
23-12-2021, 07:05 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,027
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (28)
صــ151 إلى صــ 156
قَوْلُهُ تَعَالَى: بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: مِثْلُ إِيمَانِكُمْ ، [ ص: 151 ] فَزِيدَتِ الْبَاءُ لِلتَّوْكِيدِ ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مَرْيَمَ: 24 ] . قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا: الْكِتَابُ ، وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ آَمَنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آَمَنْتُمْ بِكِتَابِهِمْ ، قَالَهُ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَثَلَ هَاهُنَا: صِلَةٌ ، وَالْمَعْنَى ، فَإِنْ آَمَنُوا بِمَا آَمَنْتُمْ بِهِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشُّورَى: 11 ] . أَيْ: لَيْسَ كَهُوٍ شَيْءٌ وَأَنْشَدُوا:
يَا عَاذِلِي دَعْنِي مِنْ عَذْلِكَا مِثْلِي لَا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلِكَا
أَيْ: أَنَا لَا أَقْبَلُ مِنْكَ ، فَأَمَّا الشِّقَاقُ; فَهُوَ الْمُشَاقَّةُ وَالْعَدَاوَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ قَدْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، يُرِيدُونَ: فَارَقَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّبَاعِ إِمَامِهِمْ ، فَكَأَنَّهُ صَارَ فِي شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ هَذَا ضَمَانٌ لِنَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةَ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: صِبْغَةَ اللَّهِ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ ، فَأَتَى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ، صَبَغُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ ، يُقَالُ لَهُ: الْمَعْمُودِيَّةُ ، لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ: هَذَا طَهُورُ مَكَانٍ الْخِتَانِ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ; قَالُوا: صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) دِينُهُ . قَالَ الْفَرَّاءُ: (صِبْغَةَ اللَّهِ) [نُصِبَ ] مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمِلَّةِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَبْلَةَ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: هَذِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ قَرَأَ: (مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ) بِالرَّفْعِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى: هَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصِبْغَةِ اللَّهِ: الْخِتَانُ ، فَسَمَّاهُ صِبْغَةً ، لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَصْبُغُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي مَاءٍ [وَيَقُولُونَ: هَذَا طُهْرَةٌ لَهُمْ ، كَالْخِتَانِ لِلْحُنَفَاءِ ] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (صِبْغَةُ اللَّهِ) أَيِ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ ، صِبْغَةُ النَّصَارَى أَوْلَادَهُمْ ، وَأَرَادَ بِهَا: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِبَيَانِ أَثَرِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ ، كَظُهُورِ الصَّبْغِ عَلَى الثَّوْبِ .
[ ص: 152 ] قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَهُودُ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ . وَالْمُحَاجَّةُ: الْمُخَاصَمَةُ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: نَحْنُ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ . وَقِيلَ: ظَاهَرَتِ الْيَهُودُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، فَقِيلَ لَهُمْ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُوَحِّدُونَ ، وَنَحْنُ نُوَحِّدُ ، فَلِمَ ظَاهَرْتُمْ مَنْ لَا يُوَحِّدُ؟!
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هَذَا الْكَلَامُ اقْتَضَى نَوْعُ مُسَاهَلَةٍ ، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ .
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الْآَيَةِ .
سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كَانُوا مِنَّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانُوا عَلَى دِينِنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَمَعْنَى الْآَيَةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْلَمَنَا بِدِينِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَاأَحَدَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَبُو عَمُورٍ: (أَمْ يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْيَهُودِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ: (تَقُولُونَ) بِالتَّاءِ لِأَنَّ قَبْلَهَا مُخَاطَبَةٌ ، وَهِيَ "أَتُحَاجُونَنَا" وَبُعْدَهَا (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ) .
وَفِي الشَّهَادَةِ الَّتِي كَتَمُوهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَهِدَ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةٍ لِإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَكَتَمُوهَا ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَتَمُوا الْإِسْلَامَ ، وَأَمْرَ مُحَمَّدٍ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ دِينُهُ الْإِسْلَامَ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ .
[ ص: 153 ] سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ .
فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الْمُنَافِقُونَ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ قَالُوا ذَلِكَ ، وَالْآَيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ . وَالسُّفَهَاءُ: الْجَهَلَةُ . مَا وَلَّاهُمْ ، أَيْ: صَرَفَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ: يُرِيدُ: قِبْلَةَ الْمُقْدِسِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُدَّةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ قَدُومِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ . وَالثَّانِي: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، قَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . وَالرَّابِعُ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، أَوْ عَشْرَةُ أَشْهُرٍ ، قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ . وَالْخَامِسُ: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَالسَّادِسُ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، رُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ قَتَادَةَ .
وَهَلْ كَانَ اسْتِقْبَالُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ ، أَوْ عَنْ وَحْيٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ بِاجْتِهَادِهِ وَرَأْيِهِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالرَّبِيعُ . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّاسُ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاؤُوا بِقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ الْبَقَرَةِ: 115 ] . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَفِي سَبَبِ اخْتِيَارِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِيَتَأَلَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ . وَالثَّانِي: لِامْتِحَانِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
[ ص: 154 ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهُ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا .
سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: قَبِلَتُنَا قَبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَنَحْنُ عَدْلٌ بَيْنَ النَّاسِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَسَطُ: الْعَدْلُ ، الْخِيَارُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ [ الْقَلَمِ: 28 ] . أَيْ: أَعْدَلُهُمْ ، وَخَيْرُهُمْ . قَالَ الشَّاعِرُ:
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلْتَ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ خَيْرَ الْأَشْيَاءِ أَوْسَاطُهُا ، وَالْغُلُوُّ وَالتَّقْصِيرُ مَذْمُومَانِ . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مِنَ التَّوَسُّطِ فِي الْفِعْلِ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي دِينِهِمْ كَالْيَهُودِ ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ ، وَبَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَغْلُوا كَالنَّصَارَى ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: فِي هَذَا الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، وَمَعْنَاهُ: جَعَلْتُ قَبْلَتَكُمْ وَسَطًا بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يُصَلُّونَ نَحْوَ الْمَغْرِبِ ، وَالنَّصَارَى نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَأَنْتُمْ بَيْنَهُمَا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: لِتَشْهَدُوا لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهِمْ . رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَبَلَغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا ، فَيُقَالُ: لِلنَّبِيِّ: أَبْلَغْتَهُمْ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ; فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: [ ص: 155 ] أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ، فَصَدَّقْنَاهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَهَذَا مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى الْأُمَمِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَاذَا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؟ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: بِأَعْمَالِهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: بِتَبْلِيغِهِمُ الرِّسَالَةَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: بِإِيمَانِهِمْ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . فَيَكُونُ عَلَى هَذَا "عَلَيْكُمْ" بِمَعْنَى: لَكُمْ . قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا نَبِيُّهَا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا يُرِيدُ: قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . (إِلا لِنَعْلَمَ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: لِنَرَى . وَالثَّانِي: لِنُمَيِّزَ . رُوِيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: لِنُعْلِمَهُ وَاقِعًا ، إِذْ عِلْمُهُ قَدِيمٌ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لِنَرَى" وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعِلْمَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْمَعْنَى: لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، وَمُقَاتِلٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً فِي الْمُشَارِ إِلَيْهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّوْلِيَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا قِبْلَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ التَّحَوُّلِ عَنْهَا ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالزَّجَّاجُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ; وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ وَالْإِيمَانُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا أُرِيدَ بِهِ: الصَّلَاةُ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ [ ص: 156 ] الصَّلَاةُ إِيمَانًا ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قَوْلٍ وَنِيَّةٍ وَعَمَلٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] وَالْمَعْنَى: فِيمَنْ مَاتَ [مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ الْقِبْلَةُ ] لِأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ مَعَهُمْ فِي الْمِلَّةِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَرَءُوفٌ) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: (لَرَؤُوفٌ) عَلَى وَزْنِ: لَرَعُوفٌ ، فِي جَمِيعِ الْقُرْآَنِ ، وَوَجْهُهَا: أَنْ فَعُولًا أَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ فَعِلٍ ، فَبَابُ ضَرُوبٍ وَشَكُورٍ ، أَوْسَعُ مِنْ بَابِ حَذِرٍ وَيَقِظٍ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: (لَرَؤُفٌ) عَلَى وَزْنِ: رَعُفٍ . وَيُقَالُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ . قَالَ جَرِيرٌ:
تَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ حَقًّا كَفِعْلِ الْوَالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ
وَالرَّؤُوفُ بِمَعْنَى: الرَّحِيمُ ، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّأْفَةَ أَبْلَغُ الرَّحْمَةِ وَأَرَقُّهَا . قَالَ: وَيُقَالُ: الرَّأْفَةُ أَخَصُّ ، وَالرَّحْمَةُ أَعَمُّ .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهِكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|