لقد لاحظت أن كل الدعوات الدينية والمناهج الفكرية التي حكمت أو تحكم واقع الناس اليوم إنما بدأت أول ما بدأت بالدعوة إلى مجموعة من القيم والأفكار والنظريات التي ينبني عليها نظامها ومنهجها .. فلما انتشرت تلك القيم والأفكار والنظريات وتلقاها الناس بالقبول استطاع أصحابها أن يسعوا إلى تطبيقها على أرض الواقع . إن الدعوة إلى تطبيق أي نظام قبل السعي إلى ترسيخ قيمه تعتبر قفزا على الواقع وحرقا للمراحل الطبيعية للتسلسل السببي . ومهمتنا نحن اليوم كدعاة إلى الإسلام أن نقوم بالسعي إلى ترسيخ القيم التي يقوم عليها الحكم الإسلامي قبل السعي إلى ترسيخ الحكم الإسلامي نفسه لأن التنازل عن هذه القيم يعني التنازل تلقائيا عن الحكم الإسلامي الذي لا يقوم إلا عليها . إن هذه القيم هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الحكم الإسلامي، و تطبيق الإسلام على غير أساس من هذه القيم الإسلامية ليس تطبيقا للإسلام . وحين نحاول تطبيق الحكم الإسلامي قبل ترسيخ قيمه نكون كالجراح الذي يخيط الجرح قبل انتهاء العملية ! والدعوة كذلك إلى أي نظام تقتضي محاربة القيم والمبادئ التي تتناقض مع قيمه ومبادئه ... فإن من يحاول تطبيق نظام - أي نظام - من خلال القيم التي تتناقض مع البنية الجوهرية له إنما يؤسس بنيانه على شفا جرف هار . فإن لكل نظام و منهج شكلا و مضمونا بهما تعرف حقيقته و يمتاز عن غيره ولا يمكن التفريق بين الشكل والمضمون في أي نظام، لأن العلاقة بينهما كالعلاقة بين الجسد والروح .إن المشاركة في " النظام الديمقراطي " والدعوة إليه وترويجه هي دعوة صريحة إلى إلغاء القيم الإسلامية التي تتعارض مع النظام الديمقراطي .. دعوة إلى إلغائها إما نهائيا ... وإما إلى أجل !! وبعد انتهاء هذا الأجل نحن بين خيارين : إما أن نترك الناس على ما هم عليه من قيم مخالفة للإسلام، وحينها يتعذر علينا تطبيق الإسلام .. وإما أن نكشف لهم الحقيقة ونقول بصراحة : هذا ليس هو الإسلام ؟ وعندها سوف يعترضون علينا ويقولون : أنتم الذين دعوتمونا إليه وأوصلتمونا إليه .. فهل كنتم تخدعوننا ؟! إن رجوع الناس عن قيم تشبَّعوها ومبادئ اعتنقوها من أعسر العسير، والداعي إليه متجشم عناء كبيرا.. فكيف إذا كان هذا الداعي هو من بنا تلك الأسس ودعا إليها ثم جاء يروم هدمها ونقضها من بعد ما تجذّرت في قلوب الناس وترسخت في نفوسهم !! ولا يجدي نفعا الزعم بأنا نمارس الديمقراطية من أجل الوصول إلى الإسلام لأن ذلك يعني أنا جعلنا الشرك طريقا إلى التوحيد ..وما مثلنا في هذه الحالة إلا كالمتوضئ بماء نجس !كما لا يجدي نفعا أن نعتذر بأنا نمارس " الديمقراطية " دون الدعوة إلى قيمها أو التأثر بها .. لأن " الديمقراطية " هي " الديمقراطية " بشكلها وقيمها ومظهرها ومخبرها ... إن بعض " الإسلاميين " يحاولون إقناعنا بأنهم يمارسون الديمقراطية مفصولة عن قيمها الغربية بالطريقة نفسها التي يحاول بها قساوسة النصارى إقناع الناس بعقيدة التثليث !! إذ أن من يقول : تحكيم الشعب لا يتنافى مع تحكيم الله تعالى، شبيه تماما بمن يقول : الأب والإبن وروح القدس ثلاثة تساوي واحد !! إن للديمقراطية شكلها وقيمها ..ولنظام الحكم الإسلامي شكله وقيمه . وأما من يريد جعل الشكل ديمقراطيا والقيم إسلامية فلا هو بالديمقراطي ولا هو بالإسلامي :أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
ولو فرضنا جدلا أنه توجد ديمقراطية منفصلة عن القيمة فإن الواقع يشهد أن هؤلاء " الإسلاميين " يمارسون " الديمقراطية " بكل قيمها وشروطها المنافية للإسلام