآَيَاتِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: آيَاتُ الْكُتُبِ الَّتِي تُتْلَى . وَالثَّانِي: مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ ، . وَالثَّالِثُ: الْقُرْآَنُ . وَالرَّابِعُ: دَلَائِلُ اللَّهِ فِي مَصْنُوعَاتِهِ . وَأَصْحَابُ النَّارِ: سُكَّانُهَا ، سُمُّوا أَصْحَابًا ، لِصُحْبَتِهِمْ إِيَّاهَا بِالْمُلَازَمَةِ .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17-12-2021, 12:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (15)

صــ73 إلى صــ 78

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ .

إِسْرَائِيلُ: هُوَ يَعْقُوبُ ، وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَاهُ: عَبْدُ اللَّهِ . وَقَدْ لَفَظَتْ بِهِ الْعَرَبُ عَلَى أَوْجُهٍ ، فَقَالَتْ: إِسْرَائِلُ ، وَإِسْرَالُ ، وَإِسْرَائِيلُ ، وَإِسْرَائِينُ .

قَالَ أُمَيَّةُ:


إِنَّنِي زَارِدُ الْحَدِيدِ عَلَى النَّا سِ دُرُوعًا سَوَابِغَ الْأَذْيَالِ لَا أَرَى مَنْ يُعِينُنِي فِي حَيَاتِي
غَيْرُ نَفْسِي إِلَّا بَنِي إِسْرَالِ


وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ صَادَ ضَبًّا ، فَأَتَى بِهِ أَهْلَهُ:


يَقُولُ أَهْلُ السُّوقِ لَمَّا جِينَا: هَذَا وَرَبِّ الْبَيْتِ إِسْرَائِينَا


أَرَادَ: هَذَا مِمَّا مُسِخَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .

وَالنِّعْمَةُ: الْمِنَّةُ ، مِثْلُهَا: النَّعْمَاءُ . وَالنَّعْمَةُ ، بِفَتْحِ النُّونِ: التَّنَعُّمُ ، وَأَرَادَ بِالنِّعْمَةِ: النِّعَمُ فَوَحَّدَهَا ، لِأَنَّهُمْ يَكْتَفُونَ بِالْوَاحِدِ مِنَ الْجَمِيعِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ التَّحْرِيمُ: أَيْ: ظُهَرَاءَ .

وَفِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا مَا اسْتَوْعَدَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي [ ص: 73 ] فِيهَا صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى آَبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ ، وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ ، وَأَعْطَاهُمُ التَّوْرَاةُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَالزَّجَّاجُ .

وَإِنَّمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَا أَعْطَى آَبَاءَهُمْ ، لِأَنَّ فَخْرَ الْآَبَاءِ فَخْرٌ لِلْأَبْنَاءِ ، وَعَارُ الْآَبَاءِ عَارٌ عَلَى الْأَبْنَاءِ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلَى تَصْرِيفِ الْأَحْوَالِ .

وَالْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِهَا: شُكْرُهَا ، إِذْ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ فَمَا ذَكَرَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا .

قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: أَوْفَيْتُ ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: وَفَيْتُ ، بِغَيْرِ أَلِفٍ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: وَفَى بِالْعَهْدِ ، وَأَوْفَى بِهِ وَأَنْشَدَ:


أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَّى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا


وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: وَفَيْتُ بِالْعَهْدِ ، وَأَوْفَيْتُ بِهِ ، وَأَوْفَيْتُ الْكَيْلَ لَا غَيْرَ .

وَفِي الْمُرَادِ بِعَهْدِهِ: أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ ، وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ الْعَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [ الْمَائِدَةِ: 13 ] قَالَهُ قَتَادَةُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أَيْ: خَافُونِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ يَعْنِي الْقُرْآَنَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ يَعْنِي التَّوْرَاةَ أَوِ الْإِنْجِيلَ ، فَإِنَّ الْقُرْآَنَ يُصَدِّقُهُمَا أَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَيُوَافِقُهُمَا فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

[ ص: 74 ] وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ .

إِنَّمَا قَالَ: أَوَّلُ كَافِرٍ ، لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إِلَى الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ ، إِذِ الْمُبَادِرُ لَمْ يَتَأَمَّلِ الْحُجَّةَ ، وَإِنَّمَا بَادَرَ بِالْعِنَادِ ، فَحَالُهُ أَشَدُّ . وَقِيلَ: وَتَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ بَعْدَ أَنْ آَمَنَ ، وَالْخِطَابُ لِرُؤَسَاءِ الْيَهُودِ .

وَفِي هَائِهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْمَنْزِلِ ، قَالَهُ ابْنُ مسُعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى مَا مَعَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ إِذَا كَتَمُوا وَصْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعَهُمْ ، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ .

أَيْ: لَا تَسْتَبْدِلُوا [بِآَيَاتِي ] ثَمَنًا قَلِيلًا . وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا . وَالثَّانِي: بَقَاءُ رِئَاسَتِهِمْ عَلَيْهِمْ . وَالثَّالِثُ: أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الدِّينِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

تَلْبِسُوا: بِمَعْنَى تَخْلِطُوا . يُقَالُ: لَبَّسْتُ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ ، أُلْبِسُهُ: إِذَا عَمَيْتُهُ عَلَيْهِمْ ، وَتَخْلِيطُهُمْ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ .

وَفِي الْمُرَادِ بِالْحَقِّ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ .

يُرِيدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَهِيَ هَاهُنَا اسْمُ جِنْسٍ ، وَالزَّكَاةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الزَّكَاءِ ، وَهُوَ النَّمَاءُ ، وَالزِّيَادَةُ . يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ يَزْكُو زُكَاءً . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَى الزَّكَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ ، فَسُمِّيَتْ زَكَاةً ، لِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي الْمَالِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ ، وَتُوَفِّرُهُ ، وَتَقِيهِ مِنَ الْآَفَاتِ . وَيُقَالُ: هَذَا أَزْكَى مِنْ ذَاكَ ، أَيْ: أَزْيَدُ فَضْلًا مِنْهُ .

[ ص: 75 ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ .

أَيْ: صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحَابَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الرُّكُوعَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِمْ رُكُوعٌ ، وَالْخِطَابُ لِلْيَهُودِ . وَفِي هَذِهِ الْآَيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِقَرَابَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي السِّرِّ: اثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ . وَالْأَلِفُ فِي "أَتَأْمُرُونَّ" أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ .

وَفِي "الْبَرِّ" هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ التَّمَسُّكُ بِكِتَابِهِمْ ، كَانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّبَاعِهِ وَلَا يَقُومُونَ بِهِ . وَالثَّانِي: اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: الصَّدَقَةُ ، كَانُوا يَأْمُرُونَ بِهَا ، وَيَبْخَلُونَ . ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَنْسَوْنَ أَيْ: تَتْرُكُونَ . وَفِي "الْكِتَابِ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، فَلَا يَكُونُ الْخِطَابُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِلْيَهُودِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ الْأَصْلُ فِي الصَّبْرِ: الْحَبْسُ ، فَالصَّابِرُ حَابِسٌ لِنَفْسِهِ عَنِ الْجَزَعِ . وَسُمِّيَ الصَّائِمُ صَابِرًا لِحَبْسِهِ نَفْسَهُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ ، وَالْمَصْبُورَةُ: الْبَهِيمَةُ تُتَّخَذُ غَرَضًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ هَاهُنَا: الصَّوْمُ .

وَفِيمَا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَرْكُ الْمَعَاصِي ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: عَدَمُ الرِّئَاسَةِ ، وَهُوَ خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، وَوَجْهُ الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّلَاةِ أَنَّهُ يُتْلَى فِيهَا مَا يُرَغِّبُ فِي الْآَخِرَةِ ، وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا .

[ ص: 76 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهَا فِي الْمُكَنَّى عَنْهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الصَّلَاةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْجُمْهُورُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْكَعْبَةُ وَالْقِبْلَةُ ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّلَاةَ ، دَلَّتْ عَلَى الْقِبْلَةِ ، ذَكَرَهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الِاسْتِعَانَةُ ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَاسْتَعِينُوا دَلَّ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ النَّحْوِيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: لَكَبِيرَةٌ قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: الْكَبِيرَةُ: الثَّقِيلَةُ ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشُّورَى: 13 ] أَيْ: ثِقَلٌ ، وَالْخُشُوعُ فِي اللُّغَةِ: التَّطَامُنُ وَالتَّوَاضُعُ ، وَقِيلَ: السُّكُونُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

الظَّنُّ هَاهُنَا: بِمَعْنَى الْيَقِينِ ، وَلَهُ وُجُوهٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ "الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ" .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ يَعْنِي: عَلَى عَالِمِي زَمَانِهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ زَيْدٍ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ آَبَاءَهَا الْأَنْبِيَاءَ تَشْفَعُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَآَيَسَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآَيَةِ مِنْ ذَلِكَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا يَوْمًا [فِيهِ ] إِضْمَارٌ ، تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا عَذَابَ يَوْمٍ ، أَوْ مَا فِي يَوْمٍ . وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ"تَجْزِي" بِمَعْنَى تَقْضِي . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: جَزَى الْأَمْرَ عَنِّي يَجْزِي ، بِغَيْرِ هَمْزٍ ، أَيْ: قَضَى عَنِّي ، وَأَجْزَأَنِي بُجْزِئُنِي ، مَهْمُوزٌ ، أَيْ: كَفَانِي .

قَوْلُهُ تَعَالَى: نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ قَالُوا الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هَاهُنَا: النَّفْسُ الْكَافِرَةُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ .

[ ص: 77 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَلَا تَقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة ) .

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّاءِ ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ ، إِلَّا أَنَّ قَتَادَةَ فَتَحَ الْيَاءَ ، وَنَصَبَ الشَّفَاعَةَ ، لِيَكُونَ الْفِعْلُ لِلَّهِ تَعَالَى . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ ، فَلِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهِ هَذَا الْفِعْلَ مُؤَنَّثٌ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُلْحِقَ الْمُسْنَدَ أَيْضًا عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ ، فَلِأَنَّ التَّأْنِيثَ فِي الِاسْمِ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى ، كَمَا أَنَّ الْوَعْظَ وَالْمَوْعِظَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَفِي الْآَيَةِ إِضْمَارٌ ، تَقْدِيرُهُ: لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِيهِ شَفَاعَةٌ . وَالشَّفَاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخَالِفُ الْوِتْرَ ، وَذَلِكَ أَنَّ سُؤَالَ الشَّفِيعِ يَشْفَعُ سُؤَالُ الْمَشْفُوعِ لَهُ .

فَأَمَّا "الْعَدْلُ" فَهُوَ الْفِدَاءُ ، وَسُمِّيَ عَدْلًا ، لِأَنَّهُ يُعَادِلُ الْمُفَدَّى . وَاخْتَلَفَ اللُّغَوِيُّونَ: هَلِ "الْعَدْلُ" وَ"الْعِدْلُ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا ، يَخْتَلِفَانِ ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَدْلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ: مَا عَادَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَالْعِدْلُ بِكَسْرِهَا: مَا عَادَلَ الشَّيْءَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَهُوَ الْمَثَلُ ، تَقُولُ: عِنْدِي عَدْلُ غُلَامِكَ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ: إِذَا أَرَدْتَ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَعِنْدِي عِدْلُ غُلَامِكَ ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ: إِذَا كَانَ غُلَامٌ يَعْدِلُ غُلَامًا . وَحَكَى الزَّجَّاجُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الْعَدْلَ وَالْعِدْلَ فِي مَعْنَى الْمَثَلِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَثَلُ مِنَ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أَيْ: يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ، وَهَذِهِ النِّعَمُ عَلَى آَبَائِهِمْ كَانَتْ . وَفِي آَلِ فِرْعَوْنَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ مِصْرَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَالثَّالِثُ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَهَلِ الْآَلُ وَالْأَهْلُ بِمَعْنًى ، أَوْ يَخْتَلِفَانِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: وَقَدْ شَرَحْتُ مَعْنَى الْآَلِ فِي كِتَابِ "النَّظَائِرِ" وَفِرْعَوْنُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ، وَقِيلَ: هُوَ لَقَبُهُ . وَفِي اسْمِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: الْوَلِيدُ بْنُ [ ص: 78 ] مُصْعَبٍ ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ . وَالثَّانِي: فَيَطُوسُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَالرَّابِعُ: مُغِيثٌ ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَسُومُونَكُمْ أَيْ: يُوَلُّونَكُمْ . يُقَالُ: فَلَانٌ يَسُومُكَ خَسْفًا ، أَيْ: يُوَلِّيكَ ذُلًّا وَاسْتِخْفَافًا . وَسُوءُ الْعَذَابِ: شَدِيدُهُ . وَكَانَ الزَّجَّاجُ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَأَبَى هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالَ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آَخَرَ ، فَقَالَ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ [ إِبْرَاهِيمَ: 6 ] وَإِنَّمَا سُوءُ الْعَذَابِ: اسْتِخْدَامُهُمْ فِي أَصْعَبِ الْأَعْمَالِ ، وَقَالَ: الْفَرَّاءُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي طُرِحَتْ فِيهِ الْوَاوُ ، تَفْسِيرٌ لِصِفَاتِ الْعَذَابِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْوَاوُ ، يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَدْ مَسَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ غَيْرُ الذَّبْحِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُعَذِّبُونَكُمْ بِغَيْرِ الذَّبْحِ وَبِالذَّبْحِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ أَيْ: يَسْتَبِقُونَ نِسَاءَكُمْ ، أَيْ: بَنَاتَكُمْ . وَإِنَّمَا اسْتَبَقُوا نِسَاءَهُمْ لِلِاسْتِذْلَالِ وَالْخِدْمَةِ .

وَفِي الْبَلَاءِ هَهُنَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ النِّقْمَةُ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ "ذَا" فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكُمْ عَائِدًا عَلَى سَوْمِهِمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَذَبْحِ أَبْنَائِهِمْ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُعُودُ عَلَى النَّجَاةِ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَبْحِ الْأَبْنَاءِ ، أَنَّ الْكَهَنَةَ قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ: سَيُولَدُ الْعَامُ بِمِصْرَ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُكَ عَلَى يَدَيْهِ ، فَقَتَلَ الْأَبْنَاءَ . قَالَ الزَّجَّاجُ: فَالْعَجَبُ مِنْ حُمْقِ فِرْعَوْنَ ، إِنْ كَانَ الْكَاهِنُ عِنْدَهُ صَادِقًا ، فَمَا يَنْفَعُ الْقَتْلُ؟! وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا; فَمَا مَعْنَى الْقَتْلِ؟!




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17-12-2021, 12:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (16)

صــ79 إلى صــ 84


قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون الفرق الفصل بين الشيئين و"بكم" بمعنى "لكم" . وإنما ذكر آل فرعون دونه ، لأنه [ ص: 79 ] قد علم كونه فيهم . وفي قوله تعالى: وأنتم تنظرون قولان . أحدهما: أنه من نظر العين ، معناه: وأنتم ترونهم يغرقون . والثاني: أنه بمعنى: العلم ، كقوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [ الفرقان: 45 ] قاله الفراء .

الإشارة إلى قصتهم .

روى السدي عن أشياخه: أن الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ، وألقى على القبط الموت ، فمات بكر كل رجل منهم ، فأصبحوا يدفنونه ، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس ، قال عمرو بن ميمون: فلما خرج موسى بلغ ذلك فرعون ، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك ، ليلتئذ . قال أبو السليل: لما انتهى موسى إلى البحر قال: هيه أبا خالد ، فأخذه أفكل ، يعني: رعدة ، قال مقاتل: تفرق الماء يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين ، وفيهما كوى ينظر كل سبط إلى الآخر . قال السدي: فلما رآه فرعون متفرقا قال: ألا ترون البحر فرق مني ، فانفتح لي؟! فأتت خيل فرعون فأبت أن تقتحم ، فنزل جبريل على ماذيانة ، فتشامت الحصن ريح الماذيانة ، فاقتحمت في إثرها ، حتى إذا هم أولهم أن يخرج ، ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم ، فالتطم عليهم .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .

قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: "وَعَدْنَا" بِغَيْرِ أَلِفٍ هَاهُنَا ، وَفِي (الْأَعْرَافِ) وَ(طَهَ) وَوَافَقَهُمَا أَبَانُ عَنْ عَاصِمٍ فِي (الْبَقَرَةِ) خَاصَّةً . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "وَاعَدْنَا" بِأَلِفٍ . وَوَجْهُ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى: إِفْرَادُ الْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ مُوسَى وَعْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، صَارَ ذَلِكَ مُوَاعَدَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى . وَمِثْلُهُ: لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا [ الْبَقَرَةِ: 235 ] .

وَمَعْنَى الْآَيَةِ: وَعَدْنَا مُوسَى تَتِمَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، أَوِ انْقِضَاءِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وَمُوسَى: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ، أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ: مُوشَا ، فَمُو: هُوَ الْمَاءُ ، وَشَا: هُوَ الشَّجَرُ ، لِأَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ [ ص: 80 ] الْمَاءِ وَالشَّجَرِ ، فَعَرَّبَ بِالسِّينِ . وَلِمَاذَا كَانَ هَذَا الْوَعْدُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِأَخْذِ التَّوْرَاةِ .

وَالثَّانِي: لِلتَّكْلِيمِ . وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا ذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ الْوَعْدُ لِإِعْطَاءِ التَّوْرَاةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا ذُو الْحِجَّةِ وَعَشْرٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ الْوَعْدُ لِلتَّكْلِيمِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ اللَّيَالِي دُونَ الْأَيَامِ ، لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ التَّأْرِيخُ بِاللَّيَالِي ، لِأَنَّ أَوَّلَ شَهْرٍ لَيْلُهُ ، وَاعْتِمَادُ الْعَرَبِ عَلَى الْأَهِلَّةِ ، فَصَارَتِ الْأَيَّامُ تَبَعًا لِلَّيَالِي . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ: إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّيَالِي ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ هَذِهِ الْأَيَّامَ وَيُوَاصِلُهَا بِاللَّيَالِي ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّيَالِيَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ مِنْ بَعْدِهِ ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ .

الْإِشَارَةُ إِلَى اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ .

رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّهُ لَمَّا انْطَلَقَ مُوسَى ، وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ ، قَالَ هَارُونُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، وَإِنَّ حُلِيَّ الْقِبْطِ غَنِيمَةٌ فَاجْمَعُوهُ وَاحْفُرُوا لَهُ حَفِيرَةً ، فَادْفِنُوهُ ، فَإِنْ أَحَلَّهُ مُوسَى فَخُذُوهُ ، وَإِلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ ، فَفَعَلُوا . قَالَ السُّدِّيُّ: وَكَانَ جِبْرِيلُ قَدْ أَتَى إِلَى مُوسَى لِيَذْهَبَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فَرَآَهُ السَّامِرِيُّ ، فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: إِنَّ لِهَذَا شَأْنًا ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ حَافِرِ الْفَرَسِ ، فَقَفَهَا فِي الْحَفِيرَةِ ، فَظَهَرَ الْعِجْلُ . وَقِيلَ: إِنَّ السَّامِرِيَّ أَمَرَهُمْ بِإِلْقَاءِ ذَلِكَ الْحُلِيِّ ، وَقَالَ إِنَّمَا طَالَتْ غَيْبَةُ مُوسَى عَنْكُمْ لِأَجْلِ مَا مَعَكُمْ مِنَ الْحُلِيِّ ، فَاحْفُرَا لَهَا حَفِيرَةً وَقَرِّبُوهُ إِلَى اللَّهِ ، يَبْعَثْ لَكُمْ نَبِيَّكُمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ عَارِيَةً ، ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

وَفِي سَبَبِ اتِّخَاذِ السَّامِرِيِّ عِجْلًا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّامِرِيَّ كَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، . وَالثَّانِي: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ [ ص: 81 ] يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ، أَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ ، فَلَمَّا سَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ; أَخْرَجَ السَّامِرِيُّ لَهُمْ فِي غَيْبَتِهِ عِجْلًا لِمَا رَأَى مِنِ اسْتِحْسَانِهِمْ ذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .

وَفِي كَيْفِيَّةِ اتِّخَاذِ الْعِجْلِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّامِرِيَّ كَانَ صَوَّاغًا ، فَصَاغَهُ وَأَلْقَى فِيهِ الْقَبْضَةَ ، قَالَهُ عَلَيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ حَفَرُوا حَفِيرَةً ، وَأَلْقَوْا فِيهَا حُلِيَّ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَعُوَارِيهِمْ تُنَزُّهًا عَنْهَا ، فَأَلْقَى السَّامِرِيُّ الْقَبْضَةَ مِنَ التُّرَابِ ، فَصَارَ عِجْلًا . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَارَ لَحْمًا وَدَمًا وَجَسَدًا ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى قَدْ جَاءَ ، وَأَخْطَأَ مُوسَى الطَّرِيقَ فَعَبَدُوهُ وَدَفَنُوا حَوْلَهُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الْكِتَابُ: التَّوْرَاةُ . وَفِي الْفُرْقَانِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ النَّصْرُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَيَكُونُ الْفُرْقَانُ نَعْتًا لِلتَّوْرَاةِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْكِتَابُ ، فَكَرَّرَهُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ . قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

فَأَلْقَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا

وَقَالَ عَنْتَرَةُ:


أَقْوَى وَأَفْقَرَ بَعْدَ أُمِّ الْهَيْثَمِ


هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ فَرَقَ الْبَحْرَ لَهُمْ ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ ، وَالزَّجَّاجُ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ، وَمُحَمَّدًا الْفُرْقَانَ ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ ، وَهُوَ قَوْلُ قُطْرُبٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ ص: 82 ] الْقَوْمُ: اسْمٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٌ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٌ [ الْحُجُرَاتُ: 11 ] . وَقَالَ زُهَيْرٌ:


وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي أُقَوْمٌ آَلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟!


وَإِنَّمَا سُمُّوا قَوْمًا ، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِالْأُمُورِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: كَانَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَكْسِرُونَ الْهَمْزَةَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاسٍ وَلَا تَخْفِيفٍ . وَرَوَى الْيَزِيدِيُّ وَعَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: (بَارِئِكُمْ) بِجَزْمِ الْهَمْزَةِ . رَوَى عَنْهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ: "بَارِئِكُمْ" مَهْمُوزَةً غَيْرَ مُثَقَّلَةٍ . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: كَانَ أَبُو عُمَرَ يَخْتَلِسُ الْحَرَكَةَ فِي: "بَارِئِكُمْ" وَ: "يَأْمُرُكُمْ" وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَوَالَى فِيهِ الْحَرَكَاتُ ، فَيَرَى مِنْ سَمْعِهِ أَنَّهُ قَدْ أَسْكَنَ وَلَمْ يَسْكُنْ .

وَالْبَارِئُ: الْخَالِقُ . وَمَعْنَى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لِيَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ خُوطِبَ بِهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْكُلِّ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ لَمْ يَعْبُدْ لِيَقْتُلَ مَنْ عَبَدَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْعَابِدِينَ فَحَسْبُ ، أَمَرُوا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . وَفِيٌّ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ "ذَا" فِي "ذَلِكُمْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْقَتْلِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى التَّوْبَةِ .

الْإِشَارَةُ إِلَى قِصَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالُوا لِمُوسَى: كَيْفَ يَقْتُلُ الْآَبَاءُ الْأَبْنَاءَ ، وَالْإِخْوَةُ الْإِخْوَةَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالُوا: فَمَا آَيَةُ تَوْبَتِنَا؟ [ ص: 83 ] قَالَ أَنْ يَقُومَ السِّلَاحُ فَلَا يَقْتُلُ ، وَتُرْفَعَ الظُّلْمَةُ . فَقَتَلُوا حَتَّى خَاضُوا فِي الدِّمَاءِ ، وَصَاحَ الصِّبْيَانُ: يَا مُوسَى : الْعَفْوَ الْعَفْوَ . فَبَكَى مُوسَى ، فَنَزَلَتِ التَّوْبَةُ ، وَقَامَ السِّلَاحُ ، وَارْتَفَعَتِ الظُّلْمَةُ . قَالَ مُجَاهِدٌ: بَلَغَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا . قَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ الْقَتْلَ لِلْقَتِيلِ شَهَادَةً ، وَلِلْحَيِّ تَوْبَةً .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

فِي الْقَائِلِينَ لِمُوسَى ذَلِكَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً; فَيَقُولُ هَذَا كِتَابِي . وَفِي "جَهْرَةً" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ ، أَيْ: جَهَرُوا بِذَلِكَ الْقَوْلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الرُّؤْيَةُ الْبَيِّنَةُ ، أَيْ: أَرَنَاهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنَّا بِشَيْءٍ ، يُقَالُ: فَلَانٌ يَتَجَاهَرُ بِالْمَعَاصِي ، أَيْ: لَا يَسْتَتِرُ مِنَ النَّاسِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَمَعْنَى "الصَّاعِقَةِ": مَا يُصْعَقُونَ مِنْهُ ، أَيْ: يَمُوتُونَ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ مَاتُوا ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ، فَقَالَ هُنَاكَ: فَلَمَّا أَفَاقَ وَقَالَ هَاهُنَا: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ وَالْإِفَاقَةُ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ ، وَالْبَعْثِ لِلْمَيِّتِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: يَنْظُرُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يَقَعُ مَيِّتًا . وَالثَّانِي: يَنْظُرُ بَعْضُكُمْ إِلَى إِحْيَاءِ بَعْضٍ . وَالثَّالِثُ: تَنْظُرُونَ الْعَذَابَ كَيْفَ يَنْزِلُ بِكُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ ص: 84 ] (الْغَمَامَ): السَّحَابُ ، سُمِّيَ غَمَامًا ، لِأَنَّهُ يَغِمُّ السَّمَاءَ ، أَيْ: يَسْتُرُهَا ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَطَّيْتَهُ فَقَدْ غَمَمْتَهُ ، وَهَذَا كَانَ فِي التِّيهِ . وَفِي الْمَنِّ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ النَّاسُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّرَنْجَبِينُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ صَمْغُهُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُشْبِهُ الرُّبَّ الْغَلِيظَ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ شَرَابٌ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ خُبْزُ الرُّقَاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ ، أَوْ مِثْلُ النَّقِيِّ ، قَالَهُ وَهْبٌ . وَالسَّابِعُ: أَنَّهُ عَسَلٌ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّامِنُ: أَنَّهُ الزَّنْجَبِيلُ قَالَهُ السُّدِّيُّ .

وَفِي السَّلْوَى قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَائِرٌ ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْبِهُ السُّمَانَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ السُّمَانَى . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعَسَلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَأَنْشَدَ:


وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا


قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا ظَلَمُونَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا نَقَصُونَا وَضَرُّونَا ، بَلْ ضَرُّوا أَنْفُسَهُمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ .

فِي الْقَائِلِ لَهُمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُوسَى بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِينَ سَنَةً . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى . وَالْقَرْيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَمْعِ ، وَمِنْهُ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ . وَالْمِقْرَاةُ: الْحَوْضُ يُجْمَعُ فِيهِ الْمَاءُ . وَفِي الْمُرَادِ بِ: هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أَرِيحَا . قَالَ السُّدِّيُّ: وَأَرِيحَا: هِيَ أَرْضٌ بَيْنَ الْمَقْدِسِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا قَرْيَةٌ مِنْ أَدَانِي قُرَى الشَّامِ ، قَالَهُ وَهْبٌ .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 324.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 318.89 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]