سورة المائدة (2) العقود والمواثيق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تعلم NotebookLM.. حول ملفاتك إلى «دليل دراسي» للمذاكرة أو العمل فى ثوانٍ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          تعلم NotebookLM.. كيف تنشئ أسئلة ومراجعة في ثوانٍ من أى كتاب؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          سلاح رقمى جديد من OpenAI.. ذكاء اصطناعى يرصد الثغرات الإلكترونية بدقة 85.6% (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          ميتا توقف برنامجًا لتدريب الذكاء الاصطناعى بعد تسريب بيانات الموظفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          ميتا تطرح أدوات إبداعية جديدة لتبسيط إنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          المسافة الآمنة.. أين يجب أن تضع موبايلك قبل النوم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          لو الجو حر.. 7 نصائح بسيطة لحماية موبايلك من السخونة الزائدة فى الصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          3 مزايا خفية فى Google Workspace قد لا تستخدمها رغم أهميتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          لماذا لا تزال بعض الأجهزة تعتمد على بطاريات aa رغم انتشار الشحن عبر usb؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          طريقة خفض إضاءة شاشة iPhone تلقائيًا؟.. وكيف تستعيد سطوعها الكامل؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-12-2025, 04:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,732
الدولة : Egypt
افتراضي سورة المائدة (2) العقود والمواثيق

سورة المائدة (2)

العقود والمواثيق

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النِّسَاءِ: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قِرَاءَاتِهِ مُنَاجَاةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ بِأَفْضَلِ الْكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ لِلْعَبْدِ؛ وَلِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِرَاءَتِهِ فَقَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ مِنَ السُّوَرِ الطِّوَالِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَصُدِّرَتْ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ، وَالْوَفَاءُ مِنْ أَجْمَلِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي عَرَفَهَا الْإِنْسَانُ، وَهُوَ الْخُلُقُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ الْمُؤْمِنُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْأَوْفِيَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَيُبْغِضُ الْخَوَنَةَ الْغَدَّارِينَ. وَفِي السُّورَةِ ذِكْرٌ مُكَرَّرٌ لِلْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ، وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 1]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «يَعْنِي مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا». فَالْعُقُودُ عَلَى الْإِنْسَانِ عُقُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَعُقُودٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، عُقِدَتْ بِأَمْرِ الشَّرْعِ؛ كَحُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَرْحَامِ وَالْجِيرَانِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ، أَوْ عَقَدَهَا الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ؛ كَعُقُودِ التِّجَارَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَكُلُّ الدِّينِ بِشَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ عَقْدٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُجْزَى عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ أَعْظَمَ الْجَزَاءِ.

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ذَكَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَمَوَاثِيقِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 7]. «وَالْمُسْلِمُونَ عَاهَدُوا اللَّهَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةَ عُهُودٍ: أَوَّلُهَا عَهْدُ الْإِسْلَامِ... وَمِنْهَا عَهْدُ الْمُسْلِمِينَ... وَهُوَ الْبَيْعَةُ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْرِقُوا، وَلَا يَزْنُوا، وَلَا يَقْتُلُوا أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يَأْتُوا بِبُهْتَانٍ يَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَلَا يَعْصُونَهُ فِي مَعْرُوفٍ... وَمِنْهَا بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ... سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا الْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ الْمَوْسِمِ فِي الْعَقَبَةِ، وَمَعَهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَبَايَعُوا عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا يَمْنَعُونَ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَعَلَى أَنَّهُمْ يَأْوُونَهُ إِذَا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ بَيْعَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ، بَايَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ. وَالثَّانِيَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ، بَايَعَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْخَزْرَجِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ بِالْعَقَبَةِ لِيُبَلِّغُوا الْإِسْلَامَ إِلَى قَوْمِهِمْ. وَمِنَ الْمَوَاثِيقِ مِيثَاقُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنِ الْهِجْرَةِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ وَاثَقُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ».

ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ مُؤَكِّدًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْوَفَاءَ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 8]. وَالْمُلَاحَظُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَتَحَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِالْمَوَاثِيقِ الَّتِي عَقَدُوهَا لِلْوَفَاءِ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِهَا، فَهِيَ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَبِأَسَالِيبَ مُنَوَّعَةٍ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ فِيهِ إِصْلَاحُ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِصْلَاحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا أَحْوَالَ الْأُمَمِ الَّتِي قَبْلَنَا مِمَّنْ نَقَضُوا الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِيُحَذِّرَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ سُلُوكِ مَسَالِكِهِمْ، فَابْتَدَأَ الْحَدِيثَ بِالْيَهُودِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ* فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [الْمَائِدَةِ 12-13]. فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ بِالطَّرْدِ عَنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَبِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ فَلَا يَتَأَثَّرُونَ بِالْمَوَاعِظِ، وَبِالِاجْتِرَاءِ عَلَى تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ، وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ دِينِهِمْ، وَنِسْيَانِهِمُ التَّوْرَاةَ، وَإِهْمَالِ مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ تَشْرِيعٍ وَمَوَاعِظَ وَهِدَايَةٍ، وَبِخِيَانَةٍ لَازَمَتْهُمْ عَبْرَ الْقُرُونِ، وَتَعَاقُبِ الْأَجْيَالِ.

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى قُبْحَ مَا فَعَلَ الْيَهُودُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ* وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 70-71]. فَعَمِيتْ أَعْيُنُهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَصُمَّتْ آذَانُهُمْ عَنْهُ، فَلَمْ تَفْقَهْهُ قُلُوبُهُمْ؛ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ، حِينَ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ.

ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ النَّصَارَى أَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْيَهُودِ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمَوَاثِيقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ خَلْقِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 14]. فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَقْضِ مَوَاثِيقِهِمْ بِنِسْيَانِ كِتَابِهِمْ، وَالْجَهْلِ بِمَا فِيهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ هِدَايَتِهِ، وَإِشْعَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا وَاقِعُهُمْ؛ فَإِنَّهُمُ انْقَسَمُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى طَائِفَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ؛ كَاثُولِيكَ وَأُرْثُوذُكْسَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ وَمَذَابِحُ كَبِيرَةٌ عَبْرَ الْقُرُونِ، ثُمَّ انْشَقَّ الْبُرُوتِسْتَانْتُ عَنِ الْكَاثُولِيكِ فِي حُرُوبٍ دَامِيَةٍ، وَمَا قُتِلَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى أَيْدِي النَّصَارَى أَكْثَرُ مِمَّا قُتِلَ مِنْهُمْ بِأَيْدِي غَيْرِهِمْ؛ لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ. وَهِيَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، وَتَرَكُوا دِينَهُمْ، وَحَرَّفُوا كِتَابَهُمْ. وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسَالِكَ الْأُمَّتَيْنِ الضَّالَّتَيْنِ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَمِيعُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَمْ كَانَتْ فِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 35].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ: خَشْيَةُ النَّاسِ وَطَلَبُ رِضَاهُمْ، وَتَقْدِيمُ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ، وَهَذَا مَا وَقَعَ فِيهِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَرُهْبَانُ النَّصَارَى؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفُوا بِعُهُودِهِمْ وَمَوَاثِيقِهِمْ؛ خَشْيَةً مِنْ كُبَرَائِهِمْ، وَسَعْيًا فِي إِرْضَائِهِمْ، وَطَلَبًا لِلْمَالِ بِكَتْمِ الْحَقِّ، أَوْ تَحْرِيفِ الْكِتَابِ، وَتَبْدِيلِ الدِّينِ، وَهَذَانِ السَّبَبَانِ عَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ الْعُقُودَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [الْمَائِدَةِ: 44].

وَكَمَا وَقَعَ نَقْضُ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَا سِيَّمَا أُمَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ تَخَلَّوْا عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّفُوا كُتُبَهُمْ، وَعَطَّلُوا أَحْكَامَهَا؛ فَإِنَّهُ سَيَقَعُ فِي أُمَّةِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالِارْتِدَادِ عَنِ الدِّينِ، وَمُحَارَبَتِهِ بِالطَّعْنِ فِيهِ، وَبَثِّ الشُّبُهَاتِ فِي نُصُوصِهِ، وَتَنْفِيرِ النَّاسِ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَمَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ نَاقِضٌ لِعَهْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَضُرُّ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا؛ وَلِذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَمْأَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ رِدَّةَ الْمُرْتَدِّينَ لَا تَضُرُّ الْإِسْلَامَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 54-56].

وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِيمَاءً إِلَى مَا سَيَكُونُ مِنَ ارْتِدَادِ قَبَائِلَ عِدَّةٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ تَثْبِيتًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْإِيمَانِ آنَذَاكَ.. وَمَضَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ، وَقُضِيَ عَلَى أَهْلِهَا، وَبَقِيَ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا مَنِيعًا. وَكُلَّمَا ضَعُفَ أَهْلُ الْإِيمَانِ زَادَ التَّأْكِيدُ عَلَى الثَّبَاتِ، وَتِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَتَدَبُّرِ مَعَانِيهَا الْعَظِيمَةِ، وَتَذَكُّرِ حَرَكَةِ الرِّدَّةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ جَمِيعِ أَرْجَائِهَا، ثُمَّ تَلَاشَتْ سَرِيعًا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَثَبَتَ فِيهَا مَنْ ثَبَتَ، وَهَلَكَ فِيهَا مَنْ هَلَكَ، وَسَيَبْقَى دِينُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ مَهْمَا كَادَ الْكَائِدُونَ، وَمَكَرَ الْمَاكِرُونَ، وَتَآمَرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَافِظُهُ، وَنَاصِرُ أَهْلِهِ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 59.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.09 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.80%)]