ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الحدث واخبار المسلمين في العالم (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=17)
-   -   السلفية الجهادية : د/اكرم حجازي (مقالات متجددة ) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=137335)

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 10:54 AM

السلفية الجهادية : د/اكرم حجازي (مقالات متجددة )
 
مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي


(نموذج العراق)

مقدمة
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت بعض رموز القوة في الولايات المتحدة وما بعدها برزت ظاهرة "السلفية الجهادية" كفاعل استراتيجي دولي مميز وفريد من نوعه سواء تعلق الأمر بالحدث السياسي أو بالحدث الأمني. فأنْ يستفيق العالم على أحداث بهذه الضخامة فهي مسألة في غاية الإثارة، لكن أن يتحسب لوقوع أحداث مماثلة في المستقبل فهي مسألة تبعث على الدهشة حقا، وتستوجب التوقف عندها. إذ أن الإشكال المطروح هنا يتعلق في الأهداف والطموحات التي تسعى السلفية الجهادية إلى تحقيقها، وما إذا كان ممكنا وقف هذا الاندفاع والتحدي الذي تشكله الظاهرة.
فالظاهرة، شئنا أم أبينا، وفي ضوء عروضها العسكرية والأمنية النوعية على المسرح الدولي، باغتت في فعالياتها ومساعيها كل من السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والعلمي والمعرفي وحتى الحضاري قبل أن يستشعر أحد بجدية المخاطر التي تخلفها في بنية التنظيم الدولي والعلاقات الدولية. وفقط بعد فوات الأوان تفطنت الولايات المتحدة، كخصم، إلى جدية الظاهرة فأعلنت حربا عليها عبر ما تسميه "مكافحة الإرهاب العالمي" وجندت تحالفا دوليا لتحقيق الغرض، لكن هذه الحرب أثارت الكثير من التساؤلات إذا ما أعيد النظر، على الأقل، في التصريحات الأمريكية إن لم نقل في السياسات خاصة فيما يتعلق بمفهوم "الفوضى الخلاقة". ذلك أن المفهوم يحيل البعض إلى الاعتقاد بوجود توجهات أمريكية تقضي بغض الطرف عن نمو السلفية الجهادية وغيرها من الظواهر التي من شأنها إشاعة فوضى يمكن السيطرة عليها من جهة وتوظيفها كآليات وأدوات تسمح بالمزيد من التدخلات الأمريكية من جهة أخرى. بل أن هذا البعض يغالي أكثر في الاعتقاد بأن السلفية الجهادية ليست أكثر من علامة تجارية أمريكية مسجلة في حظائر وكالات الاستخبارات الأمريكية[1].
وفي الواقع فإن المسألة مختلفة، إذ يصعب تقبل الأحداث الراهنة وتطورات الظاهرة وخطابها بموجب معايير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية خصيمة لها أكثر من الولايات المتحدة نفسها ووفق حسابات خاصة تناست بموجبها تصريحات أمريكية وغربية من قمة الهرم السياسي إلى أدناه وهي تتحدث عن حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين واعتبار الإسلام هو العدو القادم للغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فالمنطق يؤكد أن العناصر المكونة للظاهرة كعالميتها فضلا عن المرجعية الدينية التي تتحصن بها كافية لِأنْ تقف سدا منيعا أمام أية تأويلات غير موضوعية. وبالتالي فنبذ الظاهرة أو إنكارها والاستخفاف بها، كما هو شائع لدى السياسي والأمني وحتى الديني والتنظيمي، لن يجدي نفعا في فهمها. وعليه فالسؤال الذي نطرحه هو: لماذا نجحت الظاهرة في تحقيق انتشار أفقي؟ وتهديد حتى حصون الجماعات الإسلامية والسياسية الأخرى؟ ولماذا فشلت المقاربات السياسية والأمنية والأيديولوجية في التعامل معها حتى اللحظة؟ وبصيغة أخرى: كيف وصلت السلفية الجهادية إلى نقطة اللاعودة وتحولت إلى ظاهرة لا يمكن أن تتلاشى أو تزول فاعليتها قبل أن تصل إلى مدياتها النهائية؟
بداية نشير إلى أننا سنتعرض بالبحث إلى معالجة أربعة محاور أساسية هي:
المحور الأول: حاضر السلفية الجهادية
المحور الثاني: السلفية الجهادية والجماعات الأخرى
المحور الثالث: المجاميع الجهادية الكبرى في العراق
المحور الرابع: السلفية الجهادية ودولة العراق الإسلامية
وأخيرا: تعقيبات ختامية على المقالة السلفية
لكن قبل الخوض في بعض تفاصيل الظاهرة عبر المحاور أعلاه، نرى من الأهمية بمكان تثبيت بعض الملاحظات المنهجية التي تساعد في قراءة الظاهرة من الداخل. إذ أن الدراسة موضع النظر تعتقد أنه ما من جدوى في فهم الظاهرة خارج المقاربة الدينية، مما يعني ضرورة الابتعاد عن أية مقاربات تقليدية سواء كانت سياسية أو أيديولوجية أو أمنية ... إلخ
ملاحظات منهجية في فهم الظاهرة
أولا: وحدة لغة السلفية الجهادية
من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التحدث بلغة السلفية الجهادية لا يعني أبدا قبول أطروحاتها أو رفضها بقدر ما هي وسيلة ناجعة لفهمها وتفسير خطاباتها والوقوف على استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تريده وتسعى إلى التعبير عن نفسها به[2]. فمن العبث قراءة الأطروحة السلفية إعلاميا أو أيديولوجيا أو أمنيا أو سياسيا أو حتى تنظيميا، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما وإن بدت أدواته الضاربة كذلك في مواضع شتى. فهو يضم رموز وقادة وعلماء وأنصار ومجاهدين، وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة التوحيد التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا.
ثانيا: توصيف الظاهرة
قد يبدو توصيف ظاهرة السلفية الجهادية سهل المنال وهو في الحقيقة مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا بالنظر إلى سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم مقارنة بالأبنية التقليدية التي ألفناها من الجماعات الجهادية المسلحة. فما من باحث استطاع بمفرده التصدي للظاهرة بالبحث إلا في مستويات محدودة أبرزها الخطاب الذي تبوح به. لذا يصعب الحصول على دراسات نجحت في تتبع الظاهرة بمختلف مكوناتها. بل أن الباحثين يعزفون عن التصدي للظاهرة لأسباب عديدة ليس التعقيد الشديد والغموض الذي يميزها أو السرية أو التحرج أو الحساسية إلا بعض منها. وفي المحصلة لدينا فقر مدقع في الرصيد المعرفي عن الظاهرة.
هذا لا يعني أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، وهنا بالذات تكمن المشكلة. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية وآلاف المجلدات من الكتب والأبحاث؟ لهذا من الواجب بداية التأكيد على (1) أننا في سياق البحث العلمي ما زلنا في المراحل الأولى من توصيف الظاهرة والتي نحسب أنها لن تنتهي قريبا و (2) أن التوصيف ينصب على الخطاب الفكري للظاهرة فقط. وهذا يعني أيضا أننا أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي.
ثالثا: مرجعية التوصيف
لعل أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف ظاهرة السلفية الجهادية أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، لا شعوريا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه. والواقع أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الدينية الوحيدة التي ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. وهذا معطى حاسم يؤدي إلى:
1)النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع إسلامي لكنها بالتأكيد ليست جماعات دينية خالصة كما هي السلفية الجهادية، وبالتالي فهي تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير حاكمية الشريعة كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها.
2)تأسيسا على ما سبق وجب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة[3].
رابعا: لغة التوصيف
إذن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض. ولهذا السبب، أكثر من
غيره، يحجم الباحثون عن الخوض في الظاهرة. أما الصعوبة فتكمن في عدة أسباب:
1)إن لغة الخطاب السلفي هي لغة العلم الشرعي التي لا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من يمتلك قدرا معقولا منه. وهذا يعني، مبدئيا، أن الخطاب السلفي يخاطب النخبة والمتخصصين أكثر مما يخاطب العامة. وحتى انتقادات رموز الجهاد العالمي تتوجه نحو النخبة من المشايخ والعلماء والقادة وليس نحو الأتباع والعامة من الناس الذين يستقبلون من السلفية خطابا تحريضيا.
2)غزارة الإنتاج المعرفي للسلفية وأنصارها عبر عديد المؤسسات الإعلامية والشبكات الجهادية، وبالتالي ثمة صعوبة فائقة في متابعة الأحداث والمواقف التي غالبا ما تصيغها هذه المؤسسات قبل أن يعبِّر الرموز عن مواقفهم تجاهها.
لذا من المهم التنبه إلى اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدر الأخبار الرئيسي فيما يتعلق بالتيار الجهادي، ولا نبالغ إذا قلنا أنها باتت سيفا ذو حدين، فهي من جهة تعبر عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، ومن جهة أخرى لها من القوة بحيث تقيد الرموز وتدفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها وإلا فقد يتعرض للطرد من رحابها إذا ما خالف توجهاتها أو شروط الكتابة فيها.

المحور الأول: حاضر السلفية الجهادية
أولا: هوية السلفية الجهادية والأس العقدي للظاهرة
استقر مصطلح السلفية الجهادية في وسائل الإعلام ليعبر عن تيار جهادي ذو صبغة عالمية[4]، لكنه في عرف أصحاب التيار لا يكفي لبلوغ المعنى الدقيق له فضلا عن أن ترويجه ينطوي على حصر للتيار في أطر ضيقة. فالوهابية مثلا تمثل أحد المصادر الشرعية والتاريخية للفكر الجهادي العالمي لكنها ليست المصدر الوحيد، وتبعا لذلك ليست السلفية الوهابية الجهادية هي التيار الجهادي العالمي ولا هي المخولة بالتحدث باسمه، كما أن التيار الجهادي أوسع، في مرجعياته ومكوناته، من أية مرجعية منفصلة. والحقيقة أن التصاق تعبير السلفية بالتيار الجهادي العالمي يمكن رده إلى عدة أسباب منها:
· كثرة منتسبيه من الجزيرة العربية وخاصة من السعودية إثر دخول الدولة على خط الجهاد الأفغاني الأول ودعمها لعديد القوى المنخرطة فيه وتوفير الغطاء المادي والإعلامي له وحتى الشرعي[5].
· تبني الكثير من علماء السعودية للمشروع الجهادي ممن ذاع صيتهم في الأوساط الجهادية والإعلامية.
والحقيقة أن اهتمام الجهاديين بالوهابية (دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) والتركيز على تراثها برز بشكل لافت عقب أحداث سبتمبر وما تبعها من دخول شيوخ نجديين على الخط الجهادي ممن كان لهؤلاء اهتمام بالغ وكبير بتراث أئمة الدعوة النجدية خاصة علي الخضير وأحمد الخالدي حيث تعج مؤلفاتهما بكثرة الإحالات (إلى) والنقل (عن) تراث أئمة الدعوة مما ينبئ عن استظهارهما لتلك الرسائل.
· الاسترشاد بالدعوة السلفية الوهابية كمنهج علمي وعملي، والنظر إلى كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب كأحد المراجع الرئيسية للتيار الجهادي العالمي ومن بعده رسائل أئمة الدعوة النجدية خاصة الدرر السنية. فبعد الجهاد الأفغاني أضحى التراث الوهابي مصدرا رئيسيا أضيف إلى مصادر التراث المعرفي الجهادي ممثلا بفتاوى ابن تيمية وتلاميذه وسيد قطب ومحمد قطب وعبد الله عزام.
· انقسام السلفية الوهابية إلى سلفية تقليدية وأخرى جهادية الأمر الذي سمح باستخدام المصطلح بهدف التمييز بين التيارين. فـ"السلفية الجهادية" كمصطلح لا يعني بأي شكل من الأشكال وجود سلفية بلا جهاد لاسيما وأن التيار الجهادي كغيره من التيارات الإسلامية يرى في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام هي خير القرون دعوة وجهادا وحضارة، وبالتالي فالسلفية تعبير أصيل، لكن المصطلح استخدم بهدف التميّز عن أولئك الذين صنفوا أنفسهم من أهل السلف إلا أنهم، وبلغة سايكس – بيكو كما تقول السلفية الجهادية، همشوا الجهاد أو منعوه بدعوى الضعف والعجز فكان لزاماً علينا التفريق بين سلفية تركز على الجهاد وتدعو له بصورة عالمية وأخرى تهمشه أو تمنعه وفي أحايين أخرى تحاربه.
لكل هذه الأسباب وغيرها استعمل المصطلح للدلالة على التيار الجهادي العالمي، إلا أننا لم نقع على قبول فعلي للمصطلح من قبل رموز التيار حتى تلك التي تستعمله إعلاميا. وفي المقابل لا يبدو على هذه الرموز رفضا للمصطلح بقدر ما تحرص على التعبير عن نفسها بـ "أهل السنة والجماعة" كتسمية دالة على التيار ومحببة إليها[6] أكثر من تعبير "السلفية الجهادية".
والحقيقة أن المقدسي، كنموذج للمعاينة، أحسن في توصيف هوية التيار السلفي الجهادي حين سئل عنه، ففيما يتعلق بالتسمية وعلاقة المصطلح بالجماعات السلفية الأخرى والجهادية يقول:
"أولا: أحب أن أنوه بأننا (1) لم نتسمى بهذا الاسم و (2) إنما نعتنا به من سمانا به من الناس لتمسكنا بما كان عليه السلف الصالح من الاعتقاد والعمل والجهاد، (3) فالسلفية الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو قل هو تيار يسعى لتحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت .. فهذه هي هوية التيار السلفي الجهادي والتي تميزه عن سائر الحركات الدعوية والجهادية"[7].
هذه الأطروحة ترى، ولا شك، أن الشرك يداخل الأمة من جوانب عدة، وعليه فهي تقدم "التوحيد" أو إقامة "الحاكمية" كهدف وغاية ليس الجهاد إلا الوسيلة الرئيسية لتحقيقها إلى جانب الدعوة. وهي رؤيا تنسف كافة الأطروحات الدعوية السابقة عليها سواء تلك التي نأَتْ بنفسها عن الوضع القائم أو شاركت به كـ: "بعض الحركات السلفية (التي) تقزم وتحصر دعوة التوحيد على شرك التمائم والتولة والقبور ولا تتعرض من قريب أو بعيد إلى شرك الحكام والمشرعين والقوانين والقصور، بل قد تكون ممن يسير في ركاب الحكام ويعمل على تثبيت عروشهم"، أو تلك التي عبرت عنها أطروحات: "بعض الحركات الجهادية (التي) تبوتق جهادها وتحصره في منطلقات وطنية وترفض رفضا جازما وحاسما أن تتعدى بجهادها حدود الوطن"[8].
وعطفا على ما انتهى إليه المقدسي:
"فالتيار السلفي الجهادي يخالف هؤلاء وهؤلاء. ومن أجل ذلك فهو يدعو إلى التوحيد بشموليته وفي كل مكان فحيث وجد الخلق شرعت دعوتهم إلى التوحيد بشموليته وحيث وجدت هذه الدعوة وجد الجهاد من أجلها وفي سبيلها ... ولذلك فأنت ترى أن هذا التيار لا يحصر جهاده في بقعة معينة من الأرض من منطلقات قومية أو أرضية بل ميدانه هي الأرض كلها فتجد أبناءه يجاهدون في شتى بقاع الأرض ... فرق بين الاجتهادات النابعة من السياسة الشرعية وبين الثوابت والأصول النابعة عن الوطنية أو نحوها من الموازين الجاهلية"[9].
ويغلب علينا القول بأن توصيف المقدسي هذا يعد نموذجا ممتازا للغوص في أعماق الأطروحة السلفية الجهادية وليس فقط البحث في ماهيتها. فإذا ما استبعدنا الجهاد كوسيلة لإقامة الحاكمية وانطلقنا من التوحيد بوصفه أهم المفاهيم التي تميز السلفية الجهادية على الإطلاق، وما دونه تفاصيل، فإن خصائص الظاهرة يمكن استخراجها بيسر من رحم المفهوم وإسقاطها على كافة الأدوات الضاربة للسلفية الجهادية ابتداء من الفلبين وحتى المغرب.
فالتوحيد بمعناه الشرعي يستدعي الكفر بالطاغوت. فكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر شرعا أو فاسق أو ظالم أو كلها معا، وبالتالي فهو مفهوم يحيل السلفية الجهادية إلى مرجعية وحيدة في الحكم على الأقوال والأفعال والنوازل أيا كان مصدرها ومكانها، فإذا ما وافقت الشريعة كان بها وإلا فهي قطعا باطلة ومنبوذة ومحاربة. وتبعا لذلك فالسلفية الجهادية ستجد نفسها، مختارة، في صدام حتمي مع كافة منتجات الحضارة الراهنة ابتداء من النظم الفكرية والأيديولوجية والدينية والأخلاقية وانتهاء بكل تجلياتها المادية من هياكل وبنى على اختلاف تشكيلاتها ومستوياتها. لكن هذا الصدام القائم لا يعني أن السلفية بصدد ممارسة الهدم بمعناه التقليدي، بالنسبة إليها فالهدف هو القضاء على منظومة العلاقات التي تتحكم بمصائر البشر سواء كانوا مسلمين أو "مستضغفين"، إذ أن العلاقات السائدة في النظام الدولي فضلا عن أنها تفرض على "المؤمنين" تشريعات "كفرية" لا يجوز الاحتكام إليها فهي أيضا تفرض علاقات هيمنة وتسلط ونهب وإذلال وإهانة خاصة للمسلمين وبالتالي تجب محاربتها والتخلص من سطوتها.
ولا ريب أن إسقاط المفهوم "التوحيد" على المنطقة العربية، كنموذج للمعاينة، ستكون له انعكاسات جوهرية على واقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بل أن انعكاساته ستطال كل مكون أو معطى سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الدولة أو المؤسسة أو حتى الفعل والسلوك الفردي. فسايكس – بيكو مثلا، كاتفاقية استعمارية، عنيت بتقسيم الوطن العربي إلى عديد الدول إنما ولدت كحالة سياسية لا تمت إلى التاريخ العربي والإسلامي بصلة فإذا بها تتحول على مَرّ العقود إلى مكاسب ومنجزات وطنية وحالة ثقافيةتعبر عن أنماط سياسية واجتماعية واقتصادية وسلوكية كما لو أنها أصيلة وليست مستحدثة. بينما في عرف السلفية الجهادية فإن كل مكونات سايكس – بيكو ليست سوى منتجات لأيديولوجيا غير مشروعة لا بد من هدمها والتخلص منها. فالقضاء منظومة قانونية ودستورية وضعية، والحكم في الدولة يستند إلى مؤسسات تشرِّع من دون الله، والتعليم غيَّب العلم الشرعي وأنتج علماء وفقهاء يشرِّعون للوضع القائم، والاقتصاد تحكمه قوانين الربا، والتجارة بيد نخبة تمارس الاحتكار والهيمنة والربح غير المشروع، والثقافة غربية الطابع، والعلاقات الدولية مرهونة بإرادات القوى العظمى ومصالحها، والبلاد بعضها مغتصب والآخر محتل أو مهدد، والدين ضائع ومضيَّع، ولا شك أن القائمة لا تنتهي.
لكن للوصول إلى فهم أدق وأشمل لمفهوم التوحيد وإسقاطاته يمكن الانطلاق من التكليف الإلهي للنبي إبراهيم عليه السلام وهو يتلقى عن ربه أمرا صريحا: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }- الحج27. وهذا يعني: (1) أنه أيا كانت معتقدات الناس فهم مأمورون بالتوحيد حتى ولو كانوا في فج عميق، و(2) أن التوحيد ليس له سقف جغرافي لأنه لا يعترف أصلا بأية فواصل أو حدود، لذا فمن (3) الأولى القول أن كافة المسلمين حيثما وُجِدوا فهم معنيون بدعوة التوحيد قبل غيرهم. وعليه فالتوحيد كلية لا تتجزأ ولا تقبل القسمة. فحيثما وُجد مسلم وُجِدت العقيدة ووُجد التوحيد والموحدون، وبالتالي فهم من مشمولات دولة التوحيد، وإذا ما أقيمت دولة إسلامية تحكم بموجب الشريعة فهذا يعني أنها ستكون معنية بمصالح كافة المسلمين في شتى أنحاء الأرض، ولا يجوز والحالة هذه الاعتقاد بوجود توحيد ذو نكهة وطنية كأن تزعم دولة إقامتها للتوحيد ضمن حدودها وسيادتها وتعفي نفسها من أية مسؤولية تجاه المسلمين الآخرين باعتبارهم رعايا دول أخرى. لذا لا تعترف السلفية الجهادية بأية تقيّة في التوحيد، ولا معنى عندها لأي توحيد سياسي أو وطني أو قومي أو مرحلي. فهل هذا هو معنى الشمولية التي يتحدث عنها المقدسي؟ سنرى لاحقا.
أما عقيدة الولاء والبراء عند السلفية الجهادية فهي المعيار المعتمد في قياس مدى نقاوة التوحيد لدى الأفراد والجماعات الإسلامية. وبهذا المعيار رأت السلفية، مثلا، في الحكام "طواغيت" هم ومن والاهم وساندهم أو شرع لسلطانهم ودعم تشريعاتهم، لكن مع التفصيل في الأمر، فقهيا، فيمن كان كفره ظاهرا أو خفيا ونحو ذلك. أما فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية والجهادية فأغلبها، في أحسن الأحوال، بعيدة عن عقيدة الولاء والبراء التي تفرض على المسلم موالاة المسلم والتبرؤ من المشرك ومظاهر الشرك، ووفق هذه العقيدة فالمسلم الموحد مُلزَم بمبدأ الأخوة الإسلامية بديلا عن الأخوة الوطنية، وملزم بالنصح لإخوانه بديلا عن تتبع عوراتهم، وملزم بالحاكمية بديلا عن التشريعات الوضعية، وملزم بالنصرة بديلا عن التخذيل، وهكذا. لكن ذروة عقيدة الولاء والبراء لا تقع في مستوى النماذج النظرية التي ذكرنا بعض صورها بل في مستوى تطبيقات النماذج، فما تراه بعض الجماعات والعلماء مسائل خلافية تحتمل التأويل والتفصيل تراه السلفية الجهادية من جهتها تمييعا للعقيدة وتخذيلا أو إرجافا أو إرجاء، كالوطنية والديمقراطية والاستعانة بالأجنبي والاحتكام إلى الشرائع الوضعية والمفاوضات وغيرها.
ثانيا: الأدوات الضاربة للسلفية الجهادية
لا شك أن الموضوع بالغ التعقيد، فالمعطى البارز الذي أمكن ملاحظته، مع بروز ظاهرة الجهاد العالمي، يكمن في تراجع نمط المقاومة ذات الطابع الوطني أو القومي وتَقَدُّم "الجهاد" بديلا عن "المقاومة" كمصطلح ومضمون، فما من أحد يتكلم اليوم عن نضال وطني أو قومي أو أممي ولا عن وحدة عربية شاملة ولا جزئية ولا حتى عن تنسيق عربي، وعلى العكس من ذلك فإن أغلب الجماعات المسلحة الحديثة، خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اتخذت من الجهاد منهجا لانطلاقتها ومن التراث الإسلامي تسمية لها.
وها هي السلفية الجهادية تقدم نفسها تيارا من رحم العقيدة يسعى إلى بلوغ مصالح الأمة الإسلامية في ضوء الدعوة إلى التوحيد وإقامة الدين، وعبر مجاهدة ما تعتبره "طواغيت العرب" و "طواغيت العجم". فالمسألة إذن ذات منحى مختلف عما شهدناه طوال عقود من جماعات إسلامية سياسية بعضها عالمي النشأة والتوجه لكن الكثير منها حبيس تأويلات جعلتها أقرب إلى المحلية من أية صفة عالمية. وتبعا لذلك فإن تيار الجهاد العالمي تجاوز المسألة التنظيمية واستقر الآن كفكرة (= منهجا وعقيدة) تتعلق بالأفراد عامة أو ما يسمى بـ "الخلايا النائمة" خاصة مثلما تتعلق بالجماعات الجهادية المنظمة، وموضوعيا يصعب الإحاطة بالأمرين إن لم يكن مستحيلا.
وفي ذات القراءة، على مستوى الاعتقاد والمنهج، يصعب رد جماعة جهادية إلى السلفية أو تبرئتها منها خاصة وأن السلفية الجهادية أثرت كثيرا في مناهج بعض الجماعات وسلوكها السياسي فضلا عن تأثيرات خطاب الظاهرة نفسه على أفراد الجماعات الجهادية ذات الطابع الوطني بحيث يمكن ملاحظة انتشار الخطاب الجهادي العالمي في صلب هذه الجماعات دون أن يعني ذلك تبنيها له رسميا لأكثر من سبب. بل أننا لا نستبعد أن يكون التأثير قد وصل إلى رؤوس القيادات العسكرية والسياسية على السواء.
أما الرموز الكبار في السلفية الجهادية كـ: بن لادن والظواهري فنحسب أن فعاليات التيار الجهادي العالمي قد تجاوزتهم على الرغم من ثقلهم ومشروعيتهم كقيادة تاريخية، إذ أن بقاءهم على سطح الأحداث أو اختفاءهم لم يعد يقدم كثيرا أو قليلا في انتشار الظاهرة وترسخها خاصة وأن مكوناتها وآليات اشتغالها باتت على الأغلب ذاتية المنشأ والدفع، ومثل هذا التوصيف ينطبق حتى على تنظيم قاعدة الجهاد ذاته. وهذا مؤشر على أن الرموز الأفقية للظاهرة أكبر وأخطر من الرموز المألوفة وأدعى لاستمراريتها، ونعني بذلك شرائح العلماء والفقهاء وطلبة العلم الشرعي والأنصار والقيادات المتوارية عن أنظار الإعلام وكل المؤمنين بفكرة الجهاد العالمي سواء المؤطرين منهم في تنظيمات مسلحة أو ممن ليست لهم أية سوابق تنظيمية.
كل هؤلاء يشكلون، في واقع الأمر، أدوات ضاربة باعتبارهم جبهة أكثر منهم خلايا نائمة، فهم مشاركون في الإعلام الجهادي بفعالية، وفي توسيع جبهة الأنصار وفي حشد المعلومات ونشرها وتوزيعها وفي خوض نقاشات متشعبة ومرهقة مع القوى الأخرى بما فيها الجماعات المخالفة والخصيمة لفكرة الجهاد العالمي، والثابت أن صراحة الأطروحة الجهادية ووضوحها وصرامتها وثباتها تجعل من الأطروحات الأخرى، في أحسن الأحوال، في موقف الدفاع غالبا. فالكثير من القوى الإسلامية، أفرادا وجماعات (رسميين أو غير رسميين)، سبق لها وأن ناهضت مفاهيم كالديمقراطية والوطنية وموالاة النظم السياسية والتشريعية والدولية لكنها عادت إلى تبريرها والدفاع عنها والمشاركة في مؤسساتها وطلب نصرتها، ومثل هذه القوى تجد نفسها في موقع الحرج والإدانة من قبل السلفية الجهادية التي تعيب عليها تأرجح مواقفها السياسية وتوظيف الدين للدفاع عن أطروحات سبق لها وأن نبذتها، وإذا كان حقا لها أن تعبّر عن نفسها كجماعة سياسية فهذا شأنها أما أن تنسب نفسها إلى الإسلام كجماعة دينية فهذا لم يعد واردا ولا يعبر عن حقيقة واقعها.
لكن صعوبة حصر الظاهرة أفقيا لا يعني سهولة معاينتها ميدانيا، فالجبهات الساخنة في التيار الجهادي العالمي هي عالم سري لا يمكن الاقتراب منه إلا من خلال الفاعلين أنفسهم سواء عبر المادة الإعلامية التي يقدمونها أو عبر كتاباتهم وتأريخهم لتجاربهم وهو ما لم يحصل حتى اللحظة إلا نادرا[10]. ولعل أفضل معاينة متاحة للأدوات الضاربة للجهاد العالمي هي الانطلاق من الجبهات الساخنة بوصفها فضاءات استقطاب ذات مستويات متفاوتة في العمل الميداني منها:
· المستوى الأول: يضم مناطق أفغانستان: "حركة طالبان بقيادة الملا محمد عمر وقاعدة الجهاد بقيادة أسامة بن لادن" والباكستان: "حركة طالبان الباكستانية بقيادة بيت الله محسود" والعراق: "دولة العراق الإسلامية بإمارة أبو عمر البغدادي وجماعات السلفية الجهادية الأخرى" والشيشان: "إمارة القوقاز الإسلامية بإمارة دوكو عموروف"، وأخيرا الصومال: "حركة الشباب المجاهدين بإمارةالشيخ مختار عبد الرحمن (أبو الزبير)"، وهي المناطق التي تمثل بالنسبة للتيار الجهادي العالمي جبهات حرب مفتوحة ضد القوى الأجنبية على أراضيها.
· المستوى الثاني: يضم مناطق المغرب العربي ومركزه الجزائر: "قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي" التي تنشط ضد النظام السياسي، ونسبيا القاعدة في الجزيرة (بفرعيها النجدي واليمني) واللتان تعتبران نشاطهما، على الأغلب، كما لو أنهما في وضعية دفع الصائل، إذ غالبا ما تهاجمان منشئات حيوية وأهدافا أجنبية إلا من بعض الممارسات التي لم تتبناها تلك الجماعات كما حصل من استهداف لمقر الأمن العام في الرياض ونفي زعيم القاعدة عبد العزيز المقرن المسؤولية عنها. وجدير بالذكر أن "قاعدة الجهاد في الجزيرة العربية" وجنوبها: "قاعدة الجهاد في اليمن"، ذواتا ارتباط تنظيمي مباشر بقاعدة الجهاد في أفغانستان.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 10:56 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
· المستوى الثالث: مناطق شرق آسيا في الفلبين وأندونيسيا ومؤخرا جزر المالديف[11] "، ودول آسيا الوسطى خاصة تركستان الشرقية وطاجكستان وأوزباكستان، وتضم هذه البلدان جماعات جهادية تمرَّس بعضها على القتال في مراحل الجهاد الأفغاني وكذلك في بلدانها.
· المستوى الرابع: لبنان: "حركة فتح الإسلام وعصبة الأنصار" وقطاع غزة: "جيش الأمة وجيش الإسلام وفتح الإسلام وسيوف الحق"، وجميع هذه القوى فلسطينية الطابع ما عدا حركة فتح الإسلام التي تعرضت لحرب استئصالية شنها الجيش اللبناني على معقلها في مخيم نهر البارد شمال لبنان، بالإضافة إلى سوريا حيث تنشط بعض المجموعات بين الحين والآخر تحت مسمى: "جند الشام" أو "قاعدة الجهاد في بلاد الشام"
لكنها غير واضحة المعالم حتى الآن، وكذلك في مصر: "قاعدة الجهاد في أرض الكنانة".
· المستوى الخامس: يشمل خلايا المبادرة الذاتية أو ما يطلق عليه أمنيا بـ "الخلايا النائمة"، وهذا النوع ينشط عبر العالم من خلال أفراد لا تربطهم صلات تنظيمية مباشرة بالقاعدة أو جماعات الجهاد العالمي.
هذه المستويات الخمسة من الأدوات الضاربة تخص الجبهات الساخنة للجهاد العالمي، وفيما عدا المستوى الأول ذو الجبهات المفتوحة وإلى حد ما المستوى الثاني يمكن بيسر أن نلاحظ، حينا ما، تَقدُّم إحدى الأدوات على ما عداها أو ارتقائها إلى مستويات أكثر فاعلية حينا آخر كما حصل في المحاكم الإسلامية في الصومال والتي خرجت من رحمها حركة الشباب المجاهدين لتحسم الموقف وتشكل إحدى أقوى الأدوات الضاربة ضد القوات الأثيوبية المحتلة، وهذا يؤشر على مخاض متواصل لفعاليات الجهاد العالمي يتخذ شكلا طارئا (نشاط الخلايا النائمة) أو ثابتا لكنه ضعيف (غزة) أو ساعيا لتأسيس انطلاقة قوية كـ (فتح الإسلام في لبنان) أو تشكيلات قوية جدا لكنها مغمورة إعلاميا كما هو حال الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى خاصة في أوزباكستان وبدرجة أقل في تركستان الشرقية.
لكن هناك مستوى سادس أشرنا إليه في سياق جبهة الأنصار وهو مستوى هلامي غير محدد المعالم لكنه مرشح لِأنْ يلعب الدور الأخطر مستقبلا على صعيد الجهاد العالمي كونه يتعلق بجماعات إسلامية تتمتع بالعالمية لكنها ذات توجهات سلمية، على الأقل في الوقت الحاضر، كالإخوان المسلمين والتبليغ والدعوة وحزب التحرير وحتى جماعات الصوفية.
فلم يعد خفيا القول أن بعض هذه الجماعات تشهد صراعات باطنية تمس صميم أطروحاتها العقدية تجاه بعض القضايا الخلافية كالديمقراطية والمشاركة السياسية والجهاد والحاكمية والتحالفات غير المفهومة لبعض أجنحتها خاصة في أفغانستان والعراق فضلا عن التنكر لظاهرة الجهاد العالمي (الإخوان المسلمين) أو تعليق فريضة الجهاد بانتظار الخليفة حتى في البلدان المحتلة (حزب التحرير) أو التعهد بهجرة العمل السياسي وتحريمه (الدعوة)، كما أن المخازن البشرية لهذه الجماعات تتعرض إلى هجمات متواصلة من قادة الفكر الجهادي العالمي وأنصاره، وقد يؤدي هذا، في مراحل لاحقة، إلى إحراجها وتحقيق اختراقات في أطروحاتها الشرعية والأيديولوجية بما يسمح باستنزاف في مواردها البشرية التي قد تجد نفسها مخدوعة ومدفوعة إلى تبني أطروحات الفكر الجهادي العالمي بدلا من الدخول في مماحكات سياسية وأيديولوجية وتنظيمية عقيمة.
ولا ريب أن رموز السلفية الجهادية وروادها يعلمون أن تحقيق أية اختراقات لا تعني بشكل أو بآخر السعي إلى هدم ما تعتبره أصلا رصيدا للجهاد العالمي بقدر ما يعني هدم الأطروحة التنظيمية التي تعتبرها سياسية بالدرجة الأساس وإنْ تلبست باجتهادات شرعية، وهي رؤية باتت تجد لها قبولا لدى الكثير من أفراد الجماعات إياها وتبعث على الاطمئنان في نفوسهم من أن الهدف هو الحرص عليهم من أن يجاهدوا أو يقضوا تحت "رايات عميَّة" كما تصفها السلفية الجهادية.

المحور الثاني: السلفية الجهادية والجماعات الأخرى
من المثير حقا أن تستقر السلفية الجهادية فاعلا استراتيجيا نشطا على الساحة الدولية في بضع سنين خلت خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لذا، لكن، وفي ضوء ما سبق بيانه من هوية وتيارات ضاربة،
ينبغي التأكيد على أن الظاهرة لا يمكن لها أن تكون فعالة على المستوى الدولي وهي تقارع الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وقوى الغرب عامة ولا تكون كذلك على المستوى الإسلامي في موازاة الجماعات الإسلامية الأخرى ذات الصبغة العالمية، ذلك أن هذه الجماعات تمثل بالنسبة لها الاحتياط الاستراتيجي الذي تنهل منه وستنهل منه لاحقا ولو على المستوى الفردي، كمرحلة أولى، بسبب جاذبية الخطاب السلفي.
فالسلفية لا تعنيها كثيرا الجماعات الإسلامية المغمورة أو التي حشرت نفسها في أطر جغرافية أو خدمية ضيقة لم تتجاوزها منذ عشرات السنين مثلما تعنيها الجماعات ذات الانتشار العالمي الذي لا يخلو منه بلد إسلامي أو غير إسلامي، وهذا يعني أن السلفية تعمل بموجب نظام العولمة الذي يحقق لها تواصلا مع الرصيد في مختلف البلدان والمناطق. لكن كيف يمكن التمييز بين السلفية الجهادية وغيرها من الجماعات الأخرى؟ وأية فائدة قد تجنيها السلفية من "قريناتها
الحقيقة أن الإجابة تكمن في الفهم الدقيق لـمضمون "الشمولية" التي يطرحها المقدسي، وهو مضمون عقدي بالدرجة الأساس، فقد عاش العالم الإسلامي ردحا من الزمن اختلط فيه التوحيد بالشرك عبر تقديس الأولياء والزوايا والقبور، وتسببت الكثير من الفرق الضالة والتخلف في شيوع ظاهرة التمائم والترانيم والأساطير والخرافات والبدع وكأنها جزء من العقائد وطرائق للعبادة فيما هي شرك من حيث يعلم المعتقدون بها أو يجهلون، لذا استهدفت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جانب منها، وكذا أئمة الدعوة محاربة هذه الانحرافات وتصحيح الاعتقاد، بل أن الدعوة السلفية اشتهرت عالميا باعتبارها دعوة للتوحيد بشقيه عبر محاربة: "شرك القبور" و "شرك الحاكمية"، وبصيغة أخرى فالدعوة استهدفت تحقيق "التوحيد الاجتماعي" و"التوحيد السياسي"، إذ ما من معنى لمحاربة مظاهر الشرك لتحقيق التوحيد دون استكماله بإقامة الحاكمية.
لكن مع مرور الوقت ثبتت الأولى "محاربة شرك القبور" تدريجيا فيما سقطت الثانية "شرك الحاكمية" كليا إلا حين يكون ثمة حاجة لتنزيلها في موضع معين. ومثل هذا الأمر يشمل، مثلا، بعض علماء "السلفية العلمية" أو النظرية التي تقول بكفر الشرائع الوضعية التي لا تحكم بما أنزل الله، ولكنها عاجزة عن تنزيل الحكم على الواقع. لذا ترى السلفية الجهادية أن المعنى الشمولي للتوحيد، كالذي تحدث عنه المقدسي، يتطلب تحقيق شقي التوحيد الاجتماعي والسياسي في آن واحد، ولا يجوز "إقامة" أحدهما و "تأجيل" الآخر إلى يوم الحساب. هذا مع العلم أن المصادر والمرجعيات الشرعية للسلفية العلمية والجهادية واحدة بحيث لو قارنا مثلا بين الشيخ صالح الفوزان والشيخ علي الخضير أو أحمد الخالدي لما وجدنا خلافات تذكر فيما يتعلق بفقه التوحيد.
وفي ضوء هذا الفهم، فالإشكال واقع ليس في اختلاف مصادر التشريع ومرجعياته بقدر ما هو واقع في تنزيل الحكم الشرعي، أو بمعنى آخر بين النظرية والتطبيق. فكيف يمكن تفسير ما ذهب إليه بعض العلماء من تشريع للجهاد الأفغاني والشيشاني، في مرحلة ما، ثم نبذه في مراحل لاحقة فضلا عن إنكاره في العراق؟ فهل تغيرت المصادر والمرجعيات؟ وإلا فبأية مشروعية جاهدوا ونزّلوا الحكم؟ وبأية مشروعة نقضوا ما سبق وأجمعوا عليه؟ وبأية مشروعية يكون الجهاد في مكان ما ولحظة ما من الزمن مشروعا؟ وبأية مرجعية يكون "قذارة" أو قتالا في سبيل الطاغوت؟ وفي ضوء هذا الفهم أيضا، وعبر المنهج والعقيدة، يمكن بسهولة ملاحظة ذات الإشكاليات والاختلافات بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى.
فقد تمتعت جماعة الإخوان المسلمين، في بداية النشأة، بنهج سليم فيما يتصل بالدعوة إلى حاكمية الشريعة
والسعي لإقامة الخلافة الإسلامية، لكنهم، فيما بعد، "أرجؤوا"[12]، وصار لهم اجتهادات وتأويلات تبرر وتشرِّع لمفاهيم الديمقراطية والشرعية الدولية والقوانين والعمل بموجب الدساتير الوضعية، فشاركوا في الانتخابات ومجالس النواب وأعلنوا "احترامهم" للقوانين والمعاهدات وما شابهها، وتبرؤوا حتى من هدف إقامة الدولة الإسلامية ناهيك عن اللبس الذي يرافق شعار "الإسلام هو الحل" وما إذا كان ما يزال صالحا للعرض أم لا؟ ورغم أن الجماعة هي الأقرب للسلفية الجهادية، بالنظر إلى تاريخها وخروج الكثير من العلماء وقادة الجهاد العالمي من رحمها أمثال سيد قطب وعبد الله عزام، إلا أنها تبدو اليوم أقرب إلى كونها جماعة اقتصادية كبرى تنشط في تنمية الرأسمال ومصادره أكثر بكثير مما هي جماعة دينية، ولا شك أن هذا التوجه دفع الجماعة إلى البحث عن الاستقرار والأمن وتدعيمه كي يتسنى لها الاستثمار في السوق وتنمية مواردها عبر بناء الجمعيات والمؤسسات والمصانع والدخول في الصفقات التجارية والمالية وسائر النشاطات الاقتصادية، وفي هذا السياق بالضبط يجري توصيف الجماعة من قبل السلفية الجهادية باعتبارها إحدى أدوات ومنتجات سايكس – بيكو. إذ لا فرق بينها وبين أي حزب أو مؤسسة أو جماعة، وهو ما يفسر أغلب مواقفها السياسية وتحالفاتها، ولأنها لا يمكن أن تكون معادية، فهي إما مشاركة في السلطة أو حليفة لها أو ساعية إليها بقطع النظر عن هويتها سواء كانت محلية أو قوة احتلال أجنبية كما هو الحال في العراق وأفغانستان.
إذن فالجماعة على مستوى المنهج لم يعد الجهاد حتى إحدى وسائل التغيير لديها، بل أنها بتوجهاتها الجديدة، الباحثة عن الأمن والاستقرار، يبدو من غير المنطقي مطالبتها بإعلان الجهاد أو دعم السلفية في جهادها على الأقل ضد "طواغيت العجم"، بل أن التصريحات "الشخصية" لمرشد الجماعة محمد مهدي عاكف من الجرأة بحيث تصل إلى حد إنكار وجود القاعدة: "أنا شخصيا لا اعتقد أن هناك تنظيم القاعدة" واعتبار الفكر السلفي الجهادي: "فكر منحرف يسري بين شباب الأمة بتحريض من العدو الصهيوني والأمريكي وتصرفاته ضد العرب والمسلمين"[13]، والأكيد أن مثل هذه التصريحات منسجمة إلى حد بعيد مع توجهات الجماعة، ولو كان الأمر غير ذلك لتوجب على المرشد العام والجماعة أن يردا على تساؤلات رموز السلفية الجهادية التي باتت تدرك أن توجيه الخطاب للقواعد أجدى من توجيهه إلى قيادات "تخلت عن الحاكمية" وأخرى "باعت دينها"[14].
أما حزب التحرير الرديف المحتمل للسلفية الجهادية بوصفه حركة عالمية، فلا يقل وضعه حرجا عن غيره من الجماعات بنظر السلفية. فهو حزب سياسي أكثر منه جماعة إسلامية، وهو يشكو تاريخيا من غياب العلماء وطلبة العلم، بل أنه لا يهتم لا بالعلم ولا بالعلماء، وبالتالي فتراثه المعرفي أو الفقهي يكاد يكون موقوفا على مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني، وهي مسألة تضع عقيدة الحزب برمتها تحت المساءلة ليس فقط من قِبَل السلفية الجهادية بل ومن أية جماعة جهادية أو حركة مقاومة وطنية، أما من حيث المنهج فالجهاد موقوف عنده على ظهور الخليفة بما يشبه انتظار المهدي المنتظر حتى في أحلك الظروف سواء تعرضت البلاد لاحتلال مباشر أو حكم مستبد[15]، وهذا يعني تعطيلا تاما للجهاد سواء حضرت السلفية أو غابت، والغريب في الحزب أنه يحتجب عن ساحات الإعلام طويلا ثم يظهر فجأة عبر حشود بشرية مفاجئة[16] كمن يغيب دهرا ويحضر شهرا.
ومع ذلك فالمسافة بينه وبين السلفية الجهادية ليست صوفية الطابع، فهو يلتقي معها، نظريا، في مسألة إقامة الخلافة والحاكمية إلا أنه يبتعد عنها واقعيا في إعلان الجهاد، ولا شك أن وقائع التصدعات في الحزب تشابه إلى حد كبير مثيلاتها لدى الإخوان المسلمين. فمنذ نشأته كانت له صولات وجولات في عديد الدول العربية أملا في تحقيق انقلاب ما يتيح له إعلان الدولة والخلافة لينطلق في مجاهدة "الكفار"، وكانت أبرز محاولاته في الأردن والعراق ومصر وتونس ثم توقف بعد حرب العام 1967، والآن ينشط في دول آسيا الوسطى خاصة في وادي فرغانه، والسؤال: هل يخرج الحزب من عزلته؟ أم سيشهد تصدعات على خلفية مواقفه كما حدث في حالة عمر بكري، الذي قاد الحزب في بريطانيا حتى عام 1996 ثم انشق عنه ليؤسس ما عرف بجماعة المهاجرين ذات التوجه المناصر للجهاد العالمي؟
وإذا كانت الصوفية موقوفة على مظاهر الشرك والبدع والضلالات مما لا يخفى على أحد، وهذه لا تنفع السلفية الجهادية لا بالسياسة ولا بالجهاد، فالأمر، منهجا وعقيدة، أبعد ما يكون عن تمني السلفية ِلأنْ يكون لمثل هذه الجماعة دور يذكر في شأن الأمة إنْ لم تكن، أصلا، خارج حسابات الإسلام والمسلمين.
لكن فيما يتعلق بجماعة الدعوة والتبليغ ذات النشأة الآسيوية (الهند وباكستان) فالمسألة فيها نظر[17]. فقد قيل الكثير في الجماعة إنْ سلبا أو إيجابا، وعلى كل مستوى بدء من نشأتها الصوفية مرورا بنقد فتاواها ومناهجها وعقائدها رغم تنوعها واختلافها من بلد لآخر وانتهاء بـ "جهودهم الدعوية الحسنة". أما منهج الجماعة، التي يصفها البعض بالعزلة عن العالم، فهو سلمي تجاه كافة المكونات الاجتماعية والسياسية، فلا هي تهاجم السلطة ولا تدخل في أية صراعات سياسية أو حزبية، بل هي ممن ينأى بدعوته عن السياسة بفصلها الدين عنه وعن الدولة، الأمر الذي يعرِّض دعوتها للطعن خاصة وأن الإسلام هو "دين ودولة" ولا يجوز "تبعيضه"، وهي بهذا أقرب ما تكون إلى "التوحيد الاجتماعي" من قربها إلى "التوحيد السياسي". والحقيقة أن أكثر الطعون الموجهة لها تقع في مسألة التوحيد وما يسميه البعض بـ "الخروج" عند الجماعة ذلك المصطلح الذي جعلت منه "الركن الأساسي الذي لا تصح الدعوة دون القيام به" بينما "الخروج" عند السلفية الجهادية هو تعبير مرادف للجهاد[18] وفق النص القرآني. ولعل السبب في ذلك نشأتها الصوفية، لكن مصدر الطعون بالدرجة الأساس تمس الجماعة من حيث الجهل في طلب العلم الشرعي وتركها للفقه، فرغم أنها تدعو إلى طلب العلم وأخذه عن العلماء[19] إلا أنها غالبا ما توصف بالجهل كلما رأت في العلم "طاغوتا" وكلما تمسكت أكثر بكتاب "رياض الصالحين" كواحد من أهم المراجع الذي "يتداوله الأعضاء كل يوم خميس حتى يتوفاهم الله" على ذمة أحدهم.
في المحصلة لا وجود لسياسة شرعية أو غير شرعية عند الجماعة، وبالتالي لا جود لأي تراث جهادي لا في عقائدها ولا في مناهجها، فضلا عن أن الصفات الست[20] التي تعمل بموجبها لإصلاح الناس أُنكرت من قبل العلماء لا من حيث الطعن بمحتواها بل من حيث النقص في تعبيرها عن شقي التوحيد. والثابت عن الجماعة أنها لم تزعم يوما أنها تمثل الإسلام أو المسلمين، ولأن كل ما تفعله هو"الهداية"، فليس للجماعة أية نوازع أو طموحات تذكر في العمل السياسي وغيره، وحتى النشاط الدعوي الذي تمارسه يلخصه البعض بعبارات لا تخلو من دلالة وهو يرى أن الجماعة تستطيع إدخال الشبان إلى المساجد لكنها قلما تستطيع الاحتفاظ بهم، ومثل هذا الوضع يجعل من الجماعة غير المحصنة سياسيا أو عقديا أو أيديولوجيا أو تنظيميا وجبة دسمة يسهل افتراسها أمنيا.
لكن ما لا تستطيع أية جماعة أن تجاريهم فيه، ويشهد لهم فيه العامة والخاصة، هو تمتعهم بأخلاق رفيعة وأدب جم* واستهدافهم، في دعوتهم، العامة من الناس، فيخرِّجون شبانا على الفطرة ليسوا مؤدلجين ولا هم حزبيين ولا منتمين لأي فكر إسلامي، وهو أفضل ما يخدم السلفية الجهادية التي تبحث عن أنصار ومتطوعين لم تلوثهم الأيديولوجيات العلمانية و "ثقافة سايكس – بيكو". وهنا بالضبط يمكن أن نفهم لماذا تبدو الجماعة في غزة، مثلا، منأقرب الجماعات إلى السلفية الجهادية، ولماذا التحق المئات منهم بساحات الجهاد العالمي. وفي هذا السياق لما سئل خطاب قائد المجاهدين العرب في الشيشان من قبل إبراهيم الداغستاني عضو جماعة التبليع عن رأيه في الجماعة أجاب: "إن الجهاد والدعوة جناحان لطائر واحد"[21]، وهي إجابة كافية ليطير بها "الداغستاني" فرحا إلى بلاده وجماعته كي ينشط في تصدير عشرات الشبان منها إلى الجهاد الشيشاني. أما الشيخ عبد الله عزام فكانت شهادته عن أخلاق الجماعة تزكية غير مسبوقة وهو يقول: "رأيت أحسن المجاهدين أخلاقاً الذين كانوا قبل جهادهم في جماعة التبليغ"[22].
إلى هنا يمكن القول أن الجماعة التي يراها البعض "صوفية بثوب جديد" وهي تفترض على العضو المبايع أن يدلي بقَسَم يمتنع بموجبه عن الاشتغال بالسياسة الشرعية بما يصل إلى درجة التحريم، ليست سيئة بالنسبة للسلفية الجهادية كما هو الحال تجاه أغلب رموز السلفية العلمية ناهيك عن الكثير من الفرق كالمدخلية والجامية.

[1] قارن مع تصريحات محمد مهدي عاكف مهدي عاكف، منتدى حوار موقع الـ BBC: "مرشد جماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف يرد على أسئلتكم "، شباط / فبراير 2007.

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/talking_point/newsid_6370000/6370217.stm.



[2] أطرف ما قيل في مايكل شوير رئيس الوحدة المكلفة بملف أسامة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، حين كان يمازحه أصدقائه: "لعل شيطان أسامة قد ركبك!"، ذلك أن الرجل أدرك بعضا من عقل أسامة وخطاب السلفية وبات يتحدث بلغتها، ومع ذلك فقد فشل في القبض على غريمه وتم حل الوحدة وإقالته من منصبه.

[3] لاحظ ردود الفعل العنيفة على خطاب بن لادن لـ: "أهل العراق - 23/10/2007 " وكيف تعرضت قناة الجزيرة إلى نقد مرير وإعلان حرب عليها بسبب ما اعتبرته السلفية الجهادية تلبيسا للخطاب وتحويرا له عن مقاصده وإغفالا للقضايا الأخرى حين ركزت ومعلقيها على ما اعتبرته انتقاد بن لادن لأخطاء القاعدة في العراق بينما النقد وجه لجميع الجماعات وحتى الأفراد وعلى الخصوص منهم القاعدة باعتبار بن لادن زعيما لها. راجع: رد مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية للقاعدة والصادر عن مركز الفجر للإعلام (23/10/2007)، وكذلك الهجمة التي قادها العضو "محب الإرهاب" نائب المشرف العام على شبكة الإخلاص، وكذا انتقادات د. أيمن الظواهري لأداء الجزيرة الانتقائي تجاه خطابات القاعدة في لقائه الرابع مع مؤسسة السحاب (17/12/2007).

[4] في الدراسة موضع النظر سنعتمد مصطلح "السلفية الجهادية" إجرائيا بديلا عن أية مصطلحات أخرى لسلاسة المفهموم وشيوعه وسهولة استعماله في البحث.

[5] حتى سقوط كابول بيد المجاهدين الأفغان سنة 1991 كان عدد المتطوعين العرب القادمين من السعودية قد بلغ قرابة الـ 20 ألف متطوع. راجع: أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م، ص 896. واستشهد من المتطوعين العرب 1000 مقاتل من العدد الإجمالي خلال المرحلة الأولى من الجهاد الأفغاني.

[6] أنظر رأي الشيخ عطية الله، لقاء خاص مع مركز اليقين، وبحسب المركز فقد [أنجز اللقاء عبر المراسلة في العشر الأواخر من جمادى الأولى 1428 هـ/ يونيو2007 م]، وكذلك حوار أجرته صحيفة الأيام (12/1/2007) مع "أحد القادة البارزين لجيش الأمة في قطاع غزة"، منشور على موقع الجيش:

http://www.al-amanh.net/arabic/modules.php?name=News&file=article&sid=32


[7] حوار مع الشيخ أبي محمد المقدسي أجراه معه مندوب مجلة العصر الإلكترونية وصحيفة المرآة، 1423هـ، وبحسب منبر التوحيد والجهاد فقد "نشر أجزاء من هذا الحوار في مجلة المرآة في الأردن ونشر في مجلة العصر الإلكترونيةثم سحب بعد دقائق!!". على الشبكة: http://www.tawhed.ws/r?i=83&a=p&PHPSESSID=6e7cd3991ebce2b89175bbbacb81c a16

[8] نفس المصدر.

[9] نفس المصدر.

[10] في الحقيقة ثمة بعض المحاولات كالتي قام بها أبو مصعب السوري، وحتى هذه اعتذر فيها عن التأريخ لتجربة القاعدة في مرحلتي الجهاد الأفغاني. ومما يلفت الانتباه أن الكثير من الأسئلة التي وجهت للظواهري في اللقاء المفتوح الذي أعلن عن تنظيمه مؤسسة السحاب بالتنسيق مع مركز الفجر التابعين لقاعدة الجهاد (16/12/2007) عبر أربع شبكات جهادية تتولى تلقي الأسئلة هي: "الحسبة والإخلاص والفردوس والبراق" تساءل أصحابها عن غياب التأريخ للتجارب الجهادية.

[11] صدر شريط مرئي (17/11/2007) مدته أقل من دقيقتين عن "أنصار المجاهدين" يعرِّف بجماعة جهادية في جزر المالديف على وشك الظهور.

[12] واقع الأمر أن الإخوان لم يفلتوا من خطابات أي من رموز السلفية الجهادية ابتداء من أسامة بن لادن والظواهري وأبو الليث الليبي وأبو يحيى الليبي وعطية الله مرورا بأبي عمر البغدادي وانتهاء بأبي حمزة المهاجر الذي وصفهم، في أحد خطاباته، بذوي"التاريخ النكد" وتعميمهم لـ "منهج الإرجاء" على نطاق الأمة. لكن مع ذلك يمكن استثناء حركة حماس الفلسطينية بوصفها حركة جهادية مع أن قيادتها لم تسلم من النقد الشديد الذي طالها من كافة رموز الجهاد العالمي على خلفية مشاركتها في العمل السياسي بموجب إفرازات اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل سنة 1994 فضلا عن مواقف قيادتاها وتحالفاتها السياسية على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي.

[13] محمد مهدي عاكف، منتدى الـ BBC، مصدر سابق.

[14] التخلي عن الحاكمية وردت في أغلب خطابات ولقاءات د. أيمن الظواهري، أما بالنسبة للشيخ أسامة فأول نقد وجهه لقيادة حركة حماس ورد في خطابه"السبيل لإحباط المؤامرات"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، 29/12/2007.

[15] لا أظن أن هناك حاجة لإثبات توجها الحزب في فلسطين كمثال لشعب واقع تحت الاحتلال أو أوزباكستان كمثال لنظام حكم مستبد تمتلئ سجونه بعشرات الآلاف من أعضاء الحزب دون أن يكون له موقف إلا انتظار الخليفة ليعلن الجهاد. حبذا لو تمت مراجعة مقالة أبو بصير الطرطوسي: "حزب التحرير وسياسة تسمين الخراف" عن مواقف الحزب من الجهاد عامة وموقفه من نظام حكم الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف خاصة إثر أحداث أنديجان (13/5/2005) التي ذهب ضحيتها مئات القتلى، واتهم النظام حزب التحرير الأوزبكي بالوقوف وراءها. على الشبكة:

http://www.tawhed.ws/r?i=3557&PHPSESSID=6e7cd3991ebce2b89175bbbacb81ca1 6


[16] في مسيرات ذكرى انهيار الخلافة، مرة في رام الله (12/2/2007) ومرة في أندونيسيا (12/8/2007).

[17]بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الأوروبية فالجماعة "تشجع أتباعها على انتهاج "الإرهاب"، لكنهم أقروا في الوقت نفسه بعدم وجود أدلة على ذلك"، وبحسب مسؤول استخبارات فرنسي فالجماعة:"تعد أرضاً خصبة لنشر الإرهاب"، ونقلا عن صحيفة "نيويوك تايمز - 28/4/2005" فإن: "عدة إرهابيين خرجوا من تحت عباءة هذه الجماعة" من بينهم زكريا الموسوي أحد المتهمين بصلته في هجمات 11 سبتمبر. راجع: فكري عابدين، "أوروبا تفتح النار على "التبليغ والدعوة"، نقلا عن موقع "إسلام أن لاين":http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005-04/28/article08.shtml

[18] {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} التوبة46 ... لهذا يتهمها أغلب العلماء بالبدع والشطط في فتاواها كموقفها من الجهاد مثلا.

[19] لمزيد من الاطلاع على عقائدها، يفضل تفحص موقع الجماعة على الشبكة: http://binatiih.com/go/.

[20] الصفات الست هي: (1) تحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله (2) الصلاة ذات الخشوع والخضوع (3) العلم مع الذكر (4) إكرام المسلمين (5) إخلاص النية (6) الدعوة إلى الله والخروج في سبيله.

* من المثير حقا أن لجماعة الدعوة ما يشبه منظومة "إيتيكيت" بالغة اللطف وهي تتجلى في سلوك الأعضاء خلال زياراتهم للمرضى أو حين تجولهم في الحارات وطرق أبواب البيوت ودعوتهم الشبان لحضور دروس "الهداية" والنصح والإرشاد في المساجد.

[21] أبو عبيدة المقدسي، شهداء في زمن الغربة، ص 18.

[22] نفس المصدر، ص49.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:04 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
المحور الثالث: المجاميع الجهادية الكبرى في العراق
يمكن لأي كان من المراقبين أو الباحثين أن يجادل في الشأن العراقي إلا في سرعة تفجر المقاومة السنية ضد القوات الأمريكية وحلفائها بعيد أيام قليلة من سقوط بغداد، ومع أن التكوين الديمغرافي في العراق خليط طائفي وإثني مرعب بما يكفي ليجعله مرشحا، بامتياز، في مثل هذه الحالات إلى انقسامات شديدة إلا أن الساحة العراقية شهدت ولادة العديد من الجماعات المسلحة التي اتخذت من الجهاد، وليس المقاومة، طابعا مميزا لها، ومن العقيدة مرجعية لفعالياتها السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية.
وإذا ما تجاوزنا الحركات السياسية وجماعات المقاومة الوطنية كونها ليست من اهتمامات الدراسة، فمن الممكن أيضا لأي كان أن يجادل في الأطر المرجعية للجماعات الجهادية ابتداء من الإخوان المسلمين ومرورا بالسرورية وانتهاء بالسلفية الجهادية[1].
لكن ما لا يمكن الجدال فيه أن أغلب الجماعات الجهادية انتظمت منذ منتصف العام 2007 في أطر جبهوية
تعكس إلى حد ما تقاربا سياسيا أو أيديولوجيا أو عقديا فيما بينها، على أنه من المهم الإشارة إلى أن التحالف الجبهوي بين بعض الجماعات لا يعني اندماجا فيما بينها بحيث تؤول إلى أمير واحد وقيادات عسكرية وأمنية وإعلامية واحدة. ولم يصدر عن أية جماعة بيان يشير إلى اندماجها مع أخرى، وما نلاحظه حتى الآن هو احتفاظ كل جماعة بأميرها وقيادتها ومقاتليها وإمكانياتها مستقلة عن الأخرى، وكل ما هنالك، فقط، تحالف جبهوي يقتصر الإعلان عنه عبر بيان إعلامي وبرنامج سياسي وناطق رسمي باسم الجبهة المشَكَّلة. أما العلميات العسكرية والإصدارات الإعلامية فغالبا ما تعلن عنها الجماعة باسمها وعبر مواقعها إنْ وجدت. فمن هي القوى المعنية؟
أولا: جبهة الجهاد والإصلاح
ضمت الجبهة حين تشكيلها (2/5/2007) كل من الجيش الإسلامي في العراق وجيش المجاهدين وجماعةأنصار السنة (الهيئة الشرعية)[2]. وإثر ذلك بدأت البيانات تتوالى عن انضمامات أخرى وتحالفات جديدة تبعها انسحابات وانشقاقات سواء عن الجبهة أو عن الجيش الإسلامي.
· فقد أعلن جيش الفاتحين في بيان مقتضب (29/5/2007) انضمامه للجبهة ثم ما لبث أن انسحب منها في 1/1/2008 في بيان صدر عن مكتب الإمارة للجيش قال فيه: "... تبين لنا أن هذا المشروع لن يحقق لنا هدفنا المنشود بسببما وجدنا من اختلاف بين الواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاق عليه من منهج وثوابت في الجبهة... فنحسب أنفسنا اجتهدنا فيدخول هذا المشروع وقد أخطأنا الاجتهاد".
· في 18/7/2007 بثت قناة الجزيرة نبأ انشقاق جماعة من الجيش أسمت نفسها بـ: "جيش الفرقان". وكان من الممكن أن يمر الخبر مرور الكرام لولا أن توقف المراقبون عند أسباب الانشقاق من"فتن صاغها المحتل وأعوانه وأخرى هي من عند أنفسنا" مبينا إياها بـ (1) "استعجال قطف الثمرة ... " و (2) "انحراف البعض عن المنهج النبوي ... "، وعليه "نعلن انفصالنا منالجيش الإسلامي...".
· وفي 28/7/2007 صدر بيان آخر عن جبهة الجهاد والإصلاح رحبت فيه بانضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى الجبهة. والطريف أن البيان لم يصدر عن الجماعة كما هي حال البيانات الأخرى. والأطرف أن اسمها سقط من بيان إعلان تشكيل المجلس السياسي للمقاومة لاحقا.
· في11/10/2007 أٌعلن عن تأسيس المجلس السياسي للمقاومة العراقية الذي يضم جبهة الجهاد والإصلاح بفصائلها الأربعة (الجيش الإسلامي، جيش المجاهدين، جماعة أنصار السنة - الهيئة الشرعية وجيش الفاتحين) مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس – العراق) والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع).
ثانيا: أجنحة الإخوان المسلمين
هي أكثر جماعة في العراق متشظية من حيث الموقف السياسي من الاحتلال الأمريكي وما تمخض عنه من عملية سياسية مبررة عند هذا ومرفوضة عند ذاك، وبصيغها الكائنة فهي أقرب إلى أن تكون تيارات من كونها جماعة كما هو حالها في بلدان أخرى[3]. ومن الصعب جدا ضبط الموقف السياسي لأجنحة الجماعة أو من يدور في فلكها، فهناك بعض المواقف الصريحة والواضحة مثلما هناك غموض يلف أغلب النشاطات السياسية والأمنية وحتى العسكرية منها. وأشهر أجنحتها:
· الحزب الإسلامي
الراجح أنه الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في العراق، ويتزعمه الآن د. طارق الهاشمي الذي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية في حكومة نوري المالكي. وكباقي أحزاب المعارضة العراقية شارك في مؤتمرات لندن وصلاح الدين قبل غزو العراق، وبعد الاحتلال شارك أمينه العام السابق د. محسن عبد الحميد في عضوية مجلس الحكم تحت ولاية بول برايمر الذي نصبته الولايات المتحدة حاكما مدنيا للعراق بعد سقوط بغداد. وفيما بعد خاض الحزب الانتخابات النيابية بالتحالف مع جبهة التوافق السنية. والحقيقة أن تصريحات الهاشمي غنية عن التعريف حتى أنه ما من قوة جهادية إلا وأدانت تحالفاته وسياساته.
فهو من وافق على الدستور وشرّع لحكومة المالكي الموصوفة بالطائفية وطالب بعدم انسحاب القوات الأمريكية وعقد معاهدات طويلة الأمد معها وشارك في اجتماع الخمسة الكبار الذي أدانته الجماعات الجهادية وهيئة علماء المسلمين وأعلن حربا شرسة على القاعدة؛ فساهم في تشكيل الصحوات ودعمها وطالب بتسليحها وأسس كتائب الحمزة التي هاجمت القاعدة في أكثر من موضع خاصة في القائم ومناطق أبو غريب ودعم مجلس إنقاذ الأنبار وغيره واختراقه لكتائب ثورة العشرين والتسبب بانقسامها.
ومن الملفت أن ملف الحزب الإسلامي لدى هيئة علماء المسلمين وحدها أطول منه لدى الجماعات الجهادية ذاتها. وثمة فرضيتين على طرفي نقيض تتوجهان إلى الحزب، الأولى: ترى فيه أداة من أدوات السياسة الأمريكية أشد خطرا على السنة من الاحتلال الأمريكي ذاته وتحشد من الأدلة والوثائق والشهادات والتصريحات ما لا تتسع لذكره هذه الصفحات. والثانية: تسعى إلى تبرئة الحزب عبر تنزيل نشاطاته في باب الاجتهاد، وعليه فقد يصيب وقد يخطئ.
· جماعتي "حماس – العراق" و "جامع"
ظهرت حماس العراقية على أنقاض كتائب ثورة العشرين في بيان رسمي صدر بتاريخ 9آذار2007وأعلن عنه في26من الشهر نفسه. ووفقا للتاريخ الأول فقد ورد فيما أسمي ببيان الانفصال أن: "المعنيون في قيادة كتائب ثورة العشرين المجاهدة (التقوا) للتداول في الظروف التي تمربها الحركة, وبعد نقاش وتشاور مستفيض توصلوا الى القراراتالآتية: 1- الفصل التام بين التشكيلين اللذين تم الاتفاق على إنشائهما تحتاسمي ( فيلق الجهاد الإسلامي) و( فيلق الفتح الإسلامي).2 - اتفق الطرفان على عدماستخدام اسم (كتائب ثورة العشرين) منفصلا عن اسم الفيلق بحيث تكون الصيغة المستخدمةهي (كتائب ثورة العشرين؛ فيلق)". ويتحدث البيان عن أنه: "يحق لكل فيلق التنسيق والتحالف والاندماجوتغيير الاسم مع أي فصيل آخر عامل في الساحة"، وعن"7 - التزام كل طرف بعدم محاولةالتأثير على الطرف الآخر، والسماح بالعمل لكل فيلق بعملية استحداث عمل جديد في أيقاطع من القواطع"، وعن "8 - تشكيل لجنة مشتركة لحل الإشكالات المتوقعة".
لكن في البيان الأول الذي صدر بتاريخ 26/3/2007 أعلن فيلق الفتح الإسلامي عن تغيير اسمه إلى "حركة المقاومة الإسلامية: حماسالعراق" فما كان من فيلق الجهاد إلا العودة إلى الاسم الأصلي وهو "كتائب ثورة
العشرين"[4].
في وقت لاحق أصدرت الجماعتان (حماس وجامع) بيانا بتاريخ 30/4/2007 قالتا فيه: "... اجتمعت قيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس- العراق) مع قيادةالجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع)، خلال اليوميين الماضيين، وبعد مشاوراتومداولات مطولة توصلت القيادتان - بفضل الله تعالى- إلى النتائج والتوصياتالآتية:
-1 كتابة مشروع يهدف إلى اندماج الحركتين اندماجا كليا على المستوىالعسكري والسياسي.
-2 أن يعرض هذا المشروع على الجهات المختصة في الحركتين لوضعالآليات التفصيلية لتنفيذ هذا الاتفاق".
ورغم وجود تنسيق ميداني وسياسي بين الجماعتين إلا أننا لم نقع على صدور بيان مشروع الاندماج المنتظر. وكل ما حصل هو الإعلان عن تأسيس المجلس السياسي للمقاومة الذي ضم الجماعتين وجبهة الجهاد والإصلاح في إطار سياسي موحد كما بشر به د. أحمد سعيد الحامد عضو المكتب السياسي لحماس العراق في
وقت سابق[5].
أما فيما يتعلق بنسبة الجماعتين للحزب الإسلامي كما تعتقد تيارات السلفية الجهادية فهناك من يعتبر أن أجندتهما مختلفة عنه وإن كانت مرجعيتهما واحدة، ومن جهته يرى "الحامد" في رده على أسئلة الملتقى: "أن ما اختاره الحزب الإسلامي لنفسه كمنهج يخالف الموقف الصحيح الذي كانعليه أن يقفه؛ فالمحتل أينما كان وكيفما كان لابد له من مقاومة تقارعه، لكن معهذا فهم ليس كمن جاء على دبابة المحتل وساهم في الحكومات والعمليات السياسية فنقول:هم اجتهدوا باجتهاد نراه خاطئاً، وبذلك يكون اختلافنا معهم اختلاف تضاد لا تنوع".
والثابت أن شبهات قوية حامت حول دور الجماعتين في معارك ديالى خاصة فيما يتعلق بحماس، وتكررت التصريحات الأمريكية عديد المرات وهي تزعم أن كتائب العشرين تقاتل إلى جانب الأمريكيين لطرد القاعدة من ديالى، ولأن التصريحات مست الكتائب أكثر من مرة فقد اضطرت إلى إصدار أكثر من بيان نفي وتهديد مشيرة إلى أن الكتائب ليس لديها أي وجود عسكري في ديالى بخلاف حماس العراق، وعلى خلفية ضلوع عدي البهرزاوي في علاقات أمنية مع القوات الأمريكية بهدف محاربة القاعدة في بعقوبة، واستعماله اسم الكتائب بدلا من حماس العراق، انفجرت حرب بيانات مضادة بين الجماعتين لعلها لم تتوقف بعد[6].
وإذا كنا لا نجد صعوبة في علاقة الحزب الإسلامي وجبهة التوافق بقوات الاحتلال الأمريكي والمشاركة في الحكومة العراقية، إلا أننا كثيرا ما نقع على اتهامات خاصة فيما يتعلق بضلوع حماس العراق في: (1) محاربة القاعدة رفقة القوات الأمريكية أو (2) المساهمة في تشكيل الصحوات ومجالس الإسناد والمشاركة فيها، وهي المدعومة من قبل الأمريكيين والحكومة العراقية، ومن هذه الاتهامات خاصة تلك التي عبرت عنها تصريحات د. بشار الفيضي، الناطق باسم هيئة علماء المسلمين لقناة الجزيرة[7]، والتي تتهم، بالإشارة، حماس العراق بالتعاون مع الأمريكيين، أما "جامع" فقد صرح الناطق الرسمي بهاالدكتور سيف الدين محمود (وكالة قدس برس – 3/1/2008): "إن مجالس الصحوة نابعة من العشائر العراقية، وهدفها المعلن هو خدمة المناطق التيقامت فيها ومنع أي نشاط فيه ضرر للناس،وعليها أن تبقى ضمن هذا المسار"[8]، وهو تصريح على النقيض مما يصرح به مشايخ هيئة علماء المسلمين وجبهة الجهاد والتغيير وجيش المجاهدين وكافة الجماعات السلفية حول كون الصحوات مشروعا أمريكيا لا هدف لها إلا ضرب المشروع الجهادي، فعن أية خدمات بالضبط تتحدث جامع والقوات الأمريكية هي من يقرر تشكيلها وتعقد معها اتفاقيات رسمية تحدد لها شروط عملها ومناطق تحركها وهي مزينة بالأوشحة الفسفورية لمنع استهدافها من القوات الأمريكية؟
ثالثا: جبهة الجهاد والتغيير
بعد الإعلان عن جبهة الجهاد والإصلاح والبيان المشترك بين جامع وحماس حول مشروع الاندماج المقترح أعلنت ثمانية جماعات جهادية عن تحالف جبهوي جديد (6/9/2007) أسمته "جبهة الجهاد والتغيير" التي ضمت كل من: كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين وجيش المسلمين في العراق والحركة الإسلامية لمجاهدي العراق وسرايا جند الرحمن وسرايا الدعوة والرباط وكتائب التمكين وكتائب محمد الفاتح وأخيرا (20/1/2008) انضمامجيش التابعين.
ولعل الطابع السلفي الجهادي هو الغالب على الجماعات المشاركة في الجبهة إلا أنها ليست ذات صبغة عالمية، إذ أن أكثرها حضورا على الساحة الجهادية (الكتائب) يؤمن بإقامة دولة إسلامية وتحكيم الشرع والذود عن الإسلام لكنها تؤمن أيضا بالمرحلية، وتصر على أنها في وضعية جهاد الدفع وليس جهاد الطلب، وبالتالي فهدفها الأول هو تحرير العراق. وتبعا لذلك فهي أبعد ما تكون عن السلفية الجهادية اجتهادا وطموحا وأقرب ما تكون إليها في المشروع الجهادي، وإذا كانت ترفض رفضا قاطعا الاحتلال أو مهادنته أو التفاهم معه فهي كذلك ترفض إسباغ الشرعية كليا أو جزئيا أو المشاركة بأي من الأطر السياسية والعسكرية والأمنية التي تمخضت عن الاحتلال من حكومة وبرلمان وجيش وشرطة وسياسات ومؤسسات وما إلى ذلك.
وفي وسائل الإعلام والمراقبين غالبا ما يصنفونها، بالنظر إلى مواقفها وسياساتها، قريبا من هيئة علماء المسلمين باعتبار هذه الأخيرة مرجعيتها الشرعية، وهو تصنيف ينبعث من المواءمة بين الأطروحة الوطنية والأطروحة الدينية. وفيما عدا الخلافات التقليدية بين الكتائب ودولة العراق الإسلامية من جهة وبين الاثنتين وحماس العراق تبدو كتائب العشرين خاصة والجبهة عامة قانعة بدورها وسياساتها بعيدا عن أية صراعات سياسية أو مسلحة مع بقية المجاميع الجهادية لكن، كغيرها، متأملة وحدة الجماعات الجهادية.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:04 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
رابعا: هيئة علماء المسلمين
تأسست في 14/4/2003 بعيد سقوط بغداد مباشرة، وضمت في عضويتها مئات العلماء العراقيين برئاسة الدكتور حارث الضاري. وينظر إليها على أنها الجناح الشرعي للإخوان المسلمين، والأرجح أنها خليط من شتى الاتجاهات، وتوجهاتها السياسية والعقدية والفكرية أبعد ما تكون عن الإخوان المسلمين. وعمليا فإن نشاطاتها السياسية ومعارضتها الشديدة للاحتلال وللعملية السياسية ومناصرتها للمشروع الجهادي بكافة أطيافه مثّل انعكاسا جليا لفتاواها الشرعية. وتبعا لذلك فهي على النقيض تماما من الحزب الإسلامي بزعامة طارق الهاشمي أو من جبهة التوافق العراقية وكافة الأجنحة التي تدور في فلك الجماعة كحماس العراق وجامع، حيث تنظر، بعين الريبة، إلى نشاطاتهما السياسية وتحالفاتهما مع الحكومة العراقية ودورهما في تأسيس ما يعرف بالصحوات العشائرية أو مجالس الإنقاذ أو الإسناد في بعض المدن العراقية[9].
وفيما يتعلق بموقفها من القاعدة فعلى الرغم من الانتقادات التي توجهها لها بين الحين والآخر بسبب ما تراه أخطاء وقعت بها القاعدة والخشية من تقسيم العراق على خلفية إعلان دولة العراق الإسلامية إلا أن الشيخ الضاري أعلن أكثر من مرة أنه لا يقبل بمقاتلة القاعدة ولن يشجع على حرب بين السنة ولن يهَب مشاريع الصحوات العشائرية أية مشروعية كونها مشروع أمريكي لضرب المشروع الجهادي بحجة محاربة القاعدة وهو ما عبر عنه الشيخ بشار الفيضي في أكثر من مناسبة، لكن تصريحه الأخير (الضاري) بأن: "90% من القاعدة هم عراقيون، وبالتالي فالقاعدة منا ونحن منهم"[10] شكل قطيعة بينه وبين أجنحة الجماعة والقوى السياسية التي دعت إلى محاربة القاعدة بحجة ما ترتكبه من أخطاء[11]. ولعل سياسته هذه لاقت ارتياحا لدى بعض العلماء الذين انتقدوا أداءه في مواضع أخرى من بينها: "انخداعه بمن أسماهم بشرفاء الشيعة
والعلمانيين الذين يعارضون الاحتلال".

المحور الرابع: السلفية الجهادية ودولة العراق الإسلامية
لا شك أن مجاميع السلفية الجهادية في العراق أكثر من عصائب العراق وأنصار الإسلام ودولة العراقالإسلامية، لكنها الوحيدة من بين المجاميع الأخرى التي لم تنتظم لا في إطار جبهوي ولا اندماجي رغم أنها الأقدم في الساحة والأوضح من حيث المنهج والعقيدة والأقرب إلى بعضها والأكثر تنسيقا ميدانيا فيما بينها. وليست الاحتكاكات النادرة، في ظروف معينة، بقادرة على أن تحول دون هذا التوصيف. لكن من هي دولة العراق الإسلامية التي توصف بكونها الأشد بأسا وقوة بين الجماعات الأخرى؟
بالنسبة للجماعات الجهادية في العراق فإن دولة العراق الإسلامية هي سليلة تنظيم القاعدة حتى لو اتخذت
من الأسماء ما اتخذت ابتداء من جماعة "التوحيد والجهاد" التي أسسها أحمد فضيل نزال الخلايلة الشهير بـ "أبي مصعب الزرقاوي" وظهرت عقب سقوط بغداد مباشرة مرورا بـ "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بعد مبايعة الزرقاوي لتنظيم قاعدة الجهاد بزعامة أسامة بن لادن (8/1/2004) و"مجلس شورى المجاهدين - أكتوبر/تشرين الأول2005" وقبل الأخير "حلف المطيبين- 13/10/2006" وانتهاء بـ "دولة العراق الإسلامية - 15/10/2006" بزعامة أبو عمر البغدادي. وفيما يلي بعض التفصيل.
أولا: توصيف مراحل نشأة دولة العراق الإسلامية
لا شك أن الزرقاوي الذي أنشأ معسكر هيرات في أفغانستان وقاده، نسَج علاقات وثيقة جدا مع قادة القاعدة خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر لما انضمت المجاميع الجهادية العربية تحت إمرة القاعدة، ولا شك أنه احتفظ بصلاته الوثيقة هذه سواء خلال الفترة القصيرة التي مكث فيها بإيران، أو بعد احتلال العراق. والأرجح أنه ما توجه إلى العراق إلا انتظارا لمقاتلة الأمريكيين، وهو ما كان له رفقة بضعة عشرات من أوائل المقاتلين العرب الذين رافقوه أو انضموا إليه، أما الشيخ أبو أنس الشامي، أعلمهم شرعيا، فكان ممن لحق بالزرقاوي، وممن لا تنقصهم الفطنة والمبادرة. وعمليا التحق بهم الكثير من العرب الذين كانوا قد تطوعوا في الحرب لمساندة العراق فضلا عمن التحق بهم من العرب والعراقيين لاحقا عبر الحدود، وتمكنت الجماعة الأولى، قبل أن تَتَسمّ بأي اسم أو تظهر أية جماعة مقاتلة على الساحة، من إشعال حرب شعواء هاجمت خلالها القوات الأمريكية والإيطالية والبولندية ودمرت مقر الأمم المتحدة. كان هذا في المرحلة الأولى قبل أن تتوالى طلائع الجماعات الجهادية العراقية بالظهور[12].
في كتابه "الانتصار لأهل التوحيد" يعيد أبو حسين المهاجر الذي عاصر بعضا من تجربة القاعدة في العراق نشأة "التوحيد والجهاد" إلى أمرين حاسمين هما:
1) اتساع حجم الجماعة ونشاطها العسكري مما دفع أبو أنس الشامي إلى وجوب العمل على أن يكون لها أمير يقودها ويسهر على شؤون الجهاد والمجاهدين. فاستقر الرأي على اختيار أبو مصعب الزرقاوي رغم تمنعه عنها.
2) في المرحلة الثانية، استعرت الحرب، وتم تنفيذ سلسلة كبيرة من العمليات دون أن يعلن عنها أحد
الأمر الذي أفسح المجال لبعض الجماعات، حتى لو كانت وهمية أو بهدف تحقيق مكاسب معينة، كي تتقدم وتتبنى: "بعضاً منـ}ها{زوراً وبهتاناًفما كان من أبي أنس الشامي إلا المبادرة من جديد ليصرّ: "على وضع اسم للجماعة، حفاظاً على ثمرة الجهاد* ... فكان هذا الاسم جماعة التوحيد والجهاد"[13].
وحتى ذلك الحين لم يكن هذا الوضع ليرضي الزرقاوي الذي قبَِل البيعة بصعوبة بحسب أبو حسين المهاجر، فكان لا بد له من أن يؤطر بيعته في إطار يضمن للجماعة تحقيق النصرة، عبر غطاء شرعي وتنظيمي، في بيئة تتعطش آنذاك لمن ينتصر لها، وكانت هذه هي المرحلة الثالثة التي أسفرت، بعد مراسلات متبادلة بينه وبين زعماء القاعدة (الظواهري وبن لادن) على مبايعة أسامة بن لادن الذي أعلن في شهر أكتوبر 2004 عنتأسيس "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" وتعيين أبو مصعب الزرقاوي أميرا لها لتبدأ صفحة جديدة من صفحات تاريخ السلفية الجهادية الحاسم على المستوى العربي والدولي.
هكذا مكّن الإعلان عن تأسيس القاعدة الجماعات ذات التوجه السلفي من الاطمئنان إلى سلامة التوجه وقوته فانضمت، في البداية، مجاميع قوية من أنصار السنة في قاطع سلمان باك في ديالى[14] مما دفع قادة القاعدة إلى التفكير جديا بتوسيع الساحة الجهادية وتوحيدها، وبدأت مشاورات فعلية شملت كافة الجماعات لتحقيق وحدة مبكرة، وبات الحديث يدور عن مشروع جهادي وليس مجرد مصاولة للقوى المحتلة، لكن بعض القوى الكبرى، لاجتهادات خاصة بها، نأت بنفسها عن مشروع التوحد كالجيش الإسلامي وجيش المجاهدين الذي يصفه البعض بـ "الأخ غير الشقيق" لـ "التوحيد والجهاد"، وكذلك فعلت جماعة أنصار السنة التي أوصى الزرقاوي رفاقه بأن: "أحسنوا إليهم فهم إخوانناوعصائب العراق: " فإنهم قريبون منّا"[15].
هذه هي المرحلة الرابعة التي أفرزت ولادة "مجلس شورى المجاهدين" والذي تخلى فيه الزرقاوي عن القيادة لصالح عبد الله رشيد البغدادي خاصة وأن القاعدة باتت عضوا في المجلس كسائر الأعضاء المنضوين تحت رايته، وفي البداية انضم له ستة جماعات ثم ارتفع العدد إلى ثمانية وفي مرحلة لاحقة وصل إلى اثنتي عشرة جماعة هي: "جيش الطائفة المنصورة، جيش أهل السنةوالجماعة، جماعة جند الصحابة، سرايا الجهاد الإسلامي، سرايافرسان التوحيد، سرايا ملة إبراهيم، كتائب كردستان، كتائب المرابطين، كتائب أنصار التوحيد، كتائب أنصار التوحيد والسنة، كتائب الأهوال، كتائبالغرباء (كان يقودها محارب عبدالله الجبوري)، بالإضافة إلى عدة كتائبمنجيش الفاتحين ( الشائع انضمام أربع كتائب من أصل خمسة) والجيش الإسلامي (في عدة قواطع أبرزها قاطع الأنبار ومنطقة عرب الجبور) وأنصار السنة وبعض كتائب جيش المجاهدين وثورة العشرينوعصائب العراق الجهادية".
لكن ما خططت له القاعدة في العراق كان أبعد من وحدة المجاهدين، وكما سبقت الإشارة فالحديث بدأ يدور عن مشروع جهادي. فبعد الخطاب المرئي الشهير للزرقاوي (25/4/2006) تسربت، لاحقا، مقتطفات منه لم يتضمنها وهو يحاور بعض مجالسيه حول إمكانية إعلان إمارة إسلامية في غضون ثلاثة أشهر. والحاصل أن هذا الخبر كان مقدمة لما عزمت عليه القاعدة، فقبل يومين بالضبط من "إعلان دولة العراق الإسلامية" أُعلن عن تشكيل "حلف المطيبين" حيث ظهر في الشريط المقتضب بضعة ملثمين قيل أنهم من قادة العشائر ومجلس الشورى يتعاهدون فيه على تحكيم الشريعة والانتصار للجهاد والمجاهدين في العراق. وكان الإعلان عن تأسيس الدولة تدشينا للمرحلة الخامسة من فعاليات جماعة التوحيد والجهاد وميلاد عهد الصراع السياسي وبعض الصدامات المسلحة بين القاعدة وبعض الجماعات الجهادية.
يتبع ان شاء الله

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:22 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
رابعا: هيئة علماء المسلمين
تأسست في 14/4/2003 بعيد سقوط بغداد مباشرة، وضمت في عضويتها مئات العلماء العراقيين برئاسة الدكتور حارث الضاري. وينظر إليها على أنها الجناح الشرعي للإخوان المسلمين، والأرجح أنها خليط من شتى الاتجاهات، وتوجهاتها السياسية والعقدية والفكرية أبعد ما تكون عن الإخوان المسلمين. وعمليا فإن نشاطاتها السياسية ومعارضتها الشديدة للاحتلال وللعملية السياسية ومناصرتها للمشروع الجهادي بكافة أطيافه مثّل انعكاسا جليا لفتاواها الشرعية. وتبعا لذلك فهي على النقيض تماما من الحزب الإسلامي بزعامة طارق الهاشمي أو من جبهة التوافق العراقية وكافة الأجنحة التي تدور في فلك الجماعة كحماس العراق وجامع، حيث تنظر، بعين الريبة، إلى نشاطاتهما السياسية وتحالفاتهما مع الحكومة العراقية ودورهما في تأسيس ما يعرف بالصحوات العشائرية أو مجالس الإنقاذ أو الإسناد في بعض المدن العراقية[1].
وفيما يتعلق بموقفها من القاعدة فعلى الرغم من الانتقادات التي توجهها لها بين الحين والآخر بسبب ما تراه أخطاء وقعت بها القاعدة والخشية من تقسيم العراق على خلفية إعلان دولة العراق الإسلامية إلا أن الشيخ الضاري أعلن أكثر من مرة أنه لا يقبل بمقاتلة القاعدة ولن يشجع على حرب بين السنة ولن يهَب مشاريع الصحوات العشائرية أية مشروعية كونها مشروع أمريكي لضرب المشروع الجهادي بحجة محاربة القاعدة وهو ما عبر عنه الشيخ بشار الفيضي في أكثر من مناسبة، لكن تصريحه الأخير (الضاري) بأن: "90% من القاعدة هم عراقيون، وبالتالي فالقاعدة منا ونحن منهم"[2] شكل قطيعة بينه وبين أجنحة الجماعة والقوى السياسية التي دعت إلى محاربة القاعدة بحجة ما ترتكبه من أخطاء[3]. ولعل سياسته هذه لاقت ارتياحا لدى بعض العلماء الذين انتقدوا أداءه في مواضع أخرى من بينها: "انخداعه بمن أسماهم بشرفاء الشيعة
والعلمانيين الذين يعارضون الاحتلال".

المحور الرابع: السلفية الجهادية ودولة العراق الإسلامية
لا شك أن مجاميع السلفية الجهادية في العراق أكثر من عصائب العراق وأنصار الإسلام ودولة العراقالإسلامية، لكنها الوحيدة من بين المجاميع الأخرى التي لم تنتظم لا في إطار جبهوي ولا اندماجي رغم أنها الأقدم في الساحة والأوضح من حيث المنهج والعقيدة والأقرب إلى بعضها والأكثر تنسيقا ميدانيا فيما بينها. وليست الاحتكاكات النادرة، في ظروف معينة، بقادرة على أن تحول دون هذا التوصيف. لكن من هي دولة العراق الإسلامية التي توصف بكونها الأشد بأسا وقوة بين الجماعات الأخرى؟
بالنسبة للجماعات الجهادية في العراق فإن دولة العراق الإسلامية هي سليلة تنظيم القاعدة حتى لو اتخذت
من الأسماء ما اتخذت ابتداء من جماعة "التوحيد والجهاد" التي أسسها أحمد فضيل نزال الخلايلة الشهير بـ "أبي مصعب الزرقاوي" وظهرت عقب سقوط بغداد مباشرة مرورا بـ "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بعد مبايعة الزرقاوي لتنظيم قاعدة الجهاد بزعامة أسامة بن لادن (8/1/2004) و"مجلس شورى المجاهدين - أكتوبر/تشرين الأول2005" وقبل الأخير "حلف المطيبين- 13/10/2006" وانتهاء بـ "دولة العراق الإسلامية - 15/10/2006" بزعامة أبو عمر البغدادي. وفيما يلي بعض التفصيل.
أولا: توصيف مراحل نشأة دولة العراق الإسلامية
لا شك أن الزرقاوي الذي أنشأ معسكر هيرات في أفغانستان وقاده، نسَج علاقات وثيقة جدا مع قادة القاعدة خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر لما انضمت المجاميع الجهادية العربية تحت إمرة القاعدة، ولا شك أنه احتفظ بصلاته الوثيقة هذه سواء خلال الفترة القصيرة التي مكث فيها بإيران، أو بعد احتلال العراق. والأرجح أنه ما توجه إلى العراق إلا انتظارا لمقاتلة الأمريكيين، وهو ما كان له رفقة بضعة عشرات من أوائل المقاتلين العرب الذين رافقوه أو انضموا إليه، أما الشيخ أبو أنس الشامي، أعلمهم شرعيا، فكان ممن لحق بالزرقاوي، وممن لا تنقصهم الفطنة والمبادرة. وعمليا التحق بهم الكثير من العرب الذين كانوا قد تطوعوا في الحرب لمساندة العراق فضلا عمن التحق بهم من العرب والعراقيين لاحقا عبر الحدود، وتمكنت الجماعة الأولى، قبل أن تَتَسمّ بأي اسم أو تظهر أية جماعة مقاتلة على الساحة، من إشعال حرب شعواء هاجمت خلالها القوات الأمريكية والإيطالية والبولندية ودمرت مقر الأمم المتحدة. كان هذا في المرحلة الأولى قبل أن تتوالى طلائع الجماعات الجهادية العراقية بالظهور[4].
في كتابه "الانتصار لأهل التوحيد" يعيد أبو حسين المهاجر الذي عاصر بعضا من تجربة القاعدة في العراق نشأة "التوحيد والجهاد" إلى أمرين حاسمين هما:
1) اتساع حجم الجماعة ونشاطها العسكري مما دفع أبو أنس الشامي إلى وجوب العمل على أن يكون لها أمير يقودها ويسهر على شؤون الجهاد والمجاهدين. فاستقر الرأي على اختيار أبو مصعب الزرقاوي رغم تمنعه عنها.
2) في المرحلة الثانية، استعرت الحرب، وتم تنفيذ سلسلة كبيرة من العمليات دون أن يعلن عنها أحد
الأمر الذي أفسح المجال لبعض الجماعات، حتى لو كانت وهمية أو بهدف تحقيق مكاسب معينة، كي تتقدم وتتبنى: "بعضاً منـ}ها{زوراً وبهتاناًفما كان من أبي أنس الشامي إلا المبادرة من جديد ليصرّ: "على وضع اسم للجماعة، حفاظاً على ثمرة الجهاد* ... فكان هذا الاسم جماعة التوحيد والجهاد"[5].
وحتى ذلك الحين لم يكن هذا الوضع ليرضي الزرقاوي الذي قبَِل البيعة بصعوبة بحسب أبو حسين المهاجر، فكان لا بد له من أن يؤطر بيعته في إطار يضمن للجماعة تحقيق النصرة، عبر غطاء شرعي وتنظيمي، في بيئة تتعطش آنذاك لمن ينتصر لها، وكانت هذه هي المرحلة الثالثة التي أسفرت، بعد مراسلات متبادلة بينه وبين زعماء القاعدة (الظواهري وبن لادن) على مبايعة أسامة بن لادن الذي أعلن في شهر أكتوبر 2004 عنتأسيس "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" وتعيين أبو مصعب الزرقاوي أميرا لها لتبدأ صفحة جديدة من صفحات تاريخ السلفية الجهادية الحاسم على المستوى العربي والدولي.
هكذا مكّن الإعلان عن تأسيس القاعدة الجماعات ذات التوجه السلفي من الاطمئنان إلى سلامة التوجه وقوته فانضمت، في البداية، مجاميع قوية من أنصار السنة في قاطع سلمان باك في ديالى[6] مما دفع قادة القاعدة إلى التفكير جديا بتوسيع الساحة الجهادية وتوحيدها، وبدأت مشاورات فعلية شملت كافة الجماعات لتحقيق وحدة مبكرة، وبات الحديث يدور عن مشروع جهادي وليس مجرد مصاولة للقوى المحتلة، لكن بعض القوى الكبرى، لاجتهادات خاصة بها، نأت بنفسها عن مشروع التوحد كالجيش الإسلامي وجيش المجاهدين الذي يصفه البعض بـ "الأخ غير الشقيق" لـ "التوحيد والجهاد"، وكذلك فعلت جماعة أنصار السنة التي أوصى الزرقاوي رفاقه بأن: "أحسنوا إليهم فهم إخوانناوعصائب العراق: " فإنهم قريبون منّا"[7].
هذه هي المرحلة الرابعة التي أفرزت ولادة "مجلس شورى المجاهدين" والذي تخلى فيه الزرقاوي عن القيادة لصالح عبد الله رشيد البغدادي خاصة وأن القاعدة باتت عضوا في المجلس كسائر الأعضاء المنضوين تحت رايته، وفي البداية انضم له ستة جماعات ثم ارتفع العدد إلى ثمانية وفي مرحلة لاحقة وصل إلى اثنتي عشرة جماعة هي: "جيش الطائفة المنصورة، جيش أهل السنةوالجماعة، جماعة جند الصحابة، سرايا الجهاد الإسلامي، سرايافرسان التوحيد، سرايا ملة إبراهيم، كتائب كردستان، كتائب المرابطين، كتائب أنصار التوحيد، كتائب أنصار التوحيد والسنة، كتائب الأهوال، كتائبالغرباء (كان يقودها محارب عبدالله الجبوري)، بالإضافة إلى عدة كتائبمنجيش الفاتحين ( الشائع انضمام أربع كتائب من أصل خمسة) والجيش الإسلامي (في عدة قواطع أبرزها قاطع الأنبار ومنطقة عرب الجبور) وأنصار السنة وبعض كتائب جيش المجاهدين وثورة العشرينوعصائب العراق الجهادية".
لكن ما خططت له القاعدة في العراق كان أبعد من وحدة المجاهدين، وكما سبقت الإشارة فالحديث بدأ يدور عن مشروع جهادي. فبعد الخطاب المرئي الشهير للزرقاوي (25/4/2006) تسربت، لاحقا، مقتطفات منه لم يتضمنها وهو يحاور بعض مجالسيه حول إمكانية إعلان إمارة إسلامية في غضون ثلاثة أشهر. والحاصل أن هذا الخبر كان مقدمة لما عزمت عليه القاعدة، فقبل يومين بالضبط من "إعلان دولة العراق الإسلامية" أُعلن عن تشكيل "حلف المطيبين" حيث ظهر في الشريط المقتضب بضعة ملثمين قيل أنهم من قادة العشائر ومجلس الشورى يتعاهدون فيه على تحكيم الشريعة والانتصار للجهاد والمجاهدين في العراق. وكان الإعلان عن تأسيس الدولة تدشينا للمرحلة الخامسة من فعاليات جماعة التوحيد والجهاد وميلاد عهد الصراع السياسي وبعض الصدامات المسلحة بين القاعدة وبعض الجماعات الجهادية.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:23 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
ثانيا: معنى الدولة وتداعيات الإعلان
1) ماهية الدولة المقترحة
كمنطلق منهجي للفهم، سنقتصر على المنطقة العربية في توصيف ماهية "دولة التوحيد" التي سبق وأشرنا إليها باعتبارها الأس العقدي للظاهرة السلفية. وواقع الأمر أن العرب، غساسنة ومناذرة، كانوا قبل البعثة النبوية منقسمين في تحالفاتهم ما بين الروم والفرس، وبعيدا عن الفلسفة الراهنة في نشأة الدول ونموها يمكن القول أن العرب لم يعيشوا قط في رحاب إطار سياسي مستقل يعبر عن مصالحهم وقوميتهم لا قبل الإسلام ولا بعده، لكنهم، منذ البعثة، عاشوا في إطار إسلامي. بطبيعة الحال يستحيل القبول بمعايير الدولة الحديثة للتقرير فيما إذا كان هذا الإطار يعبر عن مواصفات الدولة الراهنة أم لا. فالإسلام أتى بنظام حكم لكنه لم يأت بنظام دولة كما هو الآن (أرض وشعب وسلطة)، وليس هذا نقيصة بما أن المسألة العقدية تتعلق بالدرجة الأساس بتحكيم الشريعة حيث يكون هناك تجمع إسلامي أيا كان نمط المعيش الذي يتخذه له، وليس بإقامة الدول أو تصنيف تفاضلي للقوميات والأعراق، بل أن الدولة الإسلامية لا يتوفر في قيامها لا شرط الشعب ولا شرط الأرض. فالمسلم هو من أهل الله والأرض لله والخليفة هو المكلف بتطبيق سلطان الله، وبالتالي فما من علاقة تذكر بين دولة التوحيد بالدولة الراهنة.
اشتهر الإسلام بأنه دعوة وغزوة في آن واحد، وهذا يحيلنا إلى القول أن الإسلام كونه آخر الأديان فهو مكلَّف من تابعيه بتبليغ الرسالة وإقامة حكم الله في الأرض، لذا كانت هناك غزوات استهدفت التمكين للدين ومن ثم فتوحات استهدفت نشره، وفرْق بين الفتح الإسلامي والعدوان الذي تمارسه الدول الكبرى في عصرنا الراهن. فالفتوحات المحكومة بضوابط الشريعة، سواء كانت صلحا أو عنوة، ليست لها أية أهداف غير نشر الدين وتحكيم الشريعة بخلاف الحروب الراهنة التي غدت عقائدها الأخلاقية والسياسية والعسكرية قائمة على تشريع السيطرة والهيمنة والسلب والنهب والقتل العشوائي وحصار الشعوب والأمم وتدمير البنى التحتية والتجويع والحرمان واستخدام أسلحة الإبادة وفرض الأيديولوجيات والثقافات وأنماط المعيش على الشعوب الضعيفة. ولما لم تكن الجيوش الإسلامية معنية لا بالقتل ولا بالتدخل في أنماط المعيش وإخضاع السكان وإذلالهم بقدر ما هي معنية بنقل المجتمعات المستهدفة بالفتح من منظومة المعايير الأخلاقية والدينية والوثنية والوضعية عامة إلى منظومة أخرى قوامها الشريعة الإسلامية، فالمطلوب إذن فقط تحكيم الشريعة وإخضاع السلوك الفردي والاجتماعي بكل تجلياته إلى منظومة العبادة والحلال والحرام والحقوق والواجبات دون تدخل في نمط المجتمع ونموه وخصوصياته التي كانت تترك لأهل البلد.
الأكيد أيضا أن أرفع ما في نظام الحكم الإسلامي هو منصب القضاء وليس الخليفة أو أمير المؤمنين أو السلطان، وحتى الخليفة لم يكن بمقدوره أن ينازع القاضي في سلطانه الذي هو سلطان الشريعة ذاتها، فالمصطلحات السائدة لدى القاضي والقضاء هي العدل بمقتضى الحاكمية والولاء والبراء وليس بمقتضى الاستقلالية والنزاهة والإنصاف والتاريخ والمكانة الاجتماعية.
لذا فإن دولة التوحيد لم تأت لتقيم دول أو تقسِّم مناطق أو تستعمرها أو تضمها إلى الدولة الأم أو تهيمن على السكان أو تنهب الخيرات والمقدرات كما فعلت الدول الاستعمارية، ذلك أن عقيدتها ليست قومية ولا عرقية ولا رأسمالية ولا اشتراكية ولا وطنية ولا هذا أو ذاك من الفلسفات التي يعج بها التاريخ والحاضر، ولو كان الأمر كما هو حال الدول الكبرى اليوم لكان كافيا أن تكون الدولة الإسلامية المفترضة على امتداد 1400عام أغنى الدول وأقواها وأشرسها.
بطبيعة الحال هذا هو التوصيف المثالي لدولة التوحيد، لكن طبائع النفس البشرية بما تكتنزه من خير وشر ستجعل من إقامة التوحيد مسألة نسبية. وسنجد في التاريخ الإسلامي كوارث وقتل وتحالفات مشبوهة وخيانات مثلما سنجد دعوات وغزوات وبطولات ورجال عز نظيرهم في التاريخ البشري ونهضة وعلوم وحضارة إسلامية بلغ إشعاعها مشارق الأرض ومغاربها، وتواصلت على امتداد مئات السنين، واستطاعت على الدوام تجاوز عثراتها واستيعاب نكباتها وهزائمها. المهم أن كل هذا حدث في إطار إسلامي وليس في إطار وضعي كما هو الحال الآن.
هكذا، فالعرب لم يَخْبَروا العيش في دولة عربية كما تروج لذلك أو تدعوا إليه الأيديولوجيات الوطنية والقومية والرأسمالية والاشتراكية وغيرها، كما أنهم، منذ مائتي سنة أو يزيد، وخاصة بعد اتفاقية سايكس – بيكو، لم يعيشوا في دولة إسلامية. وحقيقة الأمر أن الدول العربية الراهنة هي نتاج نقي لمعاهدات استعمارية ليس للعرب شأن في تكوينها لا من قريب ولا من بعيد مثلما أن المجتمعات العربية هي، أيضا، نتاج للمجتمع العثماني بكل صور تخلفه حتى ولو كان محكوما في الإطار الإسلامي. وبعيدا عن الأطروحات القيمية ذات النوازع الأيديولوجية والفلسفات الغيبية والعصبية التي تميز حالة الانحطاط العربي الراهن؛ فلا الشعوب ولا الأنظمة السياسية العربية الراهنة، على علاتها، قبلت يوما ما بهذه الصيغة من النشأة والاجتماع الإنساني. وعليه فلا الدولة القطرية لها أية مرجعية وطنية أو سياسية ولا الأيديولوجيات القومية وغيرها لها أي سند تاريخي. ولمثل هذه الأسباب وغيرها اعتقدت الكثير من الجماعات الإسلامية بمعية المفكرين الإسلاميين أن "الإسلام هو الحل" وروجت له كشعار، لكن بدلا من أن تؤدي تطبيقاته إلى توافق مع العقيدة رأت السلفية الجهادية أنه تلاحَم مع مخرجات ثقافة سايكس – بيكو وبات جزء منها سواء وعى ذلك أم جهله.
إلى هنا بوسعنا القول أن "التوحيد" كتعبير عن مشروع الدولة الإسلامية المقترحة من قبل السلفية الجهادية ليس مرتبطا قط بأية حدود جغرافية أو سياسات وضعية، وليست هذه المسائل من سماته ولا من تكويناته حتى يتبناها أو يتقبلها أو يفصِّل بها. فالدولة الإسلامية قائمة حيث تكون العقيدة وحيث يكون هناك مسلمون، وهم بهذا المعنى من رعاياها وتحت سلطانها ومسؤوليتها. ولما يكون هؤلاء واقعون، في قلب حواضرهم، خارج سلطان الشريعة؛ وبعضها مغتصب أو محتل أو مهدد أو مسلوب الإرادة فالواجب تحريرهم ونصرتهم بموجب ما تفرضه النصوص الشرعية. بهذا المنطق دشنت القاعدة في العراق مشروعها عبر إعلان تأسيس "دولة العراق الإسلامية". فأية معاني تضمنها هذا الإعلان؟ وأي تداعيات ترتبت عليه؟ وستترتب عليه مستقبلا؟
1) التداعيات
من الطبيعي أن يشهد العراق، كساحة صراع وحرب طاحنة، انفلاتات وصدامات بين القوى، ولئن تسرب الكثير منها، إلا أنها لم تكن لتأخذ طريقها إلى الإعلام بصورة صارخة لولا إعلان تأسيس دولة العراق الإسلامية. فالإعلان أطلق ما توارى من الخلافات المنهجية بين الجماعات الجهادية إلى السطح، وجهدت كل جماعة لإثبات وجهة نظرها عبر بيانات متبادلة تَصدَّرها قادة الجيش الإسلامي حتى وصلت إلى حد التشهير بالقاعدة متخذة من منهج التخطيء سبيلا لحرب إعلامية تمخض عنها صدامات مسلحة بين الجانبين كان أبرزها أحداث حي العامرية ببغداد. وبغض النظر عن صوابية أي طرف من الأطراف المعارضة لإعلان الدولة سواء كانت جبهة الجهاد والإصلاح أو هيئة علماء المسلمين أو حتى جبهة الجهاد والتغيير ناهيك عن أجنحة الإخوان المسلمين فالأكيد أن إعلان الدولة كانت له تداعيات كبرى على أكثر من مستوى:
أولا: المستوى المحلي
فقد كشف الإعلان، ليس فقط عن خلافات سياسية بين الجماعات الجهادية وافتقادها لمشروع موحد كما تقول الهيئة، بل عن أكثر من مشروع جهادي وليس مشروعا واحدا[8]. فالسلفية الجهادية وهي تعبر عن ذاتها بمشروع إعلان الدولة إنما ترفض حقيقة أن تظل حبيسة ما تراه حدود سايكس – بيكو، بعكس مشروع جبهة الجهاد والإصلاح التي تكتفي بدولة حديثة في العراق تضمن مصالح الجميع وتقيم علاقات جوار حسنة، أو مشروع جبهة الجهاد والتغيير التي تعتقد بالمرحلية. فالدولة بالنسبة للسلفية هي نواة خلافة وبالتالي نقطة ارتكاز استعدادا ومنطلقا لعبور إقليمي وعالمي نحو كل ما هو مسلم، وهو أمر ترى بعض الجماعات الأخرى أن وقته لم يحن بعد، وترى أخرى أنها ليست معنية في الدخول في صراع عالمي وحروب لا تنتهي.
وعلى هذا الأساس فقد شكل إعلان الدولة، على مستوى بعض الجماعات، فرصة: (1) لتمايز منهجي بين الجماعات من جهة وبينها والسلفية الجهادية من جهة أخرى فظهرت جبهات جديدة وتحالفات غير مفهومة، و (2) لتصفية الحسابات مع القاعدة على خلفية مشروع العبور سياسيا وعسكريا و (3) لشن حملات تشهير إعلامية منظمة ضد القاعدة أو دولة العراق الإسلامية دشنها البيان الشهير للجيش الإسلامي (4/5/2007) من جهة إلى جانب الحزب الإسلامي من جهة أخرى وشاركت بها جماعات وقوى سياسية أخرى بنسب متفاوتة
و (4) للبحث عن مخرج سياسي يقطع الطريق على مشروع القاعدة.
لكن على مستوى القاعدة فالإعلان عن الدولة جاء للحيلولة دون أية قوة سياسية قد تُسوِّق نفسها لقطف ما تسميه "ثمرة الجهاد"، فالتجارب العلمانية أثبتت أن قوى المقاومة غالبا ما خسرت نضالاتها وجهودها في التحرير لصالح قوى أخرى نجحت في الاستحواذ على ثمار المقاومة، وكذا الأمر حصل فيما يتعلق بالجماعات الجهادية في أفغانستان والبوسنة. كما أن الإعلان مكن القاعدة من استقطاب عشرات الجماعات الجهادية الصغيرة وآلاف الأفراد والعلماء والخبراء وغيرهم ممن التحقوا بالدولة التي تحولت إلى ملاذ ابتلع القاعدة وحولها إلى كينونة محلية بنسبة 90%[9]. ولعل هذا التضخم الذي بني في جزء منه على استنزاف في الموارد البشرية للجماعات الأخرى هو ما أثار حفيظة الجماعات الأخرى. والحقيقة أن ما تسميه السلفية الجهادية عموما والقاعدة خصوصا "ثمرة الجهاد" يُعَدّمسألة حاسمة في إعلاندولة العراق الإسلامية لا ينبغي التقليل من شأنها كما يفعل البعض تحقيرا لها.
وفي هذا السياق، لعله من المفيد التذكير بالدور الكبير والحاسم الذي لعبه أبو أنس الشامي في التمهيد والدفع بالمجموعات العربية المقاتلة إلى الاندراج في صيغة جماعة منظمة، لكن ما هو أجدر بالملاحظة هو إصرار الشامي على اتخاذ اسم لهذه المجموعات خشية أن تقطف القوى العلمانية ما أسماه في حينه بـ "ثمرة الجهاد"، وهي خشية لم تكن وليدة الجماعات الجهادية التي لم تكن آنذاك قد ظهرت أو اشتد عودها على الأقل، والدليل على ذلك أن خشية الشامي على الجهاد وثمرته، وهو في خطواته الأولى، كان مصدرها بلسانه: "بعثي خبيث، أو علماني مرتد"[10] ولم تكن جماعة جهادية ما، وعليه فمن الصعب قبول فرضية أن إعلان الدولة كان موجها، آنذاك، ضد الجماعات الجهادية الأخرى حيث لم تكن قد ظهرت بعد، ومع ذلك ليس من السهل إغفال "فرضية الجبل"[11] من عقل السلفية الجهادية فيما يتعلق بإعلان الدولة خاصة وأن خطابات الأمير أبو عمر البغدادي ووزير دفاعه أبو حمزة المهاجر كانت تعج بعتاب الجماعات الجهادية التي رفضت، بعد أن اشتد ساعدها وتنازعتها القوى الإقليمية والأجنبية، ما جاهدت أصلا من أجله.
بل أن التوصيف الموضوعي والدقيق لا بد وأن يسلِّم بالقول أن "دولة العراق الإسلامية" لا يمكن لها أن تكون أو تظل أسيرة لمشروع القاعدة وحدها، خاصة بعد الإعلان عنها، ولعلنا نذهب أبعد من ذلك إلى الجزم بأن تعدد الجماعات المكونة للدولة زيادة على آلاف المبادرات الفردية التي التحقت بها معطوفا عليهم العشائر المؤيدة لمشروع الدولة أكثر من القاعدة فضلا عن الأنصار والمتعاطفين وذوي المصالح الذين ربطوا مصيرهم بالدولة يجعل من هذه الأخيرة ذات حصانة تستعصي على التفكك[12] بمجرد قرار تنظيمي أو إداري، فالدولة، بمختلف مكوناتها السوسيولوجية وعلاقاتها الاجتماعية، لم تعد ملكا للقاعدة ولا للبغدادي ولا حتى لبن لادن أو الظواهري. ولعل هذه المعطيات بالذات هي أكثر ما يثير حفيظة الخصوم الذين يصفونها بدولة الانترنت، وهو توصيف ، بحسب الخطاب السلفي الجهادي، أقرب إلى "الحسد" و"الغيظ"[13] من قربه للواقع

[1]ليست ثمة مشكلة في التعرف على توجهات الحزب الإسلامي وجبهة التوافق تجاه الاحتلال الأمريكي والمشاركة في الحكومة العراقية، أما فيما يتعلق بحماس العراق وجامع فثمة اتهامات على ضلوعهما في تحالف مع الأمريكيين ومشاركتهم في الصحوات وغيرها ظهرت عبر التصريحات الأمريكية وصراع البيانات مع كتائب ثورة العشرين فضلا عن تصريحات د. بشار الفيضي، الناطق باسم هيئة علماء المسلمين لقناة الجزيرة، والتي تتهم حماس العراق بطريقة غير مباشرة بالتعاون مع الأمريكيين، أما "جامع" فقد صرح الناطق الرسمي بها الدكتور سيف الدين محمود (وكالة قدس برس – 3/1/2008): "إن مجالس الصحوة نابعة من العشائر العراقية، وهدفها المعلن هو خدمة المناطق التيقامت فيها ومنع أي نشاط فيه ضرر للناس،وعليها أن تبقى ضمن هذا المسار".وهو ذات التصريح الذي أدلى به العميد أبو بصير لصحيفة السبيل الأردنية.

[2]وردت في برنامج "ضيف المنتصف" على قناة الجزيرة مع د. حارث الضاري، 5/10/2007.

[3]الحقيقة أن القطيعة ابتدأت من لحظة انقسام كتائب العشرين وتشكيل حماس العراق ثم الإعلان عن تأسيس مجلس علماء العراق ، وبدا واضحا أن محمد عياش الكبيسي الذي كان ممثلا للهيئة وانسحب منها على خلفية موقفها الإيجابي من القاعدة هو من تصدر =
= هذه الانقسامات ورحب بها، وهو من أعلن مرارا الحرب على القاعدة واستعداده للتحالف مع الشيعة لتحقيق الغرض، وهو من ترجحه أوساط السلفية الجهادية الزعيم ا لفعلي لحماس العراق.

[4]ظل قادة الجيش الإسلامي يرددون في كل مناسبة إعلامية أن الجيش تأسس قبل نحو ثلاثة أشهر من غزو العراق، وأنه بهذا المعنى يكون أقدم من جماعة التوحيد والجهاد لكن هذه الأطروحة نقضها أحد قادة الجيش في لقاء الاستراحة الشهير بين أمير الجيش وبعض علماء الجزيرة (راجع مقالة الباحث على المدونة: سيناريوهات متعددة ومشاهد مثيرة لمرئية جهادية بلا مونتاج- 3: مشهد خفايا الصراع بين القاعدة والجيش الإسلامي)، وفي لقاء قناة العربية الذي استضافت فيه أبو عزام التميمي قال بأن: "أغلب الجماعات =
= الجهادية الرئيسية كالجيش الإسلامي وجيش المجاهدين لم تكن مشكَّلة قبل ذلك، وأنها ظهرت على الساحة العراقية ابتداء من سنة 2004". (برنامج صناعة الموت – 18/1/2008).

* سنرى أهمية التفكير بمثل هذه العبارة المسطَّرة لاحقا.

[5]الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27ذي القعدة سنة 1427هـ، ص 14.

[6]نفس المصدر، ص 14.

[7]نفس المصدر، ص 15.

[8]هيئة علماء المسلمين في العراق: "رسالة مفتوحة إلى أبنائنا وإخوانناالمجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق"، 5/9/2007. موقع الهيئة على الشبكة: http://www.iraq-amsi.org/index.php.

[9] الضاري في "ضيف المنتصف" على قناة الجزيرة، مصدر سابق. وكنا قد أشرنا إلى هذه النسبة في مقالة سابقة على مدونة الباحث بعنوان: "هل حققت "راند" اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟" نشرت بتاريخ 8/4/2007، على الشبكة: http://drakramhijazi.maktoobblog.com/، لكن أهمية تصريحات الشيخ حارث الضاري حول هوية تنظيم القاعدة في العراق تكمن في كونها الأولى التي تصدر عن مسؤول عراقي رفيع خاصة وأنه مرجع ديني.

[10] الانتصار لأهل التوحيد، مصدر سابق، ص14.

[11] "فرضية الجبل" هي تعبير مستمد من وقائع غزوة أحد لما نزل الرماة عن الجبل اعتقادا منهم أن الجيش الإسلامي قد حسم المعركة فكانت النتيجة هزيمة ساحقة للمسلمين من بعد قوة، وحين تطبيقها على الجماعات الجهادية في العراق سيجد المراقب خلافات فيما بينها تتعلق بإجراء مفاوضات مع الأمريكيين أو الدخول في العملية السياسة، بحيث تبدو بعض الجماعات كما لو أنها نزلت عن الجبل، في وقت تستعر فيه الحرب ولم تحسم المعركة بعد مما أضعف فعاليات العمل الجهادي في العراق وهدد المشروع الجهادي برمته.

[12] يفضل مراجعة مقالة الباحث على المدونة: "في ضوء وقفات البغدادي: هل حل الدولة ممكن؟ -117/4/2007.

[13] لاحظ من جهة خطابي البغدادي: (1) "قل إني على بينة من ربي" وهو يتحدث عن "طائفة منالحُسَّاد" و (2) "حصاد السنين بدولة الموحدين" وهو يكرر لفظة "باقية" عن الدولة عشر مرات كمبررات لبقائها، راجع: خطابي أبو عمر البغدادي: "حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/4/2007، و "قل إني على بينة من ربي"، نفس المصدر، 13/3/2007. ومن جهة أخرى ما يراه أبو حمزة المهاجر تجاه الرافضين حتى أن خطابه اتخذ له عنوان: "قل موتوا بغيظكم"، أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/5/2007.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:26 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
ثانيا: المستوى الإقليمي
هو أعقد المستويات بالنظر إلى دقة حساباته، فالدول المحاذية للعراق أو القريبة منه باتت بين المطرقة والسندان، إذ أنها لا تستطيع المضي قُدُما وبلا هوادة في معاداة التيار السلفي بغير حساب لأن بعضها مهدد إما بالمشروع الصفوي وامتداداته المحتملة وإما بالتقسيم كما هو حال السعودية ومصر والعراق وإما بالهيمنة الأمريكية والإسرائيلية المباشرة على المنطقة خاصة وأنه ما من ضمانة يمكن أن يطمئن إليها أي طرف إزاء اندفاع المشروع الأمريكي الصهيوني أو توقفه عند حدود معينة، الأمر الذي يعرِّض هذه الأنظمة إلى مزيد من الحرج مع شعوبها ويهدد بسحب ما تبقى لديها من شرعية. لذا فالأنباء التي تتحدث عن تسرب للعناصر العربية باتجاه العراق بغية الالتحاق بالجماعات الجهادية قد يُفهَم منها على أنها نوع من غض الطرف على خلفية التقاطع في بعض المصالح دون أن يعني هذا قبولا أو تسليما بالأمر الواقع.
ولأن المشروع السلفي الجهادي، الذي لا تعنيه كثيرا حسابات الآخرين، له أيضا حساباته الشرعية فيما يتعلق بعبوره للحدود، فإن عدم مواجهته، من قبل الدول المجاورة، يُعَد مغامرة ذات عواقب وخيمة. فالسلفية ليست من النوع الذي يمكن التفاهم معه في منتصف الطريق، ولا هي تقبل بأنصاف الحلول ولا تعترف بقوانين ولا بنظام دولي ولا بعلاقات دولية ولا بشرعية محلية أو دولية، فضلا عن أنها تَسِمُ الأنظمة السياسية العربية بـ "الطواغيت"، الأمر الذي يستوجب محاربتها وإزالتها باعتبارها تحكم بغير الشريعة مثلما هي موالية للغرب وسببا في الظلم الواقع على الأمة.
ثالثا: المستوى الدولي
يمكن أن يقال الكثير عن السياسة الأمريكية في العراق ابتداء من علمها وتخطيطها للاحتلال والبقاء فيه طويلا، إلى الزعم بأن الولايات المتحدة جاءت بمشروع احتلال عسكري ولكنها فشلت في إدارة البلاد سياسيا، وفوجئت، أمنيا، بسرعة ظهور المقاومة وشراستها. كل التحليلات واردة تجاه حدث ما زال مستمرا ولم تنكشف أوراقه بعد. لكن ما لا يمكن التجاوز عنه بسهولة هو مصير إسرائيل والمنطقة فيما لو انسحبت الولايات المتحدة من العراق، فهذه مسألة ليست موضع تحليلات ولا تأويلات.
على أن المفاجأة الكبرى واقعة لا محالة فيما تواجهه الولايات المتحدة من عقيدة قتالية ذات محتوى ديني وأهداف دينية أكثر منها سياسية. ولا شك أن الأمريكيين يواجهون نمطا قتاليا لم يَخبَْروه بعد، ولا تنكشف أسراره خارج الميادين الحربية، وهذه بحد ذاتها عِلَّة تجعل من الحرب، في كثير من الأحايين، مجرد مغامرات خطرة وعصية على الفهم والدراسة. وبحسب تصريحات ضباطهم فهم يواجهون عدوا مصمما على القتال حتى الموت، في ظاهرة حربية فريدة من نوعها لم يسبق لهم أن خبروها في أية منطقة في العالم في العصر الحديث إذا ما قارنا القدرات العسكرية والإمكانيات المتوفرة بيد الطرفين.
صحيح أن الأمريكيين خاضوا أسوأ حرب في فيتنام، نتج عنها أسوأ انسحاب، لاحقتهم فيه قوات الفايتكونغ بالقصف وهم في المطارات وعلى السفن الحربية في مناظر مرعبة ومهينة. لكن المقارنة بين الانسحاب الأمريكي من فيتننام وذاك المحتمل من العراق، على فرض صحته، غير واردة، بسهولة، لدى أعتى السياسيين وخبراء الاستراتيجيا، ذلك أن الفيتناميين اكتفوا بالبقاء داخل حدودهم ما أن نجحوا بإخراج الأمريكيين من بلادهم، في حين أن مشروع السلفية الجهادية سيلاحقهم إلى خارج الحدود، وسبق له أن تجرأ حتى على رموز القوة لديهم في عقر ديارهم، فكيف سيكون حالهم وحال إسرائيل والمنطقة فيما لو انسحبوا دون ترتيب الوضع سياسيا وأمنيا؟ وباعترافهم؛ فالأمريكيون وغيرهم ليسوا قلقين من الجماعات الجهادية الأخرى بقدر ما تسبب لهم السلفية الجهادية في معتقداتها واستراتيجياتها وتصميمها على المواجهة أرقا مزمنا قد يمتد فعلا إلى عشرات السنين، فإلى أين سينسحبون والرئيس الأمريكي جورج بوش يصرح، بمرارة، أنهم (الجهاديون)، يريدون إقامة خلافة من المغرب إلى جاكارتا؟

تعقيبات ختامية على المقالة السلفية
أولا: المجاميع الجهادية في العراق
لا شك أن أكثر التحالفات بين المجاميع الجهادية في العراق إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بجبهة الجهاد والإصلاح وبالمجلس السياسي للمقاومة. ولا شك أن أكثر القوى تأييدا لهذه التحالفات هم الإخوان المسلمين بينما أكثرها مناهضة لها هي تيارات السلفية الجهادية. والسؤال هو: إذا كان من الممكن تفهم التحالفات القائمة في جبهة الإصلاح؛ فما الذي يجمع بين الجبهة وحماس العراق وجامع في إطار المجلس السياسي؟
إذا استبعدنا، كعامل مشترك، بين أعضاء المجلس السياسي كل من: (1) الفكر السلفي الجهادي بصيغة القاعدة أو دولة العراق الإسلامية وأنصار الإسلام وعصائب العراق؛ و (2) جبهة الجهاد والتغيير ومرجعيتها الشرعية هيئة علماء المسلمين باعتبارها (الهيئة) تمثل أحد مرجعيات السنة وليست المرجعية الوحيدة بحسب جماعات أخرى[1]؛ و (3) المشروع السياسي الأمريكي الذي تمثله حكومة المالكي ومعها جبهة التوافق السنية؛ فماذا يتبقى للمجلس من هدف، في أحسن الأحوال، غير الاستئثار بورقة التمثيل السياسي للمقاومة؟ لا شيء. لكن هنا يلزم القول:
· إن البيان الأول للمجلس السياسي للمقاومة، وهو يطرح فكرة حكومة التكنوقراط كمخرج من الأزمة وحل انتقالي، أغفل أي ذكر للفكر السلفي في قراءاته المختلفة، بل أنه لم يأت على ذكر الإسلام إلا مقرونا بتاريخ العراق، بينما استعمل تعبيرات وطنية كما لو أنه صادر عن حزب علماني: "المقاومة المسلحة، التاريخ، الحضارة، التحرير،القوى والهيئات والشخصيات، الممثل الشرعي حكومة منالمهنيين، أعمال المجاهدين، أساس عادل، شرعية، دستور، نظام حكم، قانون، وحدة العراق، ثروات، مُلْك، الطائفي، خصوصية المسألة الكردية، العرب والمسلمين وشعوب العالم والمجتمع الدولي ..."، وفي المقابل غابت تعبيرات الجهاد والحاكمية والدولة الإسلامية ... إلخ
· كل التعبيرات أعلاه خالفت بالكامل الفلسفة المعلنة لجبهة الجهاد والإصلاح، وخالفت حتى لغتها الشرعية ومناهج تربيتها لأعضائها. والغريب أن الجيش الإسلامي لم يصدر أي بيان تفسيري يوضح مقاصده، ليس فقط من التحالف مع "حماس وجامع"، بل من تلك التعابير الجديدة التي استعملت في بيان التأسيس وخاصة الدعوة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، ومن فلسفته الجهادية ما إذا كانت مقاومة؟ أم جهاد؟ ومن أهدافه النهائية من جهاده إنْ كان دولة وطنية على شاكلة العراق السابق؟ أم دولة إسلامية تحكم بالشريعة ولو داخل العراق وحده؟
· أما عن ردود الفعل على البيان السياسي فلم تكن تستهدف "حماس أو جامع" بقدر ما استهدفت جبهة الجهاد والإصلاح وخاصة الجيش الإسلامي، فمن المعروف أن الجيش عرض شروطه لبدء مفاوضات سياسية مع الولايات المتحدة لتحقيق الانسحاب من العراق، لكن عروضه السابقة، حتى لو كانت وطنية الطابع، تبقى ضمن الإطار الجهادي وليس العلماني، وهذا يحيلنا إلى الاعتقاد بأن خصومته مع القاعدة هي خصومة ذات أهداف سياسية بالدرجة الأساس وليست شرعية خاصة فيما يتعلق بموقفه من إعلان دولة العراق الإسلامية.
أما فيما يتعلق بجيش المجاهدين فمن الصعب الوقوع على تبرير منطقي لمساهمته في تشكيل جبهة وقفت من التيار السلفي موقف الضد؟ ثم ما الذي يدفعه قدما إلى التحالف مع المجلس السياسي بحيث يفقد ما تبقى له من رصيد سلفي في ضوء الشبهات المثارة حول الدور الذي تلعبه "حماس وجامع" ومن ورائهما الحزب الإسلامي في تشكيل الصحوات ومقاتلة القاعدة؟
· فالثابت أن جيش المجاهدين سلفي التوجه، وتطلعاته لمستقبل العراق من المفترض ألاّ تقِلّ عن تمني إقامة دولة إسلامية فيه.
· والثابت الثاني أيضا أنه رغم خصومته مع دولة العراق الإسلامية إلا أنه امتنع عن المشاركة في حملات
التشهير التي قادها الحزب والجيش الإسلاميين. بل أنه، رغم تحفظاته على ما يعتبرها أخطاء ساهمت في تراجع الجهاد، إلا: "أن القاعدة أحدثت نكاية عظيمة في أعداء الله ... وأن أفراد القاعدة في العراق ليسوا بدرجة واحدة في الغلو والإفراط والاستهانة بالدماء"[2].
· والثابت الثالث هو الذي يرى فيه أن: "إعانة الأمريكان لقتال القاعدة ولو بكلمة}هو{كفر بواح وردّة
وخروج عن الإسلام لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا جهاد"[3]. ولا شك أن هذه لغة جديدة وبالغة الصراحة وموقف تَقدَّم فيه على غيره مقتربا من مواقف التيار السلفي الجهادي.
· والثابت الرابع أن جيش المجاهدين: "لم ينبس ببنت شفة في مسألة ربط القاعدة بإيران" بخلاف الجيش الإسلامي الذي يتبنى هذه الأطروحة ويروج لها على نطاق واسع كجزء من سياسته المناهضة للقاعدة.
· والثابت الخامس أنه الجماعة الوحيدة التي أصدرت دراسة شرعية تؤصل لحرمة الدخول في مشاريع الصحوات العشائرية أو المشاركة فيها أو إعانة أي عدو على الجهاد والمجاهدين. ودراسة أخرى يرفض بها مهادنة العدو[4].
هذه بعض ثوابت جيش المجاهدين التي ترقى إلى مستوى الحقائق، لكن المشكلة في كونها تتناقض مع تحالفاته وما يصدره من دراسات مؤصلة شرعيا تجاه بعض المسائل، الأمر الذي يحير معه الباحث في فهم سياسات الجيش وتوجهاته. ففيما يتصل بتحالفاته لا يرى الجيش غضاضة من وصف بعضها بـ "الفصائل المتلبسة ببعض البدع والأخطاء"، ويمضي لما هو أبعد من ذلك فيقول: "أما عن موضوع التحالف مع بعض الفصائل المتلبسة بما ننكره عليها فنقول وبكل وضوح: بأننا نختلف في مسائل كثيرة مع الجيش الإسلامي وحتى مع الهيئة الشرعية للأنصار، وخلافنا مع حماس وجامع أكبر، وانضمامنا إلى مجلس يضمهم لا يعني رضانا بكل ما يصنعون، ونحن نحاول جاهدين أن نوصل إليهم ما نعتقد أنه الحق".
أما ما هي طبيعة الخلافات التي يتحدث عنها جيش المجاهدين؟ ولماذا تتفاوت بين هذه الجماعة وتلك؟ وما هي تداعياتها على الجماعة من الداخل؟ فذلك ما لن يستطيع الجيش التفصيل به إعلاميا على الأقل في المرحلة الراهنة، لكن مجرد جهره بها يُعَدُّ مؤشرا على أنها بالغة الخطورة، وبطبيعة الحال لا نقول بأن هذه اللغة توحي وكأن جيش المجاهدين بصدد الانسحاب من تحالفاته، مع أننا لا نستبعد ذلك في أي حين، لكننا نتساءل: فقد يكون مفهوما أن يعمد الجيش الإسلامي إلى تنفيذ مشروعه السياسي المنادي بحكومة تكنوقراط منذ الإعلان عن دولة العراق الإسلامية، ويبحث له عن حلفاء يساندونه في مساعيه، إلا أن ما قدمه جيش المجاهدين، صاحب اللغة الشرعية، من مبررات لدخول المجلس السياسي والمشاركة في صياغة بيان يخلو من أية لغة شرعية والأخذ بـ "بفقه الاستضعاف" ليست كافية ولا مقنعة خاصة وأن هناك جماعات أخرى تخوض حربا طاحنة ضد الأمريكيين والصحوات والقوى الحكومية والطائفية والعملاء في آن واحد دون أن تشر من قريب أو بعيد إلى مرحلة استضعاف. وفي هذا السياق نستحضر حدثين مهمين في جبهة الجهاد والإصلاح هما:
1) انشقاق جيش الفرقان عن الجيش الإسلامي (18/7/2007) بحجة (أ): "استعجال قطف الثمرة ...(فـ)لا يصح أن نزج بمشروع الجهاد قبل نضجه واستكمال مراحله في تجارب تحتمل الخطأ والصواب" و (ب): "انحراف البعض عن المنهج النبوي: فأخذوا الناس بالشدة والغلظة وعدم الرفق والحلم والتدرجوعدم مراعاة منازل الناس فأدى إلى نفور الكثيرين مما جعلهم فريسة لمخططات أعداءالدينوعليه "نعلن انفصالنا منالجيش الإسلاميردهم الله إلى الحق والصواب ونتبرأ من كل ما خالف شريعة الرحمن".
2) انسحاب جيش الفاتحين (6/1/2008) بعد: " تبين لنا أن هذا المشروع}جبهة الجهاد والإصلاح {لن يحقق لنا هدفنا المنشود بسبب ما وجدنا من اختلاف بينالواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاقعليه من منهج وثوابت في الجبهة. ثم بيناالخلل وحاولنا الإصلاح جاهدين ولكنا وجدنا نفوراوتعاليا من الآخرين".
الأكيد أن جيش المجاهدين أعرق وأكثر خبرة، وتاريخه وعقيدته وسمعته توجب عليه تقديم تفسيرات مقنعة لتحالفاته، وإلا فإن الحدثين أعلاه قد يوحيان بأن تحالفاته ربما تكون أوقعته في ورطة لم تكن في حسبانه خاصة وأنه لم يجن شيء يذكر من تحالفاته غير اللوم والأذى.
بقي موضوع جيش أنصار السنة التي استعادت الاسم القديم لها مؤخرا "جماعة أنصار الإسلام". فقد كان بينها والجيش الإسلامي محاولات سابقة للوحدة (2004) فشلت على خلفية: (1) الدخول في العملية السياسية إذا اقتضىالأمر أو (2) في سلك الجيش والشرطة بحجة توفير الحماية لأهل السنةفيمناطقهم أو (3) تعيين بعض الأفراد من أجل حماية أنابيب النفط والطاقة الكهربائية لتمويل العمل الجهادي أو حتى (4) بعض السياسات التي تخص الخارجية والإعلام. لكن الخلافات تفجرت بين الجماعة وجبهة الجهاد والإصلاح على خلفية تشكيل هذه الأخيرة وضمها اثنين من "ديوان القضاء والشرع" باسم "الهيئة الشرعية – أنصار السنة" التي قيل أنها أسست "كتائب" مسلحة لها[5]. وبطبيعة الحال فقد أعقب التشكيل احتجاجات شديدة من الأنصار بسبب ما بدا وكأنه تعدٍّ على الهيكلية التنظيمية للجماعة التي ظهرت وكأنها تعرضت لانشقاق في صفوفها. إلا أن الجبهة لم ترد رسميا على بيانات الجماعة، ولما ووجه د. علي النعيمي المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسلامي بالسؤال عن "قصة أنصار السنة" أشار إلى أن الهيئة انسحبت برمتها من الأنصار ولحق بها أكثر من ألفي عنصر في تحالف مع الجبهة[6]. ومن جهته أشار جيش المجاهدين إلى أن المشكلة نجمت عن تملصأبي عبد الله الشافعي أمير الأنصار من محاولات إحياء مشروع التوحد بعد أن وافق عليه مما اضطر الرجلين إلى الانفصال على وقع "التزامات قطعوها على أنفسهم أمام المشايخ استشاروا إخوتهم في الداخل والخارج واقتنعوا بمسألة الانفصال تحت هذا المسمى"[7]. لكن كلا التبريرين يعكسان بيان عضوي ديوان القضاء والشرع[8] اللذين انفصلا عن الجماعة، وحجة الأنصار أن الجماعة تسمي مؤسساتها مبتدئة بلفظة "ديوان" وبالتالي لا وجود للتسمية الجديدة في الجماعة.
على أن للأنصار، على ما يبدو، اجتهاداتها فيما يتعلق بالوحدة، فهي لا تقبل التوحد مع جماعات جهادية
ذات توجهات وعقائد وطنية، وهذا الاجتهاد يرجع لكون الجماعة سلفية جهادية بالدرجة الأساس، لكن ثمة اجتهادات للجماعة لاقت انتقادا شبه صريح من أسامة بن لادن في خطابه "السبيل لإحباط المؤامرات"[9] حول مسألة التمسك بالفرع على حساب الأصل، خاصة تلك التي ترى أن الواجب الشرعي يفرض على الجماعة اللاحقة مبايعة الجماعة السابقة عليها، إذ لا يصح شرعا أن تبايع جماعة سابقة أخرى لاحقة فيما البيعة معقودة في عنق الأولى، ولعل هذا يعد سببا رئيسيا لعدم تحقيق أي تقدم على صعيد اندماج الجماعات السلفية الجهادية في العراق وهو ما دفع بن لادن إلى انتقاد هذا الاجتهاد باعتباره يقدم الفرع (البيعة) على الأصل (الوحدة).

[1] راجع: مقابلة ياسر أبو هلالة مع د. إبراهيم الشمري المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسلامي، (18/9/2007على مدونة الكاتب: http://abuhilaleh.maktoobblog.com/ وكذاإجابات د. علي النعيمي على أسئلة "اللقاء المفتوح" (مصدر سابق)،حيث يعتبران هيئة علماء المسلمين إحدى مرجعيات الشرعية لأهل السنة وليس المرجعية الوحيدة.

[2] توضيحات، المكتب الإعلامي لجيش المجاهدين، 6 محرم 1429هـ، ردا على مقالة كتبها محمد بن زيد المهاجر (أبو أسامة) بعنوان: "جيش المجاهدين بين سير الخالدين واستدراج الماكرين"،ونشرتها الشبكات الجهادية بتاريخ 7/1/2008.

[3] توضيحات، المكتب الإعلامي لجيش المجاهدين، مصدر سابق.

[4]صدرتا بعنوان:"من يغسل العار عن العشيرة؟"، 14/10/1428،و"الجواب الكافي لمن نوى الهدنة مع العدو ظاهرا أو خافي- وصفة الصياد20/10/2007، عن الهيئة الشرعية لجماعة جيش المجاهدين. في حين أن مواقف الجيش الإسلامي تجاه العملية السياسية معلنة، ومواقفه تجاه تبرير ظهور الصحوات ظلت ثابتة إلى حين بثت قناة العربية لقاءها الشهير مع أبو عزام التميمي فتغير الموقف تماما إلى اعتبار"مشروع (الصحوات) يحمي ظهر أمريكا في كثير المناطقراجع بيان الجيش الإسلامي بعنوان: "قناة العربية تساهم في لملمة شعث أمريكا في محاولات يائسة20/1/2008.

[5]لمزيد من التفاصيل راجع مقالة الباحث: "الجيش الإسلامي: ثوابت سياسية؟ أم أخطاء مدمرة؟"، على المدونة:
http://drakramhijazi.maktoobblog.com/

[6] إجابات د. علي النعيمي على أسئلة اللقاء المفتوح، مصدر سابق.

[7] توضيحات، المكتب الإعلامي لجيش المجاهدين، مصدر سابق.

[8]صدرعن الشيخ عبد الوهاب بن محمد السلطان (أبو وائل أو سعدون القاضي) بعنوان: "بيان صادر عن الهيئة الشرعية لجماعة أنصار السنة"، 21ربيع الأول 1428.

[9]الشيخ أسامة بن لادن، "السبيل لإحباط المؤامرات"، مصدر سابق.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:30 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
ثانيا: جاذبية الخطاب السلفي الجهادي
لعله من المثير القول أن التحدي الذي تواجهه القوى العالمية في حربها على التيار الجهادي العالمي أو ما يسمى بمكافحة الإرهاب، وإن اختلفت الحسابات، هو ذات التحدي الذي تتعرض له الجماعات الإسلامية الكبرى خاصة وأن الخطاب السلفي الجهادي العابر للحدود، بوصفه "دعوة وغزوة"، يتوجه إلى العامة والأفراد من الناس مخاطبا فطرتهم حتى لو كانت لغته نخبوية باستعمالها لغة العلم الشرعي مما يجعل من خطابها ذو جاذبية تحسد عليها كلما بدا أنها تقترب من نبض أمة تشعر أن سلطانها مغتصب ومجدها وعقيدتها في مهب الريح، بخلاف الجماعات الأخرى التي توجه خطابها في غالب الأحوال لأفراد الجماعة بلغة سياسية أو أيديولوجية أو حتى أمنية قلّما يمكن الدفاع عنها شرعيا. كما أن السلفية كفكرة ليست تنظيما، فأي نصير للسلفية يمكنه أن يشارك في الحوار بحيث يثني ويمتثل مثلما يناصح وينتقد ويجاهر بخلافه مع رموزها الكبار دون أن ينتظر تهميشا أو نبذا أو تجميدا لعضوية أو تهديدا بقطع الراتب أو فقدان لضمانات الرعاية والصحة والتعليم والتشغيل وغيرها مما يُكَبَّل به الأعضاء عادة. فالعقيدة هي الحَكَم بين الأنصار والرموز وأهل الجهاد وليس التنظيم وما يقدمه من امتيازات. لكن مشكلة بعض الجماعات الإسلامية التي نخرتها الحزبية والعصبية التنظيمية إلى حد أنها تتعامل مع السلفية، باستخفاف ظاهري تارة وباستعلاء تارة أخرى، تبدو وكأنها تخوض معها صراعا على امتياز ما في حملة انتخابات نقابية بالكاد بدأت فعالياتها، في حين أن الكتلة السلفية برمتها لم يعد لها من امتياز حتى في الحياة الآمنة[1] وهذا ما يساهم في تعزيز مصداقية خطابها.
وفي السياق ذاته من الجاذبية يتجلى الخطاب السلفي على مرأى المُشاهِد ومسمعه كونه خطاب ذو طابع هجومي وهو يضع الجماعات الإسلامية كافة تحت مجهر الشريعة والتاريخ الإسلامي الحافل بالفتوحات والغزوات مما يجعلها في موقع الدفاع، فما لم يدركه الكثير أن التحصن في العلم الشرعي والتوسع في دراسة الفرق الإسلامية والملل والنحل والأديان والجماعات وغيرها مكّن السلفية من الوقوف على (1) مناهج و (2) عقائد هذه الجماعات وغيرها، وبالتالي أصبح بمقدوره تحديد الموقف الشرعي منها، وكشف حقيقة توجهاتها وصولا إلى إحراجها وحتى إدانتها إن لزم الأمر. وفي حين خلت أدبيات الجماعات الأخرى، مثلا، من مفردات الإرجاء والإرجاف والتخذيل والرِّدَّة والحاكمية والطاغوت والنصرة وجهاد الدفع والطلب وغيرها نرى الأطروحة السلفية، على العكس تماما، تعجّ بها وتستعملها كدليل شرعي لفضح ما تسميه "علماء السوء" و "تجار الدين" و "العصبية التنظيمية"، وساعية، بلا هوادة، لكشف عورات الجماعات الأخرى والطعن في مناهجها وعقائدها. إذ أن مثل هذه المفردات ليست مستوردة من السياسة والأيديولوجيا ووسائل الإعلام ولا من العقائد والفلسفات الوضعية ومناهجها، وعلى العكس من ذلك فهي جزء أصيل في الفكر الإسلامي والعقيدة، لكنها أُخفيت وغُيِّبَت عن مناهج التربية الدينية عند الجماعات الأخرى، فما كان من السلفية إلا أنْ أحيتها واستعملتها كسلاح في وجه القوى الإسلامية، أفرادا وجماعات ومؤسسات، لتعريتها وكشف حقيقة دعاواها وأطروحاتها تجاه الكثير من المسائل العقدية الغائبة عن أدبياتها، ولعل في هذا ما يفسر جانبا من شدة العداء والكراهية للسلفية الجهادية من قِبَل أقرانها.
والأرجح أن جاذبية الخطاب السلفي لا يمكن تفسيرها، أيضا، بمعزل عن الأداء المسلح للتيار الجهادي العالمي سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو الشيشان أو أفغانستان والعراق وغيرها من المناطق الساخنة، وهو ما يشكل علامات فارقة في مخرجات الخطاب الديني إذا ما قورن بمثيله الرسمي. فالخطاب السلفي يقدم نفسه، إعلاميا، ليس على المنابر ولا عبر البيانات أو الانشغال بالخطب الرنانة والاجتهادات الفقهية المستعصية على التطبيق، بل في الميادين العسكرية وعبر شعار: "الجواب ما ترى لا ما تسمع": (1) في صورة مقاتلين "أولي بأس شديد"، وهم يحطمون الآليات العسكرية الضخمة ويطايرون الأشلاء ويقطعون الأوصال ويدمرون الأبراج ويسقطون الطائرات ويقنصون الجنود ويخترقون الحصون والساحات، و (2) في مشهد "الفئة القليلة" من الأفراد ممن يتحصنون بالعقيدة وبإمكانيات بدائية لم تصل حتى إلى عُشر ما امتلكته المنظمات الفدائية عدة وعتادا، و (3) في صورة فترة زمنية قصيرة، تشعر السلفية الجهادية فيها أنها في وضع من "التمكين" والقدرة بما يكفي لنقل المعركة من الساحة الإسلامية إلى ساحة الخصم عبر شعار "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا" وترجمته في صورة الهجوم على الولايات المتحدة في عقر دارها وهدم رموز القوة فيها واستباحة ديار من المفترض أنها آمنة وبعيدة عن التهديد والخطر كما هو حال الدول الأوروبية، بينما الخطاب السياسي العربي ورديفه الديني بكل ما يمتلكه من إمكانيات وعناصر للقوة بدا على امتداد عقود من الزمن أميل إلى المهادنة من التفكير بخوض أية مواجهة حقيقية كانت ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذا ما تسبب بانهيار مصداقية الخطاب الرسمي ذو اللغة الأمنية والإعلامية الاستفزازية أصلا في تعامله مع الظاهرة، وهي لغة تم فرضها حتى على لغة المراجعات لبعض الجماعات الإسلامية والمشايخ مما ساهم في
جعْل الخطاب السلفي الجهادي ذو جاذبية تستعصي على الكسر خاصة وهو يستفيد من سقم لغة الخصوم*.
ثالثا: مرحلة اللاعودة
ومع جاذبية الخطاب السلفي لدى العامة، فضلا عن الأنصار، يكون المشروع الجهادي، على المستوى الإسلامي في العالم، منهجا وعقيدة، قد تجاوز مرحلة الاندثار ونقطة اللاعودة، فالمسألة جد حاسمة فيما لو اطلعنا على خطابات قادة القاعدة في أفغانستان والعراق وتصريحات الأمريكيين والمراقبين. فمن جهة، وبدلا من أن نلحظ تراجعا، صرنا نرقب ولادة إمارات إسلامية وجبهات مفتوحة في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وما يشبه الطارئة كما في لبنان، وصرنا نقع على تصريحات قوية من نوع ما أتى به الظواهري: "القاعدة قصمت ظهر الأمريكان في العراق"[2]، أو ما ورد في خطاب بن لادن لأهل العراق وهو يبشر بأنه: "سيعاد رسم خريطة المنطقة بأيدي المجاهدين بإذن الله وتمحى الحدود المصطنعة بأيدي الصليبيين لتقوم دولة الحق والعدل، دولة الإسلام الكبرى من المحيط إلى المحيط"[3].وفيرسالته: "السبيل لإحباط المؤامراتجدد بن لادن قَسَمَه الشهير فيما يتعلق بفلسطين: "والله لننصرنكم ولو حبوا على الركب أو لنذوقن ما ذاقه حمزة بن عبد المطلب"[4]، وفي أول تسجيل مصور لأبي مصعب الزرقاوي كانت أهم الجمل التي قالها وتكرر ترديدها على لسان أبو عمر البغدادي وألسنة قادة القاعدة فيما بعد: "إننا نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس"[5]، لكن أكثرها تميزا ووضوحا في التصميم على عدم التراجع تلك التي صرح بها أبو حمزة المهاجر معقبا على دور الحزب الإسلامي في العراق والإخوان المسلمين: "... لا نريد منكم شيء، فقط دعونا والعدو فإن انتصرنا عليه فهو عزّ الدنيا والآخرة لنا ولكم، وإن قضي علينا فهي شهادةٌ لنا وتكونوا قد استرحتم منا ولن تلقوا الله بدمائنا"[6].
هذه تصريحات القوم، ولا نحسب أنها دعائية خاصة وأنها لا تتناقض البتة مع تصريحات الخصوم سواء كانوا غربيين أو محليين، فالإشكال واقع لا محالة مع تيار أصبح التعايش معه، قسريا، في حكم المؤكد إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تصريحا قويا للملك السعودي وهو يشير إلى أن: "محاربة الإرهاب ستمتد من عشرين إلى ثلاثين سنة"[7] .
زد على ذلك، فثمة منطق آخر للاعودة هو منطق السياسة، ففي أفغاستان رفضت طالبان وقيادتها أية مساومات على تسليم أسامة بن لادن إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفضلت الدخول في حرب لا شك أن التيار الجهادي العالمي خسر فيها خسائر فادحة على كل صعيد، وفي لبنان سواء خاضت فتح الإسلام معركة مخيم نهر البارد أو أجبرت عليها إلا أنها لم تستسلم قط لأية مطالب للسلطة، وما لحق بالمخيم من دمار يشبه الأساطير، وكذا الأمر حصل في مخيم جنين وفلوجة العراق والعاصمة الشيشانية غروزني وغيرها من المناطق الساخنة. ولا نبالغ إذا قرأنا هذه الحروب وقلنا أنها رسائل قاطعة تفيد بأن عصر التراجع والانسحابات والمساومات والوساطات في المعارك قد انتهى مع السلفية الجهادية إلى غير رجعة.
وفي هذا السياق لا بد من طرح التساؤل: هل تهميش السلفية الجهادية وتياراتها المسلحة إعلاميا وتجاهلها أو إنكار وجودها أو الزعم بقرب اندثارها يصنف ضمن خطاب الحرب عليها؟ أم ضمن خطاب الكراهية والعداء؟ أم ضمن خطاب الحذر منها باعتبارها تهمة لمن يحسب نفسه على التيارات الوسطية؟ وأخيرا؛ هل سيؤدي هذا التصنيف إلى نتائج ملموسة كالحد من جاذبية الأطروحة السلفية مثلا ووقف اندفاع التيار الجهادي العالمي؟ سؤال للبحث.

*سلفيه مندسه* 31-12-2011 11:33 AM

رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي
 
قائمة المصادر والمراجع


· القرآن الكريم
- سورة الحج : 27.
- سورة التوبة : 46.
· مصادر وثائقية
ثانيا: الأشرطة المرئية والصوتية
1) أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/5/2007.
2) أبو عمر البغدادي، "قل إني على بينة من ربي"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 13/3/2007.
3) أبو عمر البغدادي، "حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/4/2007.
4) أبو مصعب الزرقاوي، "هذا بلاغ للناس"، شريط مرئي، الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين، 25/4/2006.
5) الشيخ أسامة بن لادن، "السبيل لإحباط المؤامرات"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، بتاريخ 29/12/2007.
6) الشيخ أسامة بن لادن، "رسالة إلى أهل العراق"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، بتاريخ 23/10/2007.
7) د. أيمن الظواهري،"رسالة إلى شعب باكستان"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 28/4/2006.
8) د. أيمن الظواهري،"لقاء السحاب الرابع"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 17/12/2007.
9) شريط مرئي مدته أقل من دقيقتين عن "أنصار المجاهدين" يعرِّف بجماعة جهادية في جزر المالديف على وشك الظهور، 17/11/2007.
ثانيا: البيانات الرسمية
10) أنصار السنة – الهيئة الشرعية، الشيخ عبد الوهاب بن محمد السلطان بعنوان: "بيان صادر عن الهيئة الشرعية لجماعة أنصار السنة"، 21ربيع الأول 1428.
11) الجيش الإسلامي: "قناة العربية تساهم في لملمة شعث أمريكا في محاولات يائسة20/1/2008.
12) جيش أنصار السنة:
- رسالة من قيادة جماعة أنصار السنة إلى جبهة الجهاد والإصلاح، مركز الفجر للإعلام، 3/5/2007.
- بيان من ديوان الشَرع والقضاء لجماعة أنصار السُنة حولَ كَذِب بيان ما يُسمى بـ(الهيئة الشرعية)، مركز الفجر للإعلام، 5/8/2007.
13) جيش المجاهدين:
- توضيحات، المكتب الإعلامي لجيش المجاهدين، 6 محرم 1429هـ، ردا على مقالة كتبها محمد بن زيد المهاجر (أبو أسامة) بعنوان: "جيش المجاهدين بين سير الخالدين واستدراج الماكرين"،ونشرتها الشبكات الجهادية بتاريخ 7/1/2008.
- الهيئة الشرعية لجماعة جيش المجاهدين، دراستان صدرتا بعنوان:"من يغسل العار عن العشيرة؟"، 14/10/1428،و"الجواب الكافي لمن نوى الهدنة مع العدو ظاهرا أو خافي- وصفة الصياد20/10/2007.
14) كتائب العشرين- المكتب الإعلامي: "كتائب ثورة العشرين: بيان الرد على تخرصات حماس – العراق"، ‏1/1/2008، موقع الكتائب على الشبكة:http://kataeb-20.com/main/news.php?action=list&cat_id=102
15) مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية للقاعدة، رد على قناة الجزيرة بخصوص خطاب الشيخ أسامة بن لادن: "أهل العراق"، مركز الفجر للإعلام، 23/10/2007.
16) هيئة علماء السنة، "رسالة مفتوحة إلى أبنائنا وإخوانناالمجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق"، 5/9/2007. موقع الهيئة على الشبكة: http://www.iraq-amsi.org/index.php.
ثالثا: اللقاءات والحوارات
17) د. إبراهيم الشمري المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسلامي، (مقابلة مع الجزيرة)، 18/9/2007،على مدونة مراسل القناة ياسر أبو هلالة: http://abuhilaleh.maktoobblog.com
18) أبو عزام التميمي، قناة العربية، برنامج صناعة الموت، 18/1/2008.
19) الشيخ أبو محمد المقدسي: حوار مع مندوب مجلة العصر الإلكترونية وصحيفة المرآة، 1423هـ، وبحسب منبر التوحيد والجهاد فقد "نشر أجزاء من هذا الحوار في مجلة المرآة في الأردن ونشر في مجلة العصر الإلكترونيةثم سحب بعد دقائق!!". على الشبكة:


20) إجابات أحمد سعيد الحامد عضو المكتب السياسي،حماس العراق، ملتقى الإخوان على الشبكة:
http://forums.ikhwan.net/t/showthread.php?t=35791
21) د. بشار الفيضي، الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين، تصريحات لقناة الجزيرة، 24/8/2007.
22) جيش الأمة (فلسطين - غزة)، "حوار مع أحد القادة البارزين لجيش الأمة في قطاعغزةصحيفة الأيام، 12/1/2007، على موقع الجيش:http://www.al-amanh.net/arabic/modules.php?name=News&file=article&sid=32.
23) د. حارث الضاري، برنامج "ضيف المنتصف"، قناة الجزيرة مع، 5/10/2007.
24) خادم الحرمين (الملك عبدالله)، مقابلة على تلفزيزن الـBBC، نقلا عن موقع: "الحرس الوطني"، 19/10/1428. على الشبكة:


25) د. سيف الدين محمود،الناطق الرسمي باسم "جامع"، وكالة قدس برس، 3/1/2008.
26) د. عبد الرحمن القيسيالناطق باسم جبهة الجهاد والإصلاح، مقابلة مع وكالة يقين للأنباء، 27/8/2007. على الشبكة:http://www.yaqen.net/?p=174
27) الشيخ عطية الله، لقاء خاص مع مركز اليقين، وبحسب المركز فقد [أنجز اللقاء عبر المراسلة في العشر الأواخر من جمادى الأولى1428هـ/ يونيو2007م].
28) د. علي النعيمي الناطق الإعلاميللجيش الإسلامي في العراق، أجوبة اللقاء المفتوح، مؤسسة البراقالإعلامية التابعة للجيش، 9/12/2007. على الشبكة:www.alboraqmedia.org.
29) العميد أبو بصير الناطق العسكري باسم "جامع" في حوار أجرته معه صحيفة السبيل الأردنية نشر في 8/1/2008.
30) محمد مهدي عاكف، "مرشد جماعة الإخوان المسلمين يرد على أسئلتكم"، منتدى حوار موقع الـ BBC شباط / فبراير2007.


· المصادر
31) الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27ذي القعدة سنة 1427هـ.
32) أبو عبيدة المقدسي، شهداء في زمن الغربة.
33) أبو بصير الطرطوسي: "حزب التحرير وسياسة تسمين الخراف"، على الشبكة:

http://www.tawhed.ws/r?i=3557&PHPSESSID=6e7cd3991ebce2b89175bbbacb81ca1 6

34) أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م.
· المراجع
- مقالات الباحث على المدونة http://drakramhijazi.maktoobblog.com/:
35) الجيش الإسلامي: ثوابت سياسية؟ أم أخطاء مدمرة؟، 6/11/2007.
36) سيناريوهات متعددة ومشاهد مثيرة لمرئية جهادية بلا مونتاج- 3: مشهد خفايا الصراع بين القاعدة والجيش الإسلامي، 22/5/2007.
37) سيناريوهات متعددة ومشاهد مثيرة لمرئية جهادية بلا مونتاج: مشهد الانشقاقات والتحالفات والمرجعيات الأيديولوجية للجماعات الجهادية -2، 14/5/2007.
38) صدى التحالفات الجهادية الجديدة بين العذر والإدانة، 21/10/2007.
39) "في ضوء وقفات البغدادي: هل حل الدولة ممكن؟ -117/4/2007.
40) قراءة أولية في انقسام كتائب ثورة العشرين30/3/2007.
41) هل حققت "راند" اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟، 8/4/2007.
- صحف وتقارير:
42) تركي الفيصل، صحيفة الخليج الإماراتية (21/1/2008)، على الشبكة:http://www.alkhaleej.co.ae/articles/show_article.cfm?val=471874
43) تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب الدولي في العام 2006- المملكة العربية السعودية" ،صادر من مكتب منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية في 30 نيسان/إبريل، 2007. على الشبكة:


44) فكري عابدين، "أوروبا تفتح النار على "التبليغ والدعوة"، نقلا عن موقع "إسلام أن لاين":






[1]من الطريف أن يحدث هذا في وقت تتحدث فيه التقارير الأمريكية عما تواجهه السلطات السعودية من صعوبات في مواصلة: "محاربة جاذبية أيديولوجية القاعدة". راجع: "تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب الدولي في العام 2006- المملكة العربية السعودية" ،صادر من مكتب منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية في 30 نيسان/إبريل، 2007. على الشبكة: http://www.cdhrap.net/text/tqarer/alkarjeei/004/2006.htm

* بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد سنة 1979 رفع الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات شعار: "لا حرب بعد اليوم"، ومنذ ثلاثين عاما أو أكثر، ما زالت البيانات السورية تشتمل على عبارة ثابتة عقب تعرضها لأي هجوم إسرائيلي: "نحن من يحدد زمان المعركة ومكانها، ولن نسمح لأي كان أن يجر سوريا إلى معركة لا تحدد هي زمانها ومكانها"، وأخيرا صرح الأمير السعودي تركي الفيصل لوكالتي الأنباء الألمانية (د.ب.أ) و"رويترز" في كرونبرج بألمانيا: }"إن عرض المبادرة العربية للسلام الشامل مع "إسرائيل" لايزال قائماً"، وإن العالم العربي تجاوز بمبادرة عام 2002 بشكل حاسم مرحلة العداء ومد يد السلام إلى "إسرائيل". وطالب =
= بضرورة وضع "إسرائيل" ضمن "إطار جغرافي" يمتد من الخليج إلى المحيط الأطلسي"{، راجع: موقع صحيفة الخليج الإماراتية (21/1/2008)، على الشبكة:http://www.alkhaleej.co.ae/articles/show_article.cfm?val=471874.

[2] د. أيمن الظواهري،"رسالة إلى شعب باكستان"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 28/4/2006.

[3]الشيخ أسامة بن لادن، "رسالة إلى أهل العراق شريط صوتي، مؤسسة السحاب، 23/10/2007.

[4] الشيخ أسامة بن لادن، "السبيل لإحباط المؤامرات"، مصدر سابق، 29/12/2007.

[5] أبو مصعب الزرقاوي، "هذا بلاغ للناس"، شريط مرئي، الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين، 25/4/2006.

[6] أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، مصدر سابق.

[7]مقابلة مع خادم الحرمين على تلفزيزن الـBBC، نقلا عن موقع: "الحرس الوطني"، 19/10/1428. على الشبكة:

http://www.sang.gov.sa/SANGcs/Arabic/Left/PublicRelations/News/year2007a/14281019.htm

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 07:43 AM

رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(فلسطين_1)د/اكرم حجازي
 
سلسلة دراسات عن السلفية الجهادية (1)








بحث:


وهي على مشارف فلسطين:


رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية


(القاعدة نموذجا)


صحيفة القدس العربي


28/9 – 31/9/ 2006



منقحة ومزيدة



د. أكرم حجازي



الأردن / حزيران 2006














محتويات البحث


مقدمة .................................................. ..................... 2
المسألة الأولى: الأطر المرجعية للسلفية الجهادية وبعض تطبيقاتها ......... 3
أولا: الوهابية بوصفها حركة سلفية ......................................... 3
ثانيا المخزون الثوري .................................................. .... 8
ثالثا: تطبيقات مفاهيمية (الوطن الإسلامي نقيضا للوطن العربي) ............. 10
المسالة الثانية: التكون التاريخي لتنظيم القاعدة ............................. 16
أولا: المستوى النظري الأول من التوصيف ................................. 17
ثانيا: المستوى النظري الثاني من التوصيف ................................. 22
المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدة .................................... 24
أولا: استراتيجيا المواجهة عند القاعدة ....................................... 24
1) التواجد في مناطق التوتر .......................................... 24
2) توسيع ساحة المواجهة ............................................. 26
ثانيا: فلسطين كهدف للقاعدة ................................................ 29
1) المحتوى الديني وتطبيقاته ........................................ 29
2) حقيقة القاعدة في فلسطين ........................................ 34
خلاصة .................................................. .................. 38
قائمة بالمراجع والمصادر .................................................. 39








وهي على مشارف فلسطين:


رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية


(القاعدة نموذجا)





د. أكرم حجازي


الأردن / آب 2006



مقدمة
يعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة خشية المتاعب التي قد يلاقيها أو لأن المواضيع ذاتها على درجة من الغموض بحيث يغدو التعرض لها نوع من المغامرة العلمية والأخلاقية. يستحضرني في هذا السياق كثرة الحديث عما يسمى بـ "استراتيجية القاعدة" وسيل التصريحات المتعلقة بوصول أو قرب وصول القاعدة إلى غزة والضفة الغربية، ولكن ما لفت الانتباه تلك التصريحات النارية التي أدلى بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لصحيفة الحياة اللندنية (الخميس 2/3/2006) مستندا إلى معلومات استخبارية فلسطينية تشير إلى وجود تنظيم القاعدة في المناطق الفلسطينية لاسيما غزة والضفة الغربية على حد السواء، ولا شك أن المخاوف الإسرائيلية من تسرب تنظيم القاعدة إلى فلسطين لها ما يبررها باعتباره تنظيما يثير فزعا من نوع ما على هذه الدولة "إسرائيل" التي تحسب لكل صغيرة وكبيرة وتَحْسَب أنها مهددة في وجودها على الدوام بسبب النشأة الشاذة التي رافقت ظهورها في قلب العالم العربي والإسلامي، ولكن، أن تكون الخشية الفلسطينية على لسان الرئيس ترقى إلى استعمال عبارات مرعبة من نوع "تخريب المنطقة" فهي مسألة تدعو إلى التأمل بقطع النظر عن اتفاقنا مع الرجل أو اختلافنا معه، فإذا ما صحت تحليلاتنا القادمة فإن كلمة "تخريب" ستغدو بائسة لما يمكن أن تتعرض له المنطقة.
ويبدو أن الوقت قد حان لاستطلاع ما يسمى بـ " استراتيجية القاعدة "، والتفتيش عن محتوى "التخريب" المزعوم ومداه حتى لا تبقى المسألة، وبلا مسؤولية، حبيسة لتكهنات البعض من أولئك الذين تقدمهم بعض وسائل الإعلام بصفة "باحث أو خبير في الحركات الجهادية" ويظنون، عبثا، أنهم كذلك، أو أولئك الذين يقدمون خدماتهم في الكتابة والبحث عن القاعدة حتى بدوا لكتاب آخرين متطفلين وكأنهم في موسم تسوق مهمتهم تنظيم جولات من السياحة الإعلامية للراغبين بها من الإعلام المحلي أو الدولي. يحدث هذا في وقت يبدو فيه العالمين العربي والإسلامي واقعين في حالة فريدة وغير مسبوقة في التاريخ من انعدام الوزن.
بداية فلسنا بصدد البحث عن استراتيجيا التنظيم في اللغات المهيمنة والدارجة كما هو الحال في الصحافة والإعلام والسياسة، بل في فلسفة التنظيم بالذات، باعتباره بالمحصلة تنظيما يستقي أفكاره (من) ويتغذى (على) عقيدة السلف. ولأن هذه الفلسفة تقع في نطاق عريض يمثل فيه القرآن والسنة والتراث السلفي معينه الذي لا ينضب فسنعمد إلى البحث والتنقيب عما يمكن أن يقربنا ويتيح لنا إمكانية التعرف على ما يجري في الواقع والكشف عن استراتيجيا القاعدة ليس من خلال لغة الخطابات الإعلامية والأيديولوجية أو بعض النشاطات المسلحة للقاعدة بل وفي ضوء المحتوى الديني بالذات والذي نعتقد أنه الأكثر حسما في توجيه عقل القاعدة.
وعلى الرغم من أن البحث لا يدخر جهدا في طرح الكثير من التساؤلات التي يحاول الإجابة عليها قدر المستطاع، إلا أن الكيفية التي تحول بها تنظيم القاعدة إلى تنظيم عالمي مقاتل، ومحاولة التحقق مما إذا كانت نشاطاته قد وصلت إلى فلسطين أو أن المسألة لا تعدو أن تكون محض فزاعة تمتطى لتمرير مخططات التصفية للقضية الفلسطينية، تقع في القلب من جملة التساؤلات المطروحة والتي ستجري الإجابة عليها عبر ثلاثة مسائل كبرى هي:
· المسألة الأولى: الأطر المرجعية وبعض تطبيقاتها.
· المسألة الثانية: تكون التنظيم.
· المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدة.


المسألةالأولى: الأطر المرجعية للسلفية الجهادية وبعض تطبيقاتها


تقع البنية الذهنية والإدراكية للقاعدة في نطاق ما بات يعرف، منذ عقد على الأقل، بـ "السلفية الجهادية". وهو مصطلح جديد كل الجدة وفريد في المحتوى حين يعبر مضمونه المترامي الأطراف عن إجمالي التيارات الجهادية التي غدت تؤمن بما تسميه الإسلام العالمي المقاتل. أما الجدة في هذا الطرح فتكمن في أن الجهاد لم يعد يعبر عن محتوى أيديولوجي ذو نزعة تنظيمية قطرية محدودة بقدر ما بات يُقَدّم على أنه عبادة وفريضة متعينة بقطع النظر عن إمكانية تطبيقها على مجاميع الأمة الإسلامية، إذ أن مبدأ التطبيق اليوم بالنسبة للتيارات الجهادية وفي الظروف الحالية يقتصر على الفرد دون الجماعة، لذا فهو يتخذ من الآية الكريمة التالية شعارا له، وبموجبها يعمل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً {84}، النساء).
أما سؤالنا الرئيس في هذه المسألة فهو: ما هي المصادر المعرفية والمنهجية التي شكلت البنية الإدراكية والذهنية للسلفية الجهادية وغيرت جذريا من المفاهيم التقليدية؟
أولا: الوهابية بوصفها حركة سلفية
لم تحظ أية حركة إسلامية معاصرة بالدرس والتحليل والتنقيب بمثل ما حظيت به الدعوة الوهابية التي ظهرت في الجزيرة العربية منذ ثلاثة قرون (1791-1703 ) سواء أكانت حركة فقهية دعوية أو حركة سلفية جهادية. إذ أن غزارة الإنتاج المعرفي حول الحركة يزيد بما لا يدع مجالا للشك من التعقيد والإرهاق لأي باحث يعيد استهدافها بالدرس أو يحاول وضعها تحت مجهر البحث.
ومع ذلك فبقليل من المغامرة وكثير من الحزم، يمكن اعتبار الوهابية أقدم الحركات الإسلامية المعاصرة في العالمين العربي والإسلامي. ولقد ظلت أسرع الحركات الإسلامية انتشارا وأشدها تأثيرا في المجتمعات والدول الإسلامية على السواء، وما يلفت الانتباه أن ظهورها واشتداد عودها تَلازَم مع انطلاق العربة الاستعمارية الأوروبية في بدايات القرن التاسع عشر والبدايات الأولى لانهيار السلطنة العثمانية، الأمر الذي حملها مسؤوليات كبيرة وأجبرها على خوض مواجهات للدفاع عن ذاتها وتنزيهها عن أية علاقات رأسمالية مع الغرب الأوروبي (المشرك) أو ضربها بطموحات سياسية تستهدف الدولة العثمانية (المسلمة) وتسلم الخلافة نيابة عنها. والحقيقة أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها الجزيرة العربية من شأنها إسقاط هذا التلازم المشين في النشأة والذي، ربما، يقع في خانة المصادفات، أو على الأقل هو ليس من اهتمامات البحث.
واقع الأمر أن الجزيرة كانت مقسمة إلى مناطق نفوذ قبلي متنوع اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحتى طائفيا، ويكاد البعض من المطلعين يجزم أن الجزيرة كانت تمر بمرحلة ثقافية جد متخلفة وغارقة في دروب الخرافات والأساطير والشرك وحتى الوثنية[1]. لهذا تبدو دعوة محمد بن عبد الوهاب قد جاءت في أوانها وفي الصميم، وليس أدل على ذلك من اعتبار الفقهاء والعلماء والمؤرخين والمحدثين على اختلاف مشاربهم وآرائهم وحتى توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية كتاب "التوحيد" أهم كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الإطلاق[2]. فالدعوة، إذن، جاءت ردا على واقع اجتماعي بات أبعد ما يكون عن العقيدة وأصولها التي اختلطت مناسكها بالبدع إلى حد الشرك والوثنية[3] وليس ردا على أسباب سياسية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية. وفي مثل هذا الأمر الحاسم في النشأة يغدو السؤال عن ماهية الدعوة: هل هي مذهب أم جماعة أم حركة أم تيار؟ مشروعا مئة بالمئة، فطبقا للمصطلحات الراهنة لا ترى أطياف الشيعة والصوفية ومثليهما في الوهابية غير مذهب ضال، في حين تراه بعض أطياف السنة، بالإضافة إلى كونها مذهبا، حركة إسلامية تجديدية، ومع ذلك فمن
حين لآخر يغدو رسم "الوهابية" للبعض مجرد شتيمة أو مذمة يُرمى بها من يعتقد بها أو يدافع عنها.
والسؤال هو: كيف ينظر أتباع الوهابية وشيوخها وتلامذتها إلى الدعوة؟
من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن "السلفية" مصطلح ينسحب على الماضي بالكامل، متحصنا بمشروعية موضوعية تقع في صلب التعبير التاريخي "السلف الصالح" الصيغة الأكثر شيوعا في المؤلفات والكتب والأشد تداولا على ألسنة الفقهاء والمحدثين، وبالتالي فإن أي حديث عنها سيعني قطعا التوجه نحو الماضي والتعلم منه والأخذ به، وهي دعوة مبررة لمقاربة الواقع الذي نشأت به السلفية بالواقع الذي كانت عليه قبل نحو 1200 عام على انطلاق الدعوة المحمدية. ولأن تجليات واقع النشأة ذات محتوى ثقافي أبعد ما يكون عن أصول الدين وسيرة السلف الصالح فمن الطبيعي أن تركز الدعوة على قضايا تهتم بتحقيق أصول الدين مستعملة ما يشبه أسلوب الطِّباق اللغوي أو ما يعرف بالمتضادات كالتأكيد على "التوحيد مقابل اجتناب الشرك" ولإثبات "الولاء والبراء للخالق نقيضا للعبودية والتزلف للمخلوقين". وبهذا المعني سنكون أمام الثوابت التالية التي يعتقد بها التيار الجهادي:
· إن الوهابية هي دعوة سلفية خالصة لها "قواعدها وأصولها[4]"، ومن مهماتها إحياء علوم الدين وتصحيح الانحرافات وتفكيك الأساطير والخرافات ومظاهر الشرك وإعادة الناس إلى الفطرة الدينية السليمة. وبما أنها دعوة دينية فمن المستبعد أن تقدم السلفية نفسها أو تكون انعكاسا لتكوينات اجتماعية أو طائفة دينية أو سياسية، ولعل سر ديمومتها واتساعها هو فيما تدعو إليه من العودة إلى الفطرة والتمسك بسيرة السلف في فهمه للدين والعمل بهوليس بسبب توجيهات سياسية من السلطة ولا بسبب امتلاكها الإمكانات المادية كما يروج البعض وهو ما كانت تفتقده أصلا حين النشأة، فضلا عن أن مؤسسها، وإن كان والده قاضيا، إلا أنه كان من عائلة نجدية صغيرة وفقيرة[5].
· ولأنها سلفية فهذا يعني أنها تفكر في العقيدة من أجل العقيدة ومن أجل المعتقدين بها، وبالتالي لا يعنيها من قريب أو من بعيد الاجتهاد من خارج منظومة العقيدة الإسلامية ولا التعليق على المنظومات الفكرية الأخرى ذات المنشأ غير الإسلامي أو الاستعانة بها، ولا العقائد الأخرى من وضعية أو وثنية أو تحريفية، وأزيد من ذلك أن كتابات محمد بن عبد الوهاب خلت من الإشارة إلى أي ارتباط بمصادر فلسفية قديمة كالفلسفة اليونانية أو الأوروبية إجمالا، مما يعني أنه لم يطلع عليها أصلا ولم يكن يفكر بموجب معتقدات الآخرين. وعليه فالسلفية، بحسب تعبير أحد الباحثين،: " حركة أصلية بكر ... واجهت آخر هو "المسلم" الذي لم يعد مسلما تحت وطأة الشرك. إنها حركة إحياء داخلي بالأساس... "[6].
· ترفض السلفية رفضا قاطعا حصر الدين في المنظومة التاريخية بحيث تغدو الكثير من الآيات القرآنية إن لم يكن القرآن برمته بكل ما يتضمنه من قصص أو أحكام أو عبر أو ... محصورا بأسباب النزول التاريخية، مما يعني إخراج العقيدة بكل مضامينها ومقاصدها من حيز الواقع والمستقبل بحيث لن تعود ذات جدوى كبير فيما بعد، وهو ما يعني بالمحصلة النهائية طي القرآن وآياته وأحكامه وفقهه وتفسيره وتأويله والاستدلال به أو الاعتماد عليه، وتجريده من الواقعية الأزلية فيغدو حينها كتابا صالحا لماضي ليس له كبير أثر على الحاضر والمستقبل.
· تسمح السلفية بممارسة الاجتهاد والتأويل من داخل المنظومة الإسلامية العقدية، وبما لا يتجاوز قط المس بأي حكم شرعي، فالاجتهاد واقع فيما لا نص فيه، بل أن " الوهابية ترى في الاجتهاد الحقيقي مصدراً رابعاً للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع "[7].
· ولأنه لم يسبق أن أفرز أي من المذاهب السنية الأربعة مذهبا خامسا أو سادسا؛ ولأن الوهابية حنبلية المذهب أصلا وفصلا؛ فمن غير العلمي ولا الموضوعي أن توسَم الوهابية بالمذهب الخامس وهي ليست كذلك أبدا إلا عند خصومها لاسيما الشيعة منهم.
· وتأسيسا على ما سبق؛ فالوهابية ربما يمكن اعتبارها حركة تتمتع بالأصالة بوصفها تعبير بنيوي عن احتياجات ذاتية للإصلاح، وليست تنظيما سياسيا ولا دينيا، كما أنها ليست تعبيرا عن فرقة دينية وليست مذهبا بأي شكل من الأشكال، وليس من مهماتها العمل بأي مما سبق[8].
إذن، فلما تكون السلفية الوهابية مجرد دعوة دينية وليس في نشأتها ولا في نيتها أن تكون ممثلة لجماعة بعينها أو تعبيرا عن تطلعات طائفية، ولا أن يكون في أهدافها تكوين حركة سياسية أو استحداث مذهب جديد فليس من المبالغة أن تنظر إلى نفسها وينظر إليها الآخرون باعتبارها "منهج علمي وعملي شامل ومتكامل تجاه النصوص الشـرعية، وليسـت مجـرد موقـف علمـي"[9]كل ما يتمناه هو تلمس العودة بالسلوك الديني والثقافة الإسلامية إلى عصورها الأولى النقية. وبناء على ذلك يلزم القول أن الاختلاف في هذه القضية أو تلك مما جاءت به الوهابية لا ينفي عنها البتة ميزتها الجوهرية كمنهج في العمل الإسلامي بالدرجة الأساس مثلما هي دعوة.
والآن، بما أن السلفية ظهرت في الجزيرة العربية، فمن الصحيح منهجيا أن تظهر التطورات والتبدلات الأيديولوجية الحاسمة داخل الإطار الذي احتضن النشأة. وفي الحقيقة لسنا بصدد البحث في هذه المسألة الجديرة بالفحص، ولكن لنتعرف على الأقل على ما يسميه البعض بمكونات المشهد الديني داخل السعودية من خلال رؤية أحد الناشطين الذي لاحظ وجود خمسة تيارات إسلامية
ناشطة[10] في هذه الأيام وهي:

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 07:46 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
· التيارات السلفية التقليدية:
وتشمل (1)التيار السلفي الرسمي ممثلا بهيئة كبارالعلماء، وهو تيار له امتدادات علمية وجماهيرية محدودة. و (2) سلفية تميل للبعد التكفيريوالجهادي، وتتسم بالحدَّة والصرامة مع المخالفين، وبموقف صارم وعنيف من السلطةالسياسية، و (3) سلفية ذات نزعةإرجائية تتسم بطاعة مطلقة لولي الأمر، وهي قريبة نسبيًّالخط الشيخ "الألباني" ويطلق عليها خصومها مسمَّى (الجامية - المدخلية).
· التيارات السلفيةالحركية
ويمثلها تيار حركي (4) يُطْلِق عليه خصومه مسمَّى (السرورية) نسبة إلى مؤسسها، وهي مدرسة تنظيرية فكرية سياسية دعويةيقوم منهجها على مزيج من الحركية الإخوانية والفكر السلفي الوهابي، كما أن هناكتيار حركي آخر هم (الإخوان المسلمون)، وهو تيار لا يُصنَّف، إجرائيًّا، داخل إطار التيار السلفي.
· (5) التيار العقلاني أو تيار التنوير الإسلامي
هذا التيار عبارة عن مجموعة من النخب المهتمة بالشأن الثقافي والسياسي، ويقدمه أحد ناشطيه على أنه: " ... تيار أجندته ليست سياسية؛ لكنها ثقافية في المقام الأول، تقوم على نقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية، ومنظومته في التفكير، والتعامل لتجاوز التأزماتالتي أنتجها في المجتمع، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطورالحضاري. إذن فهو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي؛ لذلك فهو- إلى الآن- غيرُمعنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي، لذا لا توجد لهمشكلة مع السلطة السياسية".
بطبيعة الحال لا يهمنا مدى شعبية هذه الجماعة أو تلك وفق التقسيم المقترح للمشهد الديني أعلاه وليس بالضرورة أن نوافق أو نعترض على التصنيف والتوصيف، بل أن ما يهمنا هو التيارات النشطة في المجتمع السعودي، وبالتحديد ما ورد تحت مسمى السلفية التقليدية والتي تتألف من ثلاثة تيارات أهمها سياسيا وعلى الصعيد المحلي والعالمي هو التيار السلفي الجهادي الذي يقوده حاليا تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وهو تيار لا يقر البتة بمسألة التكفير ولا يخرج عن ضوابط التكفير الشرعية، كما يقول مؤسسه بالذات، وإن كانت ممارسات بعض فروعه قد أوقعته في الحرج في مواضع عدة وتسببت في كوارث كما حصل في الجزائر على يد الجماعة الإسلامية المسلحة[11].
ثانيا: المخزون الثوري
في إطار سعيه لما يعرف بالحوار مع ما يسميه بـ "الإسلام المعتدل" تلقت دوائر القرار الغربي تقريرا من مجموعة الأزمات الدولية تطالبه فيه بالتوقفعن استعمال مفهوم "الإسلام السياسي" الأمريكي المَنْبت، والاستعاضة عنه بمفهوم "الإسلام الحركي"، انطلاقا من أن العقيدة هي بالنهاية سياسة ودين، وهي، وإنْ كانت، واحدة إلا أن التوجهات الحركية متعددة[12]. وعلى قاعدة الاعتدال والتطرف استعملت المجموعة المفهوم الجديد لتمهيد الطريق أمام القوى الغربية لإيقاع تمايز بين الجماعات الإسلامية يستهدف بالدرجة الأساس عزل التيارات الجهادية والحيلولة دون استنزاف المخزون البشري للجماعات السلمية باتجاه ما يراه الغرب والدول العربية جماعات متطرفة كتنظيم القاعدة. وبطبيعة الحال لجأت مجموعة الأزمات وغيرها من مراكز الأبحاث الغربية إلى الترويج لجماعات إسلامية تحظى بتأييد واسع من الجمهور وذات أهداف سياسية تتلاءم أفكارها مع بنية المؤسسات الحديثة للدولة، ومع آليات عملها السلمية للوصول إلى السلطة، وهي مسألة موضع خلاف مع جماعات الإسلام الجهادي العالمي التي ترفض الدولة الحديثة بكل ما ينتج عنها ويترتب على أدائها باعتبارها مؤسسة مستوردة من الخارج "الكافر". والأهم من هذا أنها جماعات ذات أهداف دينية تعبدية بالدرجة الأساس، فهي تنظر إلى الجهاد باعتباره عبادة من أوجب العبادات بعد أن بات فريضة متعينة بسبب ما تعتبره عدوا صائلا في البلاد الإسلامية ينبغي ردعه وإخراجه منها، وهي مسألة تتقدم حتى على أولويات التنظيمات الجهادية العاملة على إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانها. وهكذا ففي حين تبدو المعادلة التي يضعها الغرب قائمة على الإسلام الحركي بديلا عن الإسلام السياسي الذي يضع الجميع في سلة واحدة، تقدم جماعات التيار الجهادي معادلتها القائمة على الإسلام الجهادي كعبادة مقابل الإسلام الحركي كسياسة.
وينبغي أن تثير مثل هذه المعادلة الكثير من التأمل خاصة فيما يتعلق بالمخزون الفكري للتيار الجهادي والذي لم يعد حكرا على تنظيم بعينه. والسؤال: من أين يبدأ هذا المخزون؟ وأين ينتهي؟
لو قمنا بمقارنة بين المخزون الثوري للحركات الوطنية والتحررية العربية على وجه الخصوص سنجد أنه الأفقر على الإطلاق على المستوى العالمي، فقد بلغ الفقر الثقافي الثوري حد العدم لدرجة أن قيادة كتائب الفدا التي تشكلت سنة 1949 كأول تشكيل مسلح غداة النكبة، وكانت أولى بواكير حركة القوميين العرب، استلهمت أفكارها من جيوسبي غاريبالدي القائد الفدائي الايطالي وتعلمت من جيوسيبي مازِّيني عضو الجمعية الوطنية السرية الايطالية (كاربوناري) أساليب التنظيم السرية ككلمات السر والأسماء المستعارة[13]! بل أن الفقر بلغ حدا دراماتيكيا بانشقاق الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية بدعوى تكوين الحزب الثوري الحديدي وعلى قاعدة "إما أن تكون ثورة أو لا تكون"، وتبرير الجبهة الشعبية مثلا للحاقها بالماركسية بعد بضعة شهور ببضعة قراءات لبعض المقالات! ولا شك أن هذا الفقر يعود بشكل مبدئي إلى حالة العداء التي استحكمت بين التيارات العلمانية التي تمثلت بالفكر اليساري وتجارب الثورات الآسيوية من جهة والتيارات الإسلامية لاسيما جماعة الإخوان المسلمين الذين سجلوا سبقا كبيرا في النشأة والعمل السري من جهة أخرى.
أما فكرة القومية العربية فقد مثلت، ولا شك، أولى بواكير المخزون الثوري بما أنها انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردا على السياسة الطورانية التي اتبعتها تركيا ضد ولاياتها العثمانية، هذا المخزون أخذ في التزايد خلال الحقبة الاستعمارية التي استعرت مع دخول القوى الأوروبية إلى ما أسمي بالوطن العربي فيما بعد وتقسيمه إلى دول مستقلة وفقا لاتفاقية سايكس- بيكو سنة 1916، ثم تطور مع المرحلة الأكبر من المد الثوري القومي غداة اغتصاب فلسطين سنة 1948، وبلغ ذروته مع الفكر الماركسي بمختلف تلاوينه السياسية والأيديولوجية إثر تبني الاتحاد السوفياتي لحركات التحرر العالمية في العالم الثالث في أعقاب حرب السويس سنة 1956 وغداة الثورة الطلابية في أوروبا سنة 1968، ومن ثم نجاح معظم الثورات الآسيوية في التحرر من القوى الاستعمارية الكبرى.
أما المخزون الثوري الجهادي فهو غني عن التعريف ومدهش وغزير وغير مقيد لا بالزمان ولا
بالمكان، وفي واقع الأمر هو معين لا ينضب إذا ما تعلق الأمر بالتراث العقدي والتاريخي منذ البعثة النبوية. ولكن إذا ما أخضع هذا المخزون الهائل لمبدأ "فقه الواقع" فهو على أصالته فقير إلى حد التجاهل. والبداية مع هذا الأخير (فقه الواقع) كانت في أغزر تراث وأغناه وأهمه بالنسبة للتيارات الجهادية وهو التراث الأصيل للدعوة الوهابية ومشايخها وتلامذتها وأتباعها، والذي شاع في العالم أجمع بسرعة فائقة، وكذلك تجارب الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في مصر. ثم تطور المخزون بشكل كبير مع النشرات والكتب والإصدارات الضخمة حتى بلغ ذروته ونشوته مع العمل الموسوعي الضخم الذي قدمه العلامة سيد قطب أواخر الستينات من القرن العشرين والذي لم يقدم مثله أحد حتى الآن لاسيما كتاب معالم في الطريق، وكذلك تراث جماعات الإسلام الجهادي في مصر وبلاد الشام. وفي أواخر السبعينات من القرن العشرين ظهرت مساهمة قوية جدا تمثلت بكتيب صغير لمحمد عبد السلام فرج بعنوان " الفريضة الغائبة "، والذي انفرد باستحضار الفقه الجهادي من بين ثنايا تراث الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم خاصة ما تعلق بالحديث عن دار الكفر ودار الإسلام وقضايا الحاكمية والردة ومشروعية الجهاد وأحكامه وشروطه. ومنذ ذلك الحين توالت الإصدارات بكثافة هائلة خلال مراحل الجهاد الأفغاني وحكومة الطالبان خاصة مع إصدارات الشيخ عبدالله عزام في أفغانستان والتي مثلت صميم فقه الواقع ربما للمرة الأولى بعد انهيار الخلافة.
غير أن المشكلة بقيت قائمة بما أن معظم الإصدارات، بعد الإضافات المذكورة، ظلت تجتر ما هو كائن دون القدرة على توليد المزيد من الفقه والمعرفة.
ورغم هذا الفقر والضعف في المخزون الثوري لتيارات الجهاد إلا أنها استطاعت أن تفرض نوعا من المواجهة المحلية مع الأنظمة السياسية العربية ما لبثت أن تطورت نسبيا إلى مواجهة عالمية مع القوى الكبرى، حتى أن (السوري) كواحد من أكبر مؤرخي ونقاد التيار الجهادي العالمي قدم مشروعا معرفيا يزيد عن 1600 صفحة بعنوان" دعوة المقاومة الإسلامية العالمية " تناول فيه أدق تفاصيل التجربة الجهادية على امتداد أربعين عاما في مختلف دول العالم الإسلامي العربية وغير العربية، بدء من الواقع المعاش إلى حصاد التجربة إلى العقيدة القتالية والتربية الجهادية والدستور وبناء التنظيم وانتهاء بالنقد المر للتجربة والحلول. ويخلص أبو مصعب السوري في مشروعه إلى تحديد مصادر الفكر الجهادي العالمي لدى تيار القاعدة مشيرا إلى تشكله من خليط ضم " أساسيات من فكر الإخوان المسلمين + المنهج الحركي للشهيد سيد قطب + الفقه السياسي الشرعي للإمام ابن تيمية والمدرسة السلفية + التراث الفقهي العقدي للدعوة الوهابية المنهج السياسي الشرعي الحركي للتيار الجهادي"[14].
أما المخزون الآخذ في التعاظم دون أية رقابة أو قدرة على الحد منه أو مواجهته فهو الكائن في الفضاء السيبيري (الإنترنت) الحر من خلال المقالات والدراسات والكتب والملفات المرئية والمسموعة، فضلا عن المنتديات والمواقع المتخصصة وغرف المحادثة المباشرة وما تتضمنه من فتاوى ومناقشات وردود ووسائل اتصال إلى جانب المخزون الهائل من المعارف والخبرات العالمية التي تشارك بها الدول والمؤسسات والمنظمات والحركات الثورية وحتى منظمات الإجرام. ولنتأمل أهمية الإنترنت ونستمع لمسؤول إسرائيلي حين يقول: " إن الانترنت يمكن أن توفر لأي فرد عادي الدخول إلى الشبكة والتعلم منها كيف يصنع قنبلة"
كل هذا من شأنه أن يساهم في تشكيل البنية الذهنية والإدراكية للتيارات الجهادية ويسهل عملها. وإذا كان أبو مصعب السوري قد استنتج "بأن المكسب الأكبر للتيار الجهادي من تلك التجربة]الأربعين سنة الماضية[هو عولمة التيار الجهادي فكريا وحركيا ... وتبادل الفكر والخبرات, والتعارف بين كوادره من البلاد المختلفة, ثم انتشار ذلك في مختلف أقطار الدنيا"[15] فالواقع يشي بأن العولمة فرضت نفسها على التيارات الجهادية رغما عنها. فما الذي يمكن أن يحدث عندما يتعولم الفكر الجهادي؟
ثالثا: تطبيقات مفاهيمية (الوطن الإسلامي نقيضا للوطن العربي)
في الواقع يمكن أن ينقلب الأمر رأسا على عقب، فالوطن والشعب والمجتمع والقومية والأمة والقطر و ... كلها مفاهيم حديثة يمكن أن نجد لها نظائر في التاريخ الإنساني وحتى الإسلامي،إلى هنا فليس ثمة مشكلة بعد، ولكن في العقيدة الإسلاميةفالمسألة جد مختلفة، ذلك أن الحديث يجري عن ديار المسلمين أو أرض المسلمين، وحينها يبيت الوطن بالنسبة للمسلم حيث توجد العقيدة ممثلة بالإسلام وأمة المسلمين بغض النظر عن موقع البقعة الجغرافية سواء كانت في مشارق الأرض أو في مغاربها. وبالنسبة للقاعدة من الطبيعي أن يسترشد المسلم بالعقيدة والأحكام الدينية والتشريعات والسنة النبوية، وبتراث السلف الأول من الصحابة والتابعين في بناء استراتيجياته، ومن المؤكد، سلفيا، أن الهجرة إلى أرض الله الواسعة يمكن أن تكون متاحة وواجبة، في ظروف ما، إلى حيث تتحرر العقيدة والدين من وصاية السلطان أو يتبناهما، أو في أي بلد إسلامي سواء كان هذا البلد هو باكستان أو أفغانستان أو الفلبين أو الشيشان أو كشمير أو إندونيسيا أو البوسنة أو ماليزيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر أو اليمن أو العراق أو السعودية أو الشام أو أي بلد آخر.
ففي الإسلام ثمة أمور تستعص على فهم الآخر، ففي الغرب حيث الديانة المسيحية يمكن للمرء أن تكون له كنيسة يصلي بها ولا يصلي بغيرها! بل أننا نجد كنائس للسود وأخرى للبيض وكنائس للفقراء وأخرى للأغنياء وكنائس للمواطنين ومثلها للمغتربين، وطقوس كنيسية لهذا تختلف عن ذاك في حين تفترض وحدة الديانة والمعتقد طقوسا متماثلة يقع الجميع فيها تحت سقف التعاليم الربانية، وفي إسرائيل أيضا ثمة عنصرية في شتى مناحي الحياة بما في ذلك الدين، وأسوأ من ذلك، فمن غير المسموح أو المألوف مثلا أن يتعبد يهودي في غير الكنيس الذي يتعبد به عادة فإذا ما حان وقت عبادة فعلى اليهودي إن كان ملتزما أن يذهب إلى كنيسه فقط، ولا يجوز له التعبد في كنيس آخر! أما في الإسلام فمن العبث الاعتقاد بعنصرية دينية، فإذا حضرت الصلاة جاز للمسلم أن يؤديها في أي مسجد على وجه الأرض وفي أي مكان إذا تعذر وجود مسجد لسبب ما. فالتماثل ووحدة العقيدة في
أحكامها ونواهيها وتشريعاتها واحدة في كل زمان ومكان.
إذن ليس ثمة مشكلة في العيش حيث يتواجد الإسلام والمسلمون طالما أن العقيدة واحدة والرب واحد والنبي محمد هو خاتم الأنبياء والهدف واحد وهو إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلى أمم الأرض. بهذا المحتوى لمفهوم الوطن والشعب والدين سيكون لزاما علينا تقبل أن تكون الأمة الإسلامية برمتها هي المورد البشري بحيث يغدو التنظيم معبرا فعليا عن إطار إسلامي أصيل وليس إطارا قطريا أو قوميا أو إقليميا. فماذا نعني بالإطار الإسلامي؟ وما الفرق بينه وبين الإطار القومي مثلا؟
إن الفرق بين الإطارين هو حكما فرق في الاعتقاد وبالأصح هو فرق في الإيمان، فإذا كان من الممكن أن يتخلى الفرد عن الأيديولوجيا أو يستبدلها في لحظة من الزمن فمن غير الممكن حدوث الأمر نفسه إذا ما تعلق الأمر في العقيدة، فالإيمان هو قول يصدقه العمل وليس كما تقول الإرجائية إيمان يصدقه القول.
وإذا انطلقنا من القومية العربية كمثال سنجد أيديولوجيا حظيت بالكتابات الغزيرة والمساندة من قبل المثقفين والسياسيين على السواء، ونظمت لها المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخطابية وعزفت لها الأناشيد ما عزفت، بيد أن واقع الأمر يشير مبدئيا إلى:
· دول أعلنت تبنيها الأطروحة القومية والتزمت فعليا بأطروحة قطرية فجة ترقى في كثير من الأحايين إلى العنصرية ( = الاستعلائية ) إن لم يكن الانغلاق.
· تربية أجيال بحالها على القطرية والاعتزاز بالذات القطرية، آل بعضها أو أقسام كبيرة من السكان إلى التنكر للعروبة والأصول القومية.
· التشدد في ممارسة المركزية كخيار الدولة العاصمة نجم عنه إيقاع للتمايز واللامساواة داخل البلد الواحد وعدم التوزيع العادل للثروة.
· ظهور الأطروحة القومية كأطروحة نخبوية وليس كأطروحة شعبية، بمعنى أن التفاعل في الأطروحة القومية ولد ونشأ وترعرع في مستويات ثقافية وسياسية عليا لم يكن للتشكيلات الاجتماعية شأن بها، وإن تفاعلت معها في بعض الأحايين.
· تحول الأطروحة القومية إلى مادة للسخرية والحقد والانتقام لدى كافة التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزئيا أو كليا، في الداخل القطري والخارج الإقليمي.
· تفكيك الجغرافيا والديمغرافيا القطرية إلى جزر طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة إلى حد التناحر.
لا شك أن مثل هذه الزراعات الأيديولوجية خلفت نبَتا مشوها ومدمرا في كثير من البلدان العربية، وأنتجت جزء من أمة عربية عنصرية وصريحة في عدائها للأطروحة القومية، وجزء آخرا مناصرا لها ولكنه في واقع الأمر لا يشعر بها ولا يدري ما هي استحقاقاتها والأهم من كل ذلك أنه فاقد لأي نمط حضاري في معايشتها كونه ولد وعاش ونشأ في بيئة قطرية منغلقة على الأقل وذات حدود ضيقة.
فالفرد العربي في أية دولة عربية يعتبر عمله، مثلا، في دولة أخرى غربة قاسية اضطر إلى تحمل مشاقها بسبب الحاجة الاقتصادية، وفي واقع الأمر نحن بصدد فرد لا يطيق مجرد الانتقال للعمل في بلد مجاور أو حتى في مدينة تبعد عن مسقط رأسه مسافة مائة كم، فهل من الممكن أن يصدق المرء أن ذات الفرد قادر على بناء وطن عربي كبير، ناهيك عن العيش فيه، فيما هو عاجز عن مبارحة مقر سكنه؟! ولو قسنا المسألة في دول ذات مساحات شاسعة كتلك التي لم تشهد تقسيما استعماريا مثل الهند أو الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة لوجدنا أن أبناءها لا يتذمرون من الانتقال للعمل أو حتى العيش في أنحاء مختلفة من الوطن، بل أننا نجد موظفين يعملون في مناطق داخل بلدانهم تبعد مسافة ساعتين أو ثلاثة عن مقر سكناهم، وبعضهم ذو نزعة قارية في اختياره لمقر العمل أو الإقامة حيث تجده يعمل في قارة ويقيم في أخرى ويقضي إجازته في ثالثة وهكذا. فكيف يمكن الترويج لأطروحة قومية تتوسط بقاع الأرض وتمتد على مساحة تقدر بنحو 14مليون كيلومتر مربع وسط مئات الملايين من السكان؟ في حين لا يشعر الفرد العربي ولا يستسيغ القول بأن الفرق في الوطن الأميركي بين نيويورك ولوس أنجلوس لا يختلف كثيرا عن الفرق في الوطن العربي بين صنعاء ودمشق لولا أن للضرورة أحكام؟
أما على المستوى التنظيمي للجماعات العلمانية فلو أخذنا التجربة الفلسطينية الأغنى عربيا لوجدنا أن المقاتلين الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية فضلوا التمثل والتميز برموز الكفاح الأممي مثل الجنرال الفيتنامي جياب وجيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو وماركس ولينين على رموزهم الوطنية والإسلامية مثل جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وموسى بن نصير وقتيبة بن مسلم وصلاح الدين وخالد بن الوليد ومصعب بن عمير وحمزة ونور الدين زنكي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك إذا عرفنا مثلا، وحتى هذه اللحظة، أنهم ليسوا بقادرين على تقبل الأطروحة الإسلامية كرصيد معرفي هائل يمكن أن يساهم على الأقل إن لم يوجه الكفاح ضد إسرائيل العلمانية والتي قامت ودافعت عن نفسها حتى اللحظة بمصطلحات توراتية. ولما يتعرضون لنقاشات مثلا عن قضيتهم مع أفراد إسلاميين ينتمون إلى حماس أو الجهاد أو أية جهة إسلامية أخرى (فردا أو جماعة)، حتى لو كانت غير منتمية، تجدهم في قمة الشعور بالاستفزاز بحيث يجيبون بعصبية تصل إلى حد الإهانة والسخرية وبما يشبه التنكر والإنكار: أين كان هؤلاء لما كنا نواجه إسرائيل وحدنا؟ ولماذا قاتلوا بأفغانستان؟ أليست فلسطين أقرب لهم؟ ولعلهم محقين فيما يعتقدون بما أن الأيديولوجيا القطرية التي يحملونها تعودت أن تتسع لأيديولوجيا صديقة قادمة من الصين أو موسكو أو فيتنام أو حتى الولايات المتحدة وتفاخر بها وتدافع عنها وتستميت في سبيلها ولكنها لا تتسع لشريك في الكفاح حتى لو كان من آل البيت، وأسوأ من ذلك أن البنية الذهنية والإدراكية والمعرفية والتصورية لهم لا يبدو، مهما حاولت من جهد، أن تستجيب في تطلعاتها وطموحاتها، في أحسن الأحوال، لأكثر من محيطها التنظيمي المنغلق[16]، فكيف ستستجيب لمحيط عربي أو إسلامي ناهيك عن العقيدة والدين وما يتطلبانه من عبور نحو العالم. ويستحضرنا في هذا السياق امتناع الدول الصديقة الكبرى عن الاقتراب من المواقف الفلسطينية والعربية ومناصرة قضاياهم لخشيتها من تقلب مواقفها وعدم اتضاح خياراتها وتقوقعها وانحسار طموحاتها في الدولة أو التنظيم أو القبيلة أو السلطة أو الامتياز وكأنها غنيمة العمر، فعلامَ تراهن دولة مثل الصين مثلا أخطأ أحد مسؤوليها في يوم ما عندما صرح بأن بلاده لن تعترف بإسرائيل حتى لو اعترف بها العالم أجمع!؟
ولو عاينا الأطروحة الإسلامية بين شريحة من ذوي النزعة الجهادية العالمية فهل سيبدو الأمر مختلفا ومثيرا للانتباه؟ لنتابع القبس التالي:

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 07:48 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
" .... عندما رأيت أفغانستان وقع في قلبي أن هذه الأرض هي التي نبحث عنها لإقامةدولة إسلامية ... لأن فيها الجبال, والحدود المفتوحة, ودولاًمتعاونة مثل باكستان, وأناساً يمدون إليك يد المساعدة, ثم هي بقعة واسعة, والشعبكله معك... "[17].
هذا القول لعبد الله عزام مؤسس وقائد حركة المجاهدين العرب في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي. فهناك، في البقعة الواسعة، بنيت قواعد عسكرية للمقاتلين العرب، ومثلها لآلاف المسلمين من غير العرب ممن شاركوا في الجهاد الأفغاني، بل أن الكثير منهم ارتحلوا إلى هناك للعيش في أفغانستان وأسسوا لأسرهم مواطن جديدة، والأمر الجدير بالذكر أن معسكرا تأسس في أفغانستان إبان حكم طالبان ضم آلاف المقاتلين العرب وغير العرب ولكن من غير الأفغان، والأجدر بالملاحظة أنهم تماثلوا فيما بينهم من حيث نمط حياتهم بالكامل من الملبس والمشرب والمأكل والمسكن وحتى الشكل، وكأن المرء لا يرى فيهم إلا مقاتلي الصدر الأول من الإسلام. وحدث مثل هذا الأمر بالضبط في الشيشان حيث برز من بينهم قادة ميدانيين لا يقلون بأسا وجبروتا عن الزرقاوي أو بن لادن مثل القائد العربي الشهير خطاب. كما حدث في ألبانيا والبوسنة والهرسك، ونسبيا في أوزباكستان وطاجيكستان وتركستان الشرقية وكشمير والفلبين. ولما عاد قسم من هؤلاء إلى مواطنهم الأولى بعد انتهاء الحرب تبين أن الكثير منهم شبه عاجزين عن الاندماج حتى مع أهاليهم ناهيك عن مجتمعاتهم أو حكوماتهم، فعاد بعضهم إلى أفغانستان أو الشيشان واعتقل الكثير منهم على خلفية ما اشتهروا به من تسميتهم بـ " الأفغان العرب " واندمج بعضهم وتراجع آخرون وانزوى الكثير منهم أيضا.
أما عن علاقاتهم البينية فلا يحكمها أي بعد قومي أو عرقي أو قطري، ولو كانوا كذلك لما نجحوا مطلقا ولطردوا شر طردة. فقد دافع الملا عمر زعيم حركة طالبان عن تنظيم القاعدة وقادته وعناصره دفاعا مستميتا، وفضل مواجهة الأمريكان في حرب خاسرة على تسليم بن لادن لهم إثر تفجيرات نيويورك. وهاهو بن لادن والظواهري وعناصر القاعدة يعيشون حتى الآن في أفغانستان وربما، كما يقال، على الحدود المشتركة مع باكستان بحماية القبائل المحلية تحت ضغط ومطاردة أعتى القوى الاستخبارية في العالم.
ولمن شاهد الشريط الذي بثه مجلس شورى المجاهدين وظهرت فيه شخصية الزرقاوي بدون اللثام، من المؤكد أنه لاحظ عبارة ترحيب لطيفة ممزوجة بهيبة وأدب جم حين تقدم إليه أحد القادة الميدانيين من العراقيين بينما هو جالس يقول له: " حيا الله شيخنا الفاضل في أرض الأنبار، أرض الجهاد والرباط ... شيخنا الكريم ...". فأية أيديولوجيا تتيح لرجل في بلده أن يؤمّر عليه قائدا غريبا عن دياره لمقاتلة أعدائه، ويخاطبه بلفظة " شيخنا " وليس " سيدي " مثلا؟ والمثل يقول: " أهل مكة أدرى
بشعابها"؟ وما الذي يسمح لغريب أن يتسيد أهل الدار؟
نفس الأمر ينطبق على القائد العربي خطاب في الشيشان والذي خاض حرب عصابات ومعارك أسطورية ضد الجيش الروسي لم تعادلها إلا معارك أعظم رموز الحرب الشيشانية القائد شامل باساييف. أما القائد الأفغاني المميز قلب الدين حكمتيار فمن المعروف أنه كان أشد خصوم طالبان إلا أنه لم ينزلق لحظة واحدة في التعامل مع الأمريكان بل أمر أتباعه بالقتال تحت إمرة طالبان عشية الغزو الأميركي لبلاده، ولكن المثير حقا أن يخرج هذا الزعيم الأفغاني ليعلن على الملأ وباللغة العربية الفصحى رغبته بالانضمام إلى تنظيم القاعدة والقتال تحت إمرة بن لادن والظواهري ليس بصيغة الصديق أو الحليف بل بصيغة المهاجرين والأنصار، فنراه يقول:
" ... نحن نشكر جميع المجاهدين العرب بالأخص الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهما من القادة الذين ساعدونا في جهادنا ضد الروس ... وقدموا تضحيات باهظة لن ننساها لهم نحن والأجيال القادمة على هذا المعروف الكبير، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا ويساعدنا في أداء واجبنا تجاههم ويمكننا من رد الجميل على ما قدموه لنا من الدعم والتضحيات ونتمنى أن نشاركهم في معركة يقودونها هم، رايتها بأيديهم، ونحن واقفين بجانبهم كأنصار لهم"[18].
أما أبو يحيى الليبي فقد فر من سجن باغرام الأمريكيفي كابول مع ثلاثة من رفاقه بتاريخ 10/7/2005م، وخرج على الملأ يتحدى في قلب أفغانستان ويتوعد بجولات قتال مع الأمريكان قادمة لا محالة، وكأنه أفغاني المولد والنشأة ويعرف البلاد والعباد بحيث تؤمن له حماية معقولة في وقت تقوم طائرات الاستطلاع وقصاصي الأثر وأجهزة التتبع بملاحقة خطواته لحظة بلحظة.
ببساطة، فإن مثل هؤلاء الناس لما يتحدثون بمنطق الدولة الإسلامية أو الإمارة وأمير المؤمنين أو مقاتلة قوى الكفر والظلم والبغي أو المهاجرين والأنصار فهم يتحدثون في واقع الأمر بمنطق الأمة الإسلامية بديلا عن الشعب السعودي أو الأردني أو المصري أو الليبي...إلخ وبمنطق الوطن الإسلامي بديلا عن الوطن العربي الذي لم يكن كائنا أصلا في العصور الإسلامية، وبالتالي فمرجعيتهم السلفية والتاريخية تؤهلهم إلى العيش والتنقل في سائر ما يعتقدون أنه أمة إسلامية ووطن إسلامي غير آبهين ولا متذمرين من المسافات واختلاف الملل والنحل طالما أن هذا العالم الإسلامي
من المفترض أنه يتسع لكل المسلمين بقطع النظر عن مقار ولادتهم أو سكناهم.
ومما هو جدير بالذكر والتفكر والتوقف عنده، وهو ما لا يريد أن يسمعه أحد أو يتقبله كحقيقة ساطعة وبديهية، أن المنطق الإسلامي يأبى في الصميم التمايز على أسس عرقية أو اجتماعية أو مادية أو قرابية كبديل عن معايير التقوى والورع وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر[19]. ولو جرى التفكير بهذه الحقيقة لاختلفت التحليلات والتفسيرات بمقدار 180 درجة عما هو مألوف. ونذكر بأن هذه الخصيصة هي التي جعلت جميع التيارات الجهادية تشيد صروح تربيتها لعناصرها على أساس عقيدة "الولاء والبراء لله" التي أفردت لها حيزا كبيرا جدا من أدبياتها لتكون واحدة من أهم ثلاث قضايا مركزية قامت عليها هذه التيارات[20].
هذه العقلية المحصنة بمرجعية سلفية منهجية صارمة والتي ليس لديها من معايير للقياس والمقاربة إلا القرآن والسنة وأهل السلف والإجماع ستؤدي حتما إلى ولادة مقاتل إسلامي عالمي غير مألوف في ثنايا العقود اللاحقة على انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي، مقاتل عنيد يمكن أن يتوجه، دون تردد، إلى حيث تأتيه توجيهات الأمير، مقاتل "يعتقد أن الله معه" في كل مكان وزمان "وأن الله أكبر"[21] من كل العقبات والطغاة، هكذا هو في نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن واندونيسيا واستانبول وكينيا والرباط واليمن والسعودية والكويت وتونس وعمّان وطابا وشرم الشيخ وغيرها. فهل يمكن لأية عمليات تأهيل أن تنجح في ثنيه عما يعتقد بسهولة؟


المسألة الثانية: التكون التاريخي لتنظيم القاعدة


يمكن لأي ثوري أو مجاهد أو معتقد به أو مناصر له أن يرى في "القاعدة" كتنظيم مسلح واحدا

من أشد التعبيرات غموضا في العصر الراهن. وحتى الباحث سيجد نفسه، للوهلة الأولى، إزاء أطروحة غير محددة المعالم إطلاقا ولا من أية زاوية. فلسنا إزاء حزب سياسي له جناح عسكري، ولا تنظيم سري أو علني يمكن الوقوف على الهياكل التنظيمية المكونة له من قيادات وأفراد ومؤسسات وجغرافيا للعمل، ولا أيديولوجيا معينة ولا جهاز مالي ولا أهداف محددة مرحليا أو استراتيجيا، ولا منظومات اتصال معروفة جزئيا أو كليا. حتى أبو مصعب السوري توقف عن التعرض لتجربة تنظيم القاعدة بعد صفحة واحدة من البداية ليعتذر في الثانية معللا ذلك بخطورة ما سيكتبه بسبب وجود معتقلين من التنظيم بين أيدي المخابرات العالمية والعربية[22]. باختصار نحن إزاء تنظيم هلامي ولكنه حقيقي ويستوجب محاولة الفهم. لذا من الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود نظريتين تتوجهان نحو تقديم توصيف للقاعدة. والمقصود:
1- نظرية تعتقد بوجود تنظيم عالمي حيوي للقاعدة يمتد على مساحة الكرة الأرضية، ويضم عشرات الخلايا العاملة في شتى المجالات الأمنية والأيديولوجية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، وتتلقى توجيهات مباشرة أو غير مباشرة عبر شبكات اتصال ميدانية أو إلكترونية، وبنفس الوقت تتمتع بمبدأ اللامركزية في القيادة مما يتيح لها التحرك دون العودة إلى القيادات العليا في التنظيم. وهذه النظرية تدافع عنها الأجهزة الأمنية العالمية. وعلى أساسها تبني الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجياتها وتخوض حربا معلنة باسم مكافحة الإرهاب.
2- نظرية أخرى تعتقد بأن القاعدة باتت مجرد فكرة وقع تبنيها من المجموعات والأفراد على السواء، وتنشط بمبادرات ذاتية مشكلة في بعض الأحايين ما يسمى بالخلايا النائمة. وتدافع شرائح كبيرة من المثقفين والباحثين والمحللين وحتى المؤسسات الأمنية عن هذا الاعتقاد.
وفي حقيقة الأمر تبدو النظريتان على قدر كبير من الصحة. فالقاعدة لم تكن تنظيما بالأساس منذ احتلال أفغانستان سنة 1978 وحتى ما بعد سقوط كابول 1992 في أيدي المجاهدين. فماذا كانت إذن؟ نطرح السؤال في الوقت الذي يعيب فيه أبو مصعب السوري على الجماعات المجاهدة فشلها في توصيف نفسها وتحولها إلى تيارات جماهيرية مما كان سببا يضاف إلى سلسلة الأسباب التي أدت إلى إخفاقها في تحقيق أهدافها. لذا نراه يتساءل عن: "الجماعة المجاهدة: ما هي؟ وما هو تعريفها؟ ما طبيعة علاقتها مع ما حولها من الجماعات؟ وما مشروعية تعدد تلك الجماعات المجاهدة وغير المجاهدة؟ وما نسبة صلاحياتها وفحواها إلى جماعة المسلمين العامة؟ وما مسوغات و شرعية وجودها؟ ".
ولا شك أن التساؤلات المطروحة تمثل، في الوقت ذاته، شروط أولية للنجاح بنفس القدر الذي تؤشر فيه على الاختلالات البنيوية والمنهجية في عمل وتفكير التيارات الجهادية، ومن هذا المنطلق كانت موضع بحث مستفيض احتواها مشروع " دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" وسلسلة الأبحاث التي أنجزها أبو مصعب السوري، ولا شك أيضا أن بعضها يمثل مفاتيح للاسترشاد بها للتعرف على
تنظيم القاعدة.

[1] لاحظ الجابري في وضعية انتشار الإسلام في الجزيرة بعد فتح مكة، أن القبائل العربية أخذت في التوافد على مكة لمبايعة الرسول على الدخول في الإسلام تحت ضغط الفتح، ما يعني أن الإسلام لم يكن لدى القبائل المبايعة على أساس من التعلم والتفقه بالدين بقدر ما كان على أساس المبايعة، مما أفقدهم بالمحصلة لأصول الدين فخلطوا الشرك بالتوحيد مع مرور الزمن. قارن مع: محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، ط2- 1991، بيروت- لبنان، ص150-151.

[2] ثمة انتقادات منهجية متعددة لكتاب التوحيد، منها ما يراه د. محمد المسعري في أن المشكلة تكمن في تعريف التوحيد ونواقضه عند محمد بن عبد الوهاب مما يسقط البناء برمته. مقابلة صوتية مع إذاعة التجديد بعنوان: "تساؤلات منهجية حول الدعوة الوهابية"، على موقع التجديد في الشبكة: https://www.tajdeed.org.uk/sound/list.do?cid=20.

[3] راجع العميد د. محمد بن صنيتان، الوهابية .. دعوة سلفية، مجلة الحرس الوطني السعودية،العدد 244، 1/10/2000. على موقع المجلة في الشبكة: http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=93050

[4] د. أحمد فريد السكندري، السلفية قواعد وأصول، 25/8/1426، بحث من 30 صفحة على موقع شبكة صيد الفوائد: http://www.saaid.net/book/7/1135.doc، وفي سلسلة لقاءات بتاريخ 26 ربيع الأول1421هـ مع الشيخ عبيد بن عبدالله بن سليمان الجابري، المدرس بالجامعة الإسلامية سابقاً بعنوان: "أصول وقواعد في المنهج السلفي- الجزء الأول"، حيث يشير إلى أن مفهوم أهل السلف: " لا ينصرف إلا إلى القرون الثلاثة المفضَّلة؛ وهم: أصحاب النبي ، ثم التابعون، ثم أتباع التابعين"، ص3. على موقع شبكة سحاب:
http://www.sahab.net/sahab/showthread.php?threadid=305314.

[5]اليكسي فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، شركة المطبوعات، بيروت – لبنان، ط2- 2000، الفصل الثاني- ص1. كتاب رقم 77 على موقع مكتبة الحرمين على الشبكة: http://www.alhramain.com/text/kotob/Acrobat/77/f.htm.

[6] راجع العميد د. محمد بن صنيتان، مرجع سابق.

[7]نفس المرجع.

[8] للمقارنة والمراجعة في، نفس المرجع.

[9] محمد بن شاكر الشريف، السلفية: المفهوم والتحديات، مجلة البيان السعودية، على موقع الشبكة:
http://www.albayan-magazine.com/bayan-221/salafya/index.htm. وكذلك يمكن العودة إلى المفكر الفرنسي"أوليفيه روا" في مقالته بعنوان "وهم العودة الى الجذور: نقدالإسلام الحرفي"، حيث يقدم السلفية بوصفها: "... ليس حركة منظمة بل رؤية للإسلام تعطي الأولوية إلى قراءة حرفية وصارمةللقرآن وتتخذ موقفا نقديا من التاريخ الإسلامي نفسه الذي تلا المجتمع المثالي فيزمن الرسول والصحابة". موقع "جدل" على الشبكة:
http://www.jadal.org/?p=205.

[10] مقابلة مع نواف القديمي أحد الناشطين في التيار أجراها موقع إخوان أون لاين على الشبكة بتاريخ 28/02/2004، http://ikhwanonline.net/Article.asp?ID=5079&SectionID=202.

[11] في سؤال وجهه له الصحفي تيسير علوني خلال مقابلة أجراها معه في أفغانستان في أكتوبر عام 2001 ولم تنشرها قناة الجزيرة نفى أسامة بن لادن تهمة تكفير الناس إلا ما تعلق "بارتكاب ناقض من نواقض الإيمان المعلومة من الدين بالضرورة أو جاهر به أو أنكره"، وكذا قال أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة. كما اختلف أحد أكبر منظري التيار الجهادي العالمي أبو محمد المقدسي مع أبو مصعب الزرقاوي في تكفيره للطائفة الشيعية ( مقابلة المقدسي مع ياسر أبو هلالة =
= مدير مكتب الجزيرة في الأردن في 5/7/2005)، ومن الطريف أن الزرقاوي تجنب التكفير بعد ذلك وهو ما أكده الشريط المرئي له قبل اغتياله ( راجع قرائتنا لشريط الزرقاوي بعنوان: "قراءة في الظهور المفاجئ للزرقاوي، صحيفة الحقائق الدولية في لندن بتاريخ 5/3/2006) ومجلة العصر الإلكترونية، ومن جهته حدد أبو مصعب السوري في أحدث دراسات له ضوابط التكفير مدينا في الوقت نفسه ما يسميه بآفة التكفير التي ضربت التيار الجهادي وآذته في العمق. راجع: أبو مصعب السوري: مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر 1996-1998، 1/6/2004، وكذلك: أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م. وسنعتمد بعد هذه الحاشية اسم" أبو مصعب السوري" للدلالة على المرجع الثاني فقط مع الالتزام بذكر باقي مؤلفات الكاتب حيثما ترد.
[11]نفس المرجع، ص708.

[12] تقرير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) بعنوان "تفهم التيار الإسلامي"، القاهرة – بروكسل، 2 آذار 2005. في موقع المجموعة على الشبكة:
http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=3300&l=6، وكذلك وتقارير مؤسسة رانـد" Rand Corporation " الأمريكية خلال الفترة بين 2003 – ربيع 2004 بخصوص الديمقراطية والإصلاح الإسلامي. على موقع جامعة الدول العربية.
http://www.arableagueonline.org/las/arabic/details_ar.jsp?art_id=3672&level_id=696

[13] 85 باسل الكبيسي، حول حركة القوميين العرب، مطبعة الناصر، لقدس، 1974 ، ص21.

[14] أبو مصعب السوري، مرجع سابق،ص 698.

[15]نفس المرجع، ص708.

[16] وللإنصاف فإن ما ذكر ينطبق حتى على الجماعات الإسلامية الجهادية والدعوية والسلمية وليس فقط على التنظيمات العلمانية. فهؤلاء يعيبون على الجماعات الوطنية العلمانية مثلا بأنهم يقاتلون في سبيل الطواغيت وليس في سبيل الله.

[17] أسامة مناصفي، السلفية الجهادية: بدايات ومآلات (3-10بحث خاص بموقع "إنباء" الإخباري ـ31/12/2004،http://www.inbaa.com/modules.php?name=Content&pa=showpage&pid=60. ويقدم كتاب "عبدالله عزام المعنون بـ "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" أفضل وصف لبلاد واعدة لإقامة الدولة الإسلامية فيها.

[18]كلمة حكمتيار المصورة باللغة العربية، والتي بثتها قناة الجزيرة بتاريخ 4/5/2006. ويعلق الصحفي أحمد موفق زيدان بأن: " دخول حكمتيار على خط المواجهة مع الغرب وتحديدا استعداده للقتال إلى جانب ابن لادن والظواهري ضد القوات الأميركية يشير إلى أن معركة حكمتيار ليست مع القوات الأميركية في أفغانستان فحسب، وهذه أول ممارسة عملية لزعيم أفغاني تجاه الأحداث العالمية، فقد آثر زعماء الحرب الأفغانية في السابق حصر أنفسهم ومواجهتهم في داخل أفغانستان مبتعدين عن الأحداث العالمية باستثناء الدعم والمساندة الكلامية والخطابية". بلوج الصحفي:
http://www.maktoobblog.com/ahmedzaidan?post=35031.

[19] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 964. وللأهمية نثبت النص التالي فيما يتعلق بعقيدة الولاء والبراء وأسس التمايز: " بصرف النظر عن أجناس البشر وألوانهم, واختلاف لغاتهم وشعوبهم, وغناهم وفقرهم, أو أي اعتبار آخر. فقد اعتبرت الشريعة لهم نسبتان فقط هما: مؤمن وكافر. كما قررت أن الكفار على اختلاف مذاهب كفرهم, وأجناسهم, وشعوبهم, ولغاتهم ملة واحدة. وبهذا الوضوح تقرر أن أهل التكليف إنسهم وجنهم في هذه الأرض أمتان: أهل الإيمان وأهل الكفر. وقال عز وجل: ] وإن هذه أمتكم أمة واحدة- المؤمنون، 52[. وقررت بينهم رابطة الولاء وواجباتها. وقررت أن التفاضل بينهم على أساس التقوى. كما قررت أن الكفار على اختلاف مذاهب كفرهم, وأجناسهم, وشعوبهم, ولغاتهم (ملة واحدة) ... ولم تقم أمام عقيدة الولاء والبراء ولم تعتبر أي رابطة أخرى.. حتى ولا أشد أواصر القربى". ولعله الوحيد الذي لاحظ: " أن الحركة الإسلامية الجديدة لا تقرّ بالتمايز الطبقي في المجتمع، بل أنها تتعدى الطبقات وتحتويها كلها في الوقت نفسه، على عكس الإيديولوجيات والأنظمة الفكرية التي تصور المجتمع، والتي ظهرت ابتداء من القرن التاسع عشر ممثلة المجتمع على أنه قائم على وجود طبقات اجتماعية وجماعات ومصالح…الخ… وتَصوُّرها للواقع الاجتماعي ينطلق من رفض مبدئي للتمييز بين الاجتماعي كعنصر حاسم في التحليل. فحركة الأصوليين تنظر إلى المجتمع على أنه كيان توحده العقيدة، وليس كيانا تربطه مجرد مصالح عملية وعلاقات إنسانية سطحية. علي الكنز: الإسلام والهوية - ملاحظات للبحث، ندوة الدين في المجتمع العربي، 1990، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، ص92.

[20] المقصود قضيتي الجهاد والحاكمية.

[21] هيرمان فريدريك ايليتس، "الأصولية الإسلامية: بحث عن نظام جديد"، دراسة مترجمة عن مجلة "ميديترانيان كوارتلي، العدد الرابع – المجلد الأول. وباللغة الإنجليزية: Herman F.Elits-(Islamic Fundamentalism Aquest A New Order Mediterranian Quartly, vol 1, No4, Fall 1990.

[22] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص791.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 07:52 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
أولا: المستوى النظري الأول من التوصيف (1984- 1992)
تكمن المسألة هنا في النشأة لاسيما خلال المرحلة الأولى من الجهاد الأفغاني حين انتقل الشيخ عبدا لله عزام وأسامة بن لادن إلى أفغانستان للمشاركة في الجهاد الأفغاني ضد الروس. فبالتزامن مع ما عرف بـ"بيت الأنصار" الذي افتتحه بن لادن في مدينة بيشاور الباكستانية سنة 1984 لاستقبال المتطوعين العرب مؤقتا أسس عبد الله عزام مكتب خدمات المجاهدين العرب. وتكاملت نشاطات الرجلين بحيث يؤدي المكتب المهمةالإعلامية وجمع التبرعات وحث المسلمين وخاصة العرب على الجهاد بالنفس والمال فيما يؤديالبيت المهمة العملية في استقبال وتوجيه الراغبين في الجهاد أو الاطلاع على أوضاعالأفغان. وظل بن لادن يتردد على أفغانستان مقدما دعمه المالي للمتطوعين العرب إلى أن تفرغ للعمل الجهادي الميداني في أفغانستان ابتداء من سنة 1986.
وبالتعاون مع بعض الكوادر من تنظيم الجهاد المصري من أوائل من قدم إلى أفغانستان؛ افتتح بن لادن مركزا عسكريا متقدما على أحد المعابر الهامة لإمداد المجاهدين في منطقة (جاجي) الجبلية الوعرة التي تنتشر فيها الغابات. وخلال هذه الفترة وصل عدد المجاهدين الذين التحقوا بساحات القتال في أفغانستان تدريجيا إلى ما يزيد عن أربعين ألفا من مختلف الجنسيات موزعين على النحو التالي:
الأعداد التقريبية للمتطوعين في الجهاد الأفغاني حتى سقوط كابول سنة 1991[1]
البلد الأصلي
العدد التقريبي
السعودية
20000
اليمن
5000
مصر
4000
الجزائر
2000
المغرب (مراكش)
عدة مئات
ليبيا
عدة مئات
فلسطين
عدة مئات
إمارات الخليج العربي
عدة مئات
تونس والعراق وسوريا ولبنان وموريتانيا والصومال
أرقام تتراوح بين المئات وعشرات
العدد الإجمالي: أكثر من 40000 متطوع
هذا بالإضافة لعشرات آلاف المجاهدين الباكستانيين الذين حضروا وشاركوا من خلال تجمعات
ومعسكرات مستقلة أو مع الأفغان مباشرة.
وهكذا فمع توسع فكرة الجهاد وزيادة الأعباء واحتدام المعارك، وابتداء من سنة 1988 برزت الحاجة إلى ضرورة وجود سجلات توثق لحالات الوصول والشهداء والجرحى بعد أن احتدمت المعارك وتكاثرت استفسارات الأهالي عن أبنائهم خاصة أولئك القادمين من السعودية واليمن وما سببته من حرج لعدم توفر الإجابات. ويشير أحد المعنيين في قضايا الجهاد الأفغاني إلى أصول التسمية بالقول:
" أحس أسامة أن نقص هذه المعلومات أمر مخجل فضلا عن أنه خطأ إداري مبدئي. من هناقرر أسامة ترتيب سجلات للأخوة المجاهدين العرب. ووسعت فكرة السجلات لتشمل تفاصيل كاملة عن كل من وصلأفغانستان بترتيب من مجموعة الشيخ. ورتبت السجلات بحيث تتضمن تاريخ وصول الشخص والتحاقه ببيت الأنصار ثم تفاصيل التحاقه بمعسكرات التدريب ومن ثم التحاقه بالجبهة.وأصبحت السجلات مثل الإدارة المستقلة، وكان لا بد من إطلاق اسم عليها لتعريفهاداخليا، وهنا اتفق أسامة مع معاونيه أن يسمونها سجل القاعدة، على أساس أن القاعدةتتضمن كل التركيبة المؤلفة من بيت الأنصار ومعسكرات التدريب و الجبهات"[2].
هكذا ظهرت التسمية كما يروي أحد المقربين أو المطلعين على ترتيبات المجاهدين في أفغانستان آنذاك. إلى هنا تبدو القاعدة إطارا تنسيقيا خدميا يتوفر على بعض الإدارة ذات المهام المحددة. وستظل كذلك دون أن تظهر كتنظيم مستقل على الإطلاق إلى أن تنتهي المرحلة الأولى من الجهاد الأفغاني سنة 1992 بهزيمة الجيش الأحمر وانسحابه من أفغانستان، ويتمخض عن انتصار المجاهدين في حينه:
· عودة الأفغان العرب وغير العرب إلى بلدانهم لاسيما أولئك الذين لم يكن لهم مشاكل أمنية تذكر مع حكوماتهم.
· فيما بقيت أعداد قليلة جدا ممن لم يستطيعوا العودة خشية الملاحقة والمطاردة.
· وتاه عدد كبير منهم في أوروبا كملاذات آمنة.
· أما أسامة بن لادن فاتجه نحو السودان سنة 1991 مع أنصاره ومعاونيه للاستثمار هناك وبدء الإعداد لإقامة دولة إسلامية هناك.
من الواضح أن التسمية ارتبطت بظروف معينة، ومن الأوضح أيضا أن القاعدة كتنظيم ارتبطت بأسامة بن لادن. وستكون الفترة الممتدة بين عامي 1992– 1996 حاسمة على كافة الأصعدة المتعلقة ببروز القاعدة كتنظيم جهادي فريد من نوعه. ولكن متى؟ وكيف؟ فمنذ أن قرر بن لادن الاستقرار في أفغانستان ومباشرة العمل الميداني سنة 1986 إلى حين الهزيمة السوفياتية الساحقة والذهاب إلى السودان لم يكن له سوى هدفين مركزيين هما:
· هدف عام يتمثل في المشاركة في الجهاد الأفغاني وإقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان.
· هدف خاص يتمثل بمشروع جهادي يكون اليمن الجنوبي الشيوعي ساحته،وقد باشر ذلك

خلال سنتي (1989-1990) واستمر في محاولته إلى قيام الوحدة[3] ولكن دون أن يحقق أي نجاح يذكر بسبب ما اعتبره خذلانا من الزعماء التقليديين للجماعات الإسلامية لاسيما الشيخ مقبل الوادعي شيخ السلفية هناك.
لذا فقد حبذ العمل، في أفغانستان، مستقلا إلى جانب التيارات الأخرى المشاركة والتي عملت بنفس الطريقة من الإعداد والتدريب والتوجيه لأهداف قطرية، وكان له ما أراد. ولم تكن له، طوال مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، عداوات ولا مشاكل كبيرة مع الحكومة السعودية حتى ذلك الحين، ولم يكن ميالا حتى لفكرة عولمة الجهاد إلى أن ظهرت مشكلة الكويت سنة 1991 واستقدام القوات الأميركية إلى الجزيرة العربية وما خلفه هذا الاستقدام من زلزال عنيف أصاب الأمة وقسمها أفقيا ورأسيا ليس على خلفية احتلال العراق للكويت بل على مشروعية وجود قوات غربية صليبية في أرض الحرمين والاستعانة بها. وكانت التيارات الجهادية العاملة في أفغانستان أكثر من عانى من آثار هذا الزلزال. وتأسيسا على حالة الانقسام هذه بين ساسة الأمة من جهة وبين علمائها من جهة أخرى مثلت السنوات الفارقة بين السودان وطالبان المخاض الفكري الحاسم لدى بن لادن والذي انتهى إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الأنظمة السياسية العربية قاطبة متهما إياها بالكفر والردة والتعاون مع الأعداء. وكان لهذا التحول سببين كما يورد أبو مصعب السوري:
· تأثر بن لادن بتيارات الجهاد الإسلامي القادمة من مصر.
· الحضور الأمريكي والغربي الكثيف للقوات المسلحة في الجزيرة العربية بدعوة من حكامها،
والأنكى منه ما اعتبره تشريعا من هيئة علماء المسلمين الرسمية لهذا الحضور.
ومن الطبيعي أن يستدعي هذا التحول مواقف جديدة كل الجدة، ستدفع بن لادن تدريجيا إلى الصعود أكثر من درجة على السلم حيث سينتقل من صاحب مشروع جهادي محدود إلى زعيم لتنظيم جهادي عالمي، ومن معارض ليّن بالنصيحة والمذكرات والرسائل للحكومة السعودية ولهيئة علماء المسلمين وعلى رأسها الشيخ ابن باز إلى معارض شديد وصعب المراس يصب جام غضبه على السلطة وهيئة العلماء بحملات إعلامية نشطة ومكثفة، ومن معارض للوجود الأميركي ونازع للشرعية السياسية والدينية عنه إلى ذروة السلم كمقاوم بالفقه الشرعي وبالسلاح للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة وفي شتى بقاع الأرض. وتبعا لذلك، وعبر نمط الإسلام الشمولي والعالمي، كان ينبغي التوقف عن المشاريع المحدودة وأن يجري الاستحضار الشرعي للقضية الفلسطينية برمتها عبر الربط الطبيعي بين ما يراه عدوانا أمريكيا على المسلمين في العالم وعدوانا إسرائيليا صهيونيا على المسلمين في فلسطين وبالتالي إضافة المسجد الأقصى إلى قضية الحرمين الشريفين[4].
ولكن قناعته في السودان التي تحولت إلى ملاذ آمن تحكمه الشريعة سرعان ما بددته الوقائع. ففي سنة 1995 خلال عهد الرئيس بيل كلينتون نفذت الولايات المتحدة برامجها في مكافحة الإرهاب والتي تمثلت بإغلاق كافة الملاذات الآمنة أمام من تعتبرهم إرهابيين، وعملت على نقل وتوسيع مستوى التنسيق الأمني من الحالة الإقليمية إلى الحالة الدولية، وفرضت على الدول توقيع اتفاقيات أمنية لتبادل المطلوبين وطرد ما لديها ممن تعتبرهم إرهابيين أو تسليمهم إلى بلدانهم، وهي سياسة تضخمت إلى حد التخمة في عهد الرئيس بوش الابن لاسيما بعد هجمات سبتمبر. وهكذا لم يجد بن لادن ومن معه من أنصار وقوى جهادية احتمت بالسودان إلا الرحيل صوب إمارة طالبان وبدء المرحلة الجديدة من الجهاد الأفغاني سنة 1996 تحت مظلة ومبايعة الملا محمد عمر زعيم الطالبان. غير أن واقع الأمر مختلف هذه المرة، فالعائدون تغلب عليهم صفة النخبة من بين التيارات الجهادية المختلفة، كما أن عددهم لم يتجاوز في أحسن الحالات بضعة آلاف مع أسرهم. ومع حلول العام 2000 كانوا قد نجحوا في تأسيس 14 تجمعا أو تنظيما أو معسكرا مستقلا ومعترفا به رسميا من قبل طالبان وتربطهم بوزارات الدفاع والداخلية والاستخبارات برامج ضبط وتنسيق وتعاون سواء في تنسيق دعمهم وجهادهم إلى جانب طالبان, أو في برامجهم الذاتية عدا المجموعات الباكستانية التي كانت متعددة ولها أيضا ترتيبها الخاص. وكان ممن عاد لخوض المرحلة الثانية من الجهاد الأفغاني:
· المجموعات العربية والتي ضمت كل من تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن والجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا بقيادة أبو عبد الله والجماعة الإسلامية المجاهدة في المغرب (مراكش) بقيادة أبو عبد الله الشريف وجماعة الجهاد المصرية بقيادة أيمن الظواهري والجماعة الإسلامية المصرية وتجمع المجاهدين الجزائريين وتجمع المجاهدين من تونس وتجمع المجاهدين من الأردن وفلسطين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي ومعسكر خلدن ( معسكر تدريبي عام ) وقاده ابن الشيخ – صالح الليبي ومساعده أبو زبيدة ومعسكر الشيخ أبو خباب المصري ( معسكر تدريبي عام ) ومجموعة معسكر الغرباء التي قادها أبو مصعب السوري.
· ومن غير المجموعات العربية يشار إلىالمجموعات الأوزبكية ومثلها من تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين بقيادة أبو محمد التركستاني ومجموعات من تركيا[5].
في الأثناء بذل الكثير من أنصار القاعدة ومفكريها وبعض تيارات الجهاد المصري وغيرها بما في ذلك أبو مصعب السوري جهودا جبارة لإقناع التيارات المختلفة بالانضواء تحت مظلة الجهاد العالمي. ففي فبراير سنة 1998 أعلنت سلسلة من المجموعات المقاتلة في أفغانستان عن الاندماج فيما بينها عبر تشكيل إطار جبهوي أعلن عنه باسم "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهذا صحيح إلا أننا نتحفظ على ما ذكر من انضمام بعض الجماعات[6] لعدم توفر معلومات دقيقة عن صحة ذلك لاسيما وأن الغالبية الساحقة منها لم تستجب لدعوة بن لادن إلا في اللحظات الأخيرة من العام 2001 حين أقحمتها أمريكا قسرا في هذا الاتجاه بعد هجمات سبتمبر. فقد كان لهذه التيارات برامج قطرية خاصة بها فضلا عن أنها لم تعتد العمل بطريقة التنظيم العالمي وهي المبنية على صيغة التنظيمات القطرية – السرية – الهرمية، والأهم أنها لم تلحظ قط بنية مؤسسية أو أيديولوجية مألوفة لها. إلا أن هذا التمنع توقف فعلا مع الغزو الأمريكي لأفغانستان وانقراض الغالبية الساحقة من رموز التيارات الجهادية ومخزونها البشري قتلا واعتقالا لما يتراوح بين 3000-4000 شخص من بينهم أطفال ونساء، فضلا عن تراجع البعض منها كما فعلت الجماعة الإسلامية فيما عرف عنها بـ "مبادرة وقف العنف".
هكذا نشأ تنظيم القاعدة وهكذا استقر بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، إلا أن التغير الكبير سيأتي تباعا كلما توسعت رقعة المواجهة مع الأمريكان باحتلال العراق حيث سنشهد حينها تفريخا كبيرا للخلايا في عديد البلدان العربية والإسلامية ومزيدا من انضمام التيارات والجماعات إلى التنظيم
أو إلى فكرة الجهاد العالمي.
ثانيا: المستوى النظري الثاني من التوصيف
كان أبو مصعب السوري قبل اعتقاله مؤخرا من القلة المعدودة التي نجت من مذبحة الفتك بأفغانستان والتي نفذتها الولايات المتحدة وباكستان غداة هجمات سبتمبر، وكان واحدا من أعمدة الفكر الاستراتيجي للتيارات الجهادية الراهنة وخاصة القاعدة بوصفه مشاركا ومؤرخا ومحاضرا ومحاورا ومدربا في معظم التجارب الجهادية العربية وحتى غير العربية، ولا شك أن له تأثيره الخاص على توجهات تنظيم القاعدة نحو العالمية، كما أن مشروعه في الدعوة إلى مقاومة عالمية شاملة لاقى تجاوبا في المحصلة وباتت أفكاره تعبر عن صميم تفكير القاعدة. ومن الطريف ملاحظة تسمية المؤلف الضخم الذي افتتحه بلفظة " دعوة ... " وليس حركة أو تنظيم أو حزب. وعلى فرادة وجدية الموضوعات المطروحة وذات الصفة الموسوعية، وحين سبر أغوار المؤلَّف المنهِك وتوابعه من الإنتاجات الغزيرة للكاتب الصوتية منها والمرئية سيتبدى بوضوح ما يمكن اعتباره توصيفا بالغ الدقة لتنظيم القاعدة حاليا والذي امتنع عن التعرض له بالكتابة.
ففي المؤلَّف يعرض السوري لدستور الدعوة بشكل مفصل وميسر، وفي المادة الأولى منه يكشف النقاب عن هوية الدعوة عبر النص التالي:
" دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ليست حزباً, ولا تنظيماً, ولا جماعة محدودة محددة. فهي دعوة مفتوحة. هدفها هو دفع صائل القوى الاستعمارية الصليبية الصهيونية الهاجمة على الإسلام والمسلمين. ويمكن لأي تنظيم أو جماعة أو فرد اقتنع بمنهجها وأهدافها وطريقتها, الدخول فيها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر"[7].
هذه ملاحظة يصعب تجاوزها أو التقليل من مضمونها وخلفيات بنائها لاسيما أنها خُطَّت بعد نحو ثلاث سنوات من سقوط طالبان ومذبحة القاعدة في قلعة جاجي. وفي رسالة وجهها أحد رواد المنتديات الجهادية إلى تنظيم القاعدة بعنوان: "رسالة عاجلة جدا إلى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (السعودية)" يحذر فيها من أن التنظيم الذي نجح في "فرض منطق القوة العسكرية" فشل في تحقيق اختراق على مستوى الفكر "القادر على إحداث انقلاب فكري في مجتمع جزيرة العرب، بل ظل هذا الفكر كما بدأ في حدود ضيقه ودوائر مغلقه لم يستطع التنظيم الخروج منهاليصبح تيارا شعبيا شاملا ".فإلى أي مدى تبدو مثل هذه الفرضية صحيحة فيما ذهبت إليه؟
في الحقيقة تبدو صحيحة إلى حد كبير[8] على مستوى الروافد البشرية للتنظيم نفسه والذي يشكو نقصا في الكادر، وهو ما عبرت عنه القاعدة في أفغانستان والعراق عبر دعوات صريحة ومباشرة من قادة التنظيم، وهذا يعود ليس إلى قصور في شيوع أفكار القاعدة بقدر ما يعود بالدرجة الأساس إلى قصور تنظيمي في العمل على تجنيد الأفراد وتأمين نقلهم إلى الجبهات بالرغم من حملات المطاردة والملاحقة وهو ما اعتادت عليه القاعدة أصلا. أما على مستوى الفكرة فليس ثمة شك في انتشار فكرة الإسلام العالمي المقاتل التي اخترقت إجمالي التشكيلات الاجتماعية والسياسية والدولية على حد سواء، وباتت فكرة عابرة سياسيا للقارات وللأيديولوجيا وحتى للمجتمعات الغربية وإنْ بشكل محدود جدا، فالقاعدة وما تدعو إليه ليس ولا صعب الوصول إليه وإن كان ثمة رغبة وحرص وجهود جبارة من قبل الدول وأجهزة الأمن والاستخبارات والجماعات المناهضة للقاعدة وأفكارها تنصب على محاربتها ومحاربة أفكارها ومحاصرة انتشارها بما في ذلك حظر المواقع والمنتديات المناصرة لها والمعادية للولايات المتحدة.
إذن الحديث عن تنظيم القاعدة على مستوى العبور القاري والأيديولوجي، وانطلاقا من السلفية كمنهج في العمل والتفكير يمكن ملاحظة القاعدة كمجموعة تنظيمات تقع في مستوى:
· الخلايا الفاعلة والخلايا النائمة في بلدان عديدة في العالم.
· الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتهمة بموالاة القاعدة وذات النشأة المختلفة أو ذات الارتباط الفكري أو التنظيمي بها مع تمتعها باللامركزية في العمل. وبالرغم من صعوبة رصد مثل هذه الجماعات إلا أنه يمكن الإشارة إلى بعض من أبرزها مثل تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وتنظيم الجماعة الإسلامية في اندونيسيا والتي ينسب لأحد أعضائها تفجيرات بالي،وتنظيم جيش عدن أبيَن الذي بايع بن لادن على الولاية سنة 1998، وينسب له تدمير المدمرة الأمريكية كول سنة 2000،والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر والتي أعلنت استعدادها مؤخرا للانضمام إلى تنظيم القاعدة،وتنظيم جماعة أنصار الإسلام الكردية في كردستان العراق، والجماعةالإسلامية المقاتلة الليبية، وميليشيات المحاكم الإسلامية في الصومال والتي لا يستبعد تصنيفها من قبل أجهزة الاستخبارات الأمريكية بالانتماء إلى القاعدة،وتنظيمات متعددة باسم جند الشام أو جند الإسلام في أوساط العربوالسنة الإيرانيين وأخيرا مقاتلي الحزب الإسلامي الأفغاني بزعامة حكمتيار.
· الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة وغير الموالية للقاعدة ولكنها، إن لمتكن مناصرة وداعمة فهي محايدة على الأقل، وبالتالي قابلة للتحول والعمل وفق منهج القاعدة بفعل ظروف سياسية قد تضطرها إلى الإفلات من حالتي التردد والجمود والانخراط بفكرة الإسلام العالمي
المقاتل، جزئيا أو كليا، كحزب التحرير وجماعات الإخوان المسلمين والدعوة وحتى حركة حماس[9] والجهاد الإسلامي والتبليغ والدعوة وغيرها.
· بعض الجماعات المسلحة الوطنية غير المرتبطة بأية أيديولوجيا إسلامية ولكنها تظهرتعاطفا كبيرا مع الفكرة ولعلها تشهد تحولا بطيئا نحو صريح الفكرة، وتشكل بعض الأجنحة العسكرية لحركة فتح أمثلة ملموسة بالإضافة إلى لجان المقاومة الشعبية وجناحها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين.
هذا العرض الموجز عن التنظيم كفكرة يشير إلى مفاتيح الانتشار الشعبي، بمعنى أن تحول القاعدة كتنظيم عابر للقارات ومتغلغل بين الشعوب لا يقع في سياق الانتشار الأيديولوجي الذي يتحقق نسبيا عبر العمليات المسلحة للقاعدة بقدر ما يتحقق عبر شبكة التنظيمات والجماعات المختلفة والتي تمثل الرصيد الفعلي لأي اختراق محتمل وواسع النطاق. وإذا كان من الصحيح الجهر بأن عملية هجومية كبيرة جدا كهجمات نيويورك وواشنطن قد حققت تعاطفا هائلا مع القاعدة إلا أن أسلوب العمل فشل في استثمار هذا التعاطف وتوظيفه، أو أن القاعدة تخشى فعليا من تحولها إلى تنظيم جماهيري يسهل اختراقه ويصعب السيطرة عليه تماما مثلما حصل مع التنظيمات الفلسطينية غداة معركة الكرامة في غور الأردن (آذار 1968) والتي انتهت بالإغراق الجماهيري الذي أفقدها القدرة على التأهيل العميق للأفراد.
هكذا تبدو النظريتان على مستوى كبير من المصداقية، لهذا لم يعد يتحدث أحد عن تنظيم متقوقع أو محصور في بقعة جغرافية معينة لأهداف محدودة بل عن شبكة تنظيم مترامية لم تعد مرتبطة بشخص بن لادن ولا بغيره بقدر ما هي مرتبطة بفكرة لم تعد ملكا لأحد ولم تعد السيطرة عليها ممكنة ولا أحد يستطيع التكهن بنهاياتها.

[1] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 896. واستشهد من المتطوعين العرب 1000 مقاتل من العدد الإجمالي خلال المرحلة الأولى من الجهاد الأفغاني.

[2] مقالة شائعة على الشبكة بعنوان " سيرة الشيخ أسامة بن لادن" ومجهولة المصدر.

[3]وهو ما كشفه بصريح العبارة في مقابلة معه أجراها عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996.

[4] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص726.

[5] نفس المرجع، ص727.

[6] وردت على موقع قتاة الجزيرة في "تغطيات 2001: حرب أمريكا"، ضمن مقالة بعنوان" الأفغان العرب ... تاريخوواقع" الجماعات التالية: "جماعة الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية والجماعة الإسلاميةالمقاتلة الليبية. وهناك تنظيمات أخرى نشأت أيضا في أفغانستان أو باكستان ثم اندثرتمثل جماعة الخلافة وجماعة الفطرة". موقع القناة على الشبكة:http://www.aljazeera.net/special_coverages/war_against_terrorism/2001/10/10-25-1.htm


[7] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص925، ومع ذلك سنستعمل تعبير تنظيم القاعدة إجرائيا على امتداد البحث.

[8] لأن أبي مصعب السوري لاحظ فشل التجارب السابقة للتيارات الجهادية لأسباب عديدة ومنها نخبوية التنظيم وليس شعبيته نراه يكرر على امتداد صفحات مؤلفه القول: "نحتاج مقاومة تكون نهج ومعركة أمة, وليست طريق وتضحيات نخبة فقط".

[9] كنا قد اشرنا إلى مثل هذا الاحتمال في دراسة سابقة في ضوء الإعلان المفاجئ لكتائب القسام وغير المسبوق في تاريخ الحركات الفلسطينية المقاتلة عن أسماء قادته العسكريين في قطاع غزة، حتى أن وسائل الإعلام تناقلت أخبارا عن انشقاق في الكتائب قاده محمد الضيف احتجاجا على قرار حركة حماس المشاركة في العملية السياسية. لمن يرغب بمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة: دراسة لـ د. أكرم حجازي، "تأملات في الحالتين التنظيميةوالسياسية لحركة حماس ما بعد غزة29/11/2005 المنشورة في صحيفة الحقائق الدولية الصادرة في لندن، وعلى الشبكة الدولية:
www.alhaqaeq.net/authors.asp?authorid=603 - 182k

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 07:55 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
المسألة الثالثة: فلسطين في عقل القاعدة
أولا: استراتيجيا المواجهة عند القاعدة
لا ريب أن لتنظيم القاعدة تطلعات جهادية نحو تحرير فلسطين، فمنذ التحول الأيديولوجي الكبير الذي طرأ على فكر بن لادن والظواهري وغيرهما من قادة التنظيم ومنظريه لجهة وجوب الربط المحكم بين المساجد الثلاثة والتخلي عن مقاتلة أنظمة الحكم العربية لصالح مقاتلة القوى الغربية واليهودية الصائلة في بلاد الإسلام، توالت خطابات قادة التنظيم ورسائلهم الصوتية والمرئية تباعا ابتداء من بن لادن والظواهري وانتهاء بالزرقاوي، وأخص بالذكر هنا القَسَم الشهير لبن لادن غداة أحداث سبتمبر. ولكن، كيف يمكن قراءة هذه التطلعات؟ وما علاقتها في التطبيقات الاستراتيجية للقاعدة؟
1) التواجد في مناطق التوتر
ثمة صعوبة فائقة في الإجابة على السؤال، فنحن مازلنا بصدد تنظيم غير مؤسسي، ولسنا معتادين على طرح مثل هذه الأسئلة في وضعية كهذه حتى نتمكن من دراسة الأهداف والغايات والوسائل وما إلى ذلك، لذا سنعمد إلى مقاربة منهجية تسمح لنا بالمرونة في التفكير ولكن انطلاقا من ضبط منهجي صارم. فما سبق وقدمنا له من مضمون جوهري للسلفية سيكون منطلقا لنا في السعي للاقتراب من استراتيجيا القاعدة على أسس دينية وليس فقط على أسس أيديولوجية أو إعلامية أو سياسية أو حتى عسكرية خاصة وأن أحد كبار منظري القاعدة يورد عبارة جد طريفة لما يقول:
"إن الضعفاء لا يستطيعون وضع الإستراتيجيات. وذلك لعدم إمكانيتهم في فرض الظروف, أو على الأقل المحافظة على ثباتها. ولذلك قد تتغير الإستراتيجيات نتيجة الانقلاب في الظروف العامة. ومن الأجدى أن تكون إستراتيجية المقاومة مجموعة خطوط إستراتيجية عريضة تعطيها مرونة الحركة وتبديل التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة"[1].
فمن أين يمكن الإتيان باستراتيجية إذا كانت الظروف كلها تصب في غير مصلحة التيار الجهادي عموما والقاعدة خصوصا؟ ومن أين للقاعدة أن تتوفر على خطوط استراتيجية عريضة توجه اختياراتها وتتحكم بمصيرها إن لم تكن واقعة في صلب السلفية كمنهج، وفي صلب الفقه الجهادي منه، باعتبار الجهاد بالنسبة للقاعدة عبادة بالدرجة الأساس قبل أن يكون دفعا لصائل من الأعداء؟
إذن، بما أن القاعدة هي تنظيم سلفي أصيل بالدرجة الأساس، فالتفكير خارج الإطار السلفي للكشف عن نوايا القاعدة ربما يكون مضيعة للوقت، وهذا يعني أن الحديث عن فلسطين أيا كانت الظروف السياسية والأمنية هو حديث ذو طابع سلفي، بمعنى أن تحرك التنظيم مرتبط بشكل أو بآخر بالتوجيهات الدينية التي تحكم حركة التنظيم، وبالوضع على الأرض أو ما تسميه القاعدة بفقه الواقع.
ومع ذلك، وعلى صغر مساحة فلسطين، وضيق الحراك السكاني فيها لاسيما في المناطق المحتلة
سنة 1967 وما تتميز به من كثافة سكانية عالية جدا ثمة عشرات التنظيمات والجماعات المسلحة المنضبطة وغير المنضبطة والتي تسببت في ازدحام كثيف في السلاح وصل إلى حدود الفوضى وما يسمى بالفلتان الأمني حتى أنه بات يهدد بحرب أهلية، فالتشكيلات المسلحة جميعها الإسلامية وغير الإسلامية فعلت فعلها في إسرائيل وقواتها المحتلة خلال السنوات الخمس من انتفاضة الأقصى، وأوقعت فيها خسائر فادحة مقابل خسائر فلسطينية بشرية وبنيوية كبيرة جدا ومؤلمة. وتأسيسا على ذلك ثمة تساؤل يتربع على قمة المشروعية دون مزاحمة: ما الذي يمكن أن تفعله القاعدة بإسرائيل أكثر مما فعلته بها الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد أو فتح وغيرها؟
فعلا، قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، مشروعا، ولكنه في العمق المؤقت مغلوط. فالحديث عن أن القاعدة وصلت إلى فلسطين أو بعض مناطقها حديث غامض لم تثبت صحته بعد، ولعل السؤال هو: بأي شكل يمكن للقاعدة أن تتواجد في فلسطين، وبشكل من شأنه أن يحقق جدوى ونقلة نوعية في القتال ضد إسرائيل؟
قلنا أنه من العبث التفكير بإستراتيجية القاعدة في المواجهة بمعزل عن المنهج السلفي كموجه لخياراتها الجهادية أو بمعزل عن مفهومها للإطار الإسلامي. ولكن حتى نفهم أطروحة القاعدة جيدا يمكن التساؤل بجدية أكبر: إذا كانت القاعدة تنظيما إسلاميا يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم فماذا تريد، مثلا، جماعة كالإخوان المسلمين أو أي جماعة أخرى غير تحقيق هذا الهدف؟ أو بماذا تختلف القاعدة عن غيرها من الجماعات؟
هنا ينبغي التمييز فعلا، فالغالبية الساحقة من الجماعات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة تكتفي بالحديث عن أهداف قطرية من نوع مصر أولا، أو تقبل بالديمقراطية والمنافسة بالانتخابات كسبيل سلمي للوصول إلى السلطة والمشاركة في الحكم، أو تطرح شعار الحل الإسلامي بديلا عن الحل العلماني أو الحل الوطني أو أنها تطالب بإعمال مبدأ الحاكمية في بلدها وهكذا، وثمة جماعات غير مسيسة أصلا فضلا عن رفضها الدخول في أي عمل سياسي، بل ويشترط بعضها على أعضائه المبايعة على نبذ العمل السياسي وتحريمه. مثل هذه الأطروحات عند القاعدة لا وجود لها إطلاقا، فهي وإن كانت تشن حربا على الولايات المتحدة والقوى الغربية وتحملها مسؤولية العدوان والنهب الذي تتعرض له الأمة الإسلامية والعربية فلأنها قدمت في أطروحتها الإسلام أولا بديلا عن الأطروحة القطرية أو القومية، ولأنها تعتقد أن المقاتل الأمريكي العالمي الصائل في بلاد المسلمين لا يمكن دفعه إلا بمقاتل إسلامي عالمي. ولكن أين؟ وفي أية جبهة؟ ذلك هو السؤال.
ربما يكون صحيحا أن القاعدة وغيرها من التيارات الجهادية فقدت الملاذات الآمنة والجبهات المفتوحة ولم يعد لديها من سبيل إلا اعتماد استراتيجية بناء السرايا الصغيرة ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها وعن أي ارتباط كان انقطاعا تاما والعمل بصورة منفردة حتى بعيدا عن الأمير المؤسس لها كما يقترح أبو مصعب السوري في مؤلفه.
ولكن الملاحظ، من خلال المتابعة والرصد، أن القاعدة تحوز على إستراتيجية فريدة في الصراع تقوم على التواجد في مناطق التوتر في العالمين الإسلامي والعربي من جهة بينما نراها تضرب في المناطق الأشد أمنا واستقرارا ومراقبة من جهة أخرى، وغالبا ما تنجح رغم كثافة الاحتياطات الأمنية ودقة المراقبة والرصد. بمعنى أن القاعدة من المرجح أنها لا تستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا في بيئة مضطربة ومنقسمة على نفسها أو مرشحة للانقسام أو ذات حكم بوليسي أو مناطق فوضى أو معازل اجتماعية وسياسية أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية. هذه هي البيئة المفضلة التي تنتعش فيها تنظيمات القاعدة ومناصريها دون أن تساهم بالضرورة في خلقها أو تهيئتها.
وفي السياق يمكن ذكر أفغانستان وعربستان وكشمير والباكستان والهند وإندونيسيا والشيشان، لبنان وفلسطين وسوريا والأردن والعراق والجزيرة العربية لاسيما اليمن والسعودية والكويت وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال ودارفور وتشاد والسودان وغيرها من مناطق التوتر في العالم. أما عن ضربات القاعدة فيمكن ذكر نيويورك وواشنطن ولندن ومدريد واستنبول وكينيا وتنزانيا وإندونيسيا والمغرب واليمن والأردن وغيرها.
2) توسيع ساحة المواجهة
تعتبر هذه العقيدة أخطر ما يمكن تصوره في فكر القاعدة على الإطلاق لأنها ستعني جعل بلدان العالم الإسلامي مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب على ذلك من كوارث. كما أنها ستعني سقوط نظرية "مصر أولا أو فلسطين أولا أو أفغانستان أولا ... " من فكر التيارات الجهادية وإحلال فكرة "ساحة المواجهة أولا" أو فكرة " الحفاظ على تماس مع العدو أولا" بديلا عنها. وهي فكرة جلبتها المنظمات الفلسطينية لتوريط الدول العربية في حرب مع إسرائيل، والحقيقة غير الخافية أنها فكرة لطالما داعبت خيال مؤسسي حركة فتح الذين ناقشوا طويلا إمكانية توسيع ساحة المواجهة مع إسرائيل عبر جرها إلى احتلال المزيد من الأراضي العربية المجاورة لاسيما في الأردن وسوريا ولبنان طمعا بالجغرافيا المواتية لحرب عصابات وبالحضور الفلسطيني الكثيف في هذه الدول. غير أن استراتيجيا المنظمات الفدائية العلمانية والإسلامية فشلت في تحقيق هذا المسعى والذي كان آخر تطبيقاته حين دخلت القوات العراقية إلى الكويت في 8 آب 1990[2].
والآن تأتي القاعدة وعبر تحديد جديد لفسطاط الأصدقاء والأعداء وبأدوات وتكتيكات جديدة لتجعل من هذه الأفكار حقيقة واقعة وليس تمنيات أو عبر تخبطات، كونها متحررة من ضغوط الأيديولوجيا والالتزام بأية مصالح سياسية أو أمنية أو اقتصادية تجاه هذه الدولة أو تلك. فهل هي قادرة على تحقيق أهدافها؟ وما الذي سيمنعها من تنفيذ مخططاتها إنْ هي عزمت على ذلك؟
قبل عام تقريبا كتاب عن الزرقاوي يتضمن وثيقة سرية بعنوان "استراتيجية القاعدة" تتحدث عن وضعهالخطة نظرية مدتها عشرين عاما (2000- 2020)، وهي كما تقول خطة واقعية وقابلة للتطبيق ضمن جدول وبرنامج زمني مدروس ومحكم، وفي المرحلة الأولى من الوثيقة (الإفاقة 2007-2010) يرى واضعو الوثيقة أن الولايات المتحدة، في ردها السريع على هجمات سبتمبر، قد "بلعت الطعم" بالكامل وحتى الثمالة حين أقدمت على احتلال أفغانستان والعراق[3].
ولا نبالغ إذا قلنا أن اللعبة بين القاعدة وواشنطن تشبه عض الأصابع، فإن كانت القاعدة نجحت فعلا عبر تخطيط مسبق ومدروس باستدراج واشنطن إلى ساحة المواجهة، إلا أن غرق الولايات المتحدة في المستنقع العراقي بالرغم من تدميره وتخريب مكوناته البنيوية وتحطيم نسيجه الاجتماعي يطرح مائة سؤال عما إذا كانت أميركا بصدد فتح مواجهات جديدة مع إيران وسوريا أو تحقيق احتلالات أخرى على شاكلة ما يحدث في العراق وأفغانستان، فإذا ما صمدت الولايات المتحدة وابتلعت الخنجر ستكون بهذه الطريقة، على الأقل، قد قطعت الطريق على القاعدة بتوسيع ساحة المواجهة ولجأت فعليا إلى الحضور الاستخباري المكثف واستعمال سياسات التهديد والضغوط ضد الدول العربية تجنبا لخوض مواجهات مسلحة مباشرة.
غير أن الولايات المتحدة وأوروبا ستظل بعيدة عن الشعور بالأمان أبدا طالما بقيت خلايا القاعدة
المنتشرة في شتى أرجاء العالم تصول وتجول في أراضيها وتخيم عليها وعلى مؤسساتها كالشبح على مدار الساعة، فمن ذا الذي سيمنعها من سبتمبر جديد لاسيما وأن الشواهد لما تزل حية بعد، ومن أمثلتها:
· سلسلة الهجمات العنيفة التي شنتها القاعدة أو تنظيماتها أو الخلايا المناصرة لها في لندن ومدريد وبالي وغيرها.
· لجوء القاعدة إلى تنظيم عناصر غير عربية ومن داخل أوروبا والولايات المتحدة لتنفيذ هجمات محلية، مما يعقد مهمة القوى الأمنية والاستخبارية ويمس صفو نمط الحياة الغربي الذي بدأ يتعكر من خلال التجسس على المواطنين وسن تشريعات قانونية تحد من حرية الفرد وتضرب مبدأ حقوق الإنسان في الصميم.
· التهديدات التي تطلقها القاعدة بين الفينة والأخرى لاسيما تهديد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بوجود مشاريع هجمات قيد الإعداد إن لم يكن قيد التنفيذ. وكأن القاعدة باتت تدرك أن ضربات سبتمبر ولندن ومدريد وبالي وغيرها لم تعد كافية لإيقاع استفزاز شديد يعيد قلب الموازين، ويدفع إلى استئناف استراتيجية توسيع ساحات المواجهة.
· الفتوى التي أصدرها بن لادن والتي تجيز استهداف المؤسسات النفطية على اختلافها لخلقفوضى عالمية عارمة والحيلولة دون استفادة الدول من عائداتها كما تقول استراتيجياالقاعدة في مرحلتها الثانية، وقد رصد العالم بقلق بالغ المحاولة الفاشلة التي قامت بها خلايا قاعدية في السعودية واستهدفت مصفاة ابقيق في شهر فبراير من العام الجاري[4].
ن اللعبة بين القاعدة وواشنطن باتت مكشوفة وتشبه عض الأصابعأممكنمن
إذن كل شيء ممكن الحدوث، ولعل أهم استنتاج يمكن التوصل إليه بالنسبة لهذا الشق من المسألة، بالنظر لما سبق، يجزم بما لا يدع مجالا للشك أن القاعدة لا يمكن لها أن تنحصر في إطار جغرافي معين وتكتفي، فهي بحاجة فعلا إلى مساحات شاسعة للتحرك وهو ما تلتزم به حتى الآن، ولا يبدو أنها في طريقها إلى تغيير استراتيجيتها تلك، ولا يبدو أن أحدا قادرا على محاصرتها وهي بهذه العقلية.

[1]أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 1114.


[2] لقد أيد الفلسطينيون العراق وليس صدام حسين تحديدا في احتلاله للكويت، اعتقادا منهم أن ساعة الخلاص قد حانت سواء سياسيا أو عسكريا، ولم يكن الفلسطينيون في يوم ما أعداء للكويتيين ولم يفكروا بذلك ولم يخطر على بالهم بوجود جدوى من نوع ما في مناصبة أي دولة خليجية أو شعب عربي العداء، وقد تطلع الفلسطينيون دوما إلى الإنصاف فركنوا إلى الحدث وليس إلى صانعيه، وهكذا فعلوا لما انطلقت حركة فتح حاملة شعار الكفاح المسلح وفلسطين طريق الوحدة =
= حيث لم يكونوا آنذاك معنيين بهوية هذا الزعيم أو ذاك ولا حتى بقائد حركة فتح، وهكذا فعلوا لما ظهرت سرايا الجهاد الإسلامي وحركة الجهاد الإسلامي، بل نراهم هللوا لالتحاق الإخوان المسلمين الفلسطينيين ومنهم حركة حماس في ساحة المواجهة مع إسرائيل. هذا ليس دفاعا عن هذا الطرف ضد ذاك ولا تبرئة بل هي الحقيقة في أعمق تجلياتها.

[3] فيما يلي مقتطفات من نص المرحلة الأولى من الوثيقة:
" يرى مفكرو القاعدة، أن الأمة الإسلامية مرت بمرحلة سبات عميق لم يحدث مثله عبر تاريخها الطويل... لم تنجح معه وصفات وخطط البعث التي وضعت له سابقا، مما حدا بقادة القاعدة وضع وصفة تقوم على فكرة تسديد ضربة قوية إلى رأس الأفعى الملتوية ليفقدها رشدها، ويدفعها باتجاه ردود أفعال ارتجالية سريعة غير مدروسة بحق من ضربها ... فكانت هجمات القاعدة في 11 أيلول ... فكان إعلان بوش الابن أن حربه صليبية، ودعوته لقيام تحالف دولي لمكافحة الإرهاب وحربه والقضاء عليه. فبدأ بغزو أفغانستان ومن ثم العراق. وهذا من وجهة نظر قادة القاعدة نجاح ... في خطتهم الهادفة إلى استدراج واشنطن ... و... أن استجابة الولايات المتحدة ... كان خطأ إستراتيجياً ... نجحت الوصفة، وبلع الأمريكيون الطعم. بدأت هذه المرحلة – مرحلة الإفاقة- مع بداية الإعداد والتحضير لضربة 11 أيلول في بداية سنة 2000م وانتهت بدخول الأمريكان بغداد 9/4/2003... مما أدى إلى توسيع ساحة المعركة... ". راجع نص الوثيقة في: - فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة، دار الخيال، ط1، 2005، بيروت- لبنان، ص 200-213.


[4]في مقالة لأحد منظري القاعدة يتحدث بصراحة عن أن المعركة مع الولايات المتحدة هي معركة اقتصادية وليست عسكرية، فتراه يقول: " دخلت الأمة الإسلامية عبر معركة تنظيم القاعدة مع أمريكا مرحلةً جديدةً تختلف عن سابق المراحل التي خاضها المسلمون مع أعدائهم, وتقوم هذه المرحلة في أهم ركائزها على الحرب الاقتصادية نظرًا لاختلاف الخصم في هذه الحرب الشرسة؛ فالمعتاد أن الحروب تقوم على القوة العسكرية والانتصار بيد الأقوى عسكريًا والمتغلب في ميدان المعركة. أما حربنا مع أمريكا فتختلف اختلافًا جذريًا حيث تعتمد في المقام الأول على هزيمتها اقتصاديًا؛ فكل ما يؤثر في اقتصادهم سلبًا يعتبر بالنسبة لنا تقدمُ خطوةٍ في طريق الانتصار, وليس للهزائم العسكرية ذلك التأثير في مقاييس الانتصار الكلي إلا بما تأتي به هذه الهزائم من تأثيرٍ على الاقتصاد بشكلٍ غير مباشرٍ يتمثل في اهتزاز ثقة الرؤوس الاقتصادية بقدرة هذه الدولة على حماية تجاراتهم وتداولاتهم المختلفة والمتنوعة, إلى جانب قيمة المنشئات أو الآليات المتأثرة في ميدان المعركة والتي لا تمثل في الحقيقة شيئًا يذكر. راجع: أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/8/1426. على الشبكة:
http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599


*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:00 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
ثانيا: فلسطين كهدف للقاعدة
لقد سبق القول أن القاعدة تنظيم يستقي توجيهاته من المصادر السلفية الأربعة ويستعمل السلفية بوصفها منهج في التفكير والعمل، والسؤال الجوهري الذي سنطرحه يقول: ماذا يقدم المنطق السلفي بالنسبة لفلسطين؟ بل هل يمكن للقاعدة أن تفكر في فلسطين بغير المنطق السلفي؟
1) المحتوى الديني وتطبيقاته
في الحقيقة يصعب القول أن يكون التفكير في فلسطين واقعا خارج المنطق السلفي المزدحم في التوجيهات العقدية. ففي القرآن الكريم ثمة عشرات الآيات التي تتحدث عن اليهود والنصارى وموالاة المشركين والكفار، أما عن فلسطين فثمة سور كاملة وليس آيات فقط، ومن ذلك:
أ- الأرض المباركة
- قوله تعالى في قصة موسى: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ {137} )،الأعراف. فقد أورث بني إسرائيل مشارق أرض الشام ومغاربها بعد أن غرق فرعون في اليم.
- وقوله في قصة الإسراء: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{1} )،الإسراء.
- وقوله في قصة إبراهيم: ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ {70} وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ {71})، الأنبياء. ولقد نجَى الله إبراهيم ولوطا إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والعراق.
- وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ {81}‏)، الأنبياء. و إنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها مملكة سليمان.
- وقوله تعالى في قصة سبأ: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ {18} )، سبأ. وهو ما كان بين اليمن حيث مساكن سبأ وبين قرى الشام من العمارة القديمة.
ولو تتبعنا الأحاديث النبوية عن الأرض المباركة لوجدنا أن عشرات الأحاديث تختص بمنطقتين شملتهما بركة الله ما لم تشمل أية مناطق أخرى فيما عدا مكة والمدينة. هاتان المنطقتان هما الشام بما فيها بيت المقدس واليمن. ومن مضمون الأحاديث سنلاحظ أن لفظة البركة توسطت قلب الرواية ومثلت عصبها، وهذا يؤشر على أن اللفظة صعبة الإحاطة بما أنها تشتمل على دلالات عمومية بحيث يمكن إسقاطها على البشر والمكان والتضاريس والطبيعية والاعتقاد والإيمان والأمن والغذاء وكل ما يمكن تصوره ... إلخ
ب‌- فضائل الشام واليمن
أما عن الأحاديث النبوية الشريفة فقد وردت في روايات عديدة مفسرة وموضحة بعضها ونذكر منها دون تكرار فيما يتعلق باختلاف الروايات إلا ما وجب، ومنها:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَ جُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَ جُنْدٌ بِالْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَ أَهْلِه"ِ. قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. وروى البخاري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". وروى أبو داوود: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ". وروى الترمذي عن رَسُولُ اللَّهِ أنه قَالَ: " إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُمْ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال:َ " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِلشَّامِ فَقُلْنَا: لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ِ قَالَ: لأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا". وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت: ‏"‏ ... إن الرحمن لباسط رحمتهعليه‏"‏‏.‏وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله يقول: " إِذَا وَقَعَتِ الْمَلاحِمُ خرج بَعْثٌ مِنَ الْمَوَالِي من دِمَشْق هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا وَ أَجْوَدُهُم سِلاحاً يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمُ هذا الدِّينَ". وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشامألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام". وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "ستخرج نار في آخر الزمان من حضرموت تحشر الناس قلنا: بما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام". وأخرج السيوطي والطبراني أن رَسُولُ اللَّهِ قَال: "عَقْرُ دارِ الإسلامِ بالشام".وعن ابن عمر أن رسول الله قال:"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي شرقنا يا رسول الله‏؟‏فقال‏:‏ ‏‏اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي مشرقنا يارسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرنالشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال‏"‏‏.‏ وعن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله ‏:"لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهلالأرض، يقال لهم‏:‏ الأبدال‏"‏‏.وعن شريح بن عبيد قال‏:‏ ذكر أهل الشام عند علي وهو بالعراق، فقالوا‏:‏ العنهم ياأمير المؤمنين، قال‏:‏ لا إني سمعت رسول الله يقول‏:‏ "البدلاء بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يستقى بهمالغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب‏"‏‏.‏
ج- فضائل بيت المقدس
أما فيما يتعلق ببيت المقدس والشام حصرا فما يعنينا هي الأحاديث التالية:
قال رسول الله : "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهـم إلا ما أصابهـم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قـال: يا رسول الله وأين هـم؟ قـال: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".وعن أبي هريرة عن النبي قال‏:‏"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدسوما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة‏"‏‏.‏
وعن معاذ بن جبل قال: "وهم بالشام"، وفي تاريخ البخاري مرفوعا قال: "وهم بدمشق"، وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، وقال أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام وهم كما قال: لوجهين، أحدهما أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام، وثانيهما أن لغة النبي وأهل مدينته في أهل المشرق هم أهل نجد والعراق، وكان أهل المدينة يسمون الأوزاعي إمام أهل الغرب، و يسمون الثوري شرقيا من أهل الشرق، ومن ذلك أنها خيرة الله في الأرض وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض.
ومثل هذه النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية لا يمكن إلا أن تجدها معروضة وموثقة ومسندة ومشروحة ومعلق عليها في أية محاولة للتيار الجهادي وللقاعدة لتشريع قتال اليهود والصليبيين سواء كانت بحثا أو مقالا أو خطبة أو توجيه أو رسالة صوتية أو مرئية. والسؤال الحاسم الآن هو: كيف توظف القاعدة المحتوى الديني للوصول إلى فلسطين؟
من الأفكار المركزية التي تبرر للقاعدة تواجدها وتبنيها للمواجهة مع ما تعتبره قوى الظلم والكفر العالميين هو دفاعها بالدرجة الأساس عن دين الله قبل عباد الله، ولهذا فالجهاد بالنسبة لها هو عبادة وفريضة متعينة في هذه الأيام لنصرة الدين ورد العدو الصائل في ديار المسلمين ورفع الظلم عن المستضعفين كما تقول. وفي هذا السياق بالضبط تجيء أحاديث فضائل الشام كمنطلق للحشد والرباط والجهاد باعتبار الشام موطن البركة والأمن ونصرة الدين مثلما هي أيضا موطن الطائفة المنصورة. ولأننا في صلب المحتوى الديني سنلاحظ ما يلي:
· إن الأحاديث النبوية تحدثت عن ثلاثة أجناد محددة هي جند الشام وجند اليمن وجند العراق.
· كما أن الأحاديث باركت في اليمن والشام ولكنها فيما يخص القتال والنصرة وخيرة بني البشر ركزت على الشام وبيت المقدس دون غيرهما.
· كما أن الأحاديث اختصت الشام برحمة الله وكفالته وفي رواية أخرى بحماية الملائكة لها.
· كما أن الأحاديث تبشر بالشام كملجأ آمن حيت تقع الفتن والملاحم.
· كما أن الأحاديث تثبت أن الشام تحوز على سنة التدافع الإنساني، بمعنى أن التغيير المحتمل ينطلق منها قبل غيرها.
وفي الحقيقة يمكن الإشارة إلى الكثير مما يذكره مفكرو القاعدة أو أنصارها فيما يتعلق بمواطن البركة في هذه المناطق. فهل يعني هذا أن الشام واقعة لا محالة في صلب عقل القاعدة كمنطلق قادم للعمل؟ يبدو الأمر كذلك وفي الصميم، وإلا فما قيمة هذه الأحاديث إن لم يُعمَل بها؟ ففي وثيقتها الشهيرة يتبين أن القاعدة تحضّر في المرحلة الثالثة منها والمسماة بـ "مرحلة النهوض والوقوف على القدمين" لإحداث " نقلة نوعية مهمة في عملية التغير في المنطقة المحيطة بالعراق، حيث سيتم التركيز في البداية على الشام، وأن اختيار الشام لم يكن عشوائياً بالنسبة لهم، فهم يستندون إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت عن الرسول ، تتحدث عن حصار الشام بعد العراق[1]". وبطبيعة الحال لا تغفل الوثيقة الدور الذي ستلعبه طلائع جند الشام التي تتهيأ لشن هجمات داخل سوريا حاليا، وهو ما نشهد بواكيره الأولى منذ نحو عام على الأقل.
وحين التحري عن استراتيجية القاعدة، وفقا للمرحلة الثانية ( فتح العيون 2003-2006) من خطتها
المعلنة، سنلحظ مزيدا من الوضوح في التركيز على تحقيق هدفين مركزيين حين يتعلق الأمر بفلسطين:
الأول: تتوجه فيه القاعدة إلى تحقيق المزيد من الحشد والرباط في المناطق المحيطة ببيت المقدس
تأسيسا على ما تراه وثيقة الاستراتيجيا بأن القاعدة ستغدو تيارا جامحا يصعب القضاء عليه.
الثاني: يبدو هدفا احترازيا ومشروطا بتحقق أحد شقيه أولا، فإذا تفتحت عيون المسلمين على واقعهم الذي آلوا إليه وازداد التيار توسعاً وانتشاراً وقوة حينها يبدأ الاشتباك المباشر مع دولة اليهود في فلسطين. وهذا يعني أن استهداف فلسطين تنظيميا أو فكريا من قبل القاعدة سيمثل مقدمة تمهد لبدء الاشتباك مع إسرائيل. وهذه مسألة وعرة للقاعدة، ولكن لا مفر منها لسببين على الأقل:
1) إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن سلفية القاعدة تحتم عليها الاسترشاد بالنص القرآني[2] من حيث الإعداد أولا وقبل بدء المواجهة[3].
2) ولأن القدس واقعة في قلب حولية[4]الصراع باعتبارها موطن الخلافة القادمة وفقا للحديث النبوي الشريف[5]. إذ يلاحظ من الخريطة أدناه أن بلاد الشام وفيها القدس تقعان في وسط المنطقة المستهدفة بـ "التخريب" وتظهر الأكناف المباركة لتشمل بالإضافة لهما مناطق الصراع الواقعة شمال الجزيرة العربية، وتركيا ومصر والعراق وحواف الشمال الغربي لإيران وأقصىحواف الشمال الشرقي للسودان وحواف من الشمال الشرقي لليبيا وقبرص وبحر إيجة وأطراف من جنوب أوروبا ونحو ثلثي البحر الأبيض المتوسط.
ومن الواضح أن منطقة الحشد والرباط في بلاد الشام تقع في قلب منطقة الصراع التي تبدو أوسع منها مما يعني أن المواجهة القادمة بين التيار الجهادي السلفي ونموذجه القاعدة سيطال دولا وشعوبا لطالما اعتبرت نفسها بعيدة عن ساحة الصراع المباشر أو أنها اكتفت بمواقف سياسية أو أيديولوجية أو تقديم دعم مالي. والتفكير في مثل هذا الأمر سيعني قطعا توريط وجر الكثير من القوى والشعوب والدول إلى ساحة الصراع بطريقة تؤدي فعلا إلى إيقاع "تخريب" فعلي يصعب السيطرة عليه.


خريطة حولية الصراع وفق المحتوى الديني

تبقى اليمن بطبيعة الحال كأرض مباركة وأحد الأجناد الثلاثة، ولكنها غابت عن محتويات الوثيقة ووقعت خارج حولية الصراع بالرغم من حضورها الكثيف جدا في الأدبيات النظرية والميدانية للقاعدة ولا ندري حقيقة سببا لذلك. فقد بذل أسامة بن لادن جهودا جبارة لإطلاق شرارة المواجهة في اليمن ضد السلطة الشيوعية في الشطر الجنوبي قبل الوحدة وبعدها ضد السلطة المركزية بقيادة علي عبد الله صالح. وكانت أبرز المحاولات تلك التي تزعمها أبو الحسن المحضارسنة 1998 في قيادته لجيش عدن أبين تيمنا بالحديث النبوي الشريف عن ابن عباس قال، قال رسول الله : " يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفاً ينصرون الله ورسوله هم خير من بيني وبينهم ". إلا أن جهود الرجلين فشلت وانتهت تجربة المحضار بإعدامه صيف العام 2000.
غير أن ما لم تُفصّل به الوثيقة، والتي لم تتعرض في واقع الأمر لكل بلد بعينه،خص له أبو مصعب السوري عشرات الصفحات التي تخص أهل اليمن تحديدا والمطلوب منهم لنصرة المقدسات الإسلامية، واقترح معادلة زحف ميداني تتكامل فيه جهود القوى بين أهل الشام وأهل اليمن فقال مخاطبا:

" عليكم أهل اليمن المباركة أن تيمموا وجوههم شطر مكة فالمدينة فالقدس، كما أن علينا أهل الشام المباركة أن نيمم وجوهنا شطر القدس فالمدينة فمكة، ولتلتق في ساحة الميدان رايات أهل الجهاد العازمين الثابتين والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"[6].

من الواضح أن السوري كمؤصل للعقيدة القتالية للتيار الجهادي لم يفته التذكير بأن اليمن المباركة تمثل بالنسبة للجزيرة العربية المخزن البشري الهائل والجغرافيا المواتية لانطلاقة جهادية، والأهم من ذلك أنها نقطة انطلاق مركزية في دفع الصائل عن بلاد المسلمين مثلما هي الشام بالضبط، فعلى كليهما إذن تقع مسؤولية النصرة والمدد والمبادرة.فحين تكون المبادرة بيد أهل الشام يكون الزحف باتجاه القدس أولا ثم المدينة حيث تجمع الأنصار ثم "الفتح الجديد" لمكة، وحين تكون المبادرة بيد أهل اليمن يكون الزحف باتجاه مكة أولا ثم المدينة حيث الأنصار ثم الزحف نحو القدس.
2) حقيقة القاعدة في فلسطين؟
لقد قتل الزرقاوي أخيرا، وهذه حقيقة، فالرجل نال ما سعى إليه. بيد أن الافتراض بأن مقتل الزرقاوي أو الظواهري أو حتى بن لادن أو اعتقال هذا القائد أو ذاك، أو غياب أحد الفاعلين في التنظيم سيعيق مشروع القاعدة هو افتراض خاطئ، ولم تقل به حتى الولايات المتحدة ذاتها. فالقاعدة تنظيم يقع خارج الذاتية وخارج المؤسسة، ولأنه بات فكرة أكثر منه تنظيما فلم تعد الفكرة ملكا لأحد ولا حتى للتسمية بقدر ما هي ملك لكل من يؤمن بها ويعمل عليها فضلا عن كونها أحد مناهج التغيير الاجتماعي في الأمة لدى شرائح واسعة، وهو أمر من قبيل الواقع بحيث لم يعد ممكنا تجاهله أو الاستخفاف به أو ترحيله إلى مصنفات الجهل والضلال أو الأيديولوجيا والمماحكات السياسية. والسؤال هو: هل القاعدة في فلسطين حقيقة؟
ثمة فرضيتين مبدئيتين للإجابة على السؤال، إحداهما تؤكد والأخرى تنفي. ولأنه ليس لدينا ما يؤكد أو ينفي سنلجأ إلى تحري المسألة ومن ثم مناقشتها.
فمنذ نحو سنتين أو أقل تتناقل وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين يتحدثون فيها عن اختراق حققته القاعدة في فلسطين وتحديدا في المناطق الجنوبية من قطاع غزة وخاصة منطقتي رفح وخانيونس. وقد أخذت هذه التصريحات والمقالات[7] تزداد ضراوة مع خروج القوات الإسرائيلية من غزة بشكل مفاجئ وغداة تسلم السلطة الفلسطينية للمعابر على قطاع غزة حيث حدث نوع من الفوضى تسببت بتداخل سكاني يقدر بالآلاف على جانبي المعابر الحدودية بين مصر وغزة، وقيل بعدها أن بعض العناصر من القاعدة تسربت أو ربما تكون قد تسربت إلى القطاع قادمة من سيناء. ثم وبعد تفجيرات وقعت في بعض الأماكن السياحية في منتجع دهب المصري أعلن مسؤولون مصريون أن أحد المنفذين أو أكثر تلقى تدريبات في غزة دون أن يحدد هويته أو الجهة التي تلقى عندها التدريب وتَنَعَّمَ بحمايتها.
لا شك أن مثل هذه التصريحات أثارت الطرف الفلسطيني وأطراف المقاومة التي شعرت وكأنها مستهدفة بشكل مباشر لاسيما وأن الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الحصار الشامل والذي تشارك به دول عربية بصفة مباشرة أو غير مباشرة. لذا ما زالت تتبلور قناعات لدى عامة الناس أن المقصود بهذه التلفيقات هو سلاح المقاومة أيا كان حامله وأيا كان التنظيم التابع له، وأن مؤامرة تدبر ضد الفلسطينيين لوصمهم بالإرهاب وتجنيد الرأي العام العالمي ضدهم كي لا يأسف عليهم أحد إذا ما أوغلت فيهم إسرائيل قتلا وتدميرا وتصفية، وقررت وبعض القوى الفلسطينية والعربية التخلص من المقاومة كبنية وكفلسفة وتمرير مشروع حل يهدئ من غليان المنطقة ولو لأمد منظور. لذا ينكر
بعض الفلسطينيين أي تواجد للقاعدة، وُيظهرون مشاعر قلق بالغة لديهم من قادم الأيام.
ولكن ثمة فرضية أخرى أشد خطورة تقف على النقيض مما ذكر. فالمعلومات تشير إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تلقى تقريرا من أحد كبار ضباط أمنه كشف فيه عن وجود فعلي لخلية من القاعدة ترتبط بخلية في أستراليا ولا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليدين. وأن هذه المعلومات هي التي دفعت الرئيس إلى التحذير من وصول القاعدة إلى فلسطين، وأن مثل هذا الأمر إن حدث سوف يؤدي إلى تخريب المنطقة. والملاحظ أن التصريح ينطوي إما على مبالغة في تقدير المخاطر من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، وإما حقيقة يخشى من نتائجها. فما هي المشكلة؟
المشكلة الأولى تبدأ من لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات من القرن الماضي، حيث بات مخزون الأسلحة التكتيكية الفتاكة في مهب الريح، وأن السوق السوداء التي انتعشت آنذاك يخشى أن يكون للقاعدة فيها موطئ قدم. وقد عبرت العديد من القوى العالمية آنذاك عن خشيتها من وصول أسلحة دمار شامل لأيدي الجماعات الإرهابية والمتطرفة وبالتأكيد من بينها القاعدة.
أما المشكلة الثانية فتبدأ من عند القاعدة ذاتها التي ربما تكون وضعت في خططها إنتاج أسلحة بيولوجية أو كيماوية ولو بدائية، وهو ما شاع إبان الهجوم الأمريكي على مدينة الفلوجة العراقية وما تبعها من تهديدات نسبت إلى القاعدة باستخدام أسلحة كيماوية لتحقيق ردع ضد القوات الأمريكية والحليفة لها ردا على حملات الإبادة التي تتعرض لها. ولكن لا القاعدة نفذت تهديداتها ولا القوات الأمريكية أعلنت عن تعرضها لأسلحة فتاكة بل على العكس فالقوات المهاجمة هي من استعمل الأسلحة الكيماوية مثل الفوسفور الأبيض.
وعلى الرغم من أن المشكلتين تقعان في صلب الاحتمالات إلا أن الخطر قائم. ففي البيان الصحفي الذي أعلنه أبو مصعب السوري قبيل اعتقاله ردا على اتهامه بأنه أحد مخططي هجمات سبتمبر ولندن ومدريد وما إلى ذلك من اتهامات شدد السوري على براءته منها رغم إشادته بها، بل وتمنى لو أن هجمات سبتمبر تضمنت أسلحة دمار شامل لإيقاع أكبر الخسائر في الجانب الأمريكي[8]. ولا شك أن الأمنية تبقى أمنية، ولكن السوري لم يكن مجرد مؤرخ أو محلل أو كاتب بقدر ما كان مدربا ومشرعا ومخططا ومحرضا. ولا أحد يعرف حتى اللحظة ما الذي خلفه هذا الرجل وراءه[9].

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:05 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
رب سائل يسأل: ما الذي يعنينا من هذا الكلام؟
نقول الكثير. فهو يعني بتعبير الرئيس الفلسطيني " تخريب المنطقة". وقد كنا طرحنا سؤالا منكرا فيما سبق لما قلنا: ما الذي يمكن أن تفعله القاعدة في فلسطين ضد إسرائيل ولم تفعله الأجنحة العسكرية المختلفة على امتداد عقود؟ وكيف للقاعدة أن تتواجد في منطقة تشهد زحاما في البنادق قاربت على الفتك بنفسها؟نتساءل ونحن نعتقد بأن حملة اعتقال إسرائيلية عشوائية واحدة قد تكسر كل مخططات القاعدة، فلماذا تغامر بتواجد غير مأمون إن لم يكن بِمَقْتَل؟
والجواب هو أن تلجأ إلى ما هو غير مألوف أو متوقع بحيث يؤدي تدخلها إلى حدوث فارق مميز في المواجهة مع إسرائيل. هكذا يمكن أن يتقبلها المجتمع الفلسطيني المتعطش للخلاص بنفس القدر الذي يتعطش فيه للثأر، وحتى تنظيماته المسلحة قد ترغم على تقبلها دون حساسية كبيرة مثلما أرغمت المنظمات الفدائية من قبل على تقبل حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية. فإذا كانت المنظمات الفدائية والجماعات الإسلامية قد استعملت أسلوب الهجمات الخاطفة على المعسكرات والجنود والمستوطنات أو أسلوب السكاكين ومن ثم الحجارة والعمليات الاستشهادية والعبوات الناسفة والقاذفات المضادة للدروع مخلفة في أفضل الأحوال خسائر بشرية لا تتعدى بضعة أفراد وبضعة أضعاف من الجرحى فلا يعتقدن أحد أن القاعدة ستحضر إلى فلسطين لتلقي الحجارة على بني صهيون أو تتباهى باستعراضات الأسلحة والقوة هنا وهناك لتحقق مكسبا سياسيا أو مجدا سافرا.
فنحن لن نواجه تنظيما استعراضيا بقدر ما هو تنظيم يؤمن بأنه يمارس عبادة يتقرب بها إلى الله، ولا نستبعد في مثل هذه الحالة أن يلجأ إلى التميز باستخدام وسائل قتالية ذات تدمير عالي أو على الأقل إيقاع خسائر بشرية جسيمة قد تفقد إسرائيل صوابها فعلا كما حصل مع الولايات المتحدة. هنا بالضبط مكمن الخطر حيث ستكون المنطقة في فوضى عارمة لا أحد يمكن أن يتكهن بمدى التخريب الذي قد يلحق بها. ولكن متى؟ سؤال يستحق التوقف عنده.
بطبيعة الحال ليست لدينا سوى مؤشرات توفرها لنا استراتيجيتها ذات البعد الديني ووثيقة استراتيجيا القاعدة التي أشرنا إليها والوقائع على الأرض. وهذه الأخيرة تؤشر على أن القاعدة ربما تكون فعلا قد قامت باستطلاعات لفلسطين وهو أمر غير مؤكد بما أن ما أعلن عن وجود معتقلين هي مجرد شكوك بأنهم متحمسون أو مناصرون لفكر القاعدة وهذه ليست تهمة بما أن الكثير من الناس تعتريه عواطف جياشة ما أن يسمع بخبر لعملية ناجحة نفذتها القاعدة هنا أو هناك، كما أن تهمة من هذا النوع قائمة على المناصرة ليست بذات جدوى على اعتبار أن المتهمين ليسوا في واقع الأمر منتمين ولا فاعلين ولا عضويين وبالتالي فما من معلومات متوفرة يمكن أن يسترشد بها الباحث. لكن ملاحظة:
· سلسلة من الهجمات تضرب منتجعات سياحية بعضها يؤمه السياح اليهود في سيناء ورباط بسلسلة جبال وعرة تقول المصادر عنها: " أن ما يقارب 20% من مساحة 61 ألف كيلو متر مربع من سيناء, من الممكن اعتبارها بمثابة قلعة حصينة للحركة الجهادية العالمية. ويذكر هنا على وجه الخصوص. المناطق الشمالية, تلك المحيطة بالجبال المنغلقة, التي يتعذر الوصول اليها, ومنها جبل هلال, بحيث تكون خارج سيطرة قوات الامن المصرية, التي فقدت العديد من الضباط والجنود في الصدامات التي وقعت في الخريف الماضي وما بعد[10]"؛
· وهجمات أخرى في قلب العاصمة الأردنية، وأخرى تنطلق من أقصى الجنوب على حافة التماس مع إسرائيل؛
· وهجمات سريعة ومفاجئة في سوريا؛
· وحشد ورباط في جنوب لبنان وفي منطقة النبطية على مقربة من إصبع الجليل شمالي
فلسطين؛
· وحرب مستعرة أوارها منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات في العراق.
· وتقدم هجومي ملحوظ لطالبان والقاعدة في أفغانستان وسط تأييد شعبي،
· وانضمام حكمتيار إلى القاعدة وطالبان كخصم عنيد وصاحب بنية تنظيمية وتسليحية وتدريبية واستخبارية ممتازة ورثها عن حرب تحرير أفغانستان؛
كل هذا يجعل المرء يستنتج بسهولة أن مد تنظيم القاعدة المتصاعد، وهو يضع فلسطين نصب العين والدين، يؤشر بداية على سعي فعلي نحو بلاد الشام أو ما يعرف بدول الطوق تاريخيا أملا:
· إما بتحقيق احتلالات أمريكية أو إسرائيلية جديدة تقلب كل الموازين والأوضاع وتصب في صالح استراتيجيتها الباحثة عن توسيع ساحة المواجهة.
· وإما بإضعاف الحكومات وتحقيق اختراقات تنظيمية واسعة، وانتشار على مستوىالجمهور
كمقدمة للتوجه نحو فلسطين.
وفي كلتي الحالتين ثمة شعور بتحرك ما يجري على قدم وساق في المنطقة، ومن المستحسن أن نفهم تصريح الرئيس الفلسطيني باعتباره صيحة تحذير وليس واقع فقط، فمن المألوف عن عمل القاعدة أنها تتمتع بتخطيط وإعداد صارمين وسرية عالية قبل الإقدام على خطوة فاشلة قد تفقدها أكثر مما تربحها.
في خلاصة سريعة يمكن القول في نقطتين مركزيتين:
· إن تنظيم القاعدة بات تنظيما فريدا في الساحة العالمية، لا يزال يظهر بمظهر المدافع عن الإسلام والساعي إلى نصرة الدين والأمة وإحقاق العدل. أما فرادته عن باقي التنظيمات الجهادية فتكمن في كونه الجماعة الإسلامية المسلحة الأولى، بعد انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي، التي جاهرت بعملها وأهدافها لتبلغ ديار الإسلام ومصالح الأمة الإسلامية وليس حدود القطر أو مصالح الشعب. هذه الخصيصة للقاعدة كمجموعة تنظيمات أو تيارات أو خلايا ذات أفكار مماثلة جذبت إليها الكثير من الشرائح الاجتماعية لها، على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي لاسيما تلك الجماعات التي تشعر منذ زمن أنها تتعرض لخديعة تتعاظم يوما بعد يوم في ساستها وقادتها ودينها ورموزها وأوطانها وحقوقها وكرامتها وأقدس مقدساتها ولم يتبق لها ما تراهن عليه ولا ما تخسره.
· أن القاعدة حاضرة على مستوى الفكر والتأييد والتعاطف والحماس في أوساط الشعب الفلسطيني لاسيما في الضفة الغربية وغزة، وهذا يعني أنها قاب قوسين أو أدنى من الحضور التنظيمي خاصة وأن الساحة تعج بثقافة جهادية عريقة ورفيعة المستوى ولا بد لها من موقف في ساعة الحسم. كما أن الساحة مثقلة بالهزائم والضغوط رغم أنها تعج بالكفاءات والخبراء في التصنيع العسكري للأسلحة والمتفجرات بطريقة لم يسبق أن عهدها الفلسطينيون ولم تعد خافية على أحد ولا صعبة الوصول إليها وهو ما تحتاجه القاعدة ويسهل عملها، فضلا عن توفر خبراء في الإنترنت والرصد والمتابعة والترجمة يمكن ملاحظتهم في المنتديات وهم يبعثون برسائل تعاطف للقاعدة[11].
ومن الواضح أن مثل هذه البيئة كافية، في المرحلة الأولى، لإحداث تعاون غير مباشر مع القاعدة أو تماهي مع أفكارها وطريقة العمل، ويستحضرنا في هذا السياق العملية النوعية التي نفذتها ثلاثة أجنحة مسلحة ضد قاعدة حربية إسرائيلية (25/6/2006) كان "جيش الإسلام" أبرزها وهي تسمية غير مألوفة ولا معروفة وذات مغزى، وفي غضون ذلك ليس من المستبعد أن تلجأ القاعدة إلى تنفيذ هجمات ضد إسرائيل انطلاقا من محيط فلسطين أو ضد المصالح الإسرائيلية واليهودية في العالم.




















*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:06 AM

رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)
 
قائمة بالمراجع
· القرآن الكريم
· الحديث النبوي الشريف
· أبو مصعب السوري، بيان صادر عن مكتب الشيخ (أبو مصعب السوري)، 15/11/2004.
· أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م.
· أبو مصعب السوري: (مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر1996-1998)، 1/6/2004.
· أبو مصعب السوري،مسؤولية أهل اليمن تجاه مقدسات المسلمين وثرواتهم، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق (2)، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية.
· أبو مصعب الزرقاوي، شريط الفيديو المرئي الأول، 25/4/2006.
· أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/8/1426. http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599
· د. أحمد فريد السكندري، السلفية قواعد وأصول، 25/8/1426، بحث من 30 صفحة على موقع شبكة صيد الفوائد: http://www.saaid.net/book/7/1135.doc.
· الصحفي أحمد موفق زيدان، "هل بايع حكمتيار زعماء تنظيم القاعدة ؟؟!!، بلوج:
http://www.maktoobblog.com/ahmedzaidan?post=35031.
· أسامة مناصفي، السلفية الجهادية: بدايات ومآلات (3-10)، بحث خاص بموقع "إنباء" الإخباري،31/12/2004،http://www.inbaa.com/modules.php?name=Content&pa=showpage&pid=60.
· الشيخ عبيد بن عبدالله بن سليمان الجابري، "أصول وقواعد في المنهج السلفي- الجزء الأول، سلسلة لقاءات بتاريخ 26 ربيع الأول1421هـ ، على موقع شبكة سحاب:
http://www.sahab.net/sahab/showthread.php?threadid=305314.
· العميد د. محمد بن صنيتان، الوهابية .. دعوة سلفية، مجلة الحرس الوطني السعودية،العدد 244، 1/10/2000. على موقع المجلة في الشبكة:
· http://haras.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=93050.
· د. أكرم حجازي، "تأملات في الحالتين التنظيميةوالسياسية لحركة حماس ما بعد غزة"، 29/11/2005 المنشورة في صحيفة الحقائق الدولية الصادرة في لندن، وعلى الشبكة الدولية: www.alhaqaeq.net/authors.asp?authorid=603 - 182k.
· د. أكرم حجازي، " قراءة في الظهور المفاجئ للزرقاويصحيفة الحقائق الدولية في لندن بتاريخ 5/3/2006) ومجلة العصر الإلكترونية.
· اليكسي فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، شركة المطبوعات، بيروت – لبنان، ط2- 2000. كتاب رقم 77 على موقع مكتبة الحرمين على الشبكة:
http://www.alhramain.com/text/kotob/Acrobat/77/f.htm.
· أوليفيه روا، "وهم العودة الى الجذور: نقدالإسلام الحرفي"، موقع "جدل" على الشبكة:
http://www.jadal.org/?p=205.
· باسل الكبيسي، حول حركة القوميين العرب، مطبعة الناصر، لقدس، 1974.
· بينو بونجورنو، هل تحولت سيناء الى جبهة جديدةللجهاديين؟، المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب. على الشبكة:
www.icaws.org/site/ modules.php?name=News&file=article&sid=6849 - 37k -
· تقرير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) بعنوان "تفهم التيار الإسلامي"، القاهرة – بروكسل، 2 آذار 2005. في موقع المجموعة على الشبكة:
http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=3300&l=6، وكذلك وتقارير مؤسسة رانـد"Rand Corporation" الأمريكية خلال الفترة بين 2003 – ربيع 2004 بخصوص الديمقراطية والإصلاح الإسلامي. على موقع الجامعة العربية.
http://www.arableagueonline.org/las/arabic/details_ar.jsp?art_id=3672&level_id=696
· مقابلة مصورة لتيسير علوني مراسل قناة الجزيرة مع أسامة بن لادن في أفغانستان في أكتوبر عام 2001.
· مقابلة لياسر أبو هلالة مدير مكتب قناة الجزيرة في الأردن مع الشيخ أبو محمد المقدسي في 5/7/2005.
· حازم الأمين، صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 4 و 5/4/2006.
· عبد الباري عطوان، رئيس التحرير، مقابلة مع بن لادن، صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن، تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996.
· عبد الله عزام، "آيات الرحمن في جهاد الأفغان".
· عبد القادر بن عبد العزيز، العمدة في إعداد العدة، 1999، دار البيارق، بيروت – لبنان.
· علي الكنز، الإسلام والهوية - ملاحظات للبحث، ندوة الدين في المجتمع العربي، 1990، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان.
· فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة،دار الخيال، ط1، 2005، بيروت لبنان.
· قلب الدين حكمتيار، كلمة مصورة باللغة العربية، والتي بثتها قناة الجزيرة بتاريخ 4/5/2006.
· محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، ط2- 1991، بيروت- لبنان، ص150-151.
· محمد بن شاكر الشريف، السلفية: المفهوم والتحديات، مجلة البيان السعودية، على موقع الشبكة:http://www.albayan-magazine.com/bayan-221/salafya/index.htm.
· مقابلة صوتية مع إذاعة التجديد بعنوان: "تساؤلات منهجية حول الدعوة الوهابية"، على موقع التجديد في الشبكة: https://www.tajdeed.org.uk/sound/list.do?cid=20.
· مقابلة مع نواف القديمي أحد الناشطين في التيار أجراها موقع إخوان أون لاين على الشبكة بتاريخ28/02/2004، http://ikhwanonline.net/Article.asp?ID=5079&SectionID=202.
· مقالة شائعة على الشبكة بعنوان " سيرة الشيخ أسامة بن لادن" ومجهولة المصدر.
· موقع قناة الجزيرة على الشبكة"تغطيات 2001: حرب أمريكا"، ضمن مقالة بعنوان" الأفغان العرب ... تاريخوواقع:
http://www.aljazeera.net/special_coverages/war_against_terrorism/2001/10/10-25-1.htm .
· هيرمان فريدريك ايليتس، "الأصولية الإسلامية: بحث عن نظام جديد"، دراسة مترجمة عن مجلة "ميديترانيان كوارتلي، العدد الرابع – المجلد الأول. وباللغة الإنجليزية: Herman F.Elits-(Islamic Fundamentalism: Aquest A New Order Mediterranian Quartly, vol 1, No4, Fall 1990.


[1] الحديث المقصود هو ما رواه مسلم في صحيحه بسنده: ( عن أبي نضرة رضي الله عنه قال: كنا عند جابر بن عبد الله رضي عنه فقال: يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: العجم يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم؟ ثم سكت هُنيهة، ثم قال: قال رسول الله : يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عداً. قلت لأبي نضرة: أترى أنه عمر بن العزيز؟ قال: لا).

[2] ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60} – الأنفال).

[3] في هذا السياق يمكن مراجعة عبد القادر بن عبد العزيز، العمدة في إعداد العدة، 1999، دار البيارق، بيروت – لبنان. حيث يوافق المؤلَّف أطروحات الإعداد لدى القاعدة.

[4] نعني بلفظة "الحولية" منطقة "الكنف أو الأكناف"، أي المناطق التي تقع حول المسجد الأقصي، فالخط الواصل بين الحرم المكي والمسجد الأقصى هو خط الإسراء والمعراج بالرسول الكريم، فإذا انطلق الخط من القدس كمركز قادم للخلافة باتجاه مكة فإن المنطقة الواقعة داخل الدائرة هي منطقة الحولية أو ما نسميه بـ "حولية الصراع"، وهي ذات المنطقة التي نعتقد أنها المستهدفة من قبل القاعدة بحسب المحتوى الديني، وبالمصطلحات السياسية والاستراتيجية قلب منطقة الشرق الأوسط.

[5] المقصود ما رواه أحمد والبزار عن النعمان بن بشير عن حذيفة: أن النبي قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت. (أحمد في مسند النعمان بن بشير 4/273 من طريق الطيالسي، وأورده الهيثمي في المجمع 5/188، 189، وقال: رواه أحمد =
= والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات، وهو في منحة المعبود برقم 2593، وفي كشف الأستار عن زوائد البزار برقم 1588، وصححه الحافظ العراقي في كتابه: محجة القرب إلى محبة العرب وذكره الألباني في: الصحيحة برقم 5).

[6]أبو مصعب السوري،مسؤولية أهل اليمن تجاه مقدسات المسلمين وثرواتهم، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق (2)، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية.

[7] من جهتها، نشرت صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 4 و 5/4/2006 مقالة على حلقتين للصحفي اللبناني حازم الأمين يتحدث فيهما عن احتمال توغل فعلي للقاعدة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

[8] فيما يلي مقتطفات من دعوته لاستعمال أسلحة دمار شامل ضد الولايات المتحدة : "ولو استشرت في مثل هذه العملية ]هجمات سبتمبر [لأشرت بأن تكون الطائرات من رحلات خارجية وأن تحمل أسلحة دمار شامل ... فقد كانت وما تزال عملية ضرب أمريكا بأسلحة الدمار الشامل أمرا معقدا صعبا, ولكنه يبقى ممكنا في نهاية الأمر إن يسر الله . وأهم من كونه ممكنا أنه أصبح ضروريا ..." وللخلاص مما يعتبره شرور أمريكا يقدم ثلاثة سيناريوهات أولها قارعة من عند الله تصيب أمريكا، وثانيها حرب عصابات طويلة المدى على امتداد العالم الإسلامي والاحتمال الأخير " تدميرأمريكا بعمليات الحسم الإستراتيجي بأسلحة الدمار الشامل النووية أو الكيماوية أوالجرثومية البيولوجية. إن استطاع المجاهدون أن يحصلوا عليها بالتعاون مع من يملكها أو شرائها أو بتصنيع واستخدام القنابل الذرية البدائية, وهو ما يسمونه (القنابل القذرة)". وردت في:
- بيان صادر عن مكتب الشيخ (أبو مصعب السوري) بتاريخ 15/11/2004، رداًََ على: " إعلان آدم إيرلي نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية 18/11/2004م إصدار مذكرة بحث واعتقال, بحقه، وموافقة وزير الخارجية كولن بول على تخصيص مبلغ خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه. ومن بين ما قاله ايرلي: " أن الشيخ درب الإرهابيين في مجال السموم والمواد الكيماوية، وهو عضو في القاعدة ومدرب سابق في معسكرات (دورنتا) و(الغرباء) في أفغانستان".

[9] يذكر أن مصادر أمنية باكستانية كشفت في 31 أكتوبر/ تشرين أول 2005 عن اعتقالباكستان لأبيمصعب السوري بعد اشتباك مسلح في مدينة كويتا في إقليم بلوشستان، ثم نفت الخبر الذي عادت وأكدته مصادر أمريكية في نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وقد أقدمت باكستان على تسليمه إلى الولايات المتحدة في مطلع شهر أيار/ مايو 2006.


[10]بينو بونجورنو، هل تحولت سيناء الى جبهة جديدةللجهاديين؟، المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب. على الشبكة: www.icaws.org/site/ modules.php?name=News&file=article&sid=6849 - 37k -

[11] لا شك أن الولايات المتحدة تعرف بهذه الأمور، فقد اعترف إريك كلارك المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات الأميركية بأن تنظيم القاعدة انتصر في الحرب الإعلامية مع الولايات المتحدة، في إطار الحرب على الإرهاب، وأشار بأن القاعدة ومناصريها يستعملون في الوقت الراهن نحو 4 آلاف موقع الكتروني عبر الكرة الأرضية، وخلصٌ كلارك، في حوار مع العربية نت، الى أن الحدّ الأدنى من المهمة التي فعلتها القاعدة، في حملة الاتصالات الإستراتيجية، هو أفضل بكثير من التنسيق القائم بين الولايات المتّحدة وقوّات التحالف.11/03/2006، على الشبكة:
http://www.alarabiya.net/Articles/2006/03/11/21855.htm

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:15 AM

(الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
سلسلة دراسات عن السلفية الجهادية (2)





بحث بعنوان:




الصين تحت مجهر السلفية الجهادية





د. أكرم حجازي






الأردن / إربد



كانون الثاني / يناير2007




















المحتويات


أولا: بن لادن: "لسنا جامدين، سندور حيث تدور العقيدة" ............ 3
ثانيا: الاقتصاد ونظرية رأس الأفعى.......................................... 7
1) حالة الاقتصاد الأمريكي .................................................. .. 8
2) حالة الاقتصاد الصيني .................................................. .. 9
ثالثا: اليهودية العالمية: وداعا أمريكا .................................... 11
1) الصين وإسرائيل، أية علاقة؟ ............................................ 12
2) النشاط اليهودي في الصين .............................................. 15
رابعا: صراعات دامية وتنافس محموم في وسط آسيا ............... 17
المداخلة الأولى: خطط الصين تجاه القاعدة وطالبان ومسلمي تركستان ........... 17
1) القاعدة وطالبان .................................................. ...... 17
2) المسلمون في الصين ( تركستان الشرقية ) ............................ 20
المداخلة الثانية: الصين في خطط القاعدة .......................................... 23
خلاصة .................................................. ........................... 29
قائمة المصادر والمراجع .......................................... 30

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:17 AM

رد: سلسلة دراسات عن السلفية الجهادية (2)د/اكرم حجازي
 
الصين تحت مجهر السلفية الجهادية

د. أكرم حجازي



قد يبدو العنوان مثيرا بعض الشيء لما يتحدث أحد ما عن علاقة الصين في السلفية الجهاديةلاسيما وأن الثقافة العامة لدى المسلمين ترى في الصين دولة صديقة لطالما دافعت عن القضايا العربية ووقفت في مواجهة الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في المحافل الدولية، بل وأكثر من ذلك لما تكون الثقافة العربية الإسلامية من النوع الأليف تجاه الصين لدرجة أن الحكمة الشعبية "أطلبوا العلم ولو في الصين" بدت وكأنها تقدم للصينيين صك غفران وإلى الأبد فيما بدا وصف الصينيين بأنهم قوم يأجوج ومأجوج أقرب إلى الهزل منه إلى الحقيقة أو الجد. وواقع الأمر أن الغالبية الساحقة من أجيال اليوم، عربا ومسلمين، ربما يكونوا قد برعوا في تجاهل قضاياهم أكثر مما برعوا في العلم بها، وإلا كيف ترتكب حروب إبادة وتضيع أمم دون أن يدري بها أحد؟
لو تمعنا في الأمر قليلا وليس كثيرا فربما يصحو العالم، الذي تقاس تسارعاته في هذه الأيام بالسنين وليس بالعقود، على عداء سافر بين المسلمين والصينيين. ولكن لماذا قد تهتم السلفية الجهادية وأداتها القاعدة بالصين وهي أبعد ما تكون عن المساس المباشر أو غير المباشر بالمسلمين لاسيما في بلادهم التقليدية حيث ظهر الإسلام وانتشر؟ وما علاقة الصين برأس الأفعى الأمريكية وإسرائيل؟ وما علاقة القاعدة في الصراع مع الصين وهي الدولة الكونفوشية أصلا، واللادينية حاليا، والتي لم تكن في يوم ما صليبية؟ وهل يمكن أن يحل التنين الصيني ذو الرؤوس المتعددة، في مرحلة ما، محل رأس الأفعى؟ كيف؟ ولماذا؟ وبأي محتوى أو مبررات؟
في الحقيقة لدينا أكثر من فاعل استراتيجي كل واحد منهم معني فيما نطرحه من تساؤلات، ولكن لا السلفية الجهادية ولا الأمريكيين ولا الصينيين ولا اليهودية العالمية بيد أي منهم إجابة حاسمة. فالمسألة برمتها هي استشراف لتحالفات قيد الانهيار بين اليهود والغرب من جهة، وأخرى محتملة بين اليهود والصينيين من جهة أخرى، وما يهمنا أن تجيب السلفية الجهادية على ما طرحناه من تساؤلات. ولكن إذا ما كان للسلفية الحق في أن تحدد أعداءها وأهدافها، بحيث يتلقى العالم الإسلامي، في المحصلة، تبعات ما قد تقدم عليه من أعمال، فللباحثين الحق في التفتيش عن المعايير التي تتيح لها توصيف هذا العدو برأس الأفعى وذاك بالذيل كي يتسنى لنا التنبؤ في الخطوات القادمة، ومن هنا نبدأ.
أولا: بن لادن: "لسنا جامدين، سندور حيث تدور العقيدة"[1]
عبارة رددها بن لادن مرارا. وهي تعبر عن صميم عقل السلفية الجهادية وفلسفتها العقدية كمرجعية وحيدة تجاه الإسلام الحركي الذي يأبى الجمود والاستكانة تحت مظلة هذه الفتوى أو تلك مثلما يأبى التسليم بالمصالح وضغوط الواقع. وبهذا المعنى، حيث يتشارك الجميع في نمط المعيش والمكان والزمان دون فوارق اقتصادية أو اجتماعية تذكر، فليس للأعضاء في تنظيم القاعدة، مثلا، أية حقوق تنظيمية أو مكاسب أو مطالب إلا ما تفرضه العقيدة من معايير في الثبات واختيار العناصر والقيادة والقدرة على إدارة الصراع مع الخصم واحتساب أعمالهم عند الله وليس عند أحد غيره سواء كان الزعيم الرمز أو الملك أو الرئيس أو مصلحة الوطن أو أي شيء آخر، ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية.
هذه العبارة أيضا، غير المألوفة بتاتا منذ بدايات القرن العشرين، تقرأ الواقع والحدث وتحكم عليه من خلال العقيدة ولا تقبل إطلاقا التقارب معه أو التعايش معه أو تبريره، فهو بنظرها إما شرعي أو غير شرعي وليكن ما يكون. وجلي القول أن السلفية الجهادية تسحب الحدث والواقع معا إلى الماضي أو إلى ساحة العقيدة وتخضعهما للمساءلة والقول الفصل. وعلى النقيض من ذلك، نشأت الحركات الوطنية وتطورت بشقيها العلماني والإسلامي والرسمي والشعبي، وبشكل مباشر أو غير مباشر، على خلفية بيئة علمانية استُعملت فيها العقيدة، في أحسن أحوالها، كأداة وُظِّفت لإكساب الحدث والواقع مشروعية دينية. وهكذا تبدو العقيدة، بلغة العبارة، كمن يلاحق الحدث والواقع ليحدد الحكم الشرعي منه، في حين يبدو الحدث والواقع من الجانب الآخر كمن يلاحق العقيدة لانتزاع المشروعية منها.
ومن وجهة نظر هذه الدراسة، وبعيدا عن اللغة السياسية أو الأمنية ذات المنحى التكفيري[2]، والتي تهيمن على الخطاب الإعلامي المضاد، دون أن تحقق أية نتائج تذكر إلا من تعميق الأزمة وزيادة التوتر، فالمعادلة القائمة تشير إلى أن السلفية الجهادية وتنظيماتها المسلحة تتلقى خطابا رسميا من الدولة لا يحتوي إلا على أجندة واحدة هي الحل الأمني المدعوم إعلاميا، بحيث تُقَدًّم فيه السلفية الجهادية بوصفها "الفئة الضالة" أو"خوارج العصر" أو "الإرهابية" أو "رؤوس الفتنة" وأخيرا "العملاء والتافهون"، في حين أنها تستعمل، منذ نشأتها، ذات التوصيفات لإدانة أنظمة الحكم وحلفائهم ممن تسميهم بعلماء السلاطين. ولا شك أن حوار الطرشان هذا عمق الفجوة، وأحدث نوع من القطيعة النهائية بين الطرفين بعد أن شعر التيار السلفي الجهادي بأن الدولة صادرت حتى توصيفاته لها لترميه بها. فكيف تستقيم المعادلة؟ وكيف يمكن مواجهة المشكلة بفاعلية ومنطق معقول؟
وبسبب بؤس الخطاب الإعلامي والسياسي والتغول الغربي على الإسلام والمسلمين ونظام اللاعدالة والتحقير الذي تنتهجه الولايات المتحدة، تمكَّن التيار السلفي فعلا من الثبات وحشد الأنصار على مستوى العالم وتجاوز مرحلة الانقراض، وبات يعكس ظاهرة عالمية تخترق صفوف المسلمين وتتجذر يوما بعد يوم لتكون بديلا ليس فقط عن الأنظمة السياسية والحركات الوطنية والعلمانية بل وعن الجماعات الإسلامية التقليدية الجهادية وغير الجهادية. ومن هنا كان ينبغي على الأنظمة السياسية العربية أن تبدأ، إن هي أرادت تدارك الوضع، وليس بتبني الأطروحة الأمريكية فيما تصفه بمكافحة الإرهاب العالمي، وواقع الأمر أن العالم الإسلامي قد تغير فعلا وانتقل إلى مرحلة مختلفة جذريا عما سبق، أو هو في الطريق إلى ذلك، بحيث لم تعد القوى الجديدة تتقبل أشكال تنظيم قامت بواجباتها ضمن ظروف معينة لا ينكرها أحد إلا أنها الآن غدت بدائية، وفي طريقها إلى الزوال هي وأدوات عملها وتحالفاتها وطرق تفكيرها وأيديولوجياتها ومناهجها وتطلعاتها وعقائدها القتالية والتربوية التي لم تعد مستساغة لا في الاعتقاد ولا في الحشد ولا في فاعليتها في الصراع مع القوى المعادية أو الصائلة، بحسب تعبير السلفية الجهادية.
ولا ريب أن ملاحقة العبارة إياها في الشريط من شأنها أن تسلط الضوء، أكثر من أي وقت مضى، (أولا): على تجذر المحتوى الديني في عقل السلفية الجهادية ومن ورائها القاعدة وتنظيماتها المنتشرة في العالم بصورة لا فكاك منها، كما لو أنها تعيش في زمن النبوة، وبصورة غير معهودة إلا في رحم الصدر الأول من الإسلام، و(ثانيا): على مستوى الأهداف التي تقع في مستوى العقيدة وليس في مستوى التنظيم.
ففي المستوى الأول ترى السلفية، كمنهج عقدي في التفكير والعمل، أنه ثمة قوى كفر وشرك ورِدّة محلية وصليبية عالمية مثيلة لتلك القوى التي سادت في العصر النبوي وما تلاه، وذات توجهات دينية متزمتة: (1) تجهد في استضعاف الإسلام والمسلمين وتحقيرهم على الدوام (2) والعدوان على دينهم ونبيهم ومقدساتهم ورموزهم الدينية (3) وغير عابئة بأية نتائج أو مخاطر من انفجارات اجتماعية أو صدام حضاري تتجلى بواكيره كل حين. فتارة يهاجَم المسلمون عامة وتارة يهاجَمون خاصة بشخص نبيهم وبصريح الفعل، وتارة يهاجَمون في ديارهم، وتارة يُضَيًّق عليهم في دينهم من الداخل، وتارة يُنْكَر عليهم رب العباد ووصفه بغير الرب الذي يعبده الأميركيون مثلا بحسب تصريحات أحد المسؤولين الأمريكيين.
وفي المستوى الثاني كان التنظيم، فيما مضى، هو من يحدد الأهداف التي تتلاءم مع سياسته وأيديولوجيته وحجمه ووزنه السياسي وبما يخدم التنظيم ومصالحه، فيما يبدو الحال مختلفا مع السلفية الجهادية حيث العقيدة هي التي تختار أهدافها ليس لخدمة التنظيم ولا لخدمة مصالحه أو أهدافه بل لخدمة العقيدة ومتطلباتها*. وفي السياق استعمل بن لادن مفردات ذات طبيعة عقدية في الصراع مع القوى الغربية (المشركة) واصفا الضربة التِنِّينيَّة (ذات الأهداف المتعددة) التي وجهتها القاعدة لرموز الهيمنة والقوة في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ضربة" حطمت هبل العصر"[3]، في إشارة إلى العلو الأمريكي في الأرض والذي جسده برجا التجارة العالميين حتى بدت أمريكا، بلغة فرعونية، كما لو أنها رب يعبد من دون الله.
وجدير بالملاحظة أن استعمال تعبيرات حدِّية الطابع، وعلى هذا النحو من التحدي، يؤشر على أن القاعدة، كنموذج ضارب للسلفية الجهادية، معنية على الدوام بترقية أهدافها إلى الحد الذي يتلاءم والدخول في معركة الدفاع عن الإسلام والعقيدة من أوسع الأبواب، وبإيمان عميق بالرسالة التي تحملها، ودون وجل. فمن يمسك بمعول العروة الوثقى عليه ألا يخشى من أصنام العصر ولا من عاقبة الأمور. فلا يمكن أن تمسك بـ "لا إله إلا الله وترفع راية الجهاد (الرايات السود)" وتنادي بالدفاع عن مصالح الأمة وتعلن حربا على القوى الصائلة في البلاد، ولا تكون أهدافك هي "هبل" و "اللات" و "العزى" وأمثالها، وهي ذات الأهداف التي بدت مستحيلة في يوم ما؟ وإلا فمن سيستمع إليك أو يثق بما تقول حتى لو كنت صادقا؟
إذن، ومثلما جاهرت القوى الغربية بعداء صريح ضد الإسلام والمسلمين بعد عشرات العقود من المراوغة والخداع، نجد أن تغيرا يضرب صميم الفكر الإسلامي وليس العالم الإسلامي فقط. وفي المحصلة ثمة تغيرات جوهرية طالت الفريقين الغربي والإسلامي بحيث يتوجه كلاهما إلى الصدام إن عاجلا أم آجلا، فالأول جاهر بعدائه وأخذ يصول ويجول في البلاد الإسلامية والثاني قبل التحدي وأعلن عن استعداده لبدء المواجهة. تلك هي المعادلة الشائعة اليوم والتي ستسود مستقبلا بحسب توقعات خبراء الغرب نفسه.
إن مطالعة الآلاف من الصفحات التي احتوت على تجارب الحركات الإسلامية لأبي مصعب السوري شيخ المؤرخين لتيارات الإسلام العالمي المقاتل ولغيره من كتاب التيار، ومشاهدة عشرات الأشرطة التي أصدرتها القاعدة وما زالت توالي إصدارها بين الفينة والأخرى، ورصد المئات من الكتابات التي تملأ منتديات السلفية أمر حسن للباحث كي يتحصن بعدة معرفية خام تمكنه من الولوج إلى عمق التفكير لاستخراج ما يفيد، ولكنه جهد مرهق للغاية خاصة إذا ما انصب التركيز، دائما، على التنقيب عن الفكر الذي تنتجه القاعدة عبر الكتابات والأخبار والبيانات المرئية أو المسموعة أو المكتوبة، وكذا التعليقات الصادرة عن مناصريها وبعض كتابها، وحتى تحليلات المفكرين الغربيين وتصريحات قادتهم. وبينما الاستغراق في البحث والتأمل فيما يمكن أن تفعله السلفية الجهادية مستقبلا يطول ويستهلك الكثير من الوقت، كان ثمة سؤال دائم الحضور لا ينفك يطرح نفسه: أين سيصل هذا الفكر؟ وأين سيحط رحاله؟
وفي مثل هذه اللحظات من التأمل والبحث والتنقيب تبدو الصين، لحسابات داخلية، كمن يصر أن يظهر بمظهر العدو الصارم للسلفية الجهادية الآن وفي المستقبل في ضوء انضمامها لما يسمى بالتحالف العالمي في مكافحة الإرهاب وفي ضوء نموها الاقتصادي الكبير وما قد يتمخض عنه من تحالفات جديدة وموازين قوى مختلفة لم نألفها سابقا.
والحقيقة أن نشأة القاعدة كتيار سلفي جهادي عالمي بدء من مرحلة الجهاد الأفغاني الثانية (1996) يعود بالدرجة الأساس إلى تبني القضية الفلسطينية تحديدا باعتبارها الهدف الذهبي الذي تسعى إلى إنجازه كي تتمكن من العبور نحو إعلان الدولة الإسلامية ومن ثم إقامة الخلافة الإسلامية كنظام حكم يؤمل تحقيقه. وعلى خلفية التوجه نحو فلسطين، تموضعت القضية الفلسطينية، عقديا وسياسيا، لتحتل صفة القضية المركزية الأولى للأمة والتي تستدعي تدويل الصراع بحيث تدور جولاته لا في الأطراف فقط بل تنتقل منه إلى المركز كما يقول د. عبدالله النفيسي[4]، فليس من العدل اللعب بشروط الخصم إلى الأبد بحيث تبقى البلاد الإسلامية موطن الغزوات الغربية والصراعات ويكون الضحايا دائما من المسلمين فيما بلاد الغزاة تنعم بالأمن والاطمئنان. لعل في هذا العرض الذي يتكرر في أطروحات القاعدة ما يكشف نسبيا عن سبب تكون الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الحامي الأكبر لإسرائيل في الوقت الراهن ورأس الأفعى كما يقول أسامة بن لادن.
وكنا قد أنجزنا دراسة عن السلفية الجهادية بعنوان: " رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية: القاعدة نموذجا"[5] وركزنا فيها على عقلية التيارات السلفية الجهادية ذات الطابع العالمي ومدى اهتمام القاعدة بفلسطين حقيقة، ووجدنا أن الوصول إلى عمق تفكيرها واستراتيجياتها يكمن في صميم المحتوى الديني أكثر منه في أي محتوى آخر. فهو محتوى سيقودها إلى فلسطين قطعا وإلى الصدام الذي لا مفر منه مع إسرائيل. ولكن كيف السبيل للوصول إلى إسرائيل الدولة المزروعة في قلب العالم الإسلامي والعربي للحيلولة دون أي من الوحدتين ودون استعادة الخلافة الإسلامية مطلب القوى الإسلامية جميعا؟ كيف الوصول إلى إسرائيل، وهي تحظى بدعم دولي أمريكي وأوروبي سافر وثابت ومؤسس على تحالف يهودي صليبي بروتستانتي كاسح؟

[1] الشريط الذي بثته القاعدة بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عبر شبكة السحاب بتاريخ 7/9/2006. وسنطلق عليه هنا " شريط التوثيق لأحداث سبتمبر".

[2] من الطريف حقا أن لغة الخطاب الإعلامي السعودي مثلا تشبه لغة الخصوم حين تصف تيار السلفية الجهادية في السعودية وخارج السعودية بـ "الفئة الضالة"، ومؤخرا استفاق رجال الإعلام والباحثين والمهتمين على توصيف جديد أطلقه وزير الداخلية السعودي الأمير نايف،أمام الملتقى الثاني لمديري هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرياض، على أسامة بن لادن يتهمه فيه بأنه " إنسان تافه" و" عميل لدولة أجنبية"! ولا ندري إن كان هذا التوصيف يعكس توجها سياسيا جديدا لدى السعودية أم أنه سقطة إعلامية غير محسوبة. راجع تصريح الأمير نايف في صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 21 / 9 / 2006 في العدد 10159.

*في هذا السياق بالضبط يتجلى مثلا أحد الفوارق الكبرى بين القاعدة والجماعة الإسلامية، بعد المراجعات التاريخية التي قامت بها، حيث يرى ناجي إبراهيم أحد قادة الجماعة أن القاعدة تؤمن بالهدف المستحيل، وهو بهذا الموقف إنما يقدم قراءة سياسية وتنظيمية للواقع وليس قراءة عقدية.

[3] شريط التوثيق لأحداث سبتمبر. مصدر سابق.

[4] عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية،10/9/2006. على الشبكة: http://www.alasr.ws/index.cfm?method...contentID=8200

[5] أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية: القاعدة نموذجا، صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن، ( أربع حلقات)، 28-31/8/2006.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:26 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
ثانيا: الاقتصاد ونظرية رأس الأفعى
تفهم القاعدة جيدا أن تدمير هذه السفارة أو تلك المدمرة أو قتل بضعة جنود أو خوض حرب هنا أوهناك مع الولايات المتحدة لن يكون ذا جدوى بالقدر الذي يجدي فيه تفكيك مصادر القوة في قلب المجتمع الأمريكي ومن خلاله مصادر القوة في العالم؟ يبدو الأمر كذلك. فما لم يتخلخل البناء الاقتصادي بحيث يمس عصب الحياة الأمريكية ويحدث فوضى اجتماعية واقتصادية قد تدفع إلى تفتيته من الداخل فلن تُجْدِ أية ضربات ذات طابع حربي كثيرا جدا بما أن المصانع والشركات ورؤوس الأموال تعمل ووحدة البلاد مصونة والفدرالية الأمريكية قائمة وقوية.
هذا التفكير لدى القاعدة جرى التعبير عنه في دراسة قصيرة وفريدة من نوعها لأبي مصعب النجدي أحد رموز الفكر الاستراتيجي للسلفية الجهادية، إذ يقول في دراسته: " دخلت الأمة الإسلامية عبر معركة تنظيم القاعدة مع أمريكا مرحلة جديدة تختلف عنسابق المراحل التي خاضها المسلمون مع أعدائهم, وتقوم هذه المرحلة في أهم ركائزهاعلى الحرب الاقتصادية نظرا لاختلاف الخصم في هذه الحرب الشرسة؛ فالمعتاد أنالحروب تقوم على القوة العسكرية والانتصار بيد الأقوى عسكريا والمتغلب في ميدانالمعركة.أما حربنا مع أمريكا فتختلف اختلافا جذريا حيث تعتمد فيالمقام الأول على هزيمتها اقتصاديا؛ فكل ما يؤثر في اقتصادهم سلبا يعتبر بالنسبةلنا تقدمُ خطوة في طريق الانتصار, وليس للهزائم العسكرية ذلك التأثير في مقاييسالانتصار الكلي إلا بما تأتي به هذه الهزائم من تأثير على الاقتصاد بشكل غيرمباشر يتمثل في اهتزاز ثقة الرؤوس الاقتصادية بقدرة هذه الدولة على
حماية تجاراتهموتداولاتهم المختلفة والمتنوعة, إلى جانب قيمة المنشئات أو الآليات المتأثرة فيميدان المعركة"[1].
ولقد بات مألوفا أن نستمع إلى القاعدة وهي تردد على الدوام أنها ستعمد إلى إخراج الأفعى من جحرها المتحصنة به، وجرها إلى مناطق نزاع كي تتمكن من مهاجمتها عبر قطع الرأس بحيث يهلك الجسد. ولكن وفق العرض النظري لـ " النجدي" يبدو أن الأفعى ستناور وتتوخى أقصى درجات الحيطة والحذر، وبالتالي فخوض حرب استنزاف مع الولايات المتحدة على جبهة أو عدة جبهات حربية قد لا تفضي إلى نتائج حاسمة ما لم يصاحبها ضربات قاصمة للاقتصاد الأمريكي بحيث تدخل الولايات المتحدة ومن ورائها العالم في فوضى يصعب السيطرة عليها وتربك كل الحسابات الأمريكية والدولية.
بهذا المعنى يغدو الاقتصاد هو مصدر الهيمنة والقوة الأمريكية وليس القوة العسكرية، ومن المؤكد أن القاعدة تسير في هذا الاتجاه. وثمة أكثر من دليل على هذا التوجه أولها، بعد 11 سبتمبر، فتوى بن لادن باستهداف قطاع النفط، وثانيها تأكيد الظواهري في لقاء شبكة السحاب على أن خطط العمل القادمة ستكون في فلسطين والخليج العربي حيث إسرائيل والنفط[2].
وسواء حدث هذا بين ليلة وضحاها أو في بضع سنين أو عشرات السنين فسيظل الاقتصاد مصدر القوة في الحراكين السياسي والاجتماعي على الدوام. غير أن موضع الاختلاف يكمن في الدولة ذات الاقتصاد الأعظم في العالم. فما أن انتهت ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون حتى سارع إلى القول بأن القرن القادم (القرن الحالي) هو قرن الصين التي ستحل محل الولايات المتحدة. ولنتأكد من تصريح الرئيس الأمريكي، لنعقد مقارنة عاجلة بين الاقتصادين لنقف على مزايا كل منهما، ولنتبين قدرة الصين على الاستجابة للشهادة الأمريكية.
1) حالة الاقتصاد الأمريكي
منذ أواخر الستينات لم تنقطع الدراسات التي تتنبأ بسقوط الدولار كعملة مهيمنة في العالم، ولقد رشح الخبراء سنة 1997 كموعد حاسم لانهياره، أما آخر التوقعات فكانت في شهر أيار (مايو) 2006 عبر تقرير مركز الأبحاث الأوروبي (اليوروب 2020)[3]. والواقع أن الدولار ظل صامدا وقويا حتى هذه اللحظة دون أن يعني ذلك فشل التوقعات أو التنبؤات السابقة. وبعيدا عن لغة الأرقام المعقدة يمكن الإشارة إلى بضعة معطيات تؤشر على أزمة عميقة في الاقتصاد الأميركي المتداعي:
· الارتفاع المرعب في سعر برميل النفط من 13 دولار أواخر التسعيناتإلى 73 دولار سنة 2006.
· الارتفاع الآخر الكبير في سعر الذهب الناجم عن عدم الثقة في أسواق العملة لاسيما العملة الأمريكية التي لم تعد مصدرا للأمان، فالاحتياطي الأمريكي من الذهب لا يغطي سوى7% من قيمة الدولار المطروحة
في الأسواق بواقع سبعة آلاف طن من الذهب مقابل 37 ألف طن سنة 1950.
· تحول أمريكا إلى دولة مدينة لأول مرة ابتداء من سنة 1985، أما إجمالي المديونية الأمريكية الخارجية والداخلية فتتراوح حاليا بين 30 إلى 40 تريليون$ والمرشحة لأن تصل إلى 70 تريليون$[4]، من ضمنه الدين الوطني النقدي البالغ 9 تريليون$.
· العجز السنوي المزمن والمتصاعد في الخزينة الأمريكية والذي يصل إلى أكثر من 500 مليار$ سنويا بحسب إحصاءات سنة 2003 على أن يتصاعد في العشرية القادمة ليصل إلى 1800 مليار$[5].
· العجز المتراكم في الميزان التجاري والذي بلغ حتى الآن 4.35 تريلون$.
· التضخم الهائل جدا في ميزانية الدفاع والذي وصل إلى أكثر من500 مليار$ سنة 2005، وبنسبة 47% من حجم الإنفاق العسكري عالميا.
· تراجع الولايات المتحدة كدولة منتجة لـ 50% من السلع والخدمات إلى 27% حاليا.
ولا شك أنه ثمة إحصائيات أخرى مدهشة ذات طابع اجتماعي واقتصادي من شأنها أن ترسم صور أشد قتامة لامبراطورية على وشك الزوال، وهو ما يتحدث به كبار المفكرين والاستراتيجيين الأمريكيين ناهيك عن غير الأمريكيين. ولعل في هذا ما يفسر التغول الأمريكي عالميا، فما تفعله الولايات المتحدة للخروج من أزماتها المستفحلة يشبه عملية ترقيع لرداء بالي، ومن البديهي القول أنه من الطبيعي أن تلجأ أمريكا إلى شن الحروب هنا وهناك لتغطية بعض العجز ولكنها من المستحيل أن تستمر إلى ما لا نهاية في هذا الطريق أو تلجأ إلى احتلال بلدان عديدة لنهب ثرواتها في محاولة يائسة للخروج من المأزق. ولعل في مثل هذه الأسباب وغيرها ما يبرر صمود العملة الأمريكية إلى هذا الوقت.
2) حالة الاقتصاد الصيني
في المقابل يبدو الاقتصاد الصيني مهيئا بالفعل لنقل الصين إلى حيز القوة الاقتصادية الأولى، ففي غضون عشر سنوات باتت الصين تحتل الآن المرتبة السادسة عالميا. وإلى أن تحين سنة 2041[6] ستكون القوة الاقتصادية الأولى إلى جانبها الهند والمكسيك والبرازيل.ومنذ فتح السوق الصينية، قفز حجم صادراتها ووارداتها إلى 15% سنويا، أي مرتين أسرع من المعدل العالمي، وتستقطب أكبر نسبة من الاستثمارات الأجنبية في العالم. وتعد سويسرا من بين أكبر المستثمرين الخمسة عشر في الصين بمعدل 3-5 مليار$ وزهاء 250 شركة سويسرية[7].
وقد ذكر تقرير لمؤسسة "برايس ووتر هاوس للاستثمارات والأعمال" أنه من المتوقع أن يتنامى الاقتصاد الصيني بسرعة حتى أنه قد يتجاوز كافة الدول المتقدمة بحلول 2050. وبحسب التقرير، فمن المتوقع أن يتضاعف حجم الاقتصاد الآسيوي العملاق ما بين عامي 2005 و2050. وفي حين يبلغ الاقتصاد الصيني الآن 18% من حجم الاقتصاد الأمريكي قياسا بالدولار، إلا أنه يوازي 76% من الاقتصاد الأمريكي قياسا إلى القدرة الشرائية. وتعتقد المؤسسة أن الاقتصاد الصيني قد يصبح بحلول عام 2050 أكبر من الاقتصاد الأمريكي بمقدار 43% قياسا على القوة الشرائية - وإن كان سيكون دون الاقتصاد الأمريكي قياسا إلى
الدولار[8].
ويبلغ المعدل الثابت للنمو الاقتصادي السنوي في الصين نحو 9.4%، وهي نسبة مرتفعة جدا وسريعة بحيث تلقي بظلال كثيفة على أسعار النفط التي شهدت ارتفاعات خيالية بوصفها ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم ما دفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى الطلب من الصين ضرورة إبطاء نموها الاقتصادي حفاظا على استقرار الاقتصاد العالمي وخشية التضخم المالي. ومنذ عام 1982 ولغاية 2002، تضاعف الناتج الإجمالي للفرد بخمسة (أو ستة) أضعاف مما أفاض على الصين 750 مليار$ من احتياطي العملات الأجنبية، و1 ترليون$ من المدخرات الشخصية مقابل 158 مليار$ فقط تمتلكها الولايات المتحدة[9].
وتشير الإحصائيات الدولية أن الصين احتلت في التصنيف العالمي الدولة الاستثمارية الأولى في العالم من بين عشر دول، وبحجم استثماري لكل منها يتجاوز 10 مليار$ سنويا, وفى عام 2005, وصل حجم الاستثمارات الأجنبية إلى أكثر من 60 مليار$, وبين الـ 50 دولة ومنطقة مرشحة, حافظت الصين على مكانة صدارة الدول ذات القوة الاستثمارية الكامنة في العالم خلال ثلاث سنوات متتالية, فيما احتلت فرنسا المركز
الثاني تلتها الولايات المتحدة[10].
أما على مستوى التصنيع الاستراتيجي فمعظم الشركات العالمية العملاقة توجهت نحو الاستثمار في الصين وتصنيع أجزاء كبيرة من منتجاتها ذات الرموز الوطنية في المصانع الصينية، ويكفي أن نعرف مثلا أن 158 شركة من بين أكبر 500 شركة في العالم تستثمر الآن في الصين، وقد تجاوز عدد الأجهزة التمثيلية لدوائر الأعمال الأجنبية في بكين 9500 جهاز، وتغطي أعمالها تطوير الإنتاج والتجارة والخدمات والاستشارات والاستثمار وشحن البضائع بالوكالة ومقاولة المشروعات[11].
وعلى المستوى التجاري ذكر تقرير الإحصاءات التجارية الدولية لسنة 2003 الصادر عن منظمة التجارة العالمية أن الصين أصبحت رابع أكبر دولة في التجارة السلعية لسنة 2002 إذا ما اعتبر الاتحاد الأوربي تاجرا واحدا[12]. وفي سنة 2004 بلغت تجارتها الخارجية نحو 851 مليار$ لتصبح ثالث أكبر دولة في العالم من ناحية التجارة الخارجية، وفي المقابل بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين عام 2005 أكثر من 200 مليار$، وتفوقت الصين على الولايات المتحدة في تصدير معظم سلع التكنولوجيا حول العالم سنة 2004، وتمتعت بفائض تجاري مع أمريكا بقيمة 34 مليار$ من قطاع التكنولوجيا المتقدمة خلال سنة 2004، وارتفع هذا الفائض سنة 2005 إلى 36 مليار$. طبقاً لمجلة العالم الاقتصادي الصادرة في 17 ديسمبر سنة 2005[13].
إذن نحن فعلا بصدد انتقال لمراكز القوة من الولايات المتحد وأوروبا إلى الصين وأسيا وأمريكا اللاتينية. وبطبيعة الحال ما يهمنا هو الصين التي ستتربع على عرش القوة العالمية والقيادة العالمية شاء العالم أم أبى. فالهيمنة والنفط والنفوذ والتدخلات العالمية ستغدو من نصيب الصين. والنفط الذي تهيمن عليه حاليا أمريكا ونسبيا أوروبا ربما سيكون من نصيب الرعاية الصينية، وحدث ما استطعت عن طبيعة العقل الإمبراطوري لاسيما حين توجهه القوة والمادة.
والسؤال الذي انتظرناه طويلا هو: بما أن رأس الأفعى الآن سينتقل من مكان إلى آخر، فهل ستتكفل الصين، بوصفها رأس الأفعى القادم، بحماية إسرائيل ورعايتها مثلما تفعل أمريكا وأوروبا الآن؟سؤال بغيض، وإن فعلت فلا شك أن السلفية الجهادية ستكون في ورطة، فهل ستعلن حربا جديدة على الصين مثلما تعلنها على الولايات المتحدة الآن؟
ثالثا: اليهودية العالمية: وداعا أمريكا
ثمة ثلاثة مصادر أساسية تقرر في نمط التفكير والعلاقات اليهودية هي العقيدة والتاريخ والواقع السياسي. وابتداء من عصر الأنبياء وإلى وقتنا الحاضر لدينا قوم لا يرعون في غيرهم من البشر عهدا ولا ذمة، ورغم قلتهم وضعفهم الظاهرين إلا أنهم أمة بغت على خالقها وتطاولت على الرسل والأنبياء إلى حد قتلهم والتآمر عليهم ونسجت تحالفات مع قوى الظلم ضد الغير. أما التاريخ فقد كشف عن حقيقة ثابتة تميز بها اليهود تقوم على الاحتماء بالأقوى في أي زمان وفي أي مكان. بمعنى أنهم " لم يكونوا قوة مستقلة بل كانوا دائماً قوة تابعة للأقوياء وأداة لهم. فإذا ما دققنا النظر في تاريخ التحالفات اليهودية لوجدنا أن مبدأ هذه التحالفات هو:”التحالف مع
القوي لضمان حمايته ومن ثم خيانته للتخفيف من ردود الفعل لدى زوال قوته” "[14].
في ظل هذه العقلية تقرب اليهود من نابليون بونابرت كبير أباطرة أوروبا آنذاك سعيا منهم لإقامة وطن لهم في فلسطين، وفعلوا الأمر نفسه مع السلطان عبد الحميد بوصفه القيم على واحدة من أوسع الإمبراطوريات في عصره، ثم احتموا بأوروبا لاسيما بريطانيا صاحبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس إلى أن حصلوا منها على وعد بإقامة دولتهم في فلسطين، وفي خضم ذلك كانوا يوقعون المعاهدات مع ألمانيا النازية، ولما شعروا أن ميزان القوة يتجه نحو الولايات المتحدة بدء من ثلاثينات القرن العشرين نقلوا قوتهم السياسية والاقتصادية إلى هناك، ودشنوا تحالفهم الفعلي مع الولايات المتحدة بعدمؤتمر بالتيمور سنة 1942. والآن هل سيستشعرون قوة المارد القادم من الشرق؟ لنستطلع الأمر، بداية، في إطار العلاقات الصينية الإسرائيلية وفي إطار النشاط اليهودي في الصين.

[1]أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/8/1426. http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599

[2] شريط التوثيق لأحداث سبتمبر، مصدر سابق. وفي السياق نذكر فقط بحادثةاستهداف المنشئات النفطية في مدينة حضرموت اليمنية في 15/9/2006بعد الدعوة التي أطلقها أيمن الظواهري لمهاجمة المصالح الغربية.

[3] د. عبد الله مرعي بن محفوظ، تقرير (يوروب 2020) يحذر من انهيار الدولارفي 2006، صحيفة الاقتصادية الدولية الالكترونية، 29/7/1427هـ. على الشبكة: http://www.aleqtisadiah.com/article.php?do=show&id=2996.

[4] كيفيين فيليبس، الثيوقراطية الأمريكية، عرض ألان برينكمان، 19/3/2006. على الشبكة:
http://www.islamdaily.net/AR/Contents.aspx?AID=4350

[5]أحمد الرمح، الانهيار الأمريكي... ما بين الواقع والسننية، نقلا عنالخبيران الاقتصاديان( إيريش فولات وجيرهارد شيرول) تحدثا في دراسة نُشرت لهما في الـ( دير شبيغل) الألمانيةالشهيرة عدد كانون الأول 2003. على الشبكة:http://www.awu-dam.org/politic/21/fkr21-008.htm

[6] بيتر داي، تحولات على الخريطة الاقتصادية العالمية، 15/9/2006، موقع الـ BBC الدولية. على الشبكة:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/business/newsid_4264000/4264154.stm

[7] "أ.ب.ب"على طريق "غزو" الصين،25/7/2006، سويس انفو مع الوكالات، على الشبكة:
http://www2.swissinfo.org/sar/swissi...=1098789681000

[8] اقتصاد الصين "يتجاوز مجموعة السبعة بحلول 2050، موقع الـ BBC الدولية، 12/9/2006، على الشبكة: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/busi...00/4775522.stm

[9] معمر الخليل، لماذا تخاف الولايات المتحدة من اقتصادالصين؟، 8/4/1427هـ، على الشبكة:
http://www.almoslim.net/figh_wagi3/s...ain.cfm?id=837

[10] الإعلان عن الدول العشر ذات القوة الاستثمارية الكامنة، صحيفة الشعب اليومية الصينية، 21/12/2005، على الشبكة: http://arabic.people.com.cn/31659/3962050.html

[11]مدينة بكين، صحيفة الصين اليوم، 2/2/2004.
http://www.chinatoday.com.cn/Arabic/2004n/4n2/2n12.htm، ولمزيد من التحقق يفضل العودة إلى:
- بيتر مارتين(هانس) و شومان(هارالد)، فخ العولمة، شهرية عالم المعرفة / 295، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، الطبعة الثانية، آب2003.

[12] منظمة التجارة تصف الصينبأنها رابع اكبر دولة في التجارة السلعية، صحيفة الشعب اليومية الصينية، 6/11/2003، على الشبكة:http://arabic.peopledaily.com.cn/200...106_71720.html

[13] معمر خليل، مرجع سابق.

[14] محمد أحمد النابلسي، يهـود يكرهـون أنفسهـم، عرض كتاب، المركز العربي للدراسات المستقبلية، موقع المركز على الشبكة: http://www.mostakbaliat.com/link76.html.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:30 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
1) الصين وإسرائيل، أية علاقة؟
منذ اعتراف إسرائيل كأول دولة في الشرق الأوسط بجمهورية الصين الشعبية في 9/1/1959 وإقامة أول علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين في 24/1/ 1992 ثمة من يتحدث عناختراق إسرائيلي لسور الصين وينسج لقصة العلاقات الدفاعية مع الصينبوصفها قصة تعاون وثيق بين البلدين محورها الأمن والتسلح[1]. وطوال الخمسينات من القرن العشرين ظلت العلاقات متوترة، ولكن بعد وفاة الزعيم الصيني التاريخي ماوتسي تونغ ومنذ أوائل سنة 1979 بدأ الانفتاح بين الدولتين. لماذا؟ ببساطة لأن الصين ضعيفة تكنولوجيا وجيشها متخلف وضعيف عسكريا بحيث لم يستطع الوقوف أمام الجيش الفيتنامي في الصراع الذي تفجر بينهما سنة 1978 وانحازت فيه روسيا إلى الفيتناميين مما تسبب بزيادة الهوة وتفاقم الخلافات بين الصين والاتحاد السوفياتي.
إذن ثمة ضعف تقني وحظر أمريكي وأوروبي على تصدير السلاح للدول الشيوعية ومنها الصين، وثمة شقاقات مع الاتحاد السوفييتي، وبالتالي ما يشبه العدم في مصادر التسلح والأمن، ولأن التقنية الغربية أقوى من مثيلتها الشرقية بما في ذلك الصينية كان على الصين أن تضع الأيديولوجيا جانبا وتتنازل عن كبريائها لتحمي حدودها وتحصن جيشها. بطبيعة الحال لم يكن الحديث ليجري مع الإسرائيليين إلا على أساس تحديث الجيش الصيني وتزويده ببعض المعدات اللازمة. ولأن هنري كيسنجر أوحى للصينيين بأنه يمكنكم الاعتماد على إسرائيل كدولة رائدة في الصناعات التقنية والأمنية، " إنهم يصنعون معدات لا تقل جودة عما نصنعه هنا في أمريكا"[2]، فقد سارعوا إلى استقبال أول وفد إسرائيلي سرا ولكن بشروط قاسية ووجوه عابسة.
وتوالت اللقاءات وعقد الصفقات بين الجانبين على قدم وساق، وما أن أعلن عن إقامة علاقات ديبلوماسية على خلفية انعقاد مؤتمر مدريد للسلام حتى غدا التعاون العسكري بين الجانبين مثيرا لقلق الأمريكيين الذين اضطروا إلى إرسال فرق للتحقيق وعقد اجتماعات ثنائية عاجلة تم بموجبها عقد اتفاقات ثنائية فرضت بموجبها الولايات المتحدة عقوبات على تصدير إسرائيل للأسلحة لما ألحقته من أضرار مست هيبة الردع الأمريكية في وسط وجنوب آسيا، وهو ما اعترف به وزير الخارجية الإسرائيلي سالفان شالوم. فما الذي فعلته إسرائيل، الدولة التي تصدر عشر حجم صادرات الأسلحة في العالم، كي تثير كل هذا الغضب الأمريكي؟
من المؤكد أن أحدا غير الأطراف المعنية لا يمتلك المعلومات الدقيقة عن قضايا التسلح الاستراتيجي بين
الدول العظمى، وكل ما لدينا معلومات تم التصريح بها أو الكشف عنها يتحدث أغلبها عن صفقات تسلح من بينها "طائرات من دون طيار من نوع هاربي، وذخيرة محمولة، وأجهزة دفاع ضد الصواريخ البالستية، وصواريخ مضادة للدبابات، وطائرات تجسس للإنذار المبكر، وأجهزة رؤية ليلية، وأجهزة قتال إلكترونية، ووسائل الحراسة للدفاع عن الحدود"[3].
وحقيقة كان الاتحاد السوفياتي يرقب تطور العلاقات الصينية الإسرائيلية في العمق، وهو ما كشفته وكالة تاس للأنباء. وفي يناير 1980 أعلن راديو موسكو أن إسرائيل ستساعد الصين للإسراع بتحديث جيشها[4]. وكانت سنة 1985 قد شهدت عقد أول صفقة أسلحة بين الجانبين استهدفت تحديث الدبابات الصينية من طراز T-62 السوفييتية الصنع. وفي ذلك الحين أضاف الصينيون إلى تلك الدبابات مدافع إسرائيلية من عيار 105 مليمتر، كما شملت الصفقة أجهزة اتصال رادارية ونظما دفاعية خاصة بالصواريخ جو ـ جو وأجهزة إطفاء الحرائق، وأجهزة الليزر والأشعة فوق الحمراء للرؤية الليلة، وكذلك أنظمة إلكترونية موجهة لتحديد الهدف. ويشار إلى أن الفنيين الإسرائيليين وفروا، فيما بعد، التقنية اللازمة لقذائف الدروع القادرة على اختراق الواجهة الأمامية للدبابة السوفييتيةT-72[5].
وفي سنة 1983 نشرت مجلة الأخبار الفرنسية خبراً تحت عنوان "2000 عسكري إسرائيلي يساعدون في تحسين الجيش الصيني"[6]. وقالت مصادر أخرى أن إسرائيل تساعد الصين بشكل سري في بناء خط دفاعي على طول حدودها مع الاتحاد السوفييتي البالغ 6679 كيلومترا، حيث يقوم مئات الخبراء الإسرائيليين بالعمل في هذا المشروع الذي تبلغ تكاليفه عدة مليارات من الدولارات، ويشمل عددا من إجراءات المراقبة المتقدمة إضافة إلى معدات الكترونية حديثة جدا. وأكدت مصادر أجنبية أن الخبراء الإسرائيليين يساعدون الصينيين في تحديث التقنية المتعلقة بالصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وأنهم بدؤوا فعلا بتعزيز النظام الدفاعي الصيني على الحدود مع الاتحاد السوفييتي منذ العام 1985[7].
وذكرت مصادر عسكرية غربية أن الصين قامت في العام 1990، بالتعاون مع إسرائيل، بتطوير صاروخ بحري مشتق من صاروخ غبريال الإسرائيلي، وسعت إلى استخدام الأنظمة الالكترونية الجوية الخاصة بالطائرة الإسرائيلية "لافي" التي ألغي مشروع إنتاجها، لإدخالها في الجيل الجديد من الطائرات الصينية المحلية قيد التطوير. وأضافت أن إسحق رابين وافق في حينها على الاستمرار في تطوير النموذج التجريبي الثالث من الطائرة لإثبات كفاءة رادارها ومدى وفائه لاحتياجات الجانب الصيني[8]. خاصة فيما يتعلق بمشروع إنتاج الطائرة الصينية المقاتلة F-10 عبر استخدام منظومة الاتصالات والتوجيه في طائرة لافي.
ومن جهتها أكدت مجلة "جينس ديفنس ويكلي" البريطانية المتخصصة في الشؤون العسكرية سنة 1986 إن إسرائيل باعت الصين الصاروخ المضاد للدبابات "مافتس". ونقلت للصين تقنية إنتاج صاروخ جو - جو "بانيون3" وهو تقليد للصاروخ الأمريكي "سايد وايندر". وقدمت إسرائيل - حسب تقرير لوكالة المخابرات الأمريكية - معلومات متقدمة للغاية إلى الصين عن أجهزة التوجيه بالصواريخ بصفة عامة وصاروخ "باتريوت" بصفة خاصة. وفي مطلع التسعينيات بدأت المفاوضات الصينية الإسرائيلية لتزويد بكين بطائرات استخبارية على نمط "الأواكس" بقيمة 250 مليون$[9].
وعلى صعيد تجارة الأسلحة أوردت المجلة أن صفقات السلاح بين الصين وإسرائيل بلغت نحو 3.5 مليار$. وحسب تقديرات أخرى، حتى نهاية الثمانينات، وصل معدل مبيعات السلاح الإسرائيلي للصين ضعف ذلك.ويقدر الحجم السنوي لصادراتها إلى الصين بنحو ملياري دولار يتوقع مضاعفتها خلال السنوات القليلة القادمة، كذلك تعتبر صادراتها من السلاح للصين بمثابة الدولة الثانية بعد روسيا طبقاً لتقرير أمريكي سنة 2004[10].
بيد أن الصينيين الذين أعربوا عن ثقتهم التامة فيما طورته إسرائيل من تقنية ونظم معلومات وعلوم عسكرية عقدوا معها اتفاقات ليس بهدف التحديث فقط، بل اشترطوا على إسرائيل بيعهم العلوم والتقنية كي يتمكنوا من صناعتها بأنفسهم، وسعوا إلى استيراد بعض التقنية المتقدمة لاسيما في مجالات التحكم والتوجيه الراداري وأجهزة التوجيه عن بُعد في الطائرات والصواريخ وتقنية الأسلحة الذكية، والحصول على التقنية الأمريكية من خلال إسرائيل[11].
وتذهب مصادر أخرى إلى القول أن الصينيين والإسرائيليين وقعوا اتفاقية إنشاء صندوق مالي، تقوم بموجبها مؤسسة مالية أميركية باستثمار 150 مليون$ أميركي للتعاون مع إحدى الجامعات الصينية، بهدف دفع تطور القطاعات الإسرائيلية المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا، على أن تستخدم هذه التكنولوجيا في الأسواق الصينية، كما أن ثمة اتفاقية بقيمة 75 مليون$ تم توقيعها بين شركة إسرائيلية للاعتمادات المالية ومؤسسة صينية شريكة.
هكذا أوغلت الصين في علاقاتها مع إسرائيل بالاتفاق على تعزيز التعاون معها في مجال تقنية الاتصالات والعلوم والتكنولوجيا والأمن والتقنية الزراعية والمرافق الأساسية وتقنية البيئة والأمن القومي، وتكفلت إسرائيل
بتقديم خدماتها في المجال الأمني بمناسبة الدورة الأولمبية لعام 2008 في الصين[12].
2) النشاط اليهودي في الصين
أما إسرائيل فبخلاف المكاسب السياسية والمالية والعلمية التي حققتها من علاقاتها مع الصين، تجهد الآن وفي المستقبل بإحياء وتنشيط الوجود اليهودي في الصين من خلال إقامة المراكز الثقافية والأكاديمية والدينية
زيادة على مأسسة العلاقات العلمية مع الصين.
ففي سنة 1991 وقَّعت الدولتان اتفاقية رسمية للتعاون بين أكاديميات العلوم فيهما أثناء زيارة الوفد العلمي الصيني إلى إسرائيل، وكانت جامعة بكين شهدت في سنة 1986 افتتاح كلية لتعليم اللغة العبرية والآداب والتاريخ والديانات اليهودية، كما افتتحت إسرائيل مركزاً أكاديميًّا لها في بكين سنة 1991م وتمَّ ترجمة بعض الكتب الصينية إلى العبرية[13].
وفي مطلع يناير من سنة 2004 أفسحت صحيفة "الصين اليوم" حيزا لمقال عن" يهود الصين" تحدث كاتبه، الذي سقط اسمه وبانت صورته، عما وصفه بحقائق عن اليهود في الصين. وورد في المقالة أن اثنين من أعضاء المجلس الاستشاري للدولة هم من أصول يهودية، وهما إسرائيل أبشتاين و سيدني شابيرو. وثمة إشارة إلى العديد من الشخصيات اليهودية الشهيرة التي عاشت في الصين، ومنها، إضافة إلى أفراد عائلتي ساسون وقادوري، مايك بلومنثال وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، وإريك هالبرن مؤسس مجلة فار إيسترن إيكونومك ريفيو، التي مازالت تصدر في هونغ كونغ، وموريس كوهين (كان يُسمى كوهين ذو المسدسين) الذي عمل حارسا (بودي غارد) لزعيم الثورة الديمقراطية الصينية صون يات صن. بكين مراحل.
وتشير المقالة إلى ثلاثة موجات من الهجرة اليهودية إلى الصين (أولها) بعد سنة 1842 وتوقيع الصين لاتفاقية حرب الأفيون وفتح عدد من موانئها من بينها ميناء مقاطعة شنغهاي التي وفد إليها تجار يهود قدموا من غرب آسيا وخاصة من بغداد مثل عائلتي ساسون وقادوري اللتين استقرتا فيما بعد في هونغ كونغ وأصبحتا من أكثر العائلات ثراء بها لما امتلكوا من فنادق ومتاجر. و(الثانية) كانت ليهود روس بعد العام 1899، وبعد وقوع الثورة البلشفية1917، واستوطن هؤلاء في شمال الصين، أما (الثالثة) فكانت بين عامي 1937 و 1939 خلال الحرب العالمية الثانية حيث تدفق على الصين ما يقارب الـ 20 ألفا هربا من النازية الألمانية. وقدر عدد اليهود سنة 1910 نحو 1500 نسمة استوطنوا في هاربن (عاصمة مقاطعة هيلونجيانغ)، ثم ما لبث أن ارتفع الرقم إلى 13 ألفا بحلول سنة 1929، وقد انتقل الكثير منهم إلى شانغهاي في ثلاثينات القرن الماضي بعد الاحتلال الياباني لمقاطعة منشوريا (شمال الصين).
وعن نشاط هؤلاء الذين برعوا بحسب الصينيين بقطاع التجارة والمال كعادتهم، تذكر المقالة أن عدد الأفراد المسجلين في بورصة شنغهاي سنة 1932 كان مائة مضارب بينهم 40 مضاربا من اليهود الشرقيين. وأن أحد أفراد عائلة قادوري يعد اليوم واحدا من أقوى الشخصيات في هونغ كونغ، غير أن الوجود اليهودي
في الصين أخذ يتقلص تدريجيا بسبب الوفاة أو الهجرة.
وعلى الصعيد الثقافي ظهرت في كبريات المدن الصينية رموز للثقافة اليهودية كالجمعيات والأندية والمقاهي والمراكز ذات النشاطات الدينية وجمعية للصداقة، وتشهد شنغهاي نشاطا يهوديا يفوق ما تشهده العاصمة بكين. وثمة عدد من مراكز الدراسات اليهودية أحدها في جامعة نانجينغ الذي أنشئ في شهر أيار/ مايو سنة 1992، ويرأسه البروفيسور شو شين، الأستاذ بكلية الدراسات الأجنبية في الجامعة، وأنشط الشخصيات الصينية في مجال الدراسات اليهودية. وينظم المركز دورات حول تاريخ اليهود يدرس فيها نحو 200 دارس سنويا. وفي جولته الأخيرة إلى إسرائيل منحته جامعة بار إيلان الدكتوراه الفخرية "اعترافا بمساهماته في الدراسات اليهودية في الصين"، كما جاء في قرار مجلس الجامعة. وأصدر عددا من المؤلفات، لعل أهمها "الموسوعة اليهودية" (بالصينية)، "أساطير اليهود الصينيين في كايفنغ" (بالإنجليزية) يتحدث فيه عن اليهود القدماء في الصين، "اليهود في شانغهاي" (بالإنجليزية والصينية) و"معاداة السامية..كيف ولماذا" (بالصينية) لشو شين.
وفي شهر نيسان / أبريل سنة 2000 افتتح مركز هام آخر هو مركز هاربين لدراسات اليهود في أكاديمية هيلونجيانغ للعلوم الاجتماعية والذي استقبل أكثر من سبعين يهوديا ممن عاشوا في هاربين، وأصدر ألبوما حول حياة يهود هاربين خلال القرن الماضي بعنوان "اليهود في هاربين" كتب له إسرائيل أبشتاين مقدمته التي جاء فيها .."من أجل يهود هاربين، سوف تستمر ذكريات وطنهم الصيني إلى الأبد"[14].
وتمكن اليهود من افتتاح كنيسين لهم في هاربن سنة 2004، وطالب حاخام يهودي أثناء زيارته لشنغهاي بالاعتراف بالديانة اليهودية في الصين ردا على ما ذكرتهمصادر حكومية صينية أنه سيتم استخدام تلك المعابد في جذب السياح اليهود فقط وليس للعبادة؛ لأن اليهودية ليست ديانة رسمية معترف بها في الصين. وفيما بدا تعقيبا على ما ذكرته وكالة الأنباء الصينية 16-6-2004 من أن قيمة المعابد تكمن في أنها تمثل لليهود حدثًا تاريخيًا هامًا يُذكرهم بهروب آلاف اليهود من روسيا القيصرية ومن الألمان إلى مدينة هاربن في الصين حيث أقاموا هناك تلك المعابد، قال الحاخام شلومو عمار: "إنه سيطلب من الحكومة الصينية إعادة المعبد إلى الغرض الأصلي الذي بني لأجله". ومن المؤكد أن النشاط اليهودي سيتضاعف في الصين بناء على ما يعتبره البعض أن العشر سنوات القادمة لإسرائيل ستكون حاسمة باتجاه ترقية العلاقات الإسرائيلية الصينية والاستفادة منها على أعلى المستويات.
بقي أن نشير إلى ملاحظة هامة جدا تتعلق بالديانة المسيحية في الصين، فقد دخلت المسيحية إلى الصين للمرة الأولى في القرن الثامن الميلادي، ثم اندثرت وعادت مرتين لتتركز في المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين بتعداد سكاني يقارب الأربعة ملايين مسيحي على المذهب البروتستانتي[15]. ولا شك أن هذا العدد من البروتستانت يبرر إلى حد ما سبب النشاط اليهودي الحثيث في شنغهاي خاصة.
رابعا: صراعات دامية وتنافس محموم في وسط آسيا
من الملاحظ أن الصين قوة صاعدة وخطرة عالميا، فبعد انعقاد المؤتمر الأفريقي الآسيوي سنة 1956 وما نتج عنه من تضامن مشترك عبر منظمة دولية تطورت سنة 1961 إلى حركة عدم الانحياز أبدى الغرب قلقا كبيرا من دخول الصين على خط العلاقات الدولية إلى حد أن أحد الصحفيين الغربيين علق على الحدث
بالقول: ويل للعالم إن خرج هذا المارد من قمقمه.
في هذا المحور سنقدم ثلاثة مداخلات الأولى تتعلق بخطط الصين تجاه القاعدة وطالبان ومسلميها واستكشاف العلاقة بين الطرفين وما إذا كان ثمة ما يبرر العداء بينهما، والثانية تناقش مكانة الصين في خطط القاعدة في ضوء أدبياتها الصادرة ما بعد 11 سبتمبر 2001 لاسيما في وثيقة الاستراتيجيا، والثالثة تناقش حضور اليهودية العالمية الأمني والاستراتيجي في الصين ومناطق آسيا الوسطى وبحر قزوين واستشراف مدى قيام تحالف استراتيجي مع الصين بديلا عن الولايات المتحدة.
المداخلة الأولى: خطط الصين تجاه القاعدة وطالبان ومسلمي تركستان

[1]آمنون بارزيلاي ،اختراق سور الصين قصة العلاقات الدفاعية لـ "اسرائيل" مع الصين،صدر أوائل العام 1999، عرض للكتاب، 25/1/2002، على الشبكة: http://www.palestinianforum.net/forum/showthread.php?t=5630

[2]نفس المرجع السابق.

[3] ماجد كيالي، صادرات "إسرائيل" العسكرية وأزمة الثقة مع الولايات المتحدة، صحيفة الوطن السعودية 13/8/2005، نقلا عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية 9/6/2003، على الشبكة:
http://www.palestine-info.info/arabic/shoonalkaian/external/2005/saderat.htm

[4] اختراق سور الصين، مرجع سابق.

[5] نفس المرجع.

[6] ذيب القرالة، الصين وإسرائيل طفرة في التعاون الاستراتيجي على حساب العرب، وكالة قدس برس، عمّان، على الشبكة: http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/qpolitic-jul-2000/qpolitic2.asp.

[7] اختراق سور الصين، مرجع سابق.

[8] نفس المرجع.

[9] ذيب القرالة، مرجع سابق.

[10] د.محمد جمال مظلوم،لماذا تصر إسرائيل على بيع أسلحة للصين؟ مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، ملف الأهرام الإستراتيجي، على الشبكة: http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/FI1E61.HTM.

[11] ذيب القرالة، مرجع سابق.

[12]كمال مساعد، الصين وإسرائيل... مجدداً، صحيفة السفير اللبنانية 16/5/2005، على الشبكة:
http://www.palestine-info.info/arabic/shoonalkaian/external/2005/isr_ch.htm

[13]ذيب القرالة، مرجع سابق.

[14] يهود الصين، صحيفة الصين اليوم، 1/1/ 2004. ويقول وانغ شي جيه، المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في 6/11/2003 بعد عودته من جولة في الشرق الأوسط: "بالنسبة لي شخصيا، إنني من مدينة شانغهاي، وأكن لليهود شعورا طيبا، فقد لجأ الكثير منهم إلى الصين هربا من اضطهاد بعض الدول لهم إبان الحرب العالمية الثانية. لقد لاقوا استضافة ودية من قبل الشعب الصيني، كما أود الإشارة إلى وجود علاقات طيبة بيني وبين الكثير من اليهود خلال عملي ببعثة الصين لدى الأمم المتحدة".على الشبكة:http://www.chinatoday.com.cn/Arabic/2004n/4n1/1n16.htm

[15]خالد اللحام،المسلمون في الصين ... أمة منسية، على الشبكة:
http://www.wataonline.net/site/modules/newbb/viewtopic.php?post_id=3523&topic_id=717

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:34 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
1) القاعدة وطالبان
ليس ثمة أية علاقات للقاعدة في الصين لا مباشرة ولا غير مباشرة. ولكن من الممكن القول أنه في يوم ما كان ثمة مصالح سياسية مشتركة بين طالبان والصين بعيد إعلان الإمارة في أفغانستان. فقد توجهت الصين، في إطار صراع المصالح، إلى إقامة نوع من التوازن في علاقتها بحركة طالبان عبر تنفيذ بعض المشاريع في أفغانستان، ووصل الأمر إلى حد قرب الإعلان عن فتح سفارة للصين في كابول[1].
في الأثناء كانت الإمارة قد استقبلت أعدادا من مجاهدي الحزب الإسلامي لتركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين والمسماة بمقاطعة سيانغ يانغ، ورحب الملا محمد عمر بهم وتلقى منهم مبايعة إلا أنه نصحهم بالتروي والحذر لتجنب أي حرج مع الصين والتزموا بذلك فعلا. ولعل هذا ما يفسر انضمامهم إلى اللواء العسكري المكون من الأفغان العرب والذي ضم جنسيات مختلفة وتدربوا معه ولم يتدربوا مع طالبان بحيث بات " يشعر معظمهم أو كلهم تقريبا بتبعية للشيخ أسامة ابن لادن"[2] أكثر من تبعيتهم أو ولائهم للملا عمر، وخاضوا معارك ضارية إلى جانب الطالبان حتى انكشف أمرهم، وفيما توجه بعضهم إلى الصين للدعاية والحشد انقرض معظمهم قتلا أو أسرا من قبل القوات الأمريكية والباكستانيةبمن فيهم قائدهم حسن معصوم الملقب بأبي محمد
التركستاني[3].
وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر انضمت الصين إلى الولايات المتحدة في حربها على ما تسميه مكافحة الإرهاب، وحصلت الصين على دعم أمريكي بتحسين العلاقات بعد قضية طائرة التجسس الأمريكية التي احتجزتها الصين، وكذلك على تلبية لطلبها فيما يتعلق بوضع واشنطن لـ "جبهة شرق تركستان الإسلامية" على القائمة السوداء ضمن المنظمات الإرهابية العالمية. وقد شرع الصينيون فعلا باستعمال مفردات مختلفة تجاه تركستان الشرقية التي تطالب بالاستقلال والحق في تقرير المصير. فقد تأكد للصين، رغم رفض بعض المنظمات الدولية لمزاعمها، أن بعض القوى الإسلامية كانت على علاقة بطالبان والقاعدة[4]، وأنه آن الأوان لاستغلال هجمات سبتمبر لوصم كل الكفاح القومي لقومية الأويغور ( سكان تركستان الشرقية ) بالإرهاب على الرغم من رفض الجماعات الإسلامية لما اعتبروه تلفيقا صينيا لتبرير جرائمهم ضدهم[5].
قدم أبو مصعب السوري لمحة قصيرة جدا عن تجربة مقاتلي تركستان وعلاقتهم بطالبان تاركا لأصحابها حق التأريخ للتجربة، غير أن الصينيين لم يتركوا الأمر على عواهنه فاستبقوا الجميع، مستغلين هجمات سبتمبر، للإشارة إلى علاقات استراتيجية بين طالبان وبن لادن من جهة والتركستانيين من جهة أخرى في محاولة منهم للربط بين ما يسمونه بالانفصاليين التركستان والإرهاب، فأصدروا كتاب الإدانة الذي نقتبس من ملخصه الفقرتين التاليتين:
" لقد تأسست "الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية" برئاسة حسن محسوم بدعم وقيادة أسامةبن لادن. ومنذ تأسيسها, دبر أسامة بن لادن مؤامرات عديدة مع قادة المنظماتالإرهابية في آسيا الوسطى والغربية, هادفا إلى مساعدة قوى "تركستان الشرقية" الإرهابية على "الجهاد" في شينجيانغ وتحويل شينجيانغ الصينية إلى دولة "إسلامية" نموذجية تدمج بين السلطتين الروحية والزمنية. وقدمت قوة أسامة بن لادن الإرهابيةكمية ضخمة من نفقات النشاطات والمساعدات المادية لقوى "تركستان الشرقية" الإرهابية.
" في بداية عام 1999, قابل أسامة بن لادن قادة "الحركة الإسلامية لتركستانالشرقية", وفي الوقت الذي تعهد بتقديم مساعدات مالية, طلب منهم أن "جميع نشاطاتهميجب أن تنسق مع 'حركة التحرير الإسلامية لأوزبكستان' وحركة طالبان". وفي فبراير 2001, تشاورت قوة أسامة بن لادن الإرهابية مع قادة حركة طالبان في قندهار حول شؤونتدريب إرهابيي "تركستان الشرقية", بحيث قرروا تخصيص أموال طائلة لمساعدتهم علىالتدريب, وتعهدوا بتحمل نفقات نشاطاتها في عام 2001. كما قدمت قوة أسامة بن لادنالإرهابية وحركة طالبان و"حركة التحرير الإسلامية لأوزبكستان" كمية كبيرة منالأسلحة والذخائر وأدوات المواصلات وأجهزة الاتصالات لقوى "تركستان الشرقية" الإرهابية. وتقوم قوة أسامة بن لادن الإرهابية بتدريب عناصر قوى "تركستان الشرقية" الإرهابية بصورة مباشرة. لقد بحث حسن محسوم عن بعض المجرمين وعناصر دينية متطرفةوانفصاليي القومية من داخل الصين وخارجها, وكان يرسلهم إلى معسكرات التدريبالإرهابية في كل من قندهار ومزار الشريف وخوست وأمكنة أخرى في أفغانستان. وبعد أنيتم التدريب, يرسل بعض ركائز قوى "تركستان الشرقية" الإرهابية سرا إلى داخل حدود الصين لتطوير منظمات إرهابية وتخطيط وممارسة النشاطات الإرهابية داخل حدود الصين. وقد انضم بعضهم إلى قوات طالبان في أفغانستان, وشارك بعضهم الآخر في نشاطات القوىالإرهابية في الشيشان الروسية, وشارك بعضهم الثالث في نشاطات إرهابية في آسياالوسطى"[6].
ومع ذلك وجدت الصين نفسها، هذه المرة، بعد بضعة شهور من كتابها الأبيض في موقع الدفاع عن النفس
لما "نشرت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور خبرا نقلت فيه عن عميلللمخابرات الأفغانية قوله أن شبكة القاعدة التابعة لأسامة بن لادن كانت تسعى للحصولعلى صواريخ دفاع جوى من الصين، وأنه من المحتمل أن الصينتورطت في دعممعسكرات القاعدة في باكستان والتزمت بتزويدها بالصواريخ".واضطر كونغ تشيوان المتحدث باسم وزارة الخارجيةالصينية إلى نفي " أي اتصال للصينمع شبكة القاعدة وبالتأكيد ليست لها علاقات عسكرية معها مؤكدا أن بلاده تدعم قيام تعاون أكبر في المجتمع الدولي فيالنضال ضد الإرهاب. وأن موقف الصينحول هذه القضية متسق وقاطع"[7].
إذن لنقل أنه ما من علاقة بين القاعدة أو طالبان مع الصين، ولكن أحدا لن يصدق أن مقاتلي تركستان ممن خبروا الحرب الأفغانية ومعارك الطالبان والقاعدة مع الولايات المتحدة والقوات الباكستانية يمكن أن ينكفئوا على أنفسهم بعد الذي قدموه من تضحيات كبيرة في أفغانستان وما كسبوه من خبرات. فهم بلا شك يمثلون رصيدا كبيرا للقاعدة مع أقرانهم من الحركات الإسلامية المجاهدة في وسط آسيا[8]، فهم من صنف الحركات الجهادية النادرة التي جاورها أبو مصعب السوري وعايشها عن قرب وبالغ في امتداحها لما تحلى به أفرادها من صفات خلاقة وجدية وصرامة وإخلاص ورقّة في تعاملهم مع أقرانهم من الحركات الأخرى في العالم الإسلامي وشجاعة نادرة دفعت الكثير من الجاليات والأوساط الإسلامية المنتشرة في العالم وخاصة في آسيا الوسطى إلى التودد لهم والتقرب منهم[9]. ولكن إلى أي مدى تبدو الصين قريبة من المسلمين أو بعيدة عنهم؟ وهل للقاعدة من قضية وعدو يبرران إعلان حالة العداء للصين؟
2) المسلمون في الصين ( تركستان الشرقية )
يبلغ عدد سكان الصين أزيد قليلا من 1.3 مليار نسمة بينهم أكثر من 120 مليون مسلم يتوزعون على عشر قوميات أغلبها من أصول تركية، وينتشرون في كافة أرجاء البلاد. وتتواجد في الصين، نحو 56 قومية تشكل قومية الهون منها ما نسبته 91% من السكان. وتبلغ مساحة البلاد نحو 11 مليون كم2 بضمنها مناطق التيبت ومنغوليا الداخلية ومنطقة تركستان الشرقية التي ضمها الصينيون إلى نفوذهم وغيروا اسمها إلى " سيانغ يانغ" أو الوطن الجديد وأحيانا المستعمرة الجديدة. ويشي التاريخ الطويل للصين بحقائق ثابتة تؤكد أن أباطرتها لم يتجاوزوا حدود بلادهم منذ خمسة آلاف سنة، ولعل سعة الجغرافيا وكثافة الديمغرافيا لديهم كفتهم التدخلات الخارجية، بخلاف المغول والتتار الذين غزوا البلاد الإسلامية وغير الإسلامية وسفكوا من الدماء ما فاق حدود الوصف. ولولا أن أمكن للمسلمين احتواء النزعة الهمجية، التي هامت على غير هدى ولا بصيرة وأمعنت في القتل والفتك بالمخلوقات الإنسانية، وانتهت إلى التعقل باعتناقهم الدين الإسلامي، لكان للمسلمين عليهم ثارات لن تندمل في يوم ما.
ولكن حين يضطر الباحث فقط إلى نبش الأوراق القديمة عن العلاقات الصينية مع المسلمين فمن المؤكد أنه سيجد نفسه وجها لوجه مع صراع يقع في مستويين أولهما الصراع الدولي والإقليمي على مناطق آسيا الوسطى بوصفها مناطق عبور استراتيجي للقوى العظمى، وثانيهما الصراع ذاته على مناطق ذات ثروات طبيعية هائلة من الصعب أن تفلت من الحروب والتجاذبات الدولية المستمرة منذ خمسة قرون للسيطرة عليها لاسيما في القرنين الماضيين. فهل يمكن القول أن انكفاء الصين إلى الداخل كان أرحم على المسلمين من انفتاحهم ومشاركتهم التتار والمغول في غزو البلاد الإسلامية؟
لم يعد خافيا أن التاريخ يحفل بوقائع ثابتة تفيد بأن جرائم الصينيين بحق تركستان الشرقية لم تقل وحشية عن جرائم الروس ومن بعدهم السوفيات بحق مسلمي آسيا الوسطى (تركستان الغربية). هذه المنطقة، التي تعد أكبر الأقاليم، تشكل حاليا خمس أراضي الصين الشعبية بمساحة تقدر بنحو مليوني كم2[10] وعدد سكان يزيد عن 25 مليون نسمة من بينهم 95% من المسلمين[11]. ويرتبط تاريخها بالثورات على الاضطهاد والظلم والنهب الذي تتعرض له البلاد والسكان على السواء. فما بينمعاهدة " برشينك" في آب سنة 1689 ومعاهدة " سانت بتروسبورغ" السوفياتية في شباط سنة 1981 تعرضت تركستان الشرقية لمذابح دموية مروعة أبرزها ثورة سنة 1759 ضد حملات الاضطهاد والقمعللمسلمين التي بدأتها أسرة مانشو سنة 1648، وانتهت باحتلال الصين للبلاد ومقتل 1.2 مليون مسلم فيها، ونفي نحو 22 ألف إلى تركيا.وشهدت البلاد نحو 42 ثورة وطنية عارمة ضد الحكم الصيني ابتداء من أوائل القرن التاسع عشر وتقاسم الصين وروسيا الأراضي العثمانية شن مسلمو تركستان ما بين خمس إلى سبع ثورات كبرى وقعت في سنوات 1820، 1830، 1847 و1857وما بعدها من صدامات مخلفة وراءها ملايين القتلى في صفوف المسلمين. ونجح المسلمون بتحرير البلاد من أيدي الصينيين مرتين وأقاموا دولة مستقلة لهم الأولى ابتداء من سنة 1863 بقيادة يعقوب بك واستمرت 16 عاما متواصلة، والثانية سنة 1933 و1944 إلى أن احتل الشيوعيون البلاد حتى هذه اللحظة[12].
كل هذه الحروب والمذابح من الأهمية بمكان القول أنها وقعت قبل انتصاب الحكم الشيوعي في الصين سنة 1949 بقيادة ماوتسي تونغ. وما زالت تركستان محتلة من الصين إلى يومنا هذا. ولا حاجة للتذكير بالمذابح الدموية التي تعرض لها السكان إبان الحكم الشيوعي وخاصة إبان ما اشتهر بالثورة الثقافية في سبعينات القرن الماضي والتي استمرت طوال عشر سنوات حطمت أغلب التراث الإسلامي في الصين وشوهت التاريخ والحضارة الإسلامية[13]. وقد يرى البعض، للوهلة الأولى، أن التضييق الصيني على المسلمين يدخل في إطار الأيديولوجيا الشيوعية المناهضة للأديان بيد أن واقع الأمور يتعلق بالدرجة الأساس بالمصالح وليس بالأيديولوجيا، وبلا مبالغة بعنصرية دينية مورست ضد المسلمين بالذات وبصمت عالمي مريع. أما لماذا؟
فلأن تركستان تمثل، ماضيا وحاضرا، بالنسبة للصين عصب الاقتصادوعصب صناعاتها الثقيلة والعسكرية[14]، إذ تمتلك من الاحتياط النفطي نحو 160 مليون طن، وتنتج سنويا خمسة ملايين طن وهو ما يجعلها تحتكر ثاني أكبر مخزون نفطي في العالم[15]، أما عن المعادن، فبحسب إحصاءات 1964 تكتنز تركستان في خمس مناطق منها أجود أنواع اليورانيوم في العالم بمخزون يصل إلى 12 تريليون طن، ويتواجد الذهب في خمسين منطقة والحديد في 46 منطقة تنتج منه 250 مليون طن سنويا، والفحم في 70 منطقة بمخزون يوازي 600 مليون طن والقصدير في 12 منطقة والزئبق في 6 مناطق[16]، ويبلغ إنتاجها من الملح الصخري 450 ألف طن يكفي مخزونه ما يحتاجه العالم على مدار 1000 عام[17]. وكل هذه الثروات تذهب إلى داخل الصين.
وعن ثروتها الزراعية، تقدم تركستان ما نسبته 35% من الحبوب التي تحتاجها الصين[18]، وتشتهر بأنواع عديدة من الفاكهة والحبوب التي يستخرج منهاالزيوت مثل السمسم وزهرة الشمس, ويشكل الأرز والقمح أهم المحاصيل الزراعية فيالبلاد, ويعتبر القطن من المحاصيل الاقتصادية الهامة، وتشتهر كذلكبالثروة الحيوانية الضخمة للأغنام والمواشي والخيول والإبل. وكل هذا يؤشر على أن البلاد مستهدفة بوصفها ثروة لا يمكن التفريط بها. وإلى هنا يمكن تثبيت بضعة ملاحظات:
· إن وضع المسلمين في الصين لم يكن ليسر أحد منهم لا قبل المرحلة الشيوعية ولا بعدها. وكل ما في الأمر أن ما ارتكب من مذابح بحقهم وقع خلف الأسوار بمعزل عن أعين العالم الإسلامي أو بتوافق دولي بين القوى الكبرى أو بغض الطرف والعجز عن حمايتهم. ومثل هذا الأمر من شأنه أن يسقط نظرية أن الصينيين لم يمسوا المسلمين في تاريخهم. والأصح أن مسلمي الصين لم يجدوا من ينتصر لهم أو يهتم لأمرهم حتى أن بعض الكتاب والمهتمين لم ير غضاضة في وصفهم بفلسطين المنسية[19].
· إن تاريخ العداء ضد عموم مسلمي الصين لاسيما في تركستان الشرقية لم يكن عداء عقديا معلنا أو صريحا، كما أنه في العهد الشيوعي طغت عليه الأيديولوجيا التي مست تطبيقاتها الوثنية مختلف القوميات، وبالتالي يمكن القبول بامتياز أن العداء الصيني للمسلمين وليس الإسلام قائم حقيقة على فرضية صراع المصالح وليس على فرضية الصراع العقدي. ولكن لجوء الصين على الدوام إلى مصادرة ثروات البلاد الأغنى في العالم الإسلامي وحرمانها من التنمية وإفقار السكان[20] وتغيير في الطبيعة الديمغرافية للبلاد بحيث ارتفعت نسبة قومية الهون الصينية سنة 1950 من 6% إلى 40% من سكان البلاد[21] بدأت سنة 1952 بإحلال نحو مليوني صيني في مناطقهم والسيطرة على مساكنهم ومزارعهم بالقوة وطردهم إلى الصحاري القاحلة[22] واستخدام أراضيهم لإنتاج الصواريخ النووية والبالستية وتنفيذ تجاربهم النووية[23] تماما مثلما فعل الاتحاد السوفييتي بكازخستان أكبر الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى يلقي بظلال كثيفة من الشك على
حقيقة العداء الصيني للمسلمين والذي ظل طي الكتمان لقرون طويلة.
· أما أن الصين لم تكن قد خرجت من حدودها في يوم ما فهو صحيح بالإجمال، لأن الصيننشطت في الداخل ونسبيا في محيطها الإقليمي. ولكن بنية الحضارة الإنسانية الراهنة وتشابك المصالح وتعقيدها غير تلك الحضارات السابقة، كما أن احتياجات الدولة الحديثة ومصالحها وما تتطلبه من عبور، ربما، سيقذف بالصين، في مرحلة ما، إلى استعداء الآخرين علنا وليس سرا. فالصين كأعظم قوة اقتصادية قادمة لا محالة تعلم أنها تسير في الطريق عبر العالم، وتعلم أن إضاءة الصين وتشغيل آلاتها[24] تفرض عليها حماية مصالحها من أي خطر محتمل، كما أن العقلية الإمبراطورية تغري بالخروج إما عبر الهيمنة والتهديد أو عبر الغزو الصريح.
المداخلة الثانية: الصين في خطط القاعدة
من الواضح أنه ثمة تاريخ سيئ الذكر للصينيين تجاه المسلمين، ولن ينفع الصينيين تجاهله أو تشويهه، ومع أن القاعدة هي التنظيم الإسلامي الجهادي الوحيد والفريد الذي أعلن تبنيه لمصالح الأمة الإسلامية إلا أن قضايا المسلمين في آسيا الوسطى عموما وفي الصين خصوصا وقعت خارج حساباتها وخططها الإستراتيجية المعلنة والمنصوص عليها اللهم إلا فيما أورده أبو مصعب السوري من لمحة قصيرة عن مجاهدي تركستان ومقالته حول مسلمي آسيا الوسطى وأهمية المنطقة كمنطلق لما وصفه بمعارك الإسلام القادمة[25]، على الرغم من أن الحركات الإسلامية في المنطقة من أنشط الحركات الإسلامية في العالم ضد الأنظمة الشمولية والدموية هناك. والحقيقة أننا لم نجد ذكرا لا للصين ولا لروسيا ولا حتى مجرد نبوءة لدور ما قد تقوم به هاتان الدولتان في السنوات القادمة وكيف يمكن التعامل معهما فيما لو تبنيتا حماية إسرائيل والدفاع المباشر عنها كما تفعل الولايات المتحدة والتي تبدو بخطاب القاعدة والسلفية الجهادية عموما كما لو أنها الأفعى الوحيدة الموجودة في العالم فيما تبقى الفراخ فراخا، وهو ما ينفيه الحدث الاقتصادي القادم.
ففي المرحلة الرابعة من خطتها الاستراتيجية المسماة "مرحلةاستعادة العافية وامتلاك القوة القادرة على التغير 2010-2013"، تتحدث القاعدة عن مرحلة فك التحالف القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية واليهود في ضوء العمل على ضرب الاقتصاد مشيرة إلى آلية استخدام الذهب كمقياس وكأداة للتعامل النقدي الدولي. فالقاعدة، على ما تقول الوثيقة، تبنت فكرة طرحها حزب التحرير الإسلامي وشرعت بتنفيذها، لضرب الدولار كعملة مهيمنة عالميا على الاقتصاد العالمي. فاستخدام الذهب يعني إبطال النظرية اليهودية التي روجت طويلا ونجحت في تثبيت قيمة العملة ليس على أساس الاحتياطي الذي يغطيه من الذهب بل على أساس قيمة الناتج القومي الخام للدولة مما حدا بالأمريكيين إلى طباعة عملتهم دون حساب للقيمة الحقيقية للدولار. وإذا ما حل الذهب بديلا عن العملة الأمريكية فسيعني حتما سقوط مروع للدولار وبالتالي هروب لرؤوس الأموال والاستثمارات من الولايات المتحدة، ولأن متنفذي اليهود من كبار رؤوس الأموال والاقتصاديين يتحوطون منذ فترة، بحسب معلومات القاعدة، باستبدال مخزونهم من الأموال بالذهب، فسيعني مثل هذا السلوك في المحصلة احتفاظ اليهود بما لديهم من ثروات مقابل توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الأمريكي مما سيدفع المجتمع الأمريكي إلى صب جام غضبه عليهم لما سيتسبب به من انهيارات بالجملة أول ما تمس المصالح الأمريكية والمجتمع الأمريكي. وإلى جانب آليات أخرى، فسيكون فك التحالف بين الطرفين ورفع الدعم الأمريكي عن اليهود مرحلة لا بد من وقوعها، على أن تنتهي بضعف إسرائيل وبداية لنبذ اليهود عالميا ومن ثم زوال إسرائيل[26]. ومثل هذا التفكير سيعني حكما أمرين:
أولهما: أن الولايات المتحدة لم ولن تعود رأس الأفعى بعد أن يكون قد جرى تحطيمها اقتصاديا وفك تحالفها مع اليهود. وبالكاد يمكن لها أن تحتفظ بصيغة إحدى الدول العظمى إن نجحت في الإفلات من التفكك المحتمل إلى عشرات الدول المستقلة.
وثانيهما: أن إسرائيل ومن ورائها اليهود سيكون باتجاه الزوال كقوى عالمية مؤثرة في صيغة الهيمنة والتحالفات الدولية.
من المرجح، في الوقت الراهن، أن هذا التفكير سيجعل من القاعدة أبعد ما تكون عن أي عداء محتمل لها مع الصين في المدى المنظور. وهي فعلا تعتقد بذلك. وبما أن الصين تقع خارج حسابات القاعدة فمن المستبعد توقع قيام تحالف بين اليهودية العالمية والصين. وأكثر من ذلك، فلم يرد في أي من أدبياتها، ما بعد 11 سبتمبر، أية إشارة لصراع محتمل مع الصين[27]. أما لماذا؟ فلعل طبيعة الصراع مع اليهود والغرب تختلف اختلافا جذريا عن الصراع التاريخي بين المسلمين والصينيين.
فالقاعدة ذات التفكير السلفي المنهجي تعتقد أن العداوة بين المسلمين واليهود هي عداوة عقدية لا فكاك منها بحسب الأحاديث النبوية والنص القرآني تحديدا: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ... }، المائدة 82. أما أنه ثمة عداوة عقدية مع الغرب الصليبي، فهي، سياسيا، واقعة في صميم التحالف المسيحي البروتستانتي اليهودي. فهذا العدو بحسب القاعدة لا يمكن استمالته أو التأثير عليه.أما مع الصين فما من جذر عقدي شكلي أو جوهري يمكن أن ينفذوا من خلاله، فضلا عن غياب أية عوامل مشتركة بين اليهود والصينيين عبر التاريخ. ولكن ماذا لو نجح اليهود في نقل قوتهم إلى آسيا الوسطى والصين ونجحوا في الاحتماء بالتنين ذو الرؤوس المتعددة وليس برأس واحد كما هو الحال مع الولايات المتحدة؟

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:37 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
المداخلة الثالثة: مأزق اليهودية العالمية والبحث عن مخرج
إن التفكير بحسب واقع الغرب ومصالح اليهود قد يدفع هؤلاء إلى التفتيش عن شروط جديدة للتحالف مع الصين أو غيرها، إذ أن نمط الحياة الراهن وشروط المعيش في الزمن الحالي مختلفة جذريا عن الأنماط السابقة، وإن لم توجد الشروط المناسبة فقد يتجه اليهود إلى خلقها وتهيئتها. كيف؟
إن فك الارتباط بين الدين والكنيسة هو الذي ولد مفهوم العلمانية، وهو الذي ولد المجتمع المادي، وهو الذي غلَّب القيم المادية على القيم الدينية مخلفا وراءه نظريات إلحادية وفوضوية أغلبها ذات منشأ يهودي. وإذا كانت الصين ملحدة فالغرب نفسه يشهد موجة إلحاد عاتية لم تتوقف حتى اللحظة. كما إن الطبقة السياسية في الغرب، حيث يقيم اليهود تحالفاتهم، ملحدة أكثر من غيرها بما في ذلك الرعيل الأول من اليهود الذين نادوا بإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، بل أن أغلبيتهم الساحقة كانوا وما زالوا من العلمانيين الذين وظفوا التوراة كغطاء ديني لأهدافهم، ونادرا ما كان بينهم متدينين. وأكثر من ذلك فاليهود المتدينين هم الذين رفضوا، في بادئ الأمر، الدولة اليهودية ولم يعترفوا بها وما زالت بعض الطوائف المتدينة منهم ترفض شرعية قيام إسرائيل كدولة لليهود. أما اليهود فمن الطبيعة الفطرية بعقليتهم وبقيمهم وأخلاقهم أن ينسجوا تحالفاتهم وفق ما تقتضيه مصالحهم أكثر من عقيدتهم التي قد تخضع للتعديل كي تتوافق مع التوجهات. فالمادة هي قوام السلوك والعقيدة اليهودية، وهم من قال فيهم رب العزة: { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ... }، آل عمران181. فما الذي سيمنع اليهود من استغلال ثرواتهم ليقولوا للصينين في عصر تسيطر عليه المادة والإلحاد والمصالح وهو ما تعتقد به الصين أيضا: أنتم الفقراء ونحن الأغنياء؟
ثم إذا كانت إقامة التحالفات البعيدة المدى تستدعي مبررات عقدية لإنجاحها فليست المصالح المادية المشتركة بأقل أهمية من العقائد في الوقت الراهن علما بان منطقة وسط آسيا من أوزباكستان وحتى أذربيجان ذات رباط عقدي فيما يتعلق بظهور الرايات السود من هناك والأعور الدجال ومن بعده المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن تكون قد ملئت جورا وظلما[28]. وإذا كانت السلفية الجهادية تقرأ التحالفات اليهودية مع القوى الكبرى على أسس عقدية موجهة ضد الإسلام والمسلمين أصلا فمن الموضوعية عدم استبعادالقراءة الغربية في إقامة الدولة اليهوديةفي فلسطين والتي من بينها التخلص من المسألة اليهودية التي أرقت المجتمعات الأوروبية. فاليهود ليسوا على وئام مع الأوروبيين حتى هذه اللحظة. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته المفوضية الأوروبية في نوفمبر / تشرين الثاني سنة 2002 أن 59% من الأوروبيين يعتقدون أن إسرائيلتمثل أكبر خطر على السلام العالمي بعد إيران وكوريا الشمالية على التوالي،الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة من جانب الإسرائيليين. وإذا كان اليهود يفكرون بإطالة عمر دولتهم الافتراضي فمن المؤكد أنهم لن يستطيعوا العيش طويلا في ظل الحماية الأمريكية[29]ولا بسوط معاداة السامية[30]، ولا بد من البحث عن مخرج، . أما علاقات الصين مع إسرائيل في مسائل بالغة الحساسية والخطورة ناهيك عن الاستثمارات المدنية لهذه الأخيرة في الصين فقد نسجت سرا في الوقت الذي كان يجاهر فيه الصينيون بأنهم لن يعترفوا بإسرائيل حتى لو اعترف بها الفلسطينيون، وهو التصريح الذي باهت به إحدى المجلات الفلسطينية الكبرى في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وهو التاريخ الذي شهد أول صفقات السلاح السرية مع إسرائيل كما أشرنا سابقا.
أما عن التحالفات اليهودية والغربية في وسط آسيا والقوقاز حتى بحر قزوين فتفرضها ثلاث مسائل كبرىليس لها علاقة بأية خلفيات عقدية، وهي قطاع الثروات النفطية ودور الحركات الإسلامية النشط في بلدان المنطقة وأمن الدولة اليهودية. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العقد الأخير من القرن الماضي استفاق العالم على سر كبير أخفاه الاتحاد السوفياتي طوال سبعة عقود ونصف وهو المخزون الهائل من النفط والغاز فضلا عن الثروات المعدنية الوفيرة لاسيما اليورانيوم. هذا المخزون النفطي الذي لم يستغل بفعل التخلف التقني والكلفة الباهظة حوّل المنطقة إلى ساحة صراع دولي لا يقل ضراوة عن الخليج العربي، فالحديث يجري عن أكثر من مائة مليار برميل من المخزون النفطي وعشرات التريليونات من الغاز المؤكد والاحتياطي. وتشير بعض الأرقام إلى استثمارات خيالية صبت ما يزيد عن مائة مليار دولار في المنطقة، إلى جانب استثمارات أميركية تصل إلى مائتي مليار دولار! أما عن عدد الشركات العالمية التي وصلت إلى منطقة بحر قزوين فقد بلغت أكثر من 50 شركة، معظمها أمريكية تليهاالبريطانية والفرنسية والنرويجية. وبلغ ما أنفقته حتى عام 1998م فقط 7400 مليوندولار، وقدر خبراء غربيون حجم الاستثمارات في المنطقة ما بين 50 إلى 75 مليار دولار[31].
لا شك أن الولايات المتحدة كانت سباقة إلى المنطقة، وفازت شركاتها (شيفرون، وأموكو، وأرامكو، وموبيل، واكسون، وبنزويل وأنوكال ) بمعظم العقود[32] وباتت تسيطر عليها فعلا، ولكن من هي القوة الأكثر تغلغلا واختراقا لعمق المنطقة؟
إنها اليهودية العالمية بامتياز. ولم يعد أحد يجادل الآن في حجم الاختراق وقبوله من الطرف الآخر ولا في كيف أو لماذا تذهب اليهودية العالمية وإسرائيل إلى وسط آسيا لتتموضع هناك وتنسج تحالفات هي الأقوى بعد الولايات المتحدة؟
فالمشكلة الأساس تكمن في الخطر الذي تمثله الحركات الإسلامية هناك على الأنظمة الشمولية الحاكمة، وما إذا كان هذا الخطر قد يمس إسرائيل في يوم ما[33]. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك جمهورياته ظهرت دول وسط آسيا في حالة من الفوضى وأنظمة حكم ضعيفة يقودها الشيوعيون، ولأن الغالبية الساحقة من شعوب هذه المناطق إسلامية فقد تنفست الصعداء بزوال الاتحاد السوفييتي وأملت في استعادة عقيدتها التي حرمت منها وحوربت فيها طوال سبعة عقود، وتبعا لذلك نشطت الجماعات الإسلامية على اختلاف توجهاتها الأمر الذي أخاف حكام المناطق وإسرائيل على السواء بحيث التقت مصالح الطرفين بعيدا كل البعد عن أي مقياس يتعلق بأية منظومة قيمية أو أخلاقية أو إنسانية أو عقدية[34].
فزعماء الدول الخمس الآنفة الذكر ورثوا سلطة لم يكونوا ليحلموا بها ولا ليفرطوا بها مهما كانت الأسباب، لذا نجدهم على استعداد لعقد تحالفات مع الغرب بدعوى الحيلولة دون انتشار التطرف والأصولية في البلاد، بيد أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترى أن خطرا شديدا يتربص في المنطقة من الجماعات الإسلامية ذات النزعة الجهادية، ويعتقدون أن المنطقة، إن لم يُحكَم إغلاقها، ستكون ملاذا آمنا كبيرا للقاعدة بعد ضرب أفغانستان، وعليه فلا يوجد أفضل من حكام ملحدين وديكتاتوريين ليتولوا أمرها.
والحقيقة أن الحديث لدى أبو مصعب السوري يجري عن مشروع جهادي كبير جدا ينطلق من شمال أفغانستان إلى ما وراء نهر جيحون بحيث يخترق دول وسط آسيا وصولا إلى الشيشان. وقد دعمت حركة طالبان المشروع بكل إمكانياتها، وشارك فيه مقاتلون من الأوزبك والطاجيك بقيادة جمعة باي. وبلغ عدد المقاتلين من قوميات مختلفة أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل كان من المفترض أن يتقاطع مشروعهم مع مشروع خطاب قائد المجاهدين العرب في الشيشان، وفعليا فقد حققوا إنجازات كبيرة لولا أن عاجلتهم ضربات سبتمبر والتدخل الأمريكي في أفغانستان حيث قتل منهم من قتل في قلعة جاجي وغيرها من مواقع المواجهة وخلال الاشتباكات والملاحقات التي تعرضوا لها على الحدود الأفغانية الباكستانية[35].
ولما يتعلق الأمر بمشاريع جهادية ورغبة لدى مسلمي آسيا الوسطى والقوقاز فالمقصود تجارب غنية وخبرات كبيرة وجغرافيا ملائمة ورصيد سكاني كبير يمكن أن يشكل ظهيرا لأية حركة جهادية جادة، وموردا بشريا كبيرا حتى لطالبان والقاعدة، مثلما يمكن أن تشكل هذه المناطق ملاذات آمنة لعشرات آلاف المقاتلين، فضلا عن أن المنطقة ذاتها كانت وستظل موضع اهتمام كبير لدى القاعدة أو أي تيار جهادي إسلامي عالمي لاسيما حين يتحدث شخص مثل أبي مصعب السوري عن أنها موطن الرايات السود ومعركة الإسلام القادمة من الشرق[36].
لمثل هذه الأسباب تحركت إسرائيل باتجاه الشرق، وفعليا نشطت أمنيا وعسكريا بصورة مدهشة، وكأن المنطقة واقعة على حدودها السياسية عبر:
· إرسال مئات الخبراء العسكريين والأمنيين حتى أن بعض المعلومات تتحدث عن مشاركة في الحرب
على أفغانستان[37] وإنشاء بنوك معلومات مع دول آسيا والقيام بإعادة تدريب وتأهيل أمني لقوات هذه الدول لاسيما أذربيجان وأوزباكستان حيث الحضور الأقوى لإسرائيل.
· الاستعانة بيهود المنطقة، إذ تقول بعض المصادر أن تل أبيب وظفت اللوبيات اليهودية في دول آسيا الوسطى لفتح الأبواب أمام تغلغلها السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي على أساس معرفة عميقة بأوضاع تلك الدول. وهذه اللوبيات منظمة بصورة ممتازة، وأن للمخابرات الصهيونية تغلغلا عميقا داخلها منذ العهد السوفييتي عبر جهاز خاص يتبع رئاسة الحكومة الإسرائيلية مباشرة يعرف بـ "جهاز الفافيت" المسئول عن تنظيم هذه الجاليات والذي يعتبر ذراعا قوية للتغلغل الصهيوني في كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وتهجير المطلوب هجرتهم من بين أفرادها، وتجنيد الجواسيس من بينهم .. الخ[38].
· وبسبب نشاط الإسلاميين،وتزايد المصالح الصهيونية في كازاخستان الدولة الإسلامية الأكثر تقدما علميا في تركستان الغربية، استقبلت هذه الأخيرة بعض الوفود الصهيونية من علماءوخبراء رسميين وسياسيين حاولوا أن يكتشفوا ما يجري هناك وفي آسيا الوسطى، وما هيقوات وإمكانيات وقدرات الحركات الإسلامية في كازاخستان على أمل اكتشاف علاقاتتعاون بين المجموعات الإسلامية في وسط آسيا وفلسطين، وقد حاولت الجهات العسكرية الرسمية الكازاخية إقامة علاقات مع العسكريين اليهود؛ لأن لديهم خبرة كبيرة في قتالالإسلاميين[39].

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:38 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
خلاصة
ثمة شعور لدى الكثيرين بأن السنوات العشر القادمة ستشهد تغيرات عظمى في التاريخ الإنساني وستتضح أكثر صيغة التحالفات وموازين القوى، ولعلها ستكون حاسمة بالنسبة للدولة اليهودية. أما الصين فيبدو أنها ستتعرض لاحتمالين: فإما أنها ستقبل بالحصار المضروب عليها من قبل الولايات المتحدة، والذي يحد من نفوذها وتمددها باتجاه ثروات المنطقة، وإما أنها ستستنجد بإسرائيل واليهودية العالمية مجددا والتحالف معهما إذا أرادت الالتفاف على المخططات الأمريكية. وفي كلتي الحالتين الفائز واحد، أما العرب والمسلمون فقد يستفيقون للحديث عن عدو جديد للأمة هم عنه غافلون. فهل ستنجح استراتيجيات القاعدة؟ أم أن المصالح ستفرض نفسها بحيث تضطر القاعدة آنذاك إلى مراجعة حساباتها وإعادة النظر في دور اللات والعزى فضلا عن هبل؟


[1] أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م، ص789.

[2]فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة، دار الخيال، ط1، 2005، بيروت لبنان، ص

[3] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص789.

[4] وردت مثل هذه التأكيدات فيما يسمى بـ "كتاب ابيض"، أصدره مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصينى ببكين تحت عنوان " قوى تركستان الشرقيةالإرهابية لا يمكنان تتنصل من مسؤوليتها عن الجرائم"، وقدمت صحيفة الشعب الصينية بتاريخ 22/1/2002 ملخصا للكتاب. http://arabic.people.com.cn/200201/22/ara20020122_50388.html

[5]فيصل قطي، مسلمو الأويغور.. المنسيون في الأرض!، ترجمة: شيرين حامد فهمي، 7/2/2002، على الشبكة:
http://www.islam-online.net/Arabic/politics/2002/02/article7.shtml.

[6]كتاب أبيض، مرجع سابق.

[7] الصين ترفض المزاعم عناتصالاتها بالقاعدة، موقع صحيفة الشعب الصينية اليومية. على الشبكة:
http://arabic.people.com.cn/200208/15/ara20020815_56649.html

[8] المقصود منطقة تركستان الغربية ذات الأربعة ملايين كم2 التي كانت تحت الاحتلال السوفييتي وتشمل الجمهوريات الخمس التالية: " كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقرغيزيا وطاجكستان.وتبلغ إجمالي مساحة المنطقة أربعة ملايين كم2 وإن كانت تتباين بين طاجيكستان بمساحة0.14 مليون كم2 وكازاخستان بمساحة 2.7 مليون كم، ويعيش فيها نحو 60 مليون نسمةيتفاوت عددهم بين 5 ملايين نسمة في تركمنستان و27 مليون نسمة في أوزبكستان. ويبلغمتوسط نسبة المسلمين لإجمالي السكان في هذه الدول نحو 78 %، وأكبرها في طاجيكستان 90% وأقلها في كازاخستان 47%. وتبلغ أعلى نسبة للقومية الرئيسة في تركمنستان (85% من التركمان) وأقلهافي قرغيزيا وكازاخستان حيث لا تزيد نسبة القومية المسماة بها الدولة عن 64 %.. أنظر: د. عاطف عبد الحميد، قراءة جديدة لواقع الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى (1- 6). منشورة في مجلة المجتمع، العدد 1683، 6/1/2006، وعلى الشبكة:http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=178056

[9] أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص 789.

[10]محمد قاسم أمين تركستاني، تركستان الكبرى: ماضيها وحاضرها، محاضرة ألقيت أمام النادي الأدبي الثقافي بمكة، 1/2/1414هـ، على الشبكة: http://www.uygurlar.net/m_kasim.htm.

[11]مصطفى عاشور، تركستان الشرقية.. صفحات مجهولة من تاريخ أسود، على الشبكة:
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/08/article25.shtml

[12]توختي آخون أركن، تركستان المسلمة..القضية المنسية. على الشبكة:http://www.uygurlar.net/a_makalet.htm.

[13] من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية ضد مسلمي تركستان يذكر أحد كتاب البلاد: منع ممارسة الشعائر الدينية ومعاقبة كل من يقوم بها بموجب القوانين الجنائية ومنع تعليم الدين الإسلامي, وفرض تدريس الإلحاد في المدارس والنوادي والتجمعات ومصادرة المصاحف والكتب الإسلامية، وبلغ ما جمع منها 730 ألف كتاب مطبوع ومخطوط، وإجبار رجال الدين والعلماء على امتهانها وإحراقها في الميادين العامة، ونشر الكتب والمطبوعات المعادية للإسلام ورفع الشعارات والملصقات المسيئة للإسلام وأحكامه وتعاليمه، مثل: الإسلام ضد العلم والإسلام اختراع أغنياء العرب والإسلام في خدمة الاستعمار...واعتقال العلماء ورجال الدين واحتقارهم وفرض أعمال السخرة عليهم, وقتل من يرفض التعاون معهم وإجبار النساء على خلع الحجاب, وإلغاء العمل بالأحكام الشرعية في الزواج والطلاق والمواريث, وفرض الاختلاط, وتشجيع الزواج بين المسلمين والمسلمات من غير دينهم؛ بغية تخريب العلاقات الأسرية الإسلامية وإغلاق أكثر من 28 ألف مسجد و18 ألف مدرسة دينية, واستخدام المباني الإسلامية كالمساجد والمدارس في أعمال تتنافى مع قيم الإسلام كتحويلها إلى حانات ومخازن ومصادرة أموال الناشطين في العمل الإسلامي سواء كان بالتعليم أو التدريس أو التأليف والترجمة، وهدم بيوتهم ونفيهم من منطقة سكنية إلى الصحراء بعيدًا عن الناس وعن الجماعة ومنع السكان من السفر خارج البلاد وفرض النظام الجاسوسي على أفراد الشعب كله. وللمزيد من الإجراءات أنظر على الأقل: توختي آخون أركن، مرجع سابق.

[14]مصطفى عاشور، مرجع سابق.

[15] تقدر مساحة الأراضي التي تحتوي على البترول والغاز الطبيعي بنحو 740 ألف كيلو متر مربعًا؛ أي ما يعادل مساحة فرنسا وألمانيا مجتمعة. راجع: توختي آخون أركن، مرجع سابق.

[16] أغلب البيانات الإحصائية مستقاة من: محمد قاسم أمين تركستاني ومصطفى عاشور، مرجعان سابقان.

[17]توختي آخون أركن، مرجع سابق.

[18]محمد قاسم أمين تركستاني، مرجع سابق.

[19]تركستان الشرقية أو فلسطين المنسية، شبة الفاروق:
http://www.elfarouk.net/modules.php?name=News&file=article&sid=212

[20]من الملفت للانتباه أن أكثر من 80 % من السكان يعيشون دون مستوى الفقر, وبدخل فردي سنوي لا يزيد عن 50 دولارًا! راجع: توختي آخون أركن، مرجع سابق.

[21] فيصل قطي، مرجع سابق. وحسب المصادر الصينية فعدد الهون يصل إلى ستة ملايين نسمة فيما تقول مصادر تركستانية أن عددهم يقارب الـ 20 مليونا. أنظر المرجع أعلاه.

[22] محمد أمين بوغرا، محاربة الحرية والاستعمار في التركستان الشرقية سنة 1959، http://www.uygurlar.net/bugra.htm
ويذكر أحد المؤرخين أن الخطط الصينية قضت بتهجير نحو مائتي مليون صيني إلى تركستان الشرقية لتستوعب البلاد نحو خمس سكان الصين وتنهي وجودها القومي إلى الأبد. راجع: - محمد قاسم أمين تركستاني، مرجع سابق.

[23] يتحدث كاتب تركستاني عن أن بكين أجرت 35 تجربة نووية منذ سنة 1964 في أراضي تركستان الشرقية دون اتخاذ أية تدابير لحماية المدنيين والبيئة من أخطار التلوث النووي، وأثرت هذه التجارب تأثيراً سيئًا على المحاصيل الزراعية وعلى الإنجاب, وفي عام 1990 مات أكثر من 800 مسلم بأمراض غير معروفة .. وفي التقرير السري لرئيس حكومة مقاطعة شنجانغ أوائل عام 1988 أكد ولادة عشرين ألف طفل مشوه. وفي نفس العام نسبت منظمة الصحة العالمية في تقريرها موت 3961 شخص مصاب بمرض مجهول في منطقة خوتن فقط .. كما وردت تقارير عن تزايد حالات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان والأمراض الخطيرة, بلغ أكثر من 5000 شباب أصيبوا بشلل الأطراف في كاشغر فقط، وأن تفجير العام 1994 بلغت قوته ما بين 1040 كيلوطن من المتفجرات. راجع: توختي آخون أركن، مرجع سابق.

[24]وليام إنغدال، النفط وليس الديمقراطية.. الدافع وراء غزو العراق، موقع الطليعة، ويقول: "ومع حلول عام 2045 ستصبح الصين معتمدة على النفط المستورد لتلبية 45% من احتياجاتها من الطاقة". على الشبكة:
http://www.taleea.com/newsdetails.php?id=8365&ISSUENO=1737

[25]أبو مصعب السوري، المسلمون في وسط آسيا ومعركة الإسلام المقبلة، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق /3، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية، ليلة 27 رجب 1420هـ / نوفمبر – تشرين الثاني 1999.

[26]فؤاد حسين، مرجع سابق، ص 200-213.

[27] يستثنى من ذلك توصيف بن لادن للنظام الدولي غير العادل تجاه المسلمين في فقرة وردت في تسجيل صوتي له في أفريل 2006 حيث قال: " إن الصليبية العالمية مع البوذية الوثنية هم أصحاب المقاعد الخمسة الدائمة وأصحابما يسمى بامتياز حق الفيتو في مجلس الأمن فأميركا وبريطانيا يمثلون النصارىالبروتستانت وروسيا تمثل النصارى الأرثوذكس وفرنسا تمثل النصارى الكاثوليك والصينتمثل البوذيين والوثنيين في العالم، وأما العالم الإسلامي المتمثل بـ57 دولة ويكونخمس أهل الأرض وهم أكثر منربع دول الأمم المتحدة وإن ولاية واحدةمنالولايات الإسلاميةمساحتها أكبرمنمساحةبريطانيا ومقاربة لمساحة فرنسا مثل ولاية دارفور في السودان ومع ذلك فلا مقعد لهمفي مجلس الأمن.".

[28]أبو مصعب السوري، المسلمون في وسط آسيا، مرجع سابق.

[29]كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن احتمال زوال قوة الولايات المتحدة وزوال إسرائيل حتى لدى المفكرين والمسؤولين الغربيين والأمريكيين واليهود على السواء، وكان مستشار الرئيس الأمريكي ريتشارد هاس أبرزهم. أما أحدث الأطروحات فقد وردت على لسان جيمس وولفنسون المدير السابق للبنك الدولي في الخطاب الذي ألقاه أمام مجمع اليهودالفيدرالي بشيكاغو، إذ ورد في موقع واي نيوز الإسرائيلي مقالة بعنوان }"ولفونسون: "أمريكا قد تفقد اهتمامها بإسرائيل"{ حيث توقع للتحالف الإسرائيلي – الأمريكي أن يضعف في غضون السنتين القادمين.

[30] في مقالة له يتحدث المقالح عن صحوة أوروبية تجاه الدولة اليهودية مستشهدا بمقالة للكاتب النرويجي يوستن جوردر أثارت غضب اليهود، حيث قال فيها: "لقد حان الوقت أن نبدأ في تعلم درسا جديدا: لا يجب أن نعترف بالدولة الإسرائيليةأكثر من ذلك... وعلينا الآن أن نعود أنفسنا لفكرةأن دولة إسرائيل في صورتها الحالية يجب أن تكون في ذمة التاريخ... نحن لا نؤمن بما يقال أن لله شعبا مختارا. مثل هذه التصورات مثيره للسخرية، ولانستطيع أن نعقلها بينما نراهم يرتكبون الجرائم. عندما يتصرف شعب وكأنه شعب اللهالمختار, فذلك ليس غباء وعجرفة فحسب, ولكنه أيضا انتهاك ضد الإنسانية, نحننطلق عليها عنصرية ... إن هناك حدودا لصبرنا وحدودا لتسامحنا, فنحن لا نؤمن بتلك الوعود الإلهية التياتخذوها ذريعة للاغتصاب والاحتلال والفصل العنصري. عليهم أن يعلموا أننا تركناالعصور الوسطى وراء ظهورنا، إننا نسمي الذين يقتلون الأطفال: قتلة الأطفال, ولا نقبل إطلاقا أي تفويض ألهى،أو سبب تاريخي يقال ليبرر تلك الأفعال الشريرة اللاأخلاقية ... إننا لا نقبل ولا نعترف بدولة يُغزل نسيج بنائها من المبادئ اللاأخلاقيةواللاإنسانية، وبقايا حفريات أركيولوجية من دين عنصري". أنظر: - د. عبد العزيز المقالح،ضمير أوروبايصحو، 30 /9 / 2006، صحيفة الحقائق الدولية.
http://www.alhaqaeq.net/defaultch.asp?action=showarticle&secid=5&articleid =60761 .
- يوستن جوردر، شعب الله المختار، صحيفة "الافتن بوسطن"النرويجية، 5/8/2006، ترجمة د. محيي الدين عبد الغني. على شبكة الفاروق:http://www.elfarouk.net/modules.php?name=News&file=article&sid=433،أما الرابط الأصلي للمقالة:http://www.aftenposten.no/meninger/kronikker/article1411153.ece

[31] شعبان عبد الرحمن، آسيا الوسطى ... أطماع عمرها خمسة قرون!، 1/11/2000، على الشبكة:
http://www.islamonline.net/arabic/politics/2001/11/article2-5.shtml

[32]محمود مرتضى،دولة الكيان تلعب دور الذيل للسياسة الأمريكية بآسيا الوسطى،صحيفة البيان الإماراتية، الملف الأسبوعي، 25/1/2002.

[33] في اجتماع أمام لجنة الخارجيةوالأمن في الكنيست الإسرائيلي قال آرييل شارون سنة 1982: "إن الحد الشماليلدائرة المجال الحيوي لإسرائيل يمر بدول آسيا الوسطى".

[34] لاحظ تصريح الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف أمام برلمانه وهو يفاخر بالدعم الأمريكي لسياساته الدموية في بلاده ضد الإسلاميين: " اعلموا أن ورائي أمريكا وبوش وهم لا يعبأون بمثل هذه المذابح لأنهملو كانوا ضد هذه المذابح لما قدموا لنا هذه المساعدات المالية السنوية، وقد لاحظتذلك عند زيارتي لواشنطن؛ فقد ثمّن الأمريكيون جهدي وتضحياتي في الحرب على الإرهابوقدموا لي جائزة سخية من أجل تصفيتي وسحقي لأصحاب اللحى!... لا تنزعجوا عندما تجدون مسؤولين أمريكان ينتقدون سجلنا في مجالحقوق الإنسان لأن هدف أمريكا من وراء ذلك إظهار مراعاتها للقوانين الديمقراطية أمامالعالم". أنظر: أوزباكستان والغرام اليهودي، مفكرة الإسلام، 31/7/2004، على الشبكة:
http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=215

[35] أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة...، مرجع سابق، صفحات 785- 788.

[36]أبو مصعب السوري، المسلمون في وسط آسيا ... ، مرجع سابق.

[37]هويدا سعيد، حقائق وأرقام: آسيا الوسطى والقوقاز .. تشابك الثروات والأعراق والمصالح الدولية، صحيفة البيان الإماراتية، الملف الأسبوعي، 25/1/2002.وتنقل الكاتبةعن صحيفة الحياة اللندنية، 4/12/2001، نقلا عن صحيفة "بفرييسكايا جازيتا" اليهودية ذات الصلة الوثيقة بقيادة الجالية اليهودية في روسيا، "أن وحدات صهيونية من القوات الخاصة المسماة بـ "سايرات ماتكال" أو الوحدة رقم 262 موجودة في ميدان المعارك على الأراضي الأفغانية لتقديم المساعدة إلى القوات الأمريكية والبريطانية في عملياتها ضد مقاتلي طالبان والقاعدة، وأشارت الصحيفة إلى أن الوحدات الصهيونية تقدم مساعدات استشارية للأمريكيين والبريطانيين وأنها جاءت إلى أفغانستان بناء على طلب من واشنطن بعدما وقعت وحدة من قوات دلتا الأمريكية الخاصة في كمين لمقاتلي طالبان بالقرب من قندهار".

[38]د. محمد فراج أبو النور، آسيا الوسطى .. منطقة جديدة للصراع و التوغل الصهيوني، ملحق الأسبوع السياسي في صحيفة البيان الإماراتية، 25/1/2002.

[39] الاختراق الإسرائيلي لآسيا الوسطى، الإسلام اليوم، 7/4/2002، على الشبكة:
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=76&artid=756

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:41 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
قائمة المصادر والمراجع

· أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004.
· أبو مصعب السوري، المسلمون في وسط آسيا ومعركة الإسلام المقبلة، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق /3، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية، ليلة 27 رجب 1420هـ / نوفمبر – تشرين الثاني 1999.
· أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/8/1426. على الشبكة:http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599
· الاختراق الإسرائيلي لآسيا الوسطى، الإسلام اليوم، 7/4/2002، على الشبكة:
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&atid=76&artid=756
· أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية: القاعدة نموذجا، صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن، ( أربع حلقات)، 28-31/8/2006.
· الأمير نايف ( تصريح)، صحيفة الشرق الأوسط السعودية، 21 / 9 / 2006، العدد 10159.
· أحمد الرمح، الانهيار الأمريكي... ما بين الواقع والسننية، على الشبكة:
http://www.awu-dam.org/politic/21/fkr21-008.htm
· "أ.ب.ب"على طريق "غزو" الصين،25/7/2006، سويس انفو مع الوكالات، على الشبكة:
http://www2.swissinfo.org/sar/swissinfo.html?siteSect=161&sid=5293083&cKey=10987 89681000.
· الإعلان عن الدول العشر ذات القوة الاستثمارية الكامنة، صحيفة الشعب اليومية الصينية، 21/12/2005، على الشبكة: http://arabic.people.com.cn/31659/3962050.html
· الصين ترفض المزاعم عناتصالاتها بالقاعدة، موقع صحيفة الشعب الصينية اليومية. على الشبكة:
· http://arabic.people.com.cn/200208/15/ara20020815_56649.html
· اقتصاد الصين "يتجاوز مجموعة السبعة بحلول 2050، موقع الـ BBC الدولية، 12/9/2006، على الشبكة:http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/business/newsid_4775000/4775522.stm
· آمنون بارزيلاي ،اختراق سور الصين قصة العلاقات الدفاعية لـ "اسرائيل" مع الصين،صدر أوائل العام 1999، عرض للكتاب، 25/1/2002، على الشبكة:
http://www.palestinianforum.net/forum/showthread.php?t=5630.
· أوزباكستان والغرام اليهودي، مفكرة الإسلام، 31/7/2004، على الشبكة:
http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=215
· بن لادن، تسجيل صوتي لبن لادن في أفريل 2006.
· بن لادن، شريط بثته القاعدة بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عبر شبكة السحاب بتاريخ 7/9/2006.
· بيتر داي، تحولات على الخريطة الاقتصادية العالمية، 15/9/2006، موقع الـ BBC الدولية. على الشبكة: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/business/newsid_4264000/4264154.stm.
· بيتر مارتين(هانس) و شومان(هارالد)، فخ العولمة، شهرية عالم المعرفة / 295، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، الطبعة الثانية، آب2003.
· تركستان الشرقية أو فلسطين المنسية، شبة الفاروق:
http://www.elfarouk.net/modules.php?...rticle&sid=212
· توختي آخون أركن، تركستان المسلمة..القضية المنسية.http://www.uygurlar.net/a_makalet.htm.
· خالد اللحام،المسلمون في الصين ... أمة منسية، على الشبكة:
http://www.wataonline.net/site/modules/newbb/viewtopic.php?post_id=3523&topic_id=717
· ذيب القرالة، الصين وإسرائيل طفرة في التعاون الاستراتيجي على حساب العرب، وكالة قدس برس، عمّان، http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/qpolitic-jul-2000/qpolitic2.asp.
· شعبان عبد الرحمن، آسيا الوسطى ... أطماع عمرها خمسة قرون!، 1/11/2000، على الشبكة: http://www.islamonline.net/arabic/po...ticle2-5.shtml
· عبد الله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية، 10/9/2006. على الشبكة:
http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200.
· د.عاطف عبد الحميد، قراءة جديدة لواقع الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى (1- 6). منشورة في مجلة المجتمع، العدد 1683، 6/1/2006، وعلى الشبكة:
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=178056
  • د. عبد العزيز المقالح،ضمير أوروبايصحو، 30 /9 / 2006، صحيفة الحقائق الدولية.http://www.alhaqaeq.net/defaultch.asp?action=showarticle&secid=5&articleid =60761.
  • د. عبد الله مرعي بن محفوظ، تقرير (يوروب 2020) يحذر من انهيار الدولارفي 2006، صحيفة الاقتصادية الدولية الالكترونية، 29/7/1427هـ. على الشبكة:
http://www.aleqtisadiah.com/article.php?do=show&id=2996.
· فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة، دار الخيال، ط1، 2005، بيروت لبنان.
· فيصل قطي، مسلمو الأويغور.. المنسيون في الأرض!، ترجمة: شيرين حامد فهمي، 7/2/2002،http://www.islam-online.net/Arabic/politics/2002/02/article7.shtml.
· "كتاب ابيض"، أصدره مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصينى ببكين تحت عنوان " قوى تركستان الشرقيةالإرهابية لا يمكنان تتنصل من مسؤوليتها عن الجرائم"، وقدمت صحيفة الشعب الصينية بتاريخ 22/1/2002 ملخصا للكتاب.
http://arabic.people.com.cn/200201/22/ara20020122_50388.html
· كمال مساعد، الصين وإسرائيل... مجدداً، صحيفة السفير اللبنانية 16/5/2005، على الشبكة
:http://www.palestine-info.info/arabic/shoonalkaian/external/2005/isr_ch.htm
  • كيفيين فيليبس، الثيوقراطية الأمريكية، عرض ألان برينكمان، 19/3/2006. على الشبكة:
http://www.islamdaily.net/AR/Contents.aspx?AID=4350
· ماجد كيالي، صادرات "إسرائيل" العسكرية وأزمة الثقة مع الولايات المتحدة، صحيفة الوطن السعودية 13/8/2005، نقلا عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية 9/6/2003، على الشبكة:
http://www.palestine-info.info/arabic/shoonalkaian/external/2005/saderat.htm
· محمد أحمد النابلسي، يهـود يكرهـون أنفسهـم، عرض كتاب، المركز العربي للدراسات المستقبلية، موقع المركز على الشبكة: http://www.mostakbaliat.com/link76.html
· محمد أمين بوغرا، محاربة الحرية والاستعمار في التركستان الشرقية سنة 1959، على الشبكة:http://www.uygurlar.net/bugra.htm
· د.محمد جمال مظلوم،لماذا تصر إسرائيل على بيع أسلحة للصين؟ مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، ملف الأهرام الإستراتيجي، على الشبكة:
http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/FI1E61.HTM
· مدينة بكين، صحيفة الصين اليوم، 2/2/2004، على الشبكة:
· http://www.chinatoday.com.cn/Arabic/2004n/4n2/2n12.htm
· معمر الخليل، لماذا تخاف الولايات المتحدة من اقتصادالصين؟، 8/4/1427هـ، على الشبكة:
http://www.almoslim.net/figh_wagi3/show_report_main.cfm?id=837
· مصطفى عاشور، تركستان الشرقية.. صفحات مجهولة من تاريخ أسود، على الشبكة:
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/08/article25.shtml
· د. محمد فراج أبو النور، آسيا الوسطى .. منطقة جديدة للصراع و التوغل الصهيوني، ملحق الأسبوع السياسي في صحيفة البيان الإماراتية، 25/1/2002.
· محمد قاسم أمين تركستاني، تركستان الكبرى: ماضيها وحاضرها، محاضرة ألقيت أمام النادي الأدبي الثقافي بمكة، 1/2/1414هـ، على الشبكة: http://www.uygurlar.net/m_kasim.htm.
· محمود مرتضى،دولة الكيان تلعب دور الذيل للسياسة الأمريكية بآسيا الوسطى،صحيفة البيان الإماراتية، الملف الأسبوعي، 25/1/2002.
· منظمة التجارة تصف الصينبأنها رابع أكبر دولة في التجارة السلعية، صحيفة الشعب اليومية الصينية، 6/11/2003،http://arabic.peopledaily.com.cn/200311/06/ara20031106_71720.html
· هويدا سعيد، حقائق وأرقام: آسيا الوسطى والقوقاز .. تشابك الثروات والأعراق والمصالح الدولية، صحيفة البيان الإماراتية، الملف الأسبوعي، 25/1/2002.
· وليام إنغدال، النفط وليس الديمقراطية.. الدافع وراء غزو العراق، موقع الطليعة، ويقول: "ومع حلول عام 2045 ستصبح الصين معتمدة على النفط المستورد لتلبية 45% من احتياجاتها من الطاقة". على الشبكة:http://www.taleea.com/newsdetails.php?id=8365&ISSUENO=1737
· يوستن جوردر، شعب الله المختار، صحيفة "الافتن بوسطن"النرويجية، 5/8/2006، ترجمة د. محيي الدين عبد الغني. على شبكة الفاروق:http://www.elfarouk.net/modules.php?name=News&file=article&sid=433،أما الرابط الأصلي للمقالة:http://www.aftenposten.no/meninger/k...cle1411153.ece، وعنوانه: "Gud sutvalgte folk"
· يهود الصين، صحيفة الصين اليوم، 1/1/ 2004.
http://www.chinatoday.com.cn/Arabic/2004n/4n1/1n16.htm





*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:47 AM

مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
سلسلة دراسات عن السلفية الجهادية (3)

بحث بعنوان:
مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية
(من التوحيد إلى صناعة القيادة)

د. أكرم حجازي


الأردن / إربد
تشرين أول / أكتوبر 2007

محتويات الدراسة



مقدمة .................................................. ................................. 3
المحور الأول: لغة السلفية الجهادية في مسائل معينة ................................... 5
أولا: ثقافة التوحيد .................................................. .................... 5
ثانيا: "محاربة الطواغيت" .................................................. ............. 11
ثالثا: سايكس – بيكو، واقع وثقافة .................................................. .... 15
رابعا: العلماء والفقهاء، أي دور؟ وأية وظيفة؟ ......................................... 19
المحور الثاني: صناعة القيادة .................................................. ........ 25
أولا: الراية، للأمة؟ أم للجماعة؟ .................................................. ..... 25
ثانيا: القيادة، مواصفات وشروط .................................................. ..... 31
i. العلم الشرعي .................................................. ............... 31
ii. التمرس في ساحة الجهاد .................................................. ... 34
خلاصة القول .................................................. ........................ 38
قائمة الحواشي والهوامش .................................................. ............ 40
قائمة المصادر والمراجع .................................................. ........... 48










*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:50 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية
(من التوحيد إلى صناعة القيادة)
د. أكرم حجازي
مقدمة
في يوم جمعة من أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كنت واقفا أمام مقر عملي وقريبا من المسجد في إحدى البلدان العربية رفقة أحد الزملاء، وأمام ناظرينا وعلى مقربة من موعد الصلاة، توقفت شاحنة صغيرة وهي تقل مجموعة من الشباب الملتحين وهم يرتدون جلابيب بيضاء، ثم بدؤوا ينزلون من الشاحنة بصعوبة ليقع بعضهم أرضا أو ينفلت الآخر فيمسك به زميله وثالث يتلمس الأرض بقدمه كما لو أنه يخشى السقوط! وبينما أراقب الموقف وكزني زميلي في خاصرتي ساخرا: أهؤلاء سيحررون فلسطين؟ وللحق فقد ضحكت من المشهد وقهقهت وقلت له: أتراني أخالفك الرأي؟
في تلك الأيام، وقبل عشرين عاما على وقوع المشهد، لم تكن السلفية الجهادية، التي كانت تخطو آنذاك خطواتها الأولى، لتثير كثيرا فضول الباحث أو المراقب، ولم يكن أحد ليصدق أو يتخيل أنه سيأتي يوم يمكن أن يهتز فيه العالم بأسره من فعل هؤلاء الذين كانوا في حين ما موضعا للسخرية والآن هم في دائرة صناعة الحدث العالمي، وفي دائرة القلق العالمي، بل وفي دائرة الحرب العالمية على ما يسمى مكافحة الإرهاب.
كيف ينتظمون؟ لا أحد يعرف، من هم؟ لا أحد يستطيع تتبعهم بسهولة، كيف يتجندون ويتكاثرون؟ هي مشكلة المشاكل، من يدعمهم ويمولهم بعد تجفيف منابعهم؟ الكل يخمن ويتنبأ، ما هي أطروحاتهم واستراتيجياتهم؟ قلَّ من يعلمها أو يعبر عنها خلا الأعضاء والأنصار وبعض المراقبين ممن يعدون على الأصابع، ونسبيا الباحثون الذين غفلوا عن الظاهرة فباغتتهم على حين غرة وطعنت في كفاءتهم. وعليه فإننا نقر مسبقا أننا لسنا بصدد ظاهرة تقليدية مألوفة، ولعل في هذا بعض العزاء، فلا الغربيون المعاصرون ولا العرب ولا المسلمون في شتى أنحاء العالم ولا غيرهم أيضا عاشوا مثيلا لها. فما الذي يمكن أن يفهمه عالَم اليوم، وليس الأمس، بمسلميه ونصاراه وبوذييه وهندوسييه وملحديه من أطروحات السلفية الجهادية عن قضية التوحيد أو الراية أو الحاكمية أو سايكس- بيكو بينما هو غارق حتى ناصيته بالحداثة والعولمة ولغة السوق؟
بالتأكيد فهذه الأطروحات ليست موضع ترحيب ولا تتمتع بالكثير من المصداقية عند أقران السلفية الجهادية، أو أنها منبوذة، فهي بنظر البعض مستحيلة التحقق ومتطرفة عند البعض الآخر وخارجية عند ثالث وباعثة على الفتن عند رابع وسبب رئيس في تشويه الإسلام عند خامس ومشبوهة عند سادس وهكذا. ولكن هذه التوصيفات لا تختلف كثيرا بالنسبة للسلفية عما واجهه محمد بن عبد الوهاب ومن بعده أئمة الدعوة النجدية حين جهروا في دعوتهم إلى التوحيد، بل أنها لا تختلف عما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج، فمن صدق حينذاك، غير قلة في مقدمتها الصحابي الجليل أبو بكر، بأن ما وقع كان حقيقة؟ فهل سيصدق أحد أن ما تفعله السلفية اليوم منطقي؟ أو مشروع؟ أو ممكن التحقق؟
لا شك أن ضربة 11 سبتمبر وحرب العراق وما أعقبهما من ظهور الجماعات الجهادية وفي مقدمتها تيار السلفية الجهادية مثل فرصة ثمينة جدا لفهم الظاهرة، ولا شك أن الإعلام الجهادي الإلكتروني عبر عشرات الشبكات الجهادية قد وضع النقاط على الكثير من الحروف ونجح إلى حد كبير في استفزاز الباحثين والدارسين للاطلاع على حقيقة الخطاب السلفي الجهادي ليس من خلال الرموز فقط بل، وهو الأهم، من خلال رؤية الرواد والكتاب والعلماء وطلبة العلم والمنظرين وما يطرحونه من مواقف ورؤى. والحقيقة أن هذه الأطروحات، الواقعة في إطار حرب الأفكار الدائرة في ساحات المنتديات بين مختلف التيارات الإسلامية الجهادية وغير الجهادية، كشفت عن بعض مكنونات الظاهرة وكيفية التصدي لها بالبحث. لكن، يبقى الإشكال الرئيس في قدرة الباحث على الاستمرار في متابعة الظاهرة التي نؤكد، للمرة الثانية، بأنها مرهقة جدا ومهمة عسيرة للغاية خاصة ما تصدره الشبكات أو ما يدور في المنتديات من حوارات ساخنة وتعبير عن المواقف التي تمثل، ولا ريب، رصيدا معرفيا خاما وهائلا باشتماله على أدق التفاصيل ومختلف التوجهات، ولعل معاينة كبريات القضايا التي تطرحها السلفية الجهادية لا ينبغي، منهجيا، أن يخرج عن هذه الساحات.
في مناسبات سابقة، كنا قد بحثنا في جذور نشأة السلفية الجهادية، وسلطنا الضوء على بعض أفكارها[1]، ولكن عذرية الظاهرة تتسبب دوما، ودون رحمة، بإلقاء المزيد من التساؤلات الغزيرة عن ماهية هذه الأطروحات بحسب فهم السلفية الجهادية لها؟ ومن يصنع القيادة فيها؟ وبأية شروط؟ ووفق أية آليات؟ ولماذا تحتاج الأمة إلى قيادة؟ وراية؟ وما علاقة سايكس بيكو بنوعية القيادة؟ ولماذا ترفض السلفية تسليم القيادة لأية جماعة أخرى؟ أما لماذا هذا العناء فلأن الظاهرة لم يجر توصيفها حتى الآن، ولما يكون الأمر كذلك فهل بمقدورنا، كباحثين، تحليلها؟ ناهيك عن نقدها؟
الأكيد أن التساؤلات كثيرة وكبيرة، أما الإجابات فقليلة إن لم تكن نادرة أو خاوية إنْ وجدت، والأسوأ أن السلفية الجهادية ذاتها ما زالت تقدم خطابا بلغتها هي لا بلغة العصر ولا بلغة العامة، وخطابا، إذا ما قسناه بلغة العلم، فهو أقرب إلى خطاب النخبة منه إلى خطاب العامة من الناس بمن فيهم المثقفين، فإذا نادت السلفية، مثلا، بمقاومة "الطاغوت" أسقطته الغالبية حصرا على الحاكم وحده وعدّته خروجا على الإمام، وإذا نادت بمحاربة "سايكس – بيكو" رأت فيه العامة والخاصة فتنة ورجعية وخروجا عن التحديث وسنن التغيير، وإذا ربحت معركة وصفوها بالإرهاب وإذا خسرتها حملوها المسؤولية، ومع كل هذه التناقضات تستمر السلفية الجهادية كظاهرة في تحديها دون أن تلتفت كثيرا لما ينتظرها، هكذا هي في أفغانستان والعراق ولبنان والشيشان وباكستان ... وبصورة تبعث على الدهشة فعلا حيثما وجدت، فما من جماعة جهادية أو حركة تحرر سابقة عليها اشتغلت بنفس الطرق والأدوات ماضيا وحاضرا، ولعلنا كنا نسمع ونراقب على الدوام، ولمّا نزل، عن محاولات سياسية من جماعات جهادية ووطنية تبدي استعدادها للمفاوضات ولو بشروط بينما لم نقع على أية مبادرات من هذا النوع من قبل السلفية الجهادية اللهم تلك التي لا تخلو من إهانة للقوى الغازية وبشروط عسكرية صرفة أو شرعية[2].

المحور الأول: لغة السلفية الجهادية في مسائل معينة

بداية لا بد من الحسم بأنه لا يهمنا مطلقا أن نقبل أو نرفض لغة القوم بقدر ما يهمنا معرفة المعنى وما ترمي إليه حقيقة، إذ أن الظروف لا تتيح لنا أكثر من التوصيف والتحدث بلغة الظاهرة علنا نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد على فهم الظاهرة دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال المس بجوهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.

أولا: ثقافة التوحيد
يردد الشيخ أسامة بن لادن حكمة تقول: "من أصعب المهمات توضيح الواضحات". ولعل أصعب قضية في عقل السلفية الجهادية وأثقلها على المسلم هي قضية التوحيد، إذ ما من قضية يعادل وزرها وزر التوحيد. هذه القضية، بداية، تعني في اللغة الإفراد والتفرد الذي لا نظير له ولا شريك، وفي الاصطلاح الديني هو الشهادتان وتحقيق مقصودهما، وأول الأركان الخمسة، ويقسم إلى ثلاثة أقسام:
· توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، ونحو ذلك.
· توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائنا من كان، ويمكن أن يعرَّف بأنه: توحيد الله بأفعال العباد، وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلل، ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلق الخلق، وشرعت الشرائع، وفيهوقعت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم.
· توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء والصفات عبر(1) إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو ما أثبته له الرسول صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات من غير تحريف لها أو تأويل لمعناها أو تعطيل لحقائقها أو تكييف لها و (2) تنزيه الله عنكل عيب، ونفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص.
ولكن في الواقع ماذا نفهم من التوحيد غير ظاهر القول؟ بل ما هي العلاقة بين التوحيد والواقع المعيوش؟ وإذا ما طبق المفهوم على السياسة والاقتصاد والثقافة والجهاد وغيرها من دروب الحياة الاجتماعية والدينية فهل سيختلف الأمر؟ وهل سيكون للتوحيد معنى مختلف عما هو كائن؟
لو سألت مسلما سؤالا بسيطا: ما هو دينك؟ لأجاب على الفور: إنه الإسلام، ولو أردت استفزازه فاسأله: هل تقبل أن تكون نصرانيا أو يهوديا؟ ذلك أن الوجه الآخر للتوحيد هو الشرك. ومن يتخذ من التوحيد دينا له فلأنه يدرك قطعا{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (لقمان 13)، وعليه فإذا ما تلقى مسلما، أيا كان تدينه، وصفا له بالنصراني أو اليهودي فهو، في الواقع، كمن تعرض لشتيمة وإهانة من العيار الثقيل، ولعلي أذكر حادثة وقعت في إحدى حافلات النقل العام في الجزائر حين صعد أحد المخمورين إليها وهو يتأرجح يمنة ويسرة على الركاب حتى هوى على السائق سقوطا فاغتاظ ونهره موبخا إياه على سكره قائلا:" راك يهودي؟"، بمعنى هل أنت يهودي؟ فما كان من الرجل إلا أن جن جنونه وخرج عن كل طور وهو يشتم ويصيح ويعربد محتجا على الوصف ومرددا عبارة "أنا مسلم موحد، أنا كافر؟ أنت اليهودي ... أنا موحد ... أنا موحد ... أنا أقول لا إله إلا الله وأنت تقول عني يهودي ... ينعن بوك يا وِلْد ..."، وفي المقابل، إذا اختلف أحدنا مع الآخر أو طغى أو غضب ترى من حوله يتطوعون لزجره وإعادته إلى جادة الصواب بالقول: "وحد الله" أو "صلي على النبي".
هاتان صورتان تعكسان، ولا شك، مكانة التوحيد في نفسية الفرد، لكن هل يمكن القول أن الأمة على توحيد خالص؟ سؤال يصلح للبحث بامتياز، أما من حيث المبدأ عامة ومشاهد الحياة الاجتماعية والثقافية اليومية خاصة فليس من الصعب الإجابة عليه بالنفي، بل أن من يقرأ الكتب التاريخية في المائتي سنة الأخيرة من الحكم العثماني سيصاب بدهشة من فظاعة أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي سادت بين الناس، والتي وصلت في مناطق كثيرة خاصة في شبه الجزيرة العربية إلى ما يشبه الردة، فالفساد والرشاوى وأسعار الفائدة والابتزاز والسلب والنهب والإغارات القبلية والسمسرة والنفاق والكذب والزوايا والاستغاثة بالسحرة والمشعوذين والأموات والتبرك في القبور كانت علامات بارزة في حياة الناس الذين تعاملوا معها كما لو أنها عادات اجتماعية وحقائق راسخة خاصة وأننا نتحدث عما يشبه القيم التي عاشت بين الناس وبلغت من الزمن عتيا.
على أن أغرب ما في كَتَبَة هذا التاريخ أن الباحث قد لا يجد في متونها ولا حواشيها إنكارا أو تلميحا إلى مخالفة شرعية لا من شيخ ولا من مؤرخ ولا من عالم أو فقيه، ولولا بعض الحركات الإسلامية والدعوية كالوهابية في الجزيرة وغيرها في السودان ومصر لكان حقا على المرء أن يتساءل فعلا: أوَلم يشعر هؤلاء الناس من الأجداد أن الشرك يداخلهم من كل ناحية؟ وأنهم باتوا، في ضلالاتهم وبدعهم، أقرب ما يكونوا إلى الشرك من قربهم إلى التوحيد؟ وهل يمكن الحديث في ظل هذا النمط من الحياة عن مجتمع إسلامي أو أمة مسلمين؟
الحقيقة لمن يطلع على مجريات الحياة الاجتماعية العربية في أواخر الحكم العثماني سيغلب عليه الشعور وكأنه يقرأ تاريخا لمجتمعات وثنية أكثر منها مجتمعات إسلامية. فأي نوع من التوحيد هذا الذي يجعل أهله ممن قست قلوبهم وغلظت طباعهم وجَلُفَ سلوكهم؟ بينما الدين المعاملة؟
إذن لعل الأمة [3]، ومنذ قرون من الزمان، تبدو أبعد ما تكون عن التوحيد رغم أنها عاشت في خضم غطاء إسلامي ممثلا بالخلافة، فكيف يكون حالها وهي خارج هذا الغطاء منذ نحو قرن من الزمن؟ ألا ينطبق عليهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم
في المقابل فلعل أهم ما أنجزته السلفية الجهادية في التاريخ الراهن لهذه الأمة أنها أعادت إحياء وتفعيل التوحيد كأهم مصطلح شرعي على الإطلاق لا يوازيه في المكانة والعمل حتى إعلانها للجهاد. فهي تقيس كل سلوكها وفعالياتها طبقا لمفهوم التوحيد ودلالاته وشروطه بوصفه الباروميتر الذي سيؤدي العمل به إلى إعادة استنبات جديدة لكل التشريع الإسلامي بحيث يكون بديلا عن كل التشريعات الأخرى ويسعى لخلق ثقافة مغايرة على النقيض من كل الثقافات والأيديولوجيات التي جلبتها معها سايكس – بيكو.
لا ريب إذن أن عقيدة التوحيد ينبغي أن تكون مقدمة لأية فعاليات تقع على مستوى الأمة باعتبارها منهاج حياة وليست قولا في اللغة ولا مجرد اصطلاح في الدين، ذلك أن الزج بالمفهوم في خضم الحياة اليومية سيقدمه باعتباره الفيصل في الحكم على النوازل التي قد تصيب الفرد والجماعة والأمة مثلما هو الفيصل في الحكم على سلامة الاعتقاد والوطن والمقدسات والحقوق والواجبات، وهو الفيصل في الحكم على كل فعل أو سلوك، وهو الفيصل في الاجتماع والانقسام، بل هو الفيصل في تقرير الأمور لكل الموجودات من خلق الله وما ينتج عنها. وهذا يعني أنه ما من مرجعية يمكن أن يعتد بها غير التوحيد وإلا فهي باطلة شرعا وقاصرة عقلا، وهذا ينسحب على الأيديولوجيات والسياسات ذات المصادر الوضعية. هذا هو الاعتقاد عند السلفية الجهادية ودونه "زخرف القول والحياة الدنيا". لذا فإن أول ما تعنيه السلفية بالقول أن كل سلوك يخالف عقيدة التوحيد هو بالضرورة سيكون واقعا خارج التوحيد بقدر ما، وفي هذه الحالة فصاحب السلوك المخالف يمكن أن يُحكَم عليه، بحسب قربه أو بعده عن التوحيد: بالآثم أو العاصي أو الفاجر أو الفاسق أو الظالم أو المفارق للجماعة أو الكاذب أو المنافق أو الضال وصولا إلى المرتد والكافر.
بطبيعة الحال تنتظر السلفية الجهادية من إسقاط المفهوم على الحياة الاجتماعية والاقتصادية تغيرا جوهريا في أنماط المعيش والتفكير والسلوك الإنساني والسياسي والاقتصادي والثقافي، بحيث يغدو التوحيد معيارا لسلامة الإيمان وحسن السلوك وعقلانيته بما أنه لن يصدر عن الهوى بقدر ما سيتقيد بمتطلبات الحكم الشرعي، وإذا كانت سايكس – بيكو تهيمن على الأمة عبر تجزئتها وتفكيكها وغزوها بثقافات وافدة واستباحة أراضيها ومقدساتها وحرماتها والمساس بدينها وعقيدتها وفرض الأنظمة والقوانين الوضعية عليها [4] وخلق أنماط ثقافية ومعيشية تلائمها فإن تفعيل ثقافة التوحيد سيكون بالمرصاد لكل مخرجات العقلية الوضعية ومن يدافع عنها أو يروج لها أو يحتمي بها. وسيجد المسلم نفسه، تحت سقف التوحيد، مدعوا للاستجابة{ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } (الأنفال 24) وليس لصناديق الاقتراع والصراعات الفكرية والحزبية والمفاوضات والمساومات والتحالفات المشبوهة والمصالح التنظيمية والحزبية، كما سيجد نفسه مدعوا للاختيار بين ثنائيات القانون الإلهي أو القانون الوضعي، والعدالة الاجتماعية أو الظلم، والاستقامة أو الفساد، والجهاد والتضحية أو السلامة والذل، والتواضع أو الكِبْر، والصدق أو الكذب، والصرامة أو الميوعة، والحق أو الباطل، وهكذا وصولا إلى التوحيد مقابل الشرك.
ورغم أن الحقيقة الصارخة في أيامنا تثبت أن التوحيد غدا، منذ زمن ليس بالقليل، إشكالية عصية على الفهم والالتزام لكن لا مفر منها ولا بديل عنها ولا يمكن المساومة فيها أو عليها، إذ أن التوحيد عقيدة ليست من صناعة البشر ولا الظروف، ولأنها عقيدة ربانية خالصة فهي من الحسم بحيث لا تتقبل أية اجتهادات أو رؤى أو تأويلات خارج ما تفرضه من شروط، ولا تقبل بأية مبررات تاريخية تجاه هذه الجماعة أو تلك، ولا تتسامح مع أية مواقف سياسية إلا بإخضاعها حكما لعقيدة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الشرك والكفر والطواغيت، وعليه فإن التوحيد بالنسبة للسلفية هو عقيدة كالسيف القاطع، تقسم ولا تقبل القسمة، وتأمر فلا تقبل نفاقا ولا كذبا ولا إفكا ظاهرا أو باطنا، وتَقهَر ولا تُقْهَر، وتفضح كل تُقيا ولا تبالي، وتفرض ولا تجادل، وتبقى هي وما دونها من عقائد وأيديولوجيات تزول، أما من اختار الجهاد فله القول الفصل:{فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت 6)‏[5] .وأما من تأول وثَقُل عليه التوحيد فلن يفيده ليّ النصوص ولا العبث بها حتى لو نجح في مسعاه، إذ أن: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف29)، ولأن"الحق أحق أن يتبعفالدوران ينبغي أن يتجه حيث "تدور العقيدة" [6]وليس حيث تستدعي الظروف والمصالح وموازين القوى.
هذا المنطق الصارم يمكن إسقاطه على الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلم والأخلاق والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والروابط القرابية ... والمقارنة مع منطق الوضعية، ولكننا سنتتبعه هنا فقط في ساحات الجهاد حيث يجري تفعيله على نطاق واسع باتساع الساحات، وسنلاحظ أي نوع من العقليات تربي السلفية الجهادية أبناءها عليه، وأي عقليات تنتج مقارنة بعقلية الجهاد والنضال الوطنيين:
· { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } (الأنفال 67).
· { أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }‏ (الفتح 29).
· { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } (التوبة 73).
· { أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}(الإسراء 5) .[7]
· { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} (آل عمران 126).
· [ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ [حديث نبوي صحيح].
إذن التمحيص عبر المزيد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية[8]يحيلنا حتما إلى العقلية السائدة في التعامل مع الأعداء، وهي عقلية جهادية صيغت بموجب المرجعية الدينية لتكون محملة بسمات الغلظة والبأس والشدة والذبح والإثخان في الأرض بالنسبة للأعداء يقابلها عقلية اللين والرحمة بالمؤمنين، والملاحظ بجلاء أن النبي ذاته كان أول من التزم بالتعليمات الإلهية وأول من أُمِر:
· بأن يهدد بالذبح قبل أن يخوض معركة؛
· وأن يثخن في الأرض وهو في المعركة أولا قبل أن يأسر من العدو؛
· وأن يجاهد بالغلظة؛
· ويتحلى بالشدة والبأس على الأعداء؛
· ويترحم بالمؤمنين؛
فمن الأولى بالمسلمين والمجاهدين، تأسيا بالمنهج النبوي، وليس اجتهادا ولا بدعة، أن يلتزموا في ميادين المعارك وخارجها بالتوجيهات الربانية بديلا عن أية مرجعيات أخرى، ولما يكون هذا هو الأساس في التعامل مع العدو فكيف يصح لهم، بحجة الاجتهاد وتعدد أشكال الجهاد [9]، بأن يلجوا باب التفاوض والمساومات والديمقراطيات ويعرضوا عن الجهاد وهم في قلب المعارك وصولات الأعداء في بلادهم؟
لا شك أنها عقلية لا يمكن أن تنتجها ثقافة سايكس – بيكو أبدا بقدر ما تنتجها عقلية التوحيد، وحتى هذه فإن تطبيقاتها في التجنيد فريدة إلى حد ما خصوصا إذا عرفنا أن أغلب مقاتلي السلفية الجهادية هم من صغار السن أو ممن لم يخوضوا تجارب أيديولوجية علمانية أو إسلامية وطنية وبالتالي فلم تتلوث عقولهم ولم تهرم. إنها عقلية العذارى الذين يتقبلون ثقافة التوحيد[10]ويقدرون على تحملها أكثر من أولئك الذين علقت برؤوسهم أيديولوجيات ورواسب على الأغلب ستحد من نقاوة توحيدهم وقدراتهم على الالتزام بأسخن مخرجاته، فقد يتحمل هؤلاء دخول المعارك التقليدية بالأسلحة النارية ولكن أنَّى لهم أن يتحملوا معارك "الذبح" و "الغلظة" و"الشدة" و "البأس
كانوا يقولون: فقط اصمدوا قليلا قدر يومين، وماذا بعد؟ بعدها ستجدون العالم كله يناصركم ويهب لنجدتكم، فلا صمد أحد ولا وصلت نجدة، ولكن هذه هي عقلية سايكس – بيكو وهي تستنجد بالروس أو بالشرعية الدولية أو بأحرار العالم ناهيك عن الأشقاء والأصدقاء، ولا ريب أنه ثمة فرق بين عقلية العمل والدعاء والتوكل على الله بصيغة {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة 105)، أو {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} (الأنفال 10)وبين عقلية الاتصالات السياسية والوساطات والتدخلات والشرعية الدولية. وثمة فرق أعظم بين ثقافة الجهاد وثقافة المقاومة والنضال[11]، وفرق مماثل بين عقلية تستنجد بالله وتستمد النصر من عنده غير آبهة بالنتائج، بعد الإعداد بقدر الاستطاعة، وأخرى تحسب حسابا دقيقا أو مغلوطا لموازين القوى السياسية والعسكرية وما إذا كانت الظروف ملائمة لخوض معركة أم لا.
هذا المنطق الصارم أيضا يمكن استعماله لملاحظة ردود الفعل على فعاليات الجهاد بالمواصفات السلفية، ذلك أن أقل الاتهامات الموجهة للمجاهدين هي الدموية والقتل والإجرام وسفاكو الدماء [12]، فما تقوم به مثلا دولة العراق الإسلامية والقاعدة ليس من الجهاد في شيء وليس من الأخلاق الإسلامية، أما لماذا؟ فلأن العدو إذا كان يسمح لنفسه بالقتل العشوائي وارتكاب أبشع جرائم الحرب ضد الإنسانية ويستعمل أشد الأسلحة فتكا بما فيها المحرم دوليا فهذا شأنه! أما نحن فأخلاقنا الإسلامية وديننا لا يسمحان لنا بمجاراته في جرائمه ولا بالتشبه بأفعاله، لذا علينا ألا ننزلق إلى أخلاقه!، وكأن خصوم السلفية، بهذا الخطاب، ينتظرون منها جهادا رقيقا ناعما يستجيب للغة العصر ويرأف بالأعداء!، أما { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } (البقرة 194)فهذه مسألة فيها ما يقال. وغني عن البيان أن مثل هذه الردود لو عملت بها السلفية الجهادية لما كان هناك جهاد إلا بمواصفات سايكس - بيكو الوطنية وهو ما تعده السلفية خارج التوجيهات الدينية ومخالفا للشرع وحينها ما من معنى للغلظة والشدة والإثخان[13].
لكن الخلاف بين الجهاد الوطني والجهاد السلفي لا يتوقف عند عقلية الشدة والبأس بقدر ما يمتد ليصل إلى تخوم جبهة الأعداء، فالعدو عند السلفية هو عدو سواء كان محليا أو أجنبيا، ولأنه كذلك وحالة العداء قائمة فلا تصالح معه ولا مهادنة، لكنه عند الخصوم يمكن أن يكون بريئا وضحية كما هو الحال بالنسبة لضحايا أبراج التجارة العالمية أو تفجيرات لندن ومدريد وبالي وغيرها أو حتى جنود الاحتلال الأمريكي. أو حين دمرت جماعة التوحيد والجهاد مقر الأمم المتحدة في العراق. وفي المحصلة فإن مثل هذه الأحداث التي خفت حدتها ظلت تستعمل كمبررات للطعن في مشروعية الجهاد العالمي. لكن الأطروحة السلفية تؤكد أن الخلاف قائم ليس على شرعية الأهداف من عدمها بل على مضمون التوحيد نفسه وما يفرضه من اختيارات والتزامات بعكس ما تفرضه المرجعيات الوطنية وتأويلها للتوحيد.
فبعض الجماعات الإسلامية ناهيك عن العلمانية أصبحت مغرمة بعقلية سايكس – بيكو لدرجة أنها لم تعد قادرة على مغادرتها، والأعجب أنها باتت خيارها الذي تدافع عنه بشراسة وتبحث لها عن موطئ قدم وشرعية في إطاره الأمر الذي يعرضها إلى نقد شديد من السلفية الجهادية وهي تأخذ عليها مثلا:
· التفريط بالحاكمية؛
· وتضييع عقيدة الولاء والبراء؛
· والتخلي عن الأهداف التي وجدت من أجلها؛
· وحصر نفسها في أطر ضيقة؛
· وتبعا لذلك السعي للتفاهم مع أعداء الأمة والدين إن لم يكن التحالف معهم؛ وبالتالي فبأي حق ومضمون تعرِّف عن نفسها كجماعة إسلامية؟[14].
وفي السياق من الجدير الإشارة إلى أن مسألة التوحيد تشكل جوهر الخلافات التي تعصف بالجماعات الجهادية في العراق على خلفية مستقبل البلاد وبالتحديد بين تيارات السلفية الجهادية من جهة وتيارات الجهاد ذات النزعة الوطنية من جهة أخرى. ويمكن القول بصريح العبارة أن كل الصراعات والاتهامات والتحالفات وردود الفعل والحملات الإعلامية وغيرها أيا كان محتواها أو آلياتها إن كان لها من منطق فهو منطق واحد لا يتجاوز مسألة التوحيد بأي شكل من الأشكال، إذ أن السؤال المطروح هو: لماذا نقاتل؟ ولأية أهداف؟[15]
· إذا كان الجواب، بلغة السلفية، لتعميم جهاد التوحيد وتحرير بلاد المسلمين وإقامة حكم الله في الأرض فهذا يعني أن الجهاد ماض لن يتوقف بقدر ما سيعمل على عبور الحدود، فكما في العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها موحدون ففي فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر والمغرب ونيجيريا وإندونيسيا والفلبين موحدون أيضا، فلمن يُترَك هؤلاء؟ وبأي نوع من التوحيد يمكن إرجاءهم وإهمالهم؟
· أما إذا كان الجواب جهاد التحرير بغرض طرد الاحتلال واستعادة العراق لحريته وكفى الله المؤمنين شر القتال فمن الطبيعي أننا إزاء منظومتين فكريتين متناقضتين [16]ليس وقوع الصراع بينهما غريبا خاصة وأن التوحيد مسألة لا تقبل القسمة بحيث يمكن توزيعها وفقا لاحتياجات ومتطلبات هذه الجماعة أو تلك. فالتوحيد إذن واحد، وما ينطبق على هذه الجماعة أو البلد ينطبق بالضرورة على ذاك أو تلك.
غير أن أهم الملاحظات على تعميم ثقافة التوحيد لدى السلفية الجهادية تكمن فيما تتلقاه من اتهامات بالتكفير لدرجة أن الخصوم باتوا يلمزونها أو يجهرون صراحة بوصمها وروادها بـ "التكفيريين". على أن القاعدة تنفي هذه التهمة جملة[17]. وحقيقة الأمر أن مسألة التوحيد بحد ذاتها هي مصدر الاتهامات باعتبار الكفر أو الشرك رديفا لها، ولعل ساحات المنتديات في الشبكات الجهادية هي من ساهم مساهمة فعالة بتعميم فكرة التكفير بسبب المشاحنات الحامية بين الأعضاء والعجلة في إصدار الأحكام حتى على صغائر الأمور مع الإشارة إلى ما يراه الشيخ عطية الله وغيره اختراقات للمنتديات[18].
لكن هذه المشكلة التي غالبا ما يقع تجاوزها في ساحة ما يستعصي مواجهتها في ساحات أخرى أكثر أهمية خاصة حين تكون في الميدان الجهادي أو على تماس مباشر مع المجتمع. فبعض المنتسبين للسلفية الجهادية وصلوا مرحلة من الاعتقاد والسلوك تستعصي على الفهم فيما يتعلق بالتوحيد والكفر ومتطلبات الحياة اليومية، وإذا ما تعارضت قناعاتهم وأفهامهم مع العلماء والفقهاء من السلف فلا يجدون غضاضة من التنكر لهم وعدم الأخذ عنهم، وحتى فقه الضرورات لا يعملون به ولا يقيمون له وزنا فتراهم عالة على أنفسهم وأبنائهم وغيرهم خاصة وأنهم لا يعترفون بمسجد ولا بمؤسسة ولا بهوية ولا بجواز سفر ولا بفاتورة كهرباء أو ماء أو هاتف ولا بأية علاقات مالية متضمنة لمدفوعات ضريبية للدولة، ولو رغبوا في الزواج لفضلوه بلا عقد! بل أنهم لا يتوانون عن التكفير لأتفه الأسباب، وإذا فعلوا قاطعوا الآخر حتى لو كان من أقرب المقربين فلا يسلمون عليه ولا يدعون له ولا يجالسونه ولا يجادلونه لا بالحسنى ولا بغيرها، والحوار معهم منقطع، ولعل النبذ والعزل كان من نصيبهم لما تسببوا فيه من التنفير والأذى للعامة والخاصة وللدين، ومثل هؤلاء يتبرأ منهم حتى أنصار السلفية الجهادية لجلافتهم وتعنتهم وسوء معاملتهم وتطاولهم على المجاهدين وعلى مشايخهم[19].
واقع الأمر أن هذه الخلافات والردود والصور مبررة بما أنها تكشف حقيقة عن أن التوحيد في الأمة موضع خلاف بالنظر إلى اختلاف منظومات القياس لدى القوى الإسلامية ناهيك عن القوى العلمانية، وحتى أنه موضع جهل مدقع لدى الأفراد، فالأمة حتى هذه اللحظة لم تبلغ تحقيق التوحيد بعد، وليست على دراية به ويصعب التعويل عليها بالنظر لحجم التخريب الذي أوقعته الأنظمة السياسية والثقافات الغربية في عقولها[20]، ومع ذلك فالسلفية الجهادية ماضية في شدتها وغلظتها حتى لو كلفها ذلك حياة كل رموزها ومقاتليها، ولا يتسع المجال لذكر الكثير من الشواهد والاستدلالات على ذلك، لكن من الملفت للانتباه ملاحظة العبارة الطريفة التي قالها أبو حمزة المهاجر في خطاب له وهو يعقب على سياسات الحزب الإسلامي تجاه مشاركتهم في حكومة نوري المالكي وعلى الإخوان المسلمين في العراق وغيره: "لا نريد منكم شيئاً؛فقط دعونا والعدو فإن انتصرنا عليه فهو عزّ الدنيا والآخرة لنا ولكم، وإن قضي علينا فهي شهادةٌ لنا وتكونوا قد استرحتم منا ولن تلقوا الله بدمائنا"[21].

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 08:58 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
ثانيا: "محاربة الطواغيت"
يحفل لسان العرب لابن منظور بعديد المعاني والدلالات المشتقة من كلمة "طَغي" التي تعني في أول معانيها "جاوز القدْر وارتفع وغلا في الكفر". ومن تصريفاتها اللغوية ومنها "الطاغوت أو الطواغيت"، وتنسحب على "الواحد والجمع والمذكر والمؤنث" من "الجن والإنس"، وتتخذ من المعاني أسماء ودلالات لها كـ "الشيطان" و "الكاهن وكل رأس في الضلال" و "الأصنام" و "الأحمق المستكبر الظالم" و "الذي لا يبالي ما أتى يأكل الناس ويقهرهم لا يثنيه تحرج ولا فَرَقٌ" و "من طغى بالكفر وجاوز الحد" و"هم عظماؤهم وكبراؤهم" و "الجبت والطاغوت" حيث ينسحب "الجبت" على أسماء بعينها مثل "اليهوديان حيي بن الأحطب وكعب بن الأشرف" فيما "الطاغوت" توصيف يمس "رئيس النصارى" كـ "ملك الروم".
هذه التوصيفات اللغوية غالبا ما يقع إسقاطها على الحاكم، ففي كل مناسبة نجد دعوات تنهال على الحكام الطواغيت مصحوبة بسيل من الاتهامات بموالاة الكفار والمشركين أو بمنعهم الجهاد أو بقمعهم لشعوبهم أو بسيطرتهم على ثروات البلاد أو بهيمنتهم على الشعوب أو حتى باختزال الوطن بشخصياتهم، في حين أن الطاغوت في التوصيف القرآني ليس له هوية أبدا، قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} (البقرة 256)، ومن الواضح أن الآية:
· فيها عموم (الطاغوت) بحيث يدخل فيها الحاكم وغير الحاكم من الناس وغير الناس.
· كما أنها لم تحدد هوية الطاغوت الدينية هل هو المسلم أم الكافر.
· مثلما أنها لم تحدد جنسيته هل هو عربي أم أجنبي، وهل هو أفريقي أم آسيوي، وهل هو أوروبي أم أمريكي ...الخ
· فضلا عن أنها لم تحدد هوية الطغيان فيما إذا كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا...الخ
· وبالتالي فالآية تنبئ عن طغاة وطغيان كائنين في كل مكان وزمان.
واقع الأمر أن للمفهوم سعة لا حدود لها بحيث ينطبق على الفرد والمجتمع والمؤسسة والحزب والجماعة والأيديولوجيا مثلما ينطبق على كل ما يعبد من دون الله، ولعل سبب حضوره الطاغي في عالمنا العربي والإسلامي أكثر من غيرهما أن الحاكم بالذات هو المتهم بكونه طاغوتا يمارس الطغيان، فالحاكم، بعرف السلفية الجهادية[22] ، جاوز كل حد في تبعيته للقوى العدوانية والشريرة والكافرة ونسج معها كل التحالفات الضامنة لبقائه في الحكم وتوريثه وخاض الحروب ضد شعبه وضد المسلمين بشكل مباشر أو بالوكالة، وهو الأمر الذي يدخل في بابي الاضطهاد أو الاستعانة بالمشرك على المسلم ما يكفي لإخراجه من الملة. بل أن السلفية الجهادية تذهب أبعد من ذلك حين توسع من المفهوم بالقدر الذي يتيح لها أن تسبغ على الحاكم صفتي الهيمنة والنفوذ اللتين تجعلان منه ليس مشركا فقط بقدر ما بات وكأنه صار "ربا يعبد من دون الله في الأرض"[23]، فهو الحاكم المطلق بأمره، المشرع من دون الله والحاكم بغير شريعته، وهو المتصرف بأمر البلاد والعباد، وهو الرئيس المؤمن والإمام المبايَع وصاحب العطايا والهدايا، وقائد الجيش ورئيس البلاد وباني عزها ونهضتها ومجدها، وهو كبير تجارها وأثريائها ومشايخها وأمير أمرائها، ولديه من الصفات ما يشبه الغزل ومن الألقاب ما يجعله صاحب سلالة ومن النياشين ما يثقل كاهله ولا يتسع لها صدره، ومن المنجزات ما جعل شعبه من أرقى الشعوب ووضع دولته في مصاف الدول المتقدمة! بل هو فرعون العصر بحسب تعبير جماعة الجهاد المصرية.
هذا الحاكم ظل حريصا على تراث ميكيافيلي ووفيا لمبادئه ونصائحه، لكنه ليس مثيلا لقادة أوروبا الميكيافيليين الذين يلعبون دورهم المسند إليهم، ففي عالمنا العربي خاصة والإسلامي عامة يتجاوز الحاكم حتى النزعة الميكيافيلية نحو نزعة عجيبة غريبة على الحكام في الدولة الحديثة. وفي هذا السياق يقدم المفكر الكويتي عبد الله فهد النفيسي توصيفا طريفا لما يسميه بـ"الطغيان السياسي" العربي الذي يعد واحدا من بين ثلاثة مشاكل تعاني منها الأمة العربية بالإضافة لـ "سوء توزيع الثروة والتحلل الاجتماعي"، ويرى أن هذا الطغيان الذي يعني "استئثار القلة بالقرار السياسي" على حساب الأغلبية زاد في دول الخليج لأن "النظم الحاكمة في الجزيرة العربية بلا استثناء تمارس الحكم والتجارة في نفس الوقت، فهي تحكم وفي نفس الوقت هي كتل في السوق تزاحم الناس على أرزاقها، هي تشتري الأراضي وتبيع الأراضي وتدخل في مقاولات ومناقصات وتدخل في عالم المال والأسهم وإنشاء الشركات وإسقاطها، وفي نفس الوقت تقرر سياسيا، والذي يجمع الحكم والتجارة حتما سيحرف القرار السياسي لمصلحته، ولذلك كان هذا محرما في الشريعة الإسلامية ... وهذا ما جعل للطغيان السياسي منصاته القوية على الأرض"[24] .
السؤال البسيط: لماذا لا يلعب الحاكم دوره كمهنة ويكتفي بمنصبه؟ ولماذا يصر على لعب أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية ليست من اختصاصه ولم يُدعَ إليها ولا هو مؤهل لها؟ ولماذا يصر على الحضور الإعلامي اليومي؟ ألأنه والدولة قويان بما فيه الكفاية؟ أم أنه والدولة مجرد ظاهرتين طارئتين، وبالتالي فهو في موقع غنيمة ينبغي الاستفادة منها إلى أقصى الحدود قبل أن ينقضي أجلها؟
وفي الحقيقة فالطغيان السياسي ليس مقتصرا على الحاكم، وكما قال النفيسي، فقد باتت له منصات، وهو ما يعني أن القوى الاقتصادية والاجتماعية المتنفذة ضليعة حتى النخاع في لعب دور الطغاة وممارسة الطغيان. فمن يمتلك المال بالتأكيد سيمتلك السلطة والقرار أو على الأقل هو مساهم في صناعته سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعلى الرغم من أن الشرائح الاقتصادية المتنفذة في عموم العالم العربي لم تكن تملك من الثروة الشيء الكثير قبل مائة عام، ولم تكن محسوبة على القوى الاجتماعية ذات النفوذ العريق على قلتها إلا أن مصادر الثراء ذاتها ولدت بطرق غير شرعية البتة[25]، بل أن ما يوصف، عبثا، بالبرجوازية العربية الكبرى، ليس إلا طبقة مشبوهة ومخلعة الجذور صنعتها ظروف معينة ودعمتها القوى الاستعمارية وثبتتها الدولة الوطنية[26]، وبالتالي فهي طبقة لم تكن أصيلة في يوم ما ولا ذات علاقة بالعلم أو المعرفة ولم تراهن عليهما قط في بناء ثرواتها لأنها لم تكن خيارا اجتماعيا رأسماليا بقدر ما هي خيار سياسي أيديولوجي صرف[27].
هذه الطبقة تجيد القول بأن المال ليس له وطن! فتبرر بذلك هجرة رؤوس أموالها خارج أوطانها، وهي بذلك تساهم في الإفقار خاصة وأنها تستثمر بغرض تنمية ثرواتها لا بغرض تنمية بلدانها ومجتمعاتها، بل أنها غالبا ما تعيش خارج بلدانها أو على متون الطائرات والسفن، والأسوأ من ذلك أنها أبعد ما تكون عن أية مسؤولية دينية أو أخلاقية، ولو سئلت عن زكاة أموالها المنقولة وغير المنقولة لأطبقت صمتا بينما لا يضيرها حجم الترف والبذخ وتبديد ثروات لو وزعت على مستحقيها لكفت الأمة برمتها. والأسوأ من هذا وذاك أنها ترعى التحلل الاجتماعي واستيراد الثقافات الأجنبية وتسعى لمد طغيانها على قطاعات الاقتصاد غير المهيكلة فتحرم الريف من اختصاصاته الإنتاجية والفرد من مصادر الرزق[28]، فكيف لا تكون جزء أصيلا ومؤثرا من الطغيان؟
في المجتمعات العربية فإن التشكيلات السياسية الكائنة يغلب عليها الطابع القبلي، فالقبيلة باتت عضوا مؤسسا في كافة المؤسسات المدنية من أحزاب ونقابات وجمعيات ونوادي وحتى قادة في الجيش، بل أن التشكيلة السياسية في الحكم تراعي إلى حد كبير التوازنات الاجتماعية القائمة على النفوذ القبلي، وكذا الأمر في الجيش والقضاء والسلطة والأمن والاقتصاد، وتبعا لذلك سينشأ بفعل هذه التقسيمات والهيمنات منظومة قيمية يجري التحاكم إليها والدفاع عنها كما لو أنها النموذج الثقافي الأسمى، فماذا بقي للدين والأخلاق والعلم من حضور في ظل هذا الطغيان؟
من المألوف جدا في أي مجتمع بني على الطغاة والطغيان أن تتسم مختلف جوانب حياته بالطغيان، فالساسة، مثلا، هم الفئة المستأثرة في القرار السياسي، وتكاد هذه الفئة تنغلق على نفسها بحيث تبدو الدولة برمتها حكرا عليهم، ولكل منهم نصيب في مؤسساتها وميادينها، وترى نفوذ الواحد منهم يصل إلى الجامعة والبرلمان والحكومة والسوق والقضاء والجيش والأمن والخدمات وكل ما يمكن تخيله في الدولة والمجتمع علاوة على ما يتحصل عليه من امتيازات وإعفاءات بوصفه رجل دولة قدم خدمات جليلة لها وبالتالي يحق له ما لا يحق لغيره! وفي المقابل لا يجد العامة من الناس قوتهم إلا بشق الأنفس، ولا يجدون من ينتصر لهم إلا بالواسطة والرشاوى، ولا من يُحصٍّل لهم حقوقهم إلا بمساومتهم عليها. وإذا ما اهتزت البلاد في نازلة من النوازل فهم أول الضحايا والخاسرين. ومع أنه لا فرص أمامهم ولا طموح بحيث يبقى الفقير منهم فقيرا حتى لو امتلك ناصية الكفاءة والعلم والغني غنيا حتى لو كان من الجهلة إلا أنهم مدعوون إذا طلب منهم الرقص أن يرقصوا فرحا وإذا طلب منهم الغناء فليغنوا طربا وليتغزلوا بالحاكم ولو نفاقا، وإذا كان عليهم أن يحزنوا فليبكوا حتى النواح، أما الحالة الطبيعية لهم فهي التزام الصمت حتى حين يكون الصراخ فضيلة.
ولعل أطرف المشاهد الاجتماعية على الطغيان وأخطرها ما يمس الفرد ذاته، فلما يغيب القانون وتغيب الشريعة ويغيب الوازع فمن الطبيعي أن تتقدم النوازع النفسية الشريرة خطوات إلى الأمام، وهي صورة يمكن أن نجدها مجسدة أكثر في المجتمع المصري وريث الثقافة الفرعونية القائمة على ثنائية "السيد – العبد" وليس "الأسياد – العبيد"، والأغرب أن مثل هذه الثقافة يجري الترويج لها والدفاع عنها في وسائل الإعلام والمنشورات والفضائيات على مرأى ومسمع من الدولة ومن أفراد وليس من جماعات فقط! ولا شك أن الفضل في كشف التعذيب في السجون المصرية ومراكز التوقيف والتحقيق يعود للمدونين الذين نشطوا في الدفع بالظاهرة المتجذرة إلى العلن بعد أن كانت حبيسة أجهزة وزارة الداخلية والمخابرات. ولما تُسأل السلطات المصرية أو القريبون منها عن ممارسات التعذيب كاللواء فؤاد علام تأتي الإجابة محملة بقدر كبير من البلاهة: "بالتأكيد هي ممارسات فردية"! والحقيقة أن الطغيان الفردي يمكن أن يكون أخطر من الطغيان الجماعي أو المؤسسي كونه يعكس ثقافة اجتماعية شاملة وعميقة جعلت من الفرد حاضنا لها لاسيما وأن لسان حاله سيغدو على شاكلة من يقول: " أنا سيد على من هو دوني"، وحينها سيكون سهلا على من يمسك بالسلطة كرجال الشرطة أن يتحولوا إلى طغاة يلقوا برجل من علٍ أو يعذبوا آخر في أعضائه الجنسية أو يسقطوا هذا وذاك أخلاقيا ويهددوا آخرين بالاغتصاب.
حتى الظواهر الاجتماعية في البلاد الإسلامية تتسم بالطغيان إذا ما قورنت في بلدان أخرى. فظاهرة التسول انتقلت إلى المؤسسة الإدارية وبات الموظف بطلها الخارق. ففي بعض البلدان العربية يحتفظ الموظف بختم المصادقة على المعاملات والوثائق في جيبه الخاص وكأنه ملكا له ورثه أبا عن جد، ويحتفظ بالحيلولة دون حق المواطن فيما يستحق من استخراج وثائقه أو المصادقة عليها إلا بعد أن يدفع للموظف أو المسؤول لقاء ما يطلب منه، والأطرف أن بعضهم يوسط ويدفع الرشاوي ليعمل في وظيفة معينة كونها تدر عليه دخلا معتبرا بينما راتبه فيها لا يكاد يعيله وحده! ولعل المشكلة في الفساد أن له مؤسسات تحميه وأناس يدافعون عنه على الرغم من أنه يضرب الجميع بلا استثناء، والأسوأ أنه يخلق قهرا اجتماعيا يصعب تحمله، فكيف يمكن تبرير فساد إداري يستغل حاج أو معتمر راغب إلى ربه في آخر لحظات قبل إغلاق الحدود؟ وكيف يمكن تحمل الأمر ذاته في افتتاح المدارس؟ وكيف يمكن تقبل فساد إداري وابتزاز في أجهزة الشرطة والقضاء؟ بل وفي الجهاز الطبي ذاته وما يشكله من معاناة للمريض وأهله فضلا عن معاناة المرض إياه؟ ونفس المشاهد وأسوأ يعاني منها الأجانب المقيمين سواء في تجديد عقودهم وإقاماتهم وسفرهم وتسوية أوضاع أسرهم أو حتى في تحصيل رواتبهم وحقوقهم؟
الغريب في كل هذا أنه لما استفحلت الظاهرة وباتت سلوكا اجتماعيا يضرب كافة الشرائح الاجتماعية وسلم التراتبات الوظيفية من قمة الهرم الوظيفي إلى أسفله وعلى مستوى الأفراد وجدت حلا لها في مخارج فقهية لم تتحرج من إصدار الفتاوى التي تجيز دفع الرشا لتجاوز العقبات الإدارية!
بهذا المعنى للطغاة والطغيان من بقي خارج دائرة الاتهام؟ إذا كان الحاكم والقاضي والمحامي والطبيب والمسؤول الإداري والشرطي والرأسمالي والوسيط والفقيه والأستاذ والموظف وأمثالهم وحتى المواطن كلهم طغاة يمارسون الطغيان؟ لا أحد، لكن يبقى للطغيان السياسي عند السلفية نكهته الخاصة وتداعياته الخطرة.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:02 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
ثالثا: سايكس – بيكو، واقع وثقافة
لم تكن معاهدة سايكس – بيكو سنة 1916 بين القوى الكبرى (فرنسا وبريطانيا) في أوائل القرن العشرين إلا ثمرة اتفاق على تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية. هذه المعاهد نتج عنها (1) فرض استقلال تركيا في دولة مستقلة و (2) إلغاء نظام الخلافة الإسلامي و (3) تقسيم ما أسمي استعماريا بالوطن العربي و (4) فرض الوصاية على 21 جزء منه تحولت إلى دول مستقلة، ومن (5) ثم فرض التبعية السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية عليها، وأخيرا (6) زرع الدولة اليهودية في قلب المنطقة العربية في (7) عملية تقطيع أوصال حضارية، و (8) منع أية عملية توحد في المستقبل بفعل القوة الجديدة في المنطقة.
كان لدى العرب أرض واحدة وأمة واحدة وعقيدة واحدة وثقافة واحدة وحاكم واحد ونظام واحد واقتصاد واحد وبضعة بحار، والآن لديهم 22 دولة و22 بقعة جغرافية و22 شعب عربي أو مسلم و22 أمة و22 قومية يحكمها 22 نظام سياسي و22 عقيدة و22 حضارة و22 تاريخ و22 ثقافة و22 نظام تعليمي و22 اقتصاد و22 سياسة و22 منظومة قانونية و22 بحر و22 فضاء، وكان لديهم حرمان شريفان فصار عندهم نجف أشرف! وقائمة لا تنتهي من التمزق[29]. أما لو أسقطنا سايكس – بيكو على الخلافة كرمز اجتماع العالم الإسلامي فلنتصور حجم التمزق لذي وقع على أمة الإسلام والمسلمين، والأهم من هذا أن أحدا من الأجيال الراهنة، حكاما ومحكومين، لم يعش في حياته لحظة عروبة واحدة ولا لحظة توحيد صافية منذ مائتي عام على الأقل.
وبلغة العامة والخاصة يؤثَر عن منتجات سايكس – بيكو القول: "اتفق العرب على ألا يتفقوا"، هذه العبارة يرددها رعايا سايكس – بيكو ابتداء من "الزعيم" وانتهاء بـ"الواد سيد الشغال". فما من فرد عربي، من قمة الهرم السياسي إلى أدناه، إلا ويدرك أن الحديث عن مسمى الوحدة العربية هو مضيعة للوقت ليس إلا. إذ أن منطق الأمور يؤكد على استحالة التوحد انطلاقا من بنية لا تشتمل على أي عنصر وحدوي على الإطلاق، وبالتالي فإن كينونتها وآليات اشتغالها لا يمكن لها أن تعمل بغير التمزق كهدف وكحصيلة نهائية لمبررات وجودها، وعليه فإن كل أدواتها لا يمكن لها أن تنتج غير مزيد من التفكك، فهل يعقل القول أن الدعوة إلى الوحدة العربية، عبر هذه الكينونة، مفهوم يجمع؟ ولا يفرق؟ فضلا عن القول بإمكانية تحقيقها؟
نظريا، وحين البحث عن عناصر الوحدة ومبرراتها، يبدو الأمر ممكنا، ولكن عمليا من يستطيع أن يحقق الاجتماع العربي بأدوات ولدتها تقنيات سايكس – بيكو عبر 22 وحدة بنيوية أصبح لكل منها طموحاتها وأهدافها وشروطها ورؤاها وآليات اشتغالها؟ ففي الجزيرة العربية استبدل الاسم بدول الخليج العربي كنظير للخليج الفارسي، ورغم تماثل البنى الجغرافية والسكانية والاقتصادية ظلت قطر هي قطر والبحرين هي البحرين والكويت في واد مثلما هي عمان في واد آخر أما اليمن التي تعد الخزين الحضاري والديمغرافي للجزيرة فهي تعيش وكأنها في قاع الأرض. وفي دول المغرب العربي لدينا وحدة جغرافية وسكانية مفككة كبلاد الشام، أما مصر فقد انتزعت من العروبة والإسلام ليعاد إرسالها إلى رحم الفرعونية وكأنها باتت بلاد بلا تاريخ إلا من أبو الهول وأهرامات الجيزة وشارع الهرم سيئ السمعة والصيت! ولما يكون الأمر كذلك فعلى أية أسس ينادي القوميون وأمثالهم بوحدة لن تتحقق أبدا؟ وكيف يمكن لوحدة أن تتحقق بعد هذه العقود إذا كان البعض يتخوف الآن من تجزئة القطر نفسه ويدعو إلى الحفاظ على تماسكه!؟
أما الشواهد على اشتغال آليات التجزئة فثمة منها ما يفوق كل تنبؤ، فما دامت سايكس – بيكو تعمل بكامل طاقتها وعنفوانها فلن يكون مستغربا أن تشمل عمليات التفكيك الحضاري والأخلاقي والإنساني العقيدة نفسها ويُعتدى على الدين والأنبياء والرسل وتشوه صورة الإسلام ويحرف الدين عن بكرة أبيه حتى يغدو ملائما لليبرالية، وها هي دول التجزئة تتلقى المزيد من المطالب بتعديل مناهجها التعليمية، وليس العلمية غير الموجودة أصلا، بحيث تؤدي عمليات التعديل إلى إلغاء عقيدتها حتى لا تكون للأمة أية مرجعية يعتد بها حين تقع النوازل عليها. بل أن الظاهرة العجيبة التي تضرب العالم العربي على الخصوص أن أحاد الناس بات معنيا بمخاطبة الغرب بعد أن كان هذا الخطاب حكرا على الدولة، فالفرد والقبيلة والحزب والجماعة والنقابة والمؤسسة وكبار المسؤولين وحتى صغارهم والشخصيات النافذة ورجال الأعمال والوسطاء والسماسرة والفنانين وغيرهم كلهم الآن باستطاعتهم نسج الخيوط والعلاقات مع الغرب دون وجل أو خشية من مراقبة أو محاسبة أو اتهام، بل أن بمقدور الكثير من هؤلاء الاستقواء بالغرب والاستعانة به وتهديد مصير بلاده ومصالحها دون أن يرتد له طرْف[30]، بل أن بعضهم يدافع باستماتة عن خياراته "الوطنية" ويدعو الآخرين إلى الاقتداء به إذا أرادوا الخلاص من الديكتاتورية[31]! والسؤال الغريب العجيب: لِمَ يخاطبنا الغرب بلغة واحدة فيما بتنا نخاطبه عربا ومسلمين بمائة لغة؟ لِمَ يجتمع علينا ونفترق عليه؟ لماذا ينجح ونحن نفشل؟ ما هي آلياته؟ وما هي آلياتنا؟ ولماذا تنتج سايكس – بيكو عمالة محمودة في عالمنا العربي؟
ولعل أطرف ما في سايكس – بيكو كثقافة ما خزنته المصادر والمراجع في عقول الأجيال عن ثورات وحركات تحرر واستقلال عن القوى الاستعمارية، فما أن حلت هذه القوى حتى شُرِع في تدشين ثورات وطنية من أجل الحرية والاستقلال! ولم يعد العرب يطالبون لا بالتوحد ولا بالخلافة. وكم كان الاستعمار كريما وهو يسمح لـ "الشعوب العربية" بمناهضته بالسلاح بينما هو في قمة النشوة أن مخططاته نجحت سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى طائفيا، وصارت سايكس – بيكو واقعا وفكرة وعلامة سياسية برسم الاستقلال والتحرر وتقرير مصير! وباتت الأعلام ترفرف على المؤسسات الوطنية والنشيد الوطني يتلى صباحا في المدارس وكأنه قرآن. فمن يصدق اليوم أن السنة والشيعة في العراق اتحدوا آنذاك في جبهة واحدة ليشكلوا كتائب العشرين التي أذاقت الإنجليز الويلات؟ بينما نفس القوى الغازية للعراق اليوم تشعل الحرب الطائفية بأبشع صورها وتهدد بتقسيم دول أخرى؟ وتسعى كل طائفة إلا الاستقلال عما أصبح بين ليلة وضحاها غريمتها؟ إذا كان العرب لا يصدقون أن أهداف الاستعمار آنذاك كانت تقضي بصناعة وطن مستقل ذو مواصفات استعمارية فكيف سيصدقون أن الاستعمار ذاته يجد نفسه بعد كل هذه السنين مضطرا لتفكيك ما صنعته يداه؟ لعلنا كنا مغفلين، في لحظة من الزمن، ونحن نصنع سايكس – بيكو بأيدينا، وسنكون مغفلين حتى النخاع إذا ما زلنا نعتقد أن الوطن الحر المستقل المعترف به دوليا بمنأى عن الاندثار بأيدي من صنعه.
هذا أقل ما فعلته معاهدة سايكس – بيكو لتبدأ عملية الاشتغال الثقافي تأخذ المنحى الغربي التام حتى في الأنماط الثقافية والحياتية العامة والخاصة. لذا فإن سايكس – بيكو ليست ولم تعد مجرد معاهدة استعمارية بقدر ما هي حالة ثقافية بأتم معنى الكلمة واقعا وسلوكا. بل إن التقسيمات الجغرافية والتي صمم الكثير منها بصيغ خطوط الطول والعرض وأخذت شكل الدولة المستقلة، ومنذ اللحظة الأولى، ظهرت كما لو أن كلا منها سليل حضارة مستقلة قائمة بذاتها حتى لو لم يكن الأمر كذلك تاريخا، وحتى لو اضطرت مثل هذه الدول إلى زراعة حضارات وتواريخ لها من جديد أو إعادة استنبات المدفون منها حتى لو كان على ذمة المستعمر.
تنظر النظرية الماركسية إلى المجتمع باعتباره مكون من بنية تحتية وبنية فوقية، وإذا وضعنا سايكس – بيكو في مستوى البنية التحتية فإن كل ما أنتجته وتمظهر في البنية الفوقية هو بالتأكيد من ذات الصناعة والمحتوى. وهو بلغة ماركسية مجرد أيديولوجيا لا أكثر ولا أقل. لذا فإن السلفية الجهادية ترفض كل البناء باعتباره بناء باطلا ومخالفا للشريعة. وعليه ينبغي هدمه من الأساس لإعادة البناء من جديد على أسس شرعية، فهل يكفي هذا التوصيف لنفهم حقيقة العبارة التي ترددها السلفية وأنصارها على الدوام والتي تحولت إلى أساس كل صراع[32] "الدم الدم والهدم الهدم"[33]؟
من العبث التفكير بأن صراع السلفية الجهادية مع الأنظمة السياسية العربية هو صراع فردي أو سياسي، ونكاد نجزم أن أحدا من رموز السلفية الجهادية الذين تعج بهم أخبار وسائل الإعلام ومحافل الأمن لم يكن في يوم ما في السلطة ولا خاض معها صراعا على امتياز. والأصح التفكير بالصراع باعتباره صراعا بين منظومتين فكريتين إحداهما عقدية والأخرى غير عقدية، فما الذي تعنيه السلفية الجهادية حين تصف مخالفيها بأنهم صناعة سايكس – بيكو وحملة ثقافتها؟
على الصعيد السياسي، وتأسيسا على عقيدة التوحيد، فإن موقف السلفية الجهادية من الجماعات الإسلامية كافة يتحدد بالنظر إلى تفاعلها سلبا أو إيجابا مع ما أنتجته سايكس - بيكو من مؤسسات وأنظمة وقوانين وأيديولوجيات ومفاهيم ومصطلحات وغيرها[34]. فالوطنية والقومية واليسارية والليبرالية هي مفاهيم أيديولوجية رافقت ظهور الدولة الحديثة مثلما رافق ظهورها الحاكم والقبيلة والعشيرة والحزب والنقابة والمؤسسة، أما الدعوة إلى تعميم الوعي والديمقراطية والعلمانية والحرية والقانون والنظام والحقوق والواجبات أو المناداة بها وإسقاطها على كامل المجتمع فقد تلازمت هي الأخرى، على السواء، مع نواقضها من التسلط والقمع والسجون والمطاردة والتضييق على الحريات وانخفاض خطير في سقف المطالب الاجتماعية إلى حد البحث عن الأمن والملاذات الآمنة، وليس أدل على ذلك من حجم اللجوء السياسي لمواطنين عرب إلى الدول الغربية وحتى إلى دول مجاورة، وقس على ذلك ما تشاء من الإفرازات حتى أن المعارضة لا يمكن لها أن تفلت من كونها جزء من التكوينة الاستعمارية بقطع النظر عن أية معايير أخرى بما فيها الراديكالية مهما بلغت من المصداقية وقدمت من تضحيات[35].
الأهم في سايكس - بيكو بوصفها حالة ثقافية هو ذاك الخراب الذي أصاب القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية في الصميم، إذ أن قيم العنصرية تضرب الغالبية الساحقة من البلدان العربية وتجد من يدافع عنها ويتفاخر بها، وأكثر من ذلك فيما يتصل بقيم من المفترض أنها منبوذة عقديا وشرعيا إلى حد اعتبارها من الكبائر كالكذب وشهادة الزور والسرقة والفساد والزنا والغدر والاحتيال والنصب والاحتكار واللامبالاة والاستهتار حتى في الدين وسب الإله والأنبياء، ولا غرابة إذا قلنا، من واقع التجربة والمعاينة، إن بعض المجتمعات العربية تغزوها اليوم أحط القيم وأشدها تناقضا لدرجة أن المرء يتساءل فعلا إن كانت هذه المجتمعات ذات قيم إسلامية كما يروج لها القائمون عليها أو أن لها علاقة ما بالإسلام! إذ من السهل ملاحظة شيخ نصاب ومصل كذاب ومحدث جاهل وجار سوء وصديق غادر ومتبرجة تصوم وموظف لئيم وزانية تعمل بترخيص حكومي.
في سايكس – بيكو أيضا كل يغني على ليلاه! حتى الثقافة السياسية للمواطن غدت ذات مواصفات عنصرية بغيضة وضيقة وهي تحصر نفسها بأطر جغرافية واجتماعية، وبتنا نلحظ لغة من نوع "البلاد بلادنا ونحن أحرار فيما نفعل بها"! ثم تطورت إلى صيغة "أولا"، ولما تكون الثقافة بهذه الصيغة فالسؤال المشروع: أيها يكون ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا؟ الدين؟ العقيدة؟ وما هو الترتيب الذي يحتله الحرمان الشريفان أو المسجد الأقصى؟ وهل يمكن حماية ما تبقى من جغرافيا أو تركيب اجتماعي ينزلق نحو القبيلة والعائلة والفرد بدلا من الأمة؟ وهل يمكن لثقافة من هذا النوع أن تقيم وزنا يذكر حتى لتاريخها وإرثها الحضاري؟ وقد شاهد العالم أجمع كيف أن كل التراث العراقي والوجود الحضاري له خاصة الخزين الحضاري الإسلامي من إرث الخلفاء والدولة الإسلامية لم تساوي عند الأمريكيين سلامة وزارة النفط وآبارها التي بدت بلا أدنى شك أثمن من عشرة آلاف عام من الحضارة بكل محتوياتها، وأكثر من ذلك وأهم أن تحطيم هذا الخزين كان يقع بأيد نهلت ثقافتها وعقيدتها من معين سايكس – بيكو.
ولا شك أن مثل هذه المشاهد في رحاب سايكس – بيكو تبدو أكثر غرابة لدى الحركات الإسلامية التي نالت القسط الأكبر من هجوم السلفية الجهادية عليها على خلفية الدفاع عن سايكس – بيكو وتبني أطروحاتها من دولة وطنية إلى دولة علمانية يجري تخفيف وطأتها عبر التعبير عنها بـ "دولة مدنية"! كما أن بعض الجماعات الجهادية نكصت على عقبيها وبات خطابها السياسي والديني أشد وقعا على الجهاد والمجاهدين وقضايا الإسلام من خطاب السلطة ذاته الذي يضطر في كثير من الأحايين إلى التواري في تصريحاته خشية إثارة الرأي العام من حوله فيما لا تتوانى جماعة إسلامية، على خلفية أحداث مخيم نهر البارد مثلا، عن تقديم الفلسطينيين وكأنهم المذنبون فيما وقع عليهم من ظلم تاريخي فضلا عن أن مسلحيهم لا يحترمون البلدان المضيفة لهم[36]. أما القضايا الكبرى مثار الخلاف فتكمن فيما تعتبره السلفية الجهادية تراجعا من هذه الجماعات عن الأهداف التي نشأت من أجلها كقضايا الحاكمية والجهاد والموقف من الدولة و"أنظمة الطواغيت" والتحالف مع القوى المعادية للأمة، محليا وخارجيا، ومحاربة المشروع الجهادي العالمي كما حصل في أفغانستان والعراق والجزائر وحتى فلسطين. زد على ذلك أن بعضها أصيب بآفة الغرور والتعصب بحيث بات التنظيم بعينها هدفا بحد ذاته والسد الوحيد الذي بدونه ستنهار الأمة وبعضها الآخر لمّا يزل أسيرا لأطروحات قديمة غير مجدية ناهيك عن جماعات أخرى ليس لها من الإسلام أكثر من الطبل وإحياء المناسبات، بل أن النفيسي في ندوته الشهيرة يذهب أبعد من ذلك وهو يصف هذه الجماعات، في الجزيرة العربية، وعلى اختلاف مسمياتها ما عدا القاعدة، بأنها "داخلة مع السلطة في البزنس".
لكن، هل كان من الممكن أن تنتج سايكس – بيكو غير هذه المشاهد؟ وهل من المعقول أن تتمكن هذه المنتجات من العمل بغير ما تفرضه سايكس – بيكو من أدوات أو ما تتيحه من وسائل؟
لعل منطق الإجابة يشير أنه من المستحيل على من يلجأ إلى إفرازات سايكس – بيكو أن يستعمل تقنيات مغايرة، فمن يرتضي القَسَم على الدساتير الوضعية مثلا أو يقرر الولوج إلى ساحة الفعل السياسي العلني أو ينشئ جماعة مرخصة لا بد له وأن يعترف أولا بأن لكل منظومة وسائلها وتقنياتها ومدخلاتها، ولا بد له أن يقبل بقواعد اللعبة كما تفرضها خصائص النشأة، وحينها لا تثريب عليه فيما هو ذاهب إليه من سياسات وما يترتب عليها من نتائج، لكن الاحتجاج باجتهادات شرعية أو سياسية لتبرير اختياراته هو ما يثير السلفية الجهادية التي ترى في مثل هذه التوجهات والمواقف ردّة وإرجافا وتخذيلا أو ليّا لعنق النصوص كما يقول أبو يحيى الليبي[37]، كما لا ينفع، في مثل هذه الحالات التي تستدعي موقفا شرعيا صارما، التحصن بتاريخ الجماعة وتضحياتها ولا بالثقة في رجالاتها ولا بالمراهنة على عامل الزمن ريثما تثبت صحة السياسات المتبعة وكأنه وقفٌ عليها تحبسه بسياساتها متى تشاء وتفرج عنه متى تشاء وما على الأمة إلا الانتظار أو منح الثقة بلا تحفظ! ومع ذلك: أليست السلفية الجهادية ذاتها قد خرجت من رحم سايكس – بيكو؟ فلماذا تعيب على الآخرين ما هو عيب فيها؟
إنها كذلك بالتأكيد، إلا أن الفارق بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى يكمن في تحكيم الشريعة والالتزام بها فيما يذهب إليه كل منهما في سياساته، وهو المعيار ذاته الذي يتيح للسلفية إعلان حالة الحرب على سايكس – بيكو وكل مخلفاتها بنفس القدر الذي تعلن فيه الحرب على القوى الغربية والمعادية للأمة، في حين تبدو الجماعات الأخرى قانعة بقواعد اللعبة إلى درجة تمكن أقربها للجهاد:
· من نبذ وإدانة الفكر السلفي الجهادي ووصفه بالفكر الخارجي والغريب عن الأمة؛
· بل وإنكار وجوده عبر التقليل من شأنه على مستوى الأمة[38]؛
· أو إحالته إلى قوى استخبارية أمريكية وصهيونية باعتبارها بلد المنشأ؛
· والعمل على مكافحته بما يتوافق تماما مع الأطروحات الأمريكية الداعية إلى "مكافحة الإرهاب"، وتشكيل لجان خاصة للغرض.
· بل ومحاربته بالسلاح، وإذا اقتضى الأمر التحالف الصريح والعلني مع أعداء الأمة على سحقه كما حصل في أفغانستان ويحصل الآن في العراق.
والطريف أن مثل هذه التوصيفات ذات المنحى التكفيري والتي تُرمى بها السلفية من قبل خصومها هي ذاتها التي تُتهم هي بها.


*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:06 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
رابعا: العلماء والفقهاء، أي دور؟ وأية وظيفة؟
في كتابه "مفهوم الدولة" يرى المفكر المغربي عبدالله العروي أن العلماء والفقهاء ظلوا يمثلون الرأي العام في الحواضر الإسلامية حتى أواخر العهد العثماني، وتحديدا حتى انطلاقة الدفعة الثانية من الإصلاحات سنة 1882، ومع أنهم استبشروا خيرا في توجهات الدولة العثمانية الجديدة إلا أنهم فوجئوا باستبعادهم وتهميشهم عن إبداء آرائهم في الإصلاحات أو الشأن العام واستبدالهم بالخبراء والمستشارين الأوروبيين فما كان منهم إلا الانزواء منذ ذلك الحينفلا هم دافعوا عن حقوقهمواختصاصاتهم ولا هم لملموا شتاتهم،وها هم اليوم مفككين وعاجزين عن التقرير بأي شأن عام صغر أو كبر، بل إنهم وقعوا فريسة الاحتواء والتدجين وبعضهم تسابق على التحالف مع السلطة وشرعنة سياساتها علَّه يحظى ببعض الامتيازات والحضور وبعضهم استحدث له جماعة أو فرقة وبعضهم تمرد على واقعه وواقع الأمة فاختار طريق الجهاد وقضى فيه قتلا أو أسرا أو مطاردا.
مع تقدم الوقت وانهيار الإمبراطورية العثمانية ودار الخلافة ومجيء القوى الاستعمارية الغربية وانتصاب الدولة الوطنية صرنا نلحظ تجذرا لجماعات إسلامية وفرق مختلفة ومتنوعة بعضها منحرف كالقاديانية والبهائية، وأخرى صوفية كل ما لديها من الدين الدروشة والترانيم والموشحات، وجماعات دعوية عادت السياسة واكتفت بالوعظ والإرشاد، وجماعات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وحزب التحرير، والجماعات الجهادية كتلك التي قادها الشيخ عمر المختار في ليبيا والشيخ عز الدين القسام في فلسطين. وبطبيعة الحال فإن بعض هذه الجماعات خاصة الجهادية منها اندثرت لسبب أو لآخر، وبقيت جماعات أخرى تضخمت وخرجت من حدودها نحو العالمية كالإخوان والتبليغ والدعوة والصوفية والتحرير، وعلى خلفية النشأة والاستمرارية، وقعت اصطفافات للعلماء والأتباع داخل هذه الجماعات التي شهدت صراعات داخلية على خلفية سياساتها وأيديولوجياتها أو بسبب صراعاتها مع الدولة الوطنية كان من نتائجها ظهور انشقاقات قوية تبلورت في صيغة:
· تيارات جهادية وطنية خاصة في مصر والجزائر وفلسطين ...؛
· تيارات عالمية كالقاعدة في أفغانستان والعراق ومجاهدي الشيشان وكشمير والفلبين وغيرها؛
· تيارات سلمية معارضة للدولة والحاكم تميزت بتاريخ جهادي أو قربها من الجهاد والمجاهدين إلا أنها تراجعت وباتت أقرب ما تكون إلى جمعيات ذات طابع إغاثي واستثماري كالإخوان في مصر والسرورية في السعودية؛
· تيارات إخوانية المنشأ والانتماء تحالفت مع السلطة حيث تكون كما هو الحال في أفغانستان والجزائر والعراق، وبقطع النظر عن هوية السلطة أو القوة ما إذا كانت محلية أو أجنبية غازية؛
· تيارات حليفة للدولة حملت أسماء رموزها كالمدخلية والجامية؛
· وتيارات ارتدت عن أهدافها ونشأتها ونبذت تاريخها وعقدت صلحا مع الدولة؛
· التيارات الإرجائية، وهم الذين يعتقدون اعتقاد المرجئة الأوائل على طبقاتهم ودرجاتهم، والقاسم المشترك الأغلب بينهم هو: إخراج العمل من مسمى الإيمان أي من حد الإيمان ... أي القول: بأن الإيمان هو الاعتقاد فقط، أو الاعتقاد مع القول باللسان فقط، أو المعرفة فقط.
ولا ريب أن العمل الإسلامي وفقا لصيغ التيارات المعروضة معقد خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود تيارات إسلامية أخرى ذات طابع علماني! وأخرى تعلن تمسكها بالعلمانية كما هو الحال في تركيا وثالثة تروج لما تسميه بالإسلام الليبرالي، وبالتأكيد فالأمر يزداد تعقيدا ويصبح عصيا على الفهم كلما توالت التصريحات والبيانات الصادرة عن التيارات والجماعات والعلماء والفقهاء وهي محملة بالتناقضات والفتاوى المثيرة إلى الدرجة التي يستحيل معها التصنيف والمراقبة وحتى الفهم.
ففي أي سياق شرعي، مثلا، نضع عالم يفتي بحق فرنسا بحظر الحجاب؟ أو عالم يبيح إمامة المرأة؟ أو عالم يدافع عن الأمريكيين وجرائمهم؟ أو يفتي بجواز قتال الجندي الأمريكي المسلم للمسلمين!!وآخر يفتى بأن بول بريمر ولي أمر ولا يجوز الخروج عليه؟ وعالم يفتي بعدم جواز الدعاء على اليهود لأنهم أهل كتاب!؟ ويحرم الجهاد ويكفر المجاهدين لأنهم يقاتلون في سبيل الطاغوتحسب قوله!؟ وعالم يطالب قادة المجاهدين ورموزهم بالخروج من سراديبهم وهو يعلم ما ينتظرهم؟ وعالم يدعو لدولة علمانية في فلسطين تجمع اليهود والنصارى والمسلمين ثم يتراجع ويقول دولة مدنية!؟ وثاني يجيز الصلحالمطلق مع اليهود؟ وثالث يتنكر لوجود جماعة جهادية من الأساس ويصف فكرها بالمنحرف وصنيعة الأمريكيين واليهود وفي نفس الوقت يبيح تناول المشروبات الروحية في الفنادق!؟ وعالم يفتي بجواز إرضاع الموظفة لزميلها في العمل لتجاوز الخلوة؟ وعالم يعطي الحق للمسلم بالارتداد عن دينه؟ ويرى بالصحابة أشاعرة!؟ ويقول إن عمر بن الخطاب أحول بطول ثلاثة أمتار؟ وعلماء يتساءلون عمن أجاز للقاعدة الجهاد باسم الأمة؟ وعلماء يؤيدون هذه الجماعة ضد تلك؟ وعلماء يهاجمون علماء ويجردونهم من علمهم لاختلافهم معهم في الرأي والتوجه؟ وعلماء يبترون الآيات القرآنية والأحاديث في أسانيدهم أو يقطعونها من سياقها؟ وعلماء يجهدون في تشويه الجهاد والمجاهدين ويفتون بعدم مشروعيته ولكنهم لا يبينون مرة واحدة متى يكون الجهاد فرض عين؟
كل هذا "العجب" بعرف السلفية هو ضلال مبين وتضليل وظلم للأمة وانحراف خطير في العقيدة، وعلى حد قول أبي يحيى الليبي في رده على مفتي السعودية لو صمت هؤلاء عن قول الحق لكان "خيرالهم ولنا إذ أن للحق أهله"، ولكنهم اصطفوا يدافعون عن الباطل ويشرعون له ويروجون[39] ويهاجمون الجهاد وأهله، لذا فهي تستخدم توصيفات صارمة بحق أمثال هؤلاء العلماء والوعاظ والدعاة الذين تعتبرهم ممن حجبوا قول الحق الذي أودعه الله فيهم وحرفوا وبدلوا في دين الله وتسببوا في هزيمة الأمة وقهرها وفي أحسن الأحوال هربوا من الفصل في النوازل والقضايا المطروحة إلى العموميات[40]عبر تمييع الحكم الشرعي القابل للبناء عليه، وبالتالي فلا هم إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولو اعتدلوا لتغيرت موازين القوى ومالت الكفة لصالح الإسلام والمسلمين، ولأنهم لم يفعلوا فلا بد من قول كلمة الحق فيهم والتخلص منهم باعتبارهم "علماء سوء" أو "تجار دين"، فمثلهم من يبرر أو يجادل أو يدافع عن ثقافة سايكس – بيكو ومنتجاتها، ومثلهم من يسهل عليه دعم سياسات الدولة والحاكم وتبني أطروحات الغرب في "تهذيب" الإسلام ونبذ التطرف ومحاربته، ومثلهم من أجاز غزو البلاد الإسلامية وشرّع لبناء قواعد عسكرية ضخمة على أراضيها ومنعوا أهل البلاد من مقاومتها وأحالوا أمر جهاد الدفع إلى ولي الأمر باعتباره الإماموهو الذي لم يدعُ في يوم ما إلى نفير أو شارك في جهاد، ومثلهم من يجهد في إصدار فتاوى القعود والتشكيك بالمجاهدين وصولا إلى وصمهم بالإرهاب والخوارج ودعاة الفتنة. ومثلهم من ينتصر للوطن والنظام أكثر مما ينتصر للعقيدة والأمة[41]، ومنهم من يروج لما يسميه بالإسلام الوسطي[42]المعتدل. ومثلهم من وصل بهم الأمر إلى حد السخرية من الجهاد والمجاهدين ومن كل مقدس ومحرم حتى أن بعضهم سار في ركب فتنة الجهاد والمجاهدين في ساحات مختلفة من الجهاد[43] فامتطوا ظهور الدبابات الأمريكية وشاركوا في الحكومات العميلة وشرّعوا لقواعدهم الفتك بالمجاهدين ومحاربتهم وكشف مخابئهم وإعانة المحتل عليهم، وكل ذلك تحت بند الاجتهاد!
لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذه التوصيفات التي تعج بها أدبيات السلفية الجهادية بل فيمن يصنعها، ولعل أبرز من تنبه لإشكالية من هذا النوع كان الشيخ أبا محمد المقدسي الذي خصص مؤلفا ثقيلا رفض فيه النظام التعليمي ومخرجاته برمته، وحمله مسؤولية الفشل والضلال والجهل الذي تعانيه الأمة في دينها[44] ودنياها. إذ أن هذا النظام صمم، ابتداء من المدرسة وحتى الجامعة، ليفرز شرائح واسعة من العلماء والفقهاء وطلبة العلم ذوي النزعة القطرية ممن يتمتعون بهوى وبمواصفات تميل إلى المسكنة والدِّعة والراحة ولا تأبه للجهاد والمشقة.
والثابت أن مواقف العلماء والفقهاء تجاه الأحداث الكبرى تختلط وتتناقض رغم تشابهها إلى حد التطابق، وتتأرجح بين التأييد العلني تارة للجهاد والمجاهدين وبين الخضوع لسطوة السلطان تارة أخرى وبين التطوع لعداء سافر أو الانزواء، فمن بين المواقف صدور فتاوى تدعم الجهاد في أفغانستان وتحرض عليه وتدعو للنفير لرد الاحتلال الشيوعي بما في ذلك فتاوى مماثلة ضد جرائم الشيعة في العراق وما يسمى بالمشروع الصفوي في المنطقة، ولكن ثمة فتاوى أخرى نفرَّت من الجهاد في العراق بحجة غياب الإمام والراية، وليس مفهوما كيف يتمتع الشيعي بامتياز المجاهدة ولا يكون للغازي والمحتل المعاملة بالمثل! ومنهم من أفتى باعتبار القوات الأجنبية مستأمنة في بلاد المسلمين، وآخرون أفتوا بمقاتلتهم إبان حرب الخليج الثانية.
لا شك أن مثل هذه الفتاوى تجعل من حسم الموقف مع العلماء مهمة عسيرة على السلفية الجهادية ومريرة، لكن ملاحظة تمايز بينهم على أساس قربهم أو بعدهم عن الجهاد والمجاهدين يمكن أن يسهل المهمة ويضيق الخناق على من يسميهم د. أيمن الظواهري بـ "علماء السوء" ويتيح لها الاستفادة من علمهم وتوسيع دائرة العلماء العاملين، فهم ليسوا صنفا واحدا ولا يمكن أن يكونوا كذلك، فثمة:
1) صنف جهادي عامل، التحق بساحات الجهاد وعمل بها لسنوات طويلة وما يزال على حاله، ومثل هؤلاء فقدوا كل الدنيا وما فيها وتفرغوا للجهاد في ساحاته وميادينه.
2) صنف جهادي يشرِّع للجهاد والمجاهدين ويدعم أطروحاتهم ويصدع بمواقفه غير آبه بأية عواقب، حتى أن أغلبهم يقبع في السجون أو أنه دفع حياته ثمنا لفتاواه.
3) صنف جهادي يختلف مع السلفية الجهادية وبعض نشاطاتها المسلحة في العالم. وهذا الصنف يدخل في نطاق العلماء المؤيدين للجهاد والمجاهدين إلا أنهم لا يستطيعون الجهر بأطروحاتهم، ومثل هؤلاء ممن رفضوا إدانة القاعدة في العراق خشية انقسام أهل السنة ولعدم وجود أدلة دامغة على الدعاوى المرفوعة ضدهم يشكلون في الواقعمع غيرهمصمام الأمان للمشروع الجهادي برمته رغم ملاحظاتهم الكثيرة عليه واختلافهم حتى مع رموز القاعدة.
4) صنف له تاريخ جهادي ولكنه خضع لضغوط السلطة وبات بعضه ينفذ ما يطلب منه، وأحيانا تصدر منه فتاوى غالبا ما تكون بلغة السلطة والخصوم، بل أنه أدان تاريخه بالكامل ويجهد لتبرير اختياراته ويدعو إلى الاقتداء بها.
5) صنف رسمي متذبذب ولكنه أميل إلى خطاب السلطة ولا يتوانى عن التصريح بما يطلب منه أو القيام بأي عمل يخدم سياسة الدولة وتوجهاتها بحجة طاعة ولي الأمر.
6) صنف معادي بمبادرة ذاتية منه، واشتهر بعدائه للجهاد والمجاهدين وبتمييعه للدين عبر إصداره لفتاوى متطرفة لا أساس لها من الشريعة، وبتخليه شبه التام عن قضايا الإسلام والحرب الشعواء عليه من قبل الغرب واللادينيين، ولم يعد يضيره أن يكون في صف القوة الغاشمة حيث تكون، ولا يضيره التطوع في القول دون أن يطلب منه أحد التدخل، ولا يتورع عن نصرة أعداء الإسلام عبر التقليل من إساءاتهم وتهجماتهم على الإسلام كعقيدة ودين وعلى المسلمين، ومثل هؤلاء تسميهم السلفية الجهادية بـ "المنافقين".
7) صنف يوصف بالقصاصين المنبوذين في التاريخ الإسلامي، وهؤلاء قدموا الدين كما لو أنه
قصص وحكايات على حساب الحكم الشرعي مبتعدين طواعية عن قضايا الأمة، ومثل هؤلاء جاهروا بعدائهم للجهاد والمجاهدين وسخروا منهم، وهم مَنْ فتحت لهم الأبواب وأجيز لهم التنقل بين أرجاء العالم واستخدموا في إلقاء المحاضرات وعقد الندوات مبشرين بالإسلام الحضاري والمعتدل، بل أن بعضهم منح الجوائز والألقاب.
وفقا لهذه التصنيفات فمن السهل معرفة جبهة المجاهدين والمناصرين من العلماء والفقهاء وجبهة المخالفين والأعداء منهم، على أن السمت الرئيس في العلاقة ما بين العلماء والسلفية الجهادية يبقى مركزا على وجوب الالتزام بثنائية "العلم للعمل"[45] لأنه لا قيمة لعلم دون عمل (= الجهاد والصدع بالحق)، ولا قيمة لعلم يوظفه حامله لإلحاق الأذى بالأمة، ولا قيمة لعلم الولاء والبراء فيه لسايكس - بيكو.غير أن للعلماء والفقهاء أكثر من نقطة قوة تشكل بالنسبة للسلفية الجهادية نقاط ضعف كبيرة والعكس صحيح، أبرزها:
· طلبة العلم[46]
بعض هؤلاء غالبا ما يتسببون بإثارة الخلافات والانقسامات ويشيعون الأحقاد والضغائن إما بسببضعف علمهم أو تعصبهم لمشايخهم وإما لأنهم يتلقون علوما شرعية فيها اجتهادات متنوعة لقضايا حساسة أو حتى بسيطة بحيث يحل الاجتهاد بديلا عن النص وسعته، وبديلا عن أية اجتهادات أخرى، وإما لأنهم ممن تأخذهم العزة بالإثم فيتصدرون قبل أن يتأهلوا ويتنمرون[47] بما يعتقدون أنه سلطان العلم.
· الحصانة
من البديهي أن يتمتع العالم أو الفقيه بعلم شرعي مرموق، ومن الطبيعي أن يستمد هيبته أو حصانته من الرصيد العلمي الذي يتمتع به، ولكن الإشكال يكمن في النظر إلى العالم وكأنه يتمتع علاوة على حصانته العلمية بحصانة شرعية تجعله معصوما[48] من الوقوع في الزلل والخطأ، وللمسألة أكثر من مشهد نورد بعضها:
1) مشهد عالم من المفترض أنه موثوق يفتي في نازلة على نحو مخالف لما هو مألوف أو مفاجئ فتكون الردود متوافقة مع الفتوى أو متحفظة بحجة أن العالم لا يرد عليه إلا عالم وهذا موقف منطقي، لكن مقولة " اتقوا لحوم العلماء فإن لحومهم مسمومة" حدث فيها مبالغة وتعسف في استعمالها فيما يبدو، وباتت كالسيف المسلط على من يعارض الفتوى أو ينتقدها خاصة ممن هم أقل درجة وكأن ما يحق للعلماء، حتى لو كان فيه اعوجاج، لا يحق لغيرهم وإن أصابوا.
2) مشهد عالم راسخ في العلم، وخدم في علمه العقيدة والدين والمسلمين وانتشرت كتبه وفتاواه حتى بلغت أقاصي الأرض وباتت مراجع أساسية كبرى يتدارسها العلماء والطلبة على حد سواء ويرجع لها في الحكم على النوازل، لكن مواقف هذا العالم في قضايا سياسية وشرعية كبرى كالجهاد والحاكمية والقوى الأجنبية وغيرها مما يلتبس على العامة والخاصة إما أنها قريبة من السلطة أو متطابقة معها أو مختلطة أو ذات معايير مزدوجة، هذا النوع من العلماء ممن ذاع صيتهم بين الأمم غالبا ما يتسببون بانقسام الأمة التي تنتظر القول الفصل على ألسنتهم ثقة بسعة علمهم، ومع ذلك يصعب الطعن بهم دون ثمن باهظ، بل يحظون بالتماس العذر حتى من أتباعهم فيما لو ثبت عليهم من الزلات ما هو عظيم الأثر. فمن يجيز الصلح مع اليهود سيكون أقرب إلى الحث على التفتيش عن وسائل السلامة معهم من قربه إلى وجوب قتالهم. وأخطر ما في فتاواهم أنها لا تأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن. فمن يجيز الصلح الدائم (التطبيع) مع اليهود مثلا عليه أن يعرف مقدار صمود الفتوى ومدى مطابقتها للشريعة وإلا ففي حال سقوطها فالمشكلة ستكون وبالا على الأمة خاصة وأنها ستغدو سابقة يقاس عليها ولو بعد ألف عام بحجة أن راسخا في العلم أفتى في يوم ما.
3) مشهد عالم حتى لو كان عاملا إلا أن تلامذته يتبعونه فيما يذهب إليه من أقوال وأفعال ومذاهب، ويحيطونه بهالة من القدسية والعظمة. فإذا التحق بالجهاد لحقوا به وإذا قعد عنه قعدوا معه وإذا نكص على عقبيه نكصوا معه وإذا أخطأ التمسوا له ما لا يلتمسون لغيره من الأعذار، وبما يفيض عن حاجته، أما صعوبة التعامل مع هذه الحالة فتكمن في تلامذته ومريديه الذين يشكلون بالنسبة له، شاء أو أبى، ما يشبه الحصانة بحيث يترصدون كل نقد يصيبه أو نصيحة توجه له. وفي هذه الحالة التي يُنتظر فيها من العالم أن يحمي الأمة والدين نراه حين ينزلق يحتاج إلى حماية من أتباعه ويركن إليهم!
4) مشهد عالم لا يعنيه الموقف الشرعي فيبرر التعامل الصريح لجماعته أو حزبه مع العدو أو إعانته بمجرد اجتهاد سياسي قد يصيب وقد يخطئ رغم ما يتسبب فيه مثل هذا الموقف من انقسام في الأمة وتضليل للعامة، والإشكال أن هذا العالم يجر معه القاعدة إذا ما كان في موقع القيادة. والأسوأ أن أغلب مكونات القاعدة تلحق به وتدافع عن خياراته كما لو أن مرجعيتها الحزبية أقوى من أية مرجعية أخرى بما فيها الشريعة.
وحقيقة فالمشاهد كثيرة في هذا السياق، وغالبا ما تفشل المناقشات والردود ومحاولات بيان الموقف الشرعي في تحقيق أية نتيجة تذكر حتى لو احتمت السلفية الجهادية بنصيحة الإمامين أحمد بن حنبل وابن المبارك[49] أو احتجت بعقيدة الولاء والبراء أو بمقولات من نوع: "الحق يعرف بالحجة ولا يعرف بالرجال" أو "كل قول يؤخذ منه ويرد إلا قول رسول اللهصلى الله عليه وسلم "، فالخلاف قد يطال أهل الثغور أنفسهم مثلما يطال الحق نفسه دون أن تسلم عقيدة الولاء والبراء من الاجتهاد وحتى الطعن.
لكن نقطة القوة لدى السلفية الجهادية تكمن في دعوتها المفتوحة والمستمرة للعلماء للالتحاق بساحات الجهاد بدلا من إصدار الفتاوى التي تطعن في الجهاد عن بعد. وحجة السلفية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الجيش الإسلامي في غزواته وفتوحاته ولم يكن متخلفا في يوم ما، كما أن الصحابة والعلماء من بعدهم كانوا على الدوام في صفوف الجيش. إذ هو واجب شرعي أولاعلى كل المسلمين علماء وعامة، فضلا عن أن ساحات الجهاد لا تخلوا من أخطاء، والمجاهدون كغيرهم من البشر ليسوا معصومين فيمكن أن يصيبوا أو يخطئوا، وبدلا من التجرؤ عليهم كان من الأولى بالعلماء ألا يفارقوا الجهاد والمجاهدين ويفتوا في أمورهم عن بينة، وأن يكونوا عونا لهم لا عليهم، وحينها يمكن محاصرة الفتن ووأدها في مهدها عبر بيان الحكم الشرعي بناء على الظروف والواقع وليس عبر الاستماع من هنا وهناك وما يترتب على ذلك من قصور في الصورة وربما تجني من طرف على آخر[50]. غير أن مثل هذه الدعوات التي تتكرر في كثير من خطابات رموز السلفية الجهادية وتعج بها كتاباتهم بصورة كثيفة للغاية[51] لم تلق آذانا صاغية بالشكل المرجو الوصول إليه حتى الآن، بل أنها تلقى تجاهلا وصدودا وبعضها لا تخلو من ريبة وهي تطالبهم بـ "الخروج من سراديبهم لمباهلة العلماء ومجالستهم"! [52].

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:09 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
المحور الثاني: صناعة القيادة

خصصت أمريكا عشرات الملايين من الدولارات للقبض على خصومها من السلفية، فكان نصيب بن لادن والظواهري 25 مليون دولار لكل منهما ثم 50 مليون لبن لادن والزرقاوي 25 مليون والسوري 5 مليون ... ولا شك أن المكافئات تتوالى بسخاء لمن يدلي بأية معلومات تؤدي إلى اعتقال أو قتل قادة القاعدة. فالولايات المتحدة تعتقد كما غيرها أن تصفية الرموز يمكن أن يؤدي إلى انهيار التيار الجهادي وربما اندثاره أو على الأقل تخريب مخططاته لسنوات طويلة وضربه في الصميم. ولكن لأننا نعتبر أن الظاهرة غير مألوفة فمن الطبيعي أن تكون سبل المواجهة التقليدية معها غير مألوفة وإلا فهي أقرب إلى الفشل من أي نجاح محتمل. أما لماذا؟ فلأن هذا هو بيت القصيد.
ففي حين كَلّ رموز القاعدة وكبار كتابها ومفكريها من الحديث عن القيادة إلا أن البحث العلمي في المسألة ظل راكدا على نحو مريب، ولعل في المسألة ما يبرر العزوف عن التصدي لها، ذلك أن في الأمر صعوبات وتعقيدات غير مألوفة. فلمن يتوجه البحث؟ وفيمن يبحث؟ وأية آليات يمكن سلوكها؟ وعن أي نمط من القيادات يمكن أن نفتش؟ وكل ما لدينا جماعة تقول أن منهجها هو الشريعة؟ أليست الشريعة هي منهج الجماعات الإسلامية كافة؟ فما هو الجديد إذن؟ وأين التميز في الأطروحة السلفية؟
إذا اعتبرنا الأطروحات الواردة في المحور الأول من المسلمات، وهي كذلك بما أنها تنطق بلغة السلفية الجهادية وجوهرها، فالجديد والتميز يكمن في مسألة الراية من جهة وفيمن يرفعها من جهة أخرى، وهما وجهان لعملة واحدة. والسؤال هو: أي نوع من الرايات أو القيادات ستحمل تميزا عما سبقها؟ وبأي محتوى وشروط؟

أولا: الراية، للأمة؟ أم للجماعة؟
منذ مائتي عام أو أكثر فقدت الأمة رايتها فخسرت ما لم تخسره أمة من الأمم في تاريخها، خسرت وحدتها وهويتها وخلافتها وبعض أوطانها وثرواتها وكرامتها وصارت مرتعا خصبا للقوى الصائلة، فما من دولة قادرة على حماية نفسها وما من نظام سياسي بمنأى عن التهديد أو الإطاحة به وما من جيش صمد في معركة صغيرة أو كبيرة وما من أمن يخيم عليها، فالكل مستهدف والكل ضعيف حتى الفرد بات مكشوف الظهر في بلاده وخارجها.
لو استطلعنا بعض دول العالم لوجدنا في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا وأمريكا والمكسيك والبرازيل والصين وغيرها من البلدان راية واحدة حتى لو كان في كل منها ألف حزب، فالانجليزي إنجليزي والفرنسي فرنسي والإيطالي إيطالي أما العربي فيمكن أن يكون مصريا وسعوديا وفلسطينيا وتونسيا ويمنيا وسوريا وعراقيا، وهذا الأخير يمكن أن يكون شيعيا وسنيا ونصرانيا ومسلما وأرمنيا وعربيا وكرديا وابن الرافدين وجنوبيا وشماليا وبعثيا ووطنيا وإسلاميا وعلمانيا ومعارضا ومواليا وقس على ذلك بقية البلدان. فكم من الرايات رُفعت؟ وكم من الرايات ووليت؟ وكم من القيادات انوجدت؟
ولما يجتمع العرب على عدو، وهم في رحاب سايكس – بيكو، فهل يمكن تصور كم من الأيديولوجيات والرايات تُرفَع؟:
على الصعيد المحلي ثمة:
· الماركسية بأنواعها اللينينية والستالينية والماوية والتروتسكية والفيتنامية والكوبية؛
· والإسلامية بأنواعها الإخواني والصوفي والدعوي والتحريري والجهادي والسلفي الرسمي؛
· والوطنية بأنواعها الثورية والسلمية والشعبية والشخصيات الوطنية والوجهاء والأعيان والقبائل والعشائر والحمائل والعائلات الكبرى والطوائف والأديان والمذاهب والإثنيات!؛
· والقومية بأنواعها الرجعية والتقدمية والاجتماعية والجماهيرية؛
· والرسمية بمؤسساتها من رأس الدولة مرورا بالجامعة العربية حتى البرلمانات والنقابات؛
وعلى الصعيد الدولي فالرايات تُرفع بحسب الطلب فتارة تكون:
· راية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والشرعية الدولية؛
· وتارة تكون الأصدقاء والشرفاء والأحرار في العالم والمنظمات غير الحكومية؛
· وتارة يكون الاتحاد السوفياتي والصين وحركة عدم الانحياز وحركة التضامن الأفرو - آسيوية وهلم جرا.
كل هذه الرايات التي صنعها الغرب أصلا ولا يحتاجها إطلاقا تشبه مؤسسة في دولة فاشية يذهب إليها مواطن ليقضي فيها حاجته فينجح مرة ويفشل عشرات المرات وقد لا ينجح إلا بانتزاع الوعود الكاذبة من السماسرة تماما كما هو حال القضية الفلسطينية التي لم تنجح بانتزاع أو تطبيق قرار واحد منذ وجدت.
والعجيب أن الرايات الوطنية والأيديولوجيات العلمانية والإلحادية نجحت في مواطن نشأتها بينما فشلت في البلاد العربية. فقد نجحت في أغلب الثورات الآسيوية وفي الصين والهند وروسيا وأوروبا، وفقط في العالم العربي فشلت، ورغم الفشل الذريع والهزائم المنكرة التي يتلقاها العرب والمسلمون على يد القوات الأمريكية والصهيونية وأحلافهما منذ عقود ثمة من يتمسك بعدْ بالرايات القطرية والقومية واليسارية وحتى الإسلام الوطني الذي غدا أقرب ما يكون إلى الأيديولوجيا! وهي في طريقها إلى التعليب، ولم يسأل سائل: لماذا نفشل دائما حيث ينجح الآخرون؟ فلا راية اهتدت إلينا ولا نحن اهتدينا إليها. ببساطة: من يستطيع جمع الأمة على راية واحدة من هذه الرايات[53]؟ ولماذا لم تجتمع طوال عقود عليها أو على واحدة منها؟ فهل من السنن [54] أن نفشل؟ أم أن الإسلاميين بالذات هم من فشلوا حين خالفوا السنن فيما نجح غيرهم؟
بالتأكيد ليست الراية عند السلفية الجهادية مجرد قطعة قماش مطرزة بألوان تميزها عن غيرها من الرايات، وليست محض رموز تشحذ الهمم، بل هي مضمون جرى انتزاعه وتمزيقه شر ممزق، وجوهر حضاري تم تفكيكه، ورسالة سماوية جرى تعطيلها وعقيدة مغيبة ودين محارَب وأمة مفتتة غدت كغثاء السيل، وحرمات منتهكة، وعدالة مسلوبة وظلم واقع ... الخ إنها باختصار إشكال وجودي يجعل من الإسلام والمسلمين في مهب ريح القوى العظمى ما لم يتم تدارك الأمر. ولكن من هو المعني بالراية؟ ومن هو عدوها؟
من الأهمية بمكان ملاحظة أن جماعة ترفع راية التوحيد لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تقبل بوجود رايات علمانية من أي نوع كانت وإلا فلا مبرر لرفعها أصلا. لذا فالسلفية الجهادية، برفعها راية التوحيد، يعني أنها تحررت من كافة الأطر الحزبية والتنظيمية والمؤسساتية والجغرافية الضيقة[55] وتحصنت في أطر لا تتسع لها السموات والأرض، وبالتالي إذا لم يكن من مجال لحضور سايكس – بيكو ومشتقاتها فلا مجال لتجاهل التوحيد حيث يحضر ويكون [56]. وعليه تجهد السلفية في التركيز على تمييز رايتها باعتبارها راية الأمة لتلغي كل الحدود الجغرافية والجنسيات والملل والنحل مستعيضة عنها بأمة التوحيد أينما كانت وتواجدت. وفي مثل هذه الحال فالراية هي راية المسلم الشيشاني والكشميري والباكستاني والعربي والآسيوي والأمريكي والأوروبي والأفريقي وحتى المسلم المريخي إن وجد، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
الطريف في مسألة الراية المرفوعة هذه ليس التشكيك بسلامتها إنْ كان بها من اعتراف أصلا من قبل الخصوم. بل بإنكار بعض العلماء لها، ونسبة مجاهديها لمن "يقاتلون في سبيل الشيطان"[57]! أو التصريح بأنهم "عملاء للاستعمار والصهيونية العالمية"[58] ، أو أن "بن لادن إنسان تافه"[59]! ولا شك أن مثل هذه الفتاوى والتصريحات تندرج في سياق الخصومة مع السلفية الجهادية أكثر من اندراجها في أية سياقات موضوعية ناهيك عن اندراجها في أية سياقات شرعية أو حتى ذات طابع شرعي[60] . إذ أن مثل هذه التصريحات والفتاوي تعني أن الراية غير موجودة أو على الأقل غير صحيحة وبالتالي فلا جهاد جائز ولا مقاومة ممكنة؟ وتعني بقاء التساؤلات المطروحة بلا إجابة: ما العمل إذن؟ هل يجدي القعود والأمة في حطام؟ وهل يجدي الطعن في الجهاد والمجاهدين وتكفيرهم بينما العدو يصول ويجول في أفغانستان والشيشان وفلسطين والعراق والصومال وقواعده العسكرية رابضة على أجزاء من البلاد ثم يقال هؤلاء موجودون في إطار المعاهدات والاتفاقات الثنائية؟ هل تستطيع دولة أن تمنع الأمريكيين من استخدام أراضيها ومطاراتها في ضرب أية دولة أخرى من المفترض أنها شقيقة أو صديقة؟ هل من العقلانية والمنطق أن يجتهد بعض العلماء في الطعن بالجهاد الحاصل ولا يجتهدون في بيان سلامته؟ أو متى يكون صحيحا ومتعينا؟
كل هذه التساؤلات وغيرها ستظل بلا إجابة، وإلا فما هي الإجابة التي يحصل عليها العامة، مثلا، لما يفتي عبد العزيز آل الشيخ بأن المجاهدين يقاتلون في سبيل الشيطان أو الطاغوت؟ فمن هو الطاغوت المقصود؟ وما هي مواصفاته؟ وإذا كان الأعداء الصائلين ممن فتتوا الأمة واحتلوا أرضها ومزقوا نسيجها الاجتماعي ونهبوا ثرواتها ودنسوا مقدساتها ليسوا من الطواغيت فمن يكونون إذن؟ وما علاقة طاغوت الفتوى بطاغوت القوى الغازية؟ أم أن هذه القوى ليست من الطواغيت؟ ثم كيف اتضحت هوية من "يدعوا الجهاد" عقديا وفكريا وسلوكيا بينما لم تتضح هوية طاغوتهم الذي يقاتلون في سبيله؟ ونفس الأمر ينطبق على تصريحات الرئيس اليمني. فالمرء يحتار فعلا حين تخرج تصريحات بهذا المستوى من العجب. فقد يمكن تفهم اتهام الظواهري وبن لادن بأنهم عملاء الاستعمار والصهيونية العالمية وهو ما يحلو للبعض التغني به وكأنه من المسلمات، ولكن من هي المخابرات الدولية التي فشلت في إلقاء القبض عليهما إن لم تكن تنتمي إلى القوى الاستعمارية والصهيونية؟
على كل حال فرغم أن مرحلة الجهاد الأفغاني الأول أكد على عالمية الإسلام والجهاد والقضايا الإسلامية إلا أن راية السلفية الجهادية لم تكن قد تبلورت بعد بهذا الوضوح الذي نعيشه إلا مع انطلاقة المرحلة الثانية على يد حركة طالبان التي استضافت رموز وقادة القاعدة. وبقطع النظر عن خلفية ما يروجه البعض من الجماعات والكتاب فيما يتعلق بالتوجه الجديد للسلفية الجهادية نحو العالمية فإن الإعلان المدوي عن تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين" سنة 1998 كان له القول الفصل في:
(1) إظهار الراية للأمة خاصة وأن الرايات الأخرى إما أنها تراجعت وإما أنها سقطت؛
(2) إعادة التأكيد على هوية أعداء الأمة ردا على من بات يعتبرهم أصدقاء أو حلفاء أو أمرا واقعا.
وبالتالي تحديد وجهة الراية عبر الجمع بين اليهودية العالمية بما فيها إسرائيل والقوى الغربية الصليبية باعتبارها القوى الصائلة في بلاد المسلمين. أما خلفيات هذا التحديد فيقع في السياقات التالية:
· الربط بين المساجد الثلاثة باعتبارها جزء من العقيدة والدين لا مجرد مباني خاصة. ولأن السلفية تعتبر المساجد الثلاثة منتهكة الحرمات ومدنسة خاصة مع وجود القوات الأجنبية في الجزيرة العربيةوما تراه السلفية موالاة الحكومة المحلية لها، فضلا عن الخطر المحدق في المسجد الأقصى فمن الأولى والأوجب النظر إليها قضية واحدة لا تتجزأ ولا يجوز تجزئتها. ولعل أهمية الربط تكمن فيما تحمله المساجد الثلاثة من رموز دينية وعقدية يمكن للأمة أن تجتمع عليها.
· إن انهيار الخلافة وتقسيم الوطن العربي وتفتيت الأمة واغتصاب فلسطين وضياع العقيدة لم يكن بفعل الصهيونية وحدها بل بفعل تحالف عالمي معادي للأمة برمتها ولدينها وعقيدتها وطامع في ثرواتها ومهدد لمصيرها، وبالتالي فلا يمكن هزيمته إلا بتحالف إسلامي مضاد تشارك فيه كل الأمة وليس بعضها. على أن يتخذ صيغة جهادية لا صيغا سياسية أو إعلامية أو حزبية على شاكلة منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية أو الوحدة الوطنية، فما من أحد يتحدث اليوم عما تسميه السلفية بدعوات جاهلية: "دعوها إنها منتنة".
· إن نجاح التحالف العالمي باختراق الجدار الإسلامي وتهديده من الداخل هي حوادث استخدمت فيها القوة المسلحة الغاشمة والجبارة، ومقاتلته لا تكون إلا باستنفار الأمة وتجنيدها لمقاتلة العدو الصائل عبر إحياء وتفعيل فريضة الجهاد التي أصبحت فريضة متعينة وليست فريضة كفاية.
· ضرورة إحداث التوازن[61] في المواجهة بين الغرب (الكافر) والإسلام (المؤمن) بحيث يتحقق مقصود الآية الكريمة:{إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} (النساء، 104)، لذا فإن 11 سبتمبر جاءت لتؤكد على وجوب أن يألم العدو في دياره كما يألم المسلمون في ديارهم، أو بصيغة د. عبد الله النفيسي نقل المعركة من الأطراف إلى المركز[62].
لهذه الأسباب وغيرها تبدو الأمة بحاجة إلى راية تجتمع في ظلها بحيث تكون المعادلة أمة مقابل أمة وراية مقابل راية أو فسطاط إيمان مقابل فسطاط كفر على حد قول أسامة بن لادن[63] أو الظواهري في شريطه "حقائق الصراع بين الكفر والإيمان". لكن من الأهمية بمكان ملاحظة التطور المستمر في محتوى الراية لدى السلفية الجهادية، وفي هذا الإطار يمكن رصد أكثر من حدث يؤشر على تضخم مضطرد في "فسطاط الإيمان" نثبت منه ما يلي:
1) تَنَبُّه الجماعة الإسلامية المقاتلة في وقت مبكر، إلى ضرورة الانضواء تحت راية واحدة والحيلولة دون ظهور جماعات جهادية أخرى مستقلة، في ليبيا، خشية تشتت الجهد وضياع الراية[64]. لكن حين كانت الجماعة في أفغانستان لم ترغب في الاندماج بالقاعدة لا لموقف ممانع أو مشكك بل لخشيتها من تجمع المجاهدين في مكان واحد بحيث يسهل توجيه ضربات قاتلة لهم وهو ما أقر بصحته أبو مصعب السوري لاحقا في أعقاب الهجوم الأمريكي والمجزرة التي تعرض لها المجاهدون [65]خاصة في قلعة جاجي.
2) وفي هذا السياق بالذات من وحدانية الراية من الأهمية التوقف عند حالة الجزائر، فالجماعة السلفية للدعوة والقتال لم تندمج في تنظيم القاعدة كما يفهم من وسائل الإعلام أو الكثير من الكتاب، كما أنها لم تبدل اسمها باسم آخر ولو أنها أصدرت إشعارا بتغيير الاسم لاحقا على بيان البيعة[66]، بل أن ما جرى هو إعلان صارخ عن إنشاء قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي بهدف توحيد الراية في كافة المناطق المغاربية كبديل عن التشتت، لذا لا معنى لاستبدال الاسم خارج الدلالات التي يقع فيها، ولا معنى للاندماج خارج المقاصد التي يرمي إلى توضيحها والسعي إلى تحقيقها، وهو ما يؤكده بيان البيعة: "إن ضراوة الحرب، وقساوة الوضع وتكالب الأعداء على المسلمين وتحالفهم عليهم، وشدة بطشهم والتنكيل بهم يتطلب من المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا أن يواجهوا التكتلات بالتكتلات, ويتصدوا للأحلاف بالأحلاف, ويقابلوا حشد القوة بحشد القوة ويكسروا الوحدة بالوحدة.فالولايات المتحدة الأمريكية لا يكسر شوكتها إلا الولايات المتحدة الإسلامية وأمّا التشرذم والتشتت والتفرقفإنه لا يهزم عدوا ولا يسترجع حقا ولا يردع ظالما ولا ينصر دينا ولا يرفع راية".[67]
3) من يراقب خطابات رموز السلفية الجهادية سيلاحظ بلا أدنى شك أن القاعدة لم تعد إلا واحدة من أدواتها الضاربة، وعلى هذا فليس صحيحا ما يشاع أن القاعدة تحتكر الجهاد وبالتالي تحتكر الراية. بل أن الجماعات السلفية الجهادية في العراق ليست لها أية علاقة تنظيمية بالقاعدة إلا في إطار دولة العراق الإسلامية وما تفرضه وحدة الراية وضرورات التنسيق الميداني فيما بينها، والأهم أن السلفية، بهذا المعنى، تكون قد تجاوزت مرحلة الراية التنظيمية نحو راية التوحيد، ومن يعتقد بخلاف ذلك فهو أبعد ما يكون عن فهم مقاصد خطابات السلفية التي لم يرد على لسان أي من رموزها ولا في نشراتها ما يدعو إلى الالتحاق بالقاعدة، ولنا في ذلك أكثر من مثال:
· دعوة بن لادن والظواهري في أشرطة صوتية ومرئية إلى دعم المحاكم الإسلامية في الصومال والثناء عليها وهي ليست من القاعدة.
· دعوات الظواهري المتكررة لأبناء الجماعات الإسلامية كي يقاتلوا تحت راية التوحيد إذا ما أخلت جماعاتهم بشروط الحاكمية وعقيدة الولاء والبراء وبالأهداف التي وجدت من أجلها، وليس مهما الانخراط في تنظيم القاعدة[68] طالما أن الراية هي راية التوحيد. وهذا يؤشر إلى حد كبير على أن خطابات الظواهري لا تتوجه إلى الجماعات الإسلامية بغرض إدانتها أو استقطابها نحو القاعدة أو التيار السلفي الجهادي بقدر ما هي دعوة أو نصح لتصحيح ما تعتبره انحرافات في عقائدها[69] خاصة وأن هذه الجماعات هي رصيد للحركة الجهادية العالمية وليست عدوا يراد له الهزيمة.
· الجماعات المقاتلة في الشيشان وآسيا الوسطى وكشمير وأندونيسا والفلبين وفتح الإسلام وجيش الأمة وطالبان كلها تقاتل تحت راية التوحيد دون أن تكون لها أية روابط تنظيمية مع القاعدة، وليس أدل على ذلك من أن العمليات المسلحة لها تنفذ بمبادرة ذاتية منها دون أن تكون للقاعدة أية علاقة بها، وكذا جماعة أبو سياف في الفلبين التي تستنجد بالسلفية الجهادية باعتبارها تحمل نفس الراية وتسعى لتحقيق نفس الأهداف[70].
· رغم الاتصالات بين القاعدة وأبي مصعب الزرقاوي فلم تكن جماعة التوحيد والجهاد التي تأسست في وقت مبكر من احتلال العراق على صلة بتنظيم القاعدة، حتى أن بعض المراجع تشير إلى خلافات بين الزرقاوي وبن لادن نفسه لما كان الأول في أفغانستان فيما يتصل بالموقف من التحالف مع طالبان. وبعد ذلك أعلن الزرقاوي عن مبايعته لبن لادن بتاريخ 8/1/2004 وما تبعها من شريط للشيخ أسامة يثني عليه ويعلن تعيينه أميرا لـ "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"[71] ثم جرى الإعلان عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين (أكتوبر/تشرين الأول 2005). بل أن الأمر تطور ليصل إلى مرحلة حلف المطيبين (13/10/2006) ثم إعلان دولة العراق الإسلامية (15/10/2006) التي أصبحت تضم العديد من جماعات مجلس الشوري ومن بينها تنظيم القاعدة الذي اختفى ذكره في العراق لصالح دولة العراق الإسلامية التي تضم الآن عشرات الجماعات والتنظيمات السلفية الصغيرة منها والكبيرة.
إلى هنا يمكن القول أنه بالإمكان الاختلاف مع السلفية الجهادية تحت سقف التوحيد، وهو اختلاف طبيعي بما أنه يعبر عن وجهات نظر واجتهادات شهدت عليها متون أبي مصعب السوري خاصة خلال المرحلة الثانية من الجهاد الأفغاني رغم ما أحدثته من أضرار، لكن ما هو موضع حظر مطلق عندها هو الاختلاف على التوحيد ذاته بوصفه تعبيرا عن الراية ومقصد المقاصد. فهنا تقف السلفية موقفا حازما، أيا تكن تداعياته، من كافة القوى والجماعات فيما يتعلق بقيادتها للراية[72] بوصفها راية الأمة وراية الجهاد العالمي التي لا يمكن التفريط بها أو وضعها بأيد غير أمينة.
ففي مقابلته مع مركز اليقين الذي أنشئ حديثا يقول الشيخ عطية الله: "أن الحركة الجهادية العالمية والناصعة المنهج، التي أعبّر عنها كثيرا بـ "حركة الجهاد والتوحيد والسنة" ويعبّرون عنها بالحركة السلفية الجهادية، (هي) الحركة الجهادية المحققة للولاء والبراء، و(هي)التي يمكن ائتمانها فعلا على راية الجهادِ"[73]، أما، وبحسب سؤال مركز اليقين[74]،"ما هي الأيدي غير الأمينة هذه؟" فيستشهد الشيخ عطية الله بأقوال أبي عمر البغدادي في أحد خطاباته[75]: "أمة الإسلام، لقد عزمنا ألا نكرر المأساة وأن لا تضيع الثمرة، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، لكن يبدو أنه آن الأوان للشيخ عطية الله كي يفصل ما كان البغدادي قد أشار إليه ضمنا ويضع فيه النقاط على الحروف بلا تحرج:
· إنهم: " أناسٌ يريدون أن يقودوا الجهاد والحركة الجهادية، وأن يمسكوا بزمام الأمور وتكونبأيديهم الراية، لكن ليس عندهم المؤهلات لذلك، ونحن نعرف ذلك، والحركة الجهادية تعرف ذلك جيدا ... ؛
· أناس من داخل إطار ما يسمى المقاومة أو حتى إن سمّي جهاداً، طارؤون وجُدد على الجهاد وعلى طريق الجهاد، وعلى فقه الجهاد وعلى منهج الجهاد يفتقدون إلى الرسوخ، ومتقلبون، ولم يوضعوا على المحك الحقيقي ولم تنجبهم الأيام الصِعاب، بل أنجبتهم ظروف وأحوال أشبه ما تكون بـ "الاتفاقية" ... وُجـِـدوا فيها ووجدوا أنفسهم فيها قيادات، هؤلاء كيف يمكن للحركة الجهادية أن تأتمنهم على الراية!؟
· أناس من خارج المنظومة الجهادية أصلا (خارج عن كل ما يسمى جهاد وحتى مقاومة) ويريدون أيضا أن يقودوا الأمة ويقودوا الحركة الجهادية عن بُعدٍ ويفرضوا أنفسهم كقيادة لا يمكن تجاوزها"؛
وبأكثر صراحةً وحسما:
"(1) لن تقبل الحركة الجهادية اليوم بعد هذا الوعي والنضج وهذه التجارب وهذه المعاناة، أن تسلّم القيادة للإخوان المسلمين أو مَن قاربهم وشابههم، هذا واضح، وأرجو أن تكون عبارتي واضحة لا تحتاج إلى كبير شرح وتحرير.!و (2) لن تقبل الحركة الجهادية أن تسلم القيادة لأناس أخلاط من الفكر الإخواني والبعثي والوطني والقومي وغيره، لم يُمحّصوا جيدا، ولم يحصل الوثوق بهم جيداً ... بل سقط بعضهم في امتحانات شهرية ونصفية..!و (3) لن تقبل الحركة الجهادية أن تسلم الراية لأناس يعيشون متنقلين بين أفخم الفنادق في دول الردّة مرضيّاً عنهم من حكومات تلك الدول، يعقدون المؤتمرات علنا عندهم، ويشاركون في اللقاءات والاجتماعات الطاغوتية ويُعانقون الطواغيت وأئمة المرتدين بالأحضان، ويقبّلونهم ويبشون في وجوههم بشاشة الأخ الودود، ويظهرون لهم المودة، ويُثنون عليهم وعلى جهودهم ويرجون فيهم الخيرَ، ويستنجدون بهم ويرونهم جزءاً من الحل، ويعتبرونهم إخوة...!"

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:14 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
ثانيا: القيادة، مواصفات وشروط
لعل السلفية الجهادية يمكن أن تنجح أو تفشل في تحشيد الأمة من حولها، لكن القول بأنه يمكن القضاء عليها عبر القضاء على رموزها قتلا أو اعتقالا فهي مسألة أبعد ما تكون عن الحقيقة. فالأمة مقبلة على نمط جديد من التفكير والعمل غير مسبوق ولا مألوف، والثابت أن السلفية تجاوزت مرحلة التصفية أو الإبادة، ولو كان لمثل هذا الأمر أن يجدي لنجحت الولايات المتحدة فيه منذ غزت أفغانستان وأعملت قتلا في قيادات السلفية وكوادرها وعناصرها من شتى أنحاء العالم سواء كانوا من القاعدة أو من طالبان أو من أية جماعة أخرى تواجدت على الساحة الأفغانية أو الباكستانية. ونكاد نجزم أنه لو تعرضت دولة أو جماعة أو حزب لما تعرضت له السلفية الجهادية في أفغانستان أو الشيشان على يد الروس وما تتعرض له في العراق لما بقي لها أثرا يذكر. وعلى العكس من ذلك أعادت طالبان بناء قوتها ولملمة شتاتها وها هي تخوض حربا ضروسا ضد قوات حلف الأطلسي في أفغانستان، أما القاعدة فقد
نجحت في فتح جبهات أخرى ودعمت قوى سلفية ضاربة في عدة بلدان إسلامية وظهرت دولة العراق الإسلامية ونشطت معها القوى السلفية الأخرى من أنصار السنة وجيش الراشدين وأبي بكر الصديق حتى عصائب العراق فضلا عن الكتائب السلفية الأخرى، واختفى رمز الجهاد العالمي ليزيد الطين بلة فاستقال مايكل شوير رئيس وحدة مطاردة بن لادن بعد أن فشل في القبض عليه أو تصفيته، وأقر أحدث التقارير الاستخبارية السرية للولايات المتحدة نقلا عن مجلة النيوزويك الأمريكية بأن القاعدة تضخمت وأنها غدت أقوى من أي وقت مضى منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وأنه من المستحيل القضاء عليها دون تعاون الحلفاء[76]! ترى ما هو السر في قوة السلفية الجهادية وقياداتها؟
فضلا عن وضوح خطاباتها فما من تميز للسلفية بأقوى من قدرتها على صنع القيادات وإنتاجها. فهي عملية معقدة لا يبلغها إلا من بلغها بشروط لا يمكن تجاوزها أو التهاون بها. بمعنى أن القائد لا تصنعه التعليمات ولا سنوات الخدمة ولا الترقيات المألوفة، فمن يصنعها إذن؟
i.العلم الشرعي
لما يردد بن لادن القول: "لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدةفإننا نحملهذه العبارة على محمل الجد كونها "تعبر عن صميم عقل السلفية الجهادية وفلسفتها العقدية كمرجعية وحيدة ... ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية"[77].
فالمعنى إذن يؤكد على أن سر السلفية الجهادية يكمن بالذات في الشريعة بوصفها المصدر الوحيد في: (1) الحكم على النوازل أو (2) توجيه السلوك العام والخاص أو (3) بيان الاحتياجات والمتطلبات أو (4) رسم السياسات و (5) وضع الخطط، و ... الخ وبمعنى من المعاني فالشريعة ومصادرها معطوفا عليها التجارب الإسلامية، بعرف السلفية الجهادية، ليست علوما للتلقين ولا ميدانا للفقه ولا مجرد أحكام مصفوفة ولا هي تخصصات علمية، وليست الغاية منها التمتع والوجاهة والتفاخر ولا وسيلة لتحصيل الوظيفة والمال والجاه والرفعة. بل هي مرجعية ومنهج حياة بديلا عن أية مصادر أو مرجعيات أخرى، وعليه فإن التحصن بالعلم الشرعي يغدو الشرط الأول والحاسم في العمل خاصة وأن "المجاهد هو أكثر من يحتاج إلى العلم من غيره وهو يخوض غمار الجهاد ٍالذي يستدعي منه أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم"[78] .
فالأمن[79] والسياسة الشرعية والخطط العسكرية وتحديد مراحل النكاية والتمكين والأولويات أو فقه الجهاد وأحكامه وفقه الواقع وفقه التحييد وفقه المرحلة وفقه التزكية وطرق قتال العدو والتنبؤ بسقوطه أو نجاحه وضبط مواضع الخلل والقوة والضعف واتخاذ المواقف كلها وغيرها من القضايا يجري الاستدلال عليها أو الاسترشاد بها من خلال الشريعة والسنة النبوية وسلوك الصحابة وفتاوى العلماء والفقهاء وقادة الجيوش الإسلامية والتراث الإسلامي الجهادي[80] قبل الاستعانة بأية مصادر أخرى. لذا فما من نازلة أو حدث أو سلوك إلا ويخضع للحكم الشرعي الذي له وحده الحق في إجازته أو رفضه، ولا عبرة لأية مبررات تاريخية ولا لأية قيم أو مجاملات أو اعتبارات للمصداقية وغيرها ممن تصنف تحت قافلة "الهوى"، فلو سرقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطع محمدٌ يدها، ولو نكص بن لادن على عقبيه لنبذ غير مأسوف عليه[81].
قد يبدو هذا نوعا من الوصاية على الدين وكأن السلفية الجهادية باتت على حق وغيرها على باطل وهو ما ليس من الأطروحة السلفية بشيء، إذ أن الشريعة، بالنسبة إليها، فيها من السعة ما ليس في أية مرجعية أخرى، فهي الرصيد المعرفي الهائل الذي لا ينضب مع الزمان بخلاف أية مرجعيات أخرى لا تتعدى أعمارها، في أحسن الأحوال، بضعة عقود لا أكثر، وفيها من الأمن والأمان والسكينة ما لا يمكن للأيديولوجيا أن تحلم به، وفيها من المثل ما لا ينفع الاقتداء بغيرها، وفيها من التوجيه والإرشاد ما لم يقع الاستفادة منه سابقا بسبب تغييبها عن الأمة وواقعها، وفيها من القوة ما تستكين معه نفسية المجاهد، وفيها من الصرامة ما يكفي ليدمغ الحق فيها كل باطل فيزهقه، من هنا تأتي الحاجة إلى تعلم العلم الشرعي للعمل به.
لذا فإن البيئة التربوية التي تنشأ فيها السلفية الجهادية هي على الأغلب بيئة المساجد وحلقات العلم والعلماء وبيئة الغرباء من كهوف وسراديب وصحاري وبيئة الثغور وساحات الجهاد وميادين القتال وليست بيئة سايكس – بيكو من القصور والفنادق والمؤتمرات والوزارات والسفارات والمكاتب المكيفة ووسائل الإعلام، ولا بيئة التنظيمات والأحزاب والأيديولوجيات ولا بيئة العلاقات الدولية والأمم المتحدة
ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، وشتان بين البيئتين.
كما أن للعلم الشرعي ميزة لا توفرها أية أيديولوجيا مهما بدت متماسكة، فالصحابة كان الواحد منهم يوصف وكأنه "قرآن يمشي على الأرض"، وهذا يؤشر على أن توجه السلفية نحو دراسة العلم الشرعي والنهل منه ما استطاعت إنما هو محاولة للتشبه بالصحابة، وقد يبدو الأمر نكتة بالنسبة للخصوم خاصة وأن لديهم الكثير من الردود على مثل هذه "الأحلام والغرور"، لكن لو رفعنا من مستوى التحليل والتفسير أكثر قليلا سيتبين لنا أن السلفية باشتراطها العلم الشرعي إنما تجعل من عناصرها مشاريع قيادة من العيار الثقيل، وفي هذه النقطة وأمثالها فليتنافس المتنافسون. فمن يخوض الجهاد عليه أن يفهم إلى أين يقود الأمة ولأية أهداف، وعليه أن يعرف كيف يخاطبها، وبأية أدلة يواجهها، وعليه أن يتحمل كامل المسؤولية أمام الله والناس. أما التلاعب بمصير الأمة وزجها في أتون حروب طاحنة لا فائدة ترجى منها أو تسويات ظالمة وخائبة أو تحالفات مشبوهة فهي من تداعيات الجهل في الدين وغياب المرجعية، والصدع بما فيها من حقوق هي ملك للأمة وليست ملكا لعالم أو فقيه أو محدث أو حاكم أو سياسي أو أية شخصية كانت.
ومن الأهمية التنبيه إلى أن الأخذ بالعلم الشرعي لدى السلفية الجهادية يأتي على خلفية النقص الفادح في التكوين لدى الجهاديين من جهة ولترشيد فعاليات العمل الجهادي وبنائه من جهة أخرى على أسس شرعية واضحة. ففي مؤلفه الضخم يورد أبو مصعب السوري الكثير من الإشكالات التي عانى منها قادة الجهاد أمثال عبد الله عزام والظواهري وبن لادن وغيرهم من معتقدات جلبها معهم من التحق بصفوف المجاهدين خاصة من طلبة العلم الشرعي، ويعتقد صاحب "دعوة المقاومة" أن تصرفاتهم ألحقت ضررا بالغا في تقدم مسيرة الجهاد وعالميته ونفَّرت الكثير منه وتسببت بنزاعات قوية بين المجاهدين كونها انتشرت على مساحات واسعة من ساحات الجهاد. على أن هذا لا يعني إيصاد الأبواب أمام من يلتحق بالمجاهدين إن لم يكن متحصنا بالعلم الشرعي ولكنه في المقابل، وبعد التجارب المريرة، بات ملزما بتلقيه.
أما على مستوى القيادات فما من سبيل للوصول إلى دفة القيادة في مراتبها الوسطى والعليا خاصة إلا بشروط حاسمة فيما يتعلق بالعلم الشرعي، ولقد لاحظنا في بيانات الرثاء وأشرطة الفيديو التي خصصت لأبي مصعب الزرقاوي حرصها على التذكير بأنه كان طالب علم مجتهد علاوة على كونه القائد العام، وكأن تعيين أبي مصعب أو قبول بيعته ما كان ليتم لولا علمه وصلاحه والثقة الكاملة فيه فضلا عن قدراته الميدانية وبلاؤه في المعارك وإلا ما استطاع قيادة الجماعة في العراق. كما أنه ما من سبيل لإعلان الجهاد في ساحة ما دون أن تكون النواة الأولى على دراية بالعلم الشرعي وإلا فلا داعي لإعلانه، هذا ما حصل بالنسبة لمجموعة تركستان الشرقية التي كان يقودها حسن معصوم قبل سقوطه في معركة مع القوات الباكستانية في وزيرستان سنة 2003. إذ يذكر أبو مصعب السوري أن حسن معصوم كان يخطط للعودة إلى تركستان والشروع بتعليم العلم الشرعي لنحو مائتي مجاهد قبل أن يعلن الجهاد على القوات الصينية التي تحتل البلاد[82] .
بطبيعة الحال فالاستنتاج الحاسم يكمن في كون قادة الجماعات المسلحة للسلفية الجهادية لا يمكن إلا أن يكونوا على قدر كبير من العلم الشرعي، وبما أنهم خارج سايكس – بيكو فمن البديهي ألا يكونوا قادة أحزاب أو تنظيمات بقدر ما سيكونوا مجاهدين علماء، على أن هذا لا يعني أنهم من الراسخين في العلم، لكنهم ليسوا على جهل، وليس من الحكمة الاستهانة بقدراتهم العلمية وإلا لما استطاعوا أن يرفعوا راية ويعلنوا جهادا ويخوضوه ضد أعتى القوى العالمية ويدعون الأمة له لو لم يكن لديهم قدر كبير من العلوم الشرعية، هذا فضلا عن أن للسلفية الجهادية علماءها العاملين في شتى أنحاء العالم.
إذن القيادة ليست مرتبة تنظيمية ولا سياسية ولا أخلاقية، وليست وليدة المصالح والأهواء ولا هي بالوراثة ولا التزكيات بل هي الضرورة الأولى من ضرورات أي مشروع جهادي خاصة وأن ساحات الجهاد تفتقد للعلماء المتخصصين المتفرّغينإلى حد كبير مما يجعل من العلم الشرعي الشرط الذي يحظى بالأولوية القصوى.

ii. التمرس في ساحة الجهاد
لم تكن هجمات 11 سبتمبر 2001 على أبراج التجارة الأمريكية لتحقق هدفا جوهريا وحاسما أفضل مما حققته في الصميم وهو تقديم قيادة للأمة[83] بمواصفات غير مسبوقة خاصة وأن الضربات نجحت في توجيه ما يسميه الشيخ أسامة بن لادن ضربة "حطمت هبل العصر"[84] بالإضافة إلى أهداف أخرى. فسلطان الأمة الذي اغتصبته سايكس – بيكو في غفلة من الأمة وضيعته يستوجب وجود قيادة موثوقة ومؤتمنة مهمتها استعادته حتى لو كلفها ذلك مهاجمة "أصنام العصر"، وحتى تظهر هذه القيادة وتحظى بقبول في الساحات الإسلامية كان عليها أن تفكر بهدف يلفت انتباه الأمة والعالم أجمع بأن الإسلام قادم وأن المسلمين عازمون على الاستمساك بـ"العروة الوثقى" وأن على "الغرب الصليبي الصهيوني الكافر" أن يفهم أن المعركة فتحت ومن أوسع الأبواب.
هكذا قدمت القاعدة نفسها قائدة لحركة الجهاد العالمي الذي يؤمن بأن المقاتل العالمي [المشرك] الذي يصول ويجول في أنحاء العالم غازيا معتديا لا بد له أن يواجه بمقاتل إسلامي عالمي [موحد] وبذات المواصفات وفي عقر داره[85] . فالقتال بحسب شروط الخصم لم يعد متاحا ولا بد من نقل المعركة من الأطراف إلى المركز[86] لتصير المعادلة مخطوطة بحسب القسم الشهير للشيخ بن لادن أو د. الظواهري[87] . إذن أي نوع من القيادة نحن بصدد البحث عن مواصفاته؟ وما الذي تريده قيادة السلفية الجهادية المقاتلة بعد أن استتب لها الأمر؟
لعل أبا بكر ناجي هو من أكثر وأدق من أصل لمضمون القيادة وشروط تحققها في صفوف السلفية الجهادية خاصة في الفصل الثاني من مؤلفه العزيز على قلوب المجاهدين مثلما هو عزيز على قلوب وكالات الأمن الأمريكية التي قامت بترجمته وشرحه وتوزيعه على نطاق واسع لما اعتبرته أخطر المؤلفات. ففي الغرب يهتمون بالإدارة وليس بالقيادة المباشرة، وللإنصاف فإن كتابات الشيخ أبي بكر ناجي أثارت انتباه كل من قرأها، أما أفكاره عن مسألة القيادة وهو يعالجها من خلال ربطها بالإدارة ربطا مباشرا فهي أطرف ما قدمه مفكر إسلامي وجهادي في تاريخ الحركات الإسلامية وحتى الجماعات السياسية العلمانية، بل أن ميزة مؤلفه "إدارة التوحش" أنه المشروع الأول الذي تقدمه حركة جهادية للتنفيذ على الأرض.
بالتأكيد يفرق "ناجي" بين القيادة (العسكريين) والإدارة (السياسيين) في مراحل النكاية والتمكين أو ما يسميه بإدارة مناطق التوحش، ويعتبر الأولى للثقاة فقط ولكنه لا يمانع في أن يكون كل قائد مديرا. لذا نراه ينطلق في بداية الفصل من قاعدة تقول: " [ ليس كل قائد مدير وليس كل مدير قائدولكنه يسعى إلى تحويلها لتصير [ كل قائد مدير وليس كل مدير قائد ]". وبطبيعة الحال هو يجتهد في ذلك بناء على تجارب الجماعات السابقة التي فشلت بفعل الاختراقات الأمنية أو السياسية وأحبط عملها وهو ما لا يريد للسلفية الجهادية أن تقع فيه[88] .
من المألوف أن التيار السلفي بعرف السياسات الحكومية والأمن الدولي منبوذ، وقادته وعناصره مطلوبون لكافة القوى الدولية والمحلية، كما أنه مهيب الجانب من شتى الجماعات الإسلامية والعلمانية ومحارَب من طرف الكثير منها، وعليه فإن التفريط في المسائل الأمنية أو الإدارية أو العسكرية من شأنها أن تلحق أضرارا بالغة بالتيار وتوجهاته ورايته، وتبعا لذلك فهو تيار عامل تحت الأرض لا فوقها، وتيار خفي لكنه نشيط حتى في الجبهات المفتوحة، ولما تكون أهدافه تبلغ مصالح الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وزيادة عليها "المستضعفين في الأرض"[89] وأعداؤه من نوع "هبل" و "اللات" و "العزى"، فمن المفترض أن نتوقع قيادات من نوع مختلف مقارنة بما سبق من نماذج عديدة سقط بعضها وتراجع آخر ودافع ثالث عن ثقافة التغيير السلمي ورابع أبدى استعداده للتفاوض حول ما يفترض أنها ثوابت بينما لا نجد مثل هذه التحولات لدى السلفية الجهادية منذ نشأتها قبل نحو عشرين عاما.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:15 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
باختصار، هل خصائص وأنماط القيادة التي تفرزها ثقافة التوحيد هي نفسها الخصائص والأنماط الكائنة في ثقافة سايكس – بيكو؟
في تحليله لمفهوم الدولة يقدم أبو بكر ناجي فكرة طريفة يرى فيها أن الدولة في العصر الحديث هي الدولة أينما تكون، لكن الفرق يكمن فيما تكتسبه الدولة من محتوى أيديولوجي، فإذا ما اكتسبت الدولة العربية أو الإسلامية ثقافة التوحيد وأنزلت الحاكمية منزلتها فلا غبار عليها، لذا فهو يعتقد أن الأحزاب العلمانية نجحت في السيطرة على الدولة فيما كان الإسلاميون يتناظرون في بنائها على الطريقة النبوية! أما السلفية الجهادية فهي مدعوة لتطبيقه على القيادة عبر فهم الفروق، ولأنها مسألة يصعب التثبت منها إلا من أصحاب الشأن فإن صراحة الشيخ عطية الله من جهة وصرامة أبو بكر ناجي تبقى هي المداخل الأكثر أهمية للفهم، ففي ضوء السؤال إياه، يقدم الشيخ عطية الله توصيفا للسلفية الجهادية، بوصفها اليد الأمينة على الراية، على النحو التالي:
"عندما أقول "الحركة الجهادية" فإنني أعني بها:
· الحركة الجهادية العالمية التي هي مشروع أمة الإسلام الكامل ... التي لا ترضى بأنصاف الحلول والتسويات،
ولا تلتقي مع عدوّها الكافر في منتصف الطريق، ولا ترضى بالفتات!!؛
· حركة أخذت على عاتقها الإحاطة بهذا الدين من كل جوانبه بحسب الوسع والطاقة ... من مبادئها: ليس عندنا ما نخسره: نحن بين إحدى الحسنيين: نصرٍ أو شهادة؛
· حركة غاية الجهاد عندها ودافعه هي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدينُ كله لله، هذا هو المبدأ الأساسي والأكبر والمقصد الأعظم؛
· حركة لا تعترف إلا بشرعية ديننا وشريعتنا المطهرة ... كمرجعية مطلقة، لا بما يُسمّى اليوم بـ"الشرعية الدولية" وغيرها... ؛
· لا تعترف بسايكس بيكو والحدود التي صنعها ووضعها أعداء الأمة ومزقوها بها، ...
· حركة عرفت عدوّها جيدا وعرفت أعداء الأمة ولم تعد منخدعة فيهم أو مغترّة بنفاقهم وألاعيبهم.. لا تسلم قيادتها إلا للأمناء على الدين فعلا ... إن راية الجهاد لابد أن تكون في أيد أمينة، يمكن ائتمانها على الجهاد ".
إذن هذه القيادات لا يمكن أن تُصنع على عجل ولا أن تدفعها الظروف أو المصالح للظهور ولا هي قيادات ولدت بالترقيات ولا بالأقدميات ولا بالمصاهرات ولا هي من ذوي القربى ولا من المرضي عنها وليس أعضاؤها من سادات القبائل والعائلات ولا من ذوي الحسب والنسب وحواشي السلطة، إنها قيادات مرّستها ميادين الحركة من تنقلات أمنية خطرة ومهمات معقدة ومطاردات وتَخَفِّي وقتال شرس وخطوب ومحن قاسية واقتحام لأهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى بعرف الحرب الباردة وليس بعرف سايكس – بيكو فحسب. ولعله من الإنصاف عدم المقارنة بين قيادات السلفية والقيادات الأخرى باعتبار أن لكل بيئة منتجاتها وللظروف أحكامها، ومع ذلك فإنه "حق للجميع أن يجاهد ويساهم، لكن حق أيضا لأمثال هؤلاء أن يعرفوا قدر أنفسهم"[90] .
هنا بالضبط يتدخل أبو بكر ناجي ليكشف عن متلازمة العلم الشرعي، كي لا تنفلت الأمور من عقالها فيسقط القادة ويسقط معهم المشروع الجهادي برمته، مؤكدا على:
· "أن يكون أغلب قادة الحركة الإسلامية قادة عسكريين أو عندهم قدرة على القتال في الصف على الأقل ... ؛

· خطورة ترك القرار السياسي بأيدي من لا يخوض المعارك العسكرية تحت أي حجة. (لذا يجب) أن يكون القرار السياسي صادرا من القائد العسكري، بل الإدارة السياسية كلها أو أغلبها ينبغي أن تكون من المقاتلين من مساعدي القادة العسكريين وجنودهم ... فالمعركة معركتهم قبل أن تكون معركة غيرهم؛
  • أن يعمل هؤلاء القادة على إتقان علم السياسة كإتقان العلم العسكري سواء بسواء.
· القرارات الإدارية والسياسية العليا الخاصة باستهداف فئات والكف عن آخرين ... يجب أن تمر، وقبل أن تصدر، على الراسخين في العلم في حركة الجهاد الرئيسية، أو عالماً راسخاًفي العلم مشهوداً له بذلك تبعاً لمعايير شرعية صحيحة إذا تعذر الرجوع إلى علماء حركة الجهاد الرئيسية"[91] .

غير أن هذه الضوابط لا تعني أن للقيادة سطوة على ما دونها، فهي وإن كانت أبوابها مفتوحة إذا ما تحققت شروطها إلا أن للقواعد، التي من اللازم تنميتها وتوعيتها حتى تصل إلى مرحلة متقدمة من النضج والوعي والعلم الشرعي، حق المراقبة على أداء القيادات السياسية اعتمادا على مبدأ الثقة الذي تكون عناصره الحيوية "في عصرنا ... مبنية على معطيات ثابتة لقيادة تم اختبار صدقها عملياً وفي شتى الميادين"[92] ، فإذا ما ضعف هذا المبدأ، الذي تغذيه الأحكام الشرعية والثبات والصبر على البلاءات والمحن والإرادة والعزيمة وقبل كل شيء عقيدة الولاء والبراء وميادين المعارك والأمن، فمن شأن أي قرار سياسي كبير أن يحدث بلبلة وربما تفككا في الجماعة. وفي الحقيقة فإن الحديث عن الضعف صعب القبول بما أن المقصود هو اختبارات ثقة أو ما تسميه السلفية بـ "تجاوز العتبة أو القنطرة"، فمن قطع مراحل الاختبارات سيكون من شبه المستحيل عليه النكوص بالنظر إلى أن خياراته في التراجع تكاد تبلغ من النسبة المئوية صفرا أو أقل.
لا شك أن اختبارات الثقة للقائد ليست من النوع التقليدي الذي يسود الجيوش وحركات التحرر، وكذا الأمر فيما يتعلق ببناء القيادات وصنعها، فهناك مثلا خصائص هامة جرى التعبير عنها في الكثير من المواضع منها تزكية بن لادن لبعض منفذي هجمات سبتمبر وهو يصفهم بالحياء وسمو الأخلاق والصبر والمواظبة على قيام الليل[93] وهي صفات ذكرت أخيرا بحق شهاب قدورة الملقب بـ "أبو هريرة" أحد قادة فتح الإسلام الذي سقط مؤخرا ورفضت قريته دفن جثمانه فيها فاستحق لقب الغريب كما استحقه غرباء العصر في شتى ميادين الجهاد. لكن ثمة خصيصة لا يمكن أن تفلت من ثقافة التوحيد وهي مسألة العزيمة والإرادة والهمة {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران 159) {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } (محمد21)، وهنا يمكن أن يتساءل المراقب وهو بأقصى حالات الاندهاش: ما الذي يجعل رجلا مثل أبي مصعب الزرقاوي يقطع آلاف الأميال من هيرات بأفغانستان إلى العراق متجهما كل المخاطر سعيا لمقاتلة دولة تفر منها الدول وجبابرة العصر!؟ وما الذي يدفع التسعة عشر لفعل ما فعلوه لو لم يكونوا يتسموا فعلا بالعزم والتصميم وعلو الهمة؟ بل ما الذي يجعل بن لادن يترك الدنيا وراءه بملايينها وزخرفها مفضلا عليها البرد والقيظ وحياة الكهوف والمعاناة؟ وفي الواقع فإن هذا هو حال الملا محمد عمر وداد الله والظواهري وأبو مصعب السوري والجزائري وأبو أنس الشامي وأبو حفص المصري وسيف العدل وسليمان أبو غيث وعبد الهادي العراقي ومصطفى أبو اليزيد وأبو يحيى الليبي وأبو الليث الليبي وعطية الله وحسن معصوم وجمعه باي وخالد الشيخ ومحمد عطا وعبد العزيز المقرن ويوسف العييري وأبو الوليد الغامدي وحامد الجبوري وأبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي وشاكر العبسي وأبو سياف وجمال أبو سمهدانة وغيرهم الكثير.
في ساحة العراق تواجه السلفية الجهادية جبهة من الأعداء يصعب تصورها، ومع ذلك يصول مقاتلوها ويجولون ويبذلون جهودا جبارة للإفلات من العملاء والأعداء من أجل أن ينجحوا بزراعة عبوة ناسفة[94] ، ويضطرون إلى خوض المعارك وحدهم في الكثير من المناطق كما يحدث في ديالى، فأي عزيمة وإرادة يتحلى بها هؤلاء؟ ليقدروا على الجهاد ومواجهة شظف الحياة ومعاناتها وتربص الجيوش الغازية بهم ومطاردة الخونة والعملاء لهم؟ والطريف حقا لا يكمن في عزيمتهم بل في نفاذ صبر القادة العسكريين الأمريكيين مما يواجهونه من هؤلاء المقاتلين. فإذا كان من المثير أن يكرر الأمريكيون على الدوام، رغم الضربات الموجعة التي يتلقونها، عزمهم على تحقيق النصر في العراق فإنه لمن المدهش والمعجز حقا أن يعلن المجاهدون عن تصميمهم على بلوغ ما يرونه أقصى درجات التوحيد.
أيضا لوحظت الكثير من وسائل اختبارات الثقة منها عمليات ذبح للأسرى أو ممن أدينوا بالخيانة ومعاونة المحتل وأعوانه، ففي الأشرطة التي بثتها بعض الجماعات الإسلامية خاصة جماعة التوحيد والجهاد التي أسسها وقادها الزرقاوي كان اللافت للانتباه فيها وجود فريق كامل يحيط بالضحية أحدهما يلقي بيانا واثنين أو ثلاثة يقومون بالحراسة ومراقبة المشهد وآخر مهمته التصوير الفيديوي، ولو أن الغاية من بث الشرائط المروعة هو إرهاب الأعداء إلا أنها لا تخلو من كونها آليات اختبار للتمرس على الشدة والغلظة مما يبعث على الاعتقاد بأن الفريق قد يتغير بفريق آخر.
ومن الأساليب أيضا التدريب في ساحات القتال، فقد غلب على بعض عمليات القاعدة في الجزائر خاصة تلك التي استهدفت سبعة مراكز للشرطة في ولاية تيزي أوزو موقعة بعض الخسائر كما لو أنها أقرب إلى العمليات الاستطلاعية والتدريبية من كونها عمليات هجومية يقصد منها إيقاع الخسائر، أما في العراق فقد أعلن البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية في خطاب صريح "عن تخريج أكبر دفعة فيتاريخ العراق لضباط الجهاد فيسبيل الله وبدرجة العالمية العليا"[95] مبينا أن"الدراسة متواصلة بلا انقطاع صيفا وشتاء،ليلا ونهاراولسنا ندري ولا نجد تفسيرا كيف يكون في العراق متسعا من الوقت والمكان لدراسة وتدريب على هذا النحو الرفيع فيما البلاد تشهد حربا طاحنة منذ خمس سنوات لا مثيل لها في أي بلد آخر. ولعل الأقرب إلى المنطق أن يكون هؤلاء قد تمرسوا في الميدان على مختلف الأسلحة والوسائل القتالية وفي مختلف الظروف الجوية[96] إلى جانب اتباع أساليب التكيف مع الواقع بالإضافة إلى الدورات التعليمية والتدريبية المكثفة والمتتالية والمعتمدة على الاختبارات الميدانية.
إلى هنا يمكن أن نختم هذا المحور بالسؤال التالي: إذا كان القادة السياسيون ملزمين "لتجاوز العتبة" بأن يكونوا على علم شرعي ومن المتمرسين في ميادين القتال ومن أصحاب العزيمة، فهل من شروط لتجاوز العتبة، غير الصدع بالحق، لدى مشايخ وعلماء السلفية الجهادية ممن يعيشون حياتهم المدنية؟ سؤال للبحث.

خلاصة القول
هذه بعض أهم ملامح أطروحات السلفية الجهاديةكما بدت للباحث، وبالتأكيد هناك الكثير من الأطروحات التي ينبغي التوقف عندها وبيان مضامينها كمسائل التكفير والفتنة والجهاد ومراحل النكاية والتمكين والعلم والمعاملات وفقه الحرب والتحييد وغيرها ممن لم يتم بحثها حتى الآن من قبل الأكاديميين، والإشكال واقع حكما في التوصيفات قبل التعرض لها بالدرس والتحليل والنقد الذي لو اضطلع به باحثون غير شرعيين لكانت النتائج أفضل والصورة أكثر وضوحا خاصة وأن المسائل الشرعية قلّ من يفهمها من العامة وحتى من الباحثين. وقبل أن نختم يستحسن تثبيت بعض الإشكالات التي تواجه الخصوم وتنفع في البحث عن أجوبة لها:
1) لا شك أن المتابع للشأن السلفي سيلاحظ أن الإشكال الذي بات يواجه الخصوم لم يعد ينحصر في دخول السلفية فيما تسميه مراحل النكاية في بعض الجبهات المفتوحة كالعراق وأفغانستان والشيشان والصومال ... إنما حقا في تضخم تيار الجهاد العالمي الذي بلغت امتداداته شتى أصقاع الأرض حتى ولج في رحم الحياة الاجتماعية وبات يتربص بالفرد والجماعة على السواء. ولعل هذا الأمر هو ما يخيف الخصوم ليس فقط خارجيا بل محليا. والإشكال الأهم في السياق أن الانتشار الحاصل هو انتشار أفقي، أي غير تنظيمي. وهذا يؤشر على أن الانتشار على الطريقة السلفية الجهادية ليس مرتبطا بآلية نشوء التنظيمات التقليدية القائمة على التمويل وتلقي الدعم السياسي والغطاء الأمني من أية جهة سياسية كما هو حال نشأة الأحزاب وحركات التحرر الوطني التي كانت تحتاج إلى حوار إقليمي أو دولي يؤمن لها الظهور والاستمرارية.
2) والإشكالالثاني، هو عبثية السعي الحثيث لشخصنة التيار السلفي الجهادي وحصره في القاعدة كمرحلة أولى، ومن ثم شخصنة القاعدة وبعدها شخصنة دولة العراق الإسلامية وصولا إلى تفكيك كل جماعة جهادية من خلال رد نشأتها إلى رموزها وضربها ببعضها البعض كمدخل لتفكيك الجماعة، لكن الذين يحاولون إظهار القاعدة وكأنها تنظيم الظواهري هم أنفسهم الذين عارضوا بن لادن والزرقاوي والمهاجر والبغدادي، وهم أنفسهم الذين عارضوا طالبان، وهم أنفسهم الذين عارضوا العبسي وأبو سياف وخطاب، وهم أنفسهم الذين سيعارضون كل جماعة جهادية أو مقاومة حتى لو كانت وطنية، وهم أنفسهم الذين قدموا العمل السياسي وراهنوا عليه على حساب الجهاد، وهم أنفسهم الذين غرقوا في الشخصنة حتى شخصنوا معهم كبريات القضايا الوطنية والإسلامية، فلم تعد عقلياتهم تتسع لغير التنظيم أو لأكثر من كونهم "شخصيات تاريخية" فيه، بل أن عقلياتهم تحجرت لدرجة أنهم لم يعد بمقدورهم أن يتصوروا عقلا وشرعا وجودهم خارج التنظيم، حتى باتوا كالسمك إذا خرج من الماء هلك. هؤلاء، بنمطية التفكير لديهم،خفي عنهم ملاحظة أن القاعدة جماعة تحمل راية وليست راية، هذه الميزة التي تفصل بين الجماعة والراية فصلا تاما هي الحصن الحصين الذي يجعل من القاعدة تيارا عقديا غير قابل للشخصنة مما يمنحها امتدادات شعبية في شتى أصقاع الأرض، ولو كانت راية التوحيد راية تنظيمية، كما هو الشأن لدى الحركات الإسلامية عامة، لما تجاوزت القاعدة حدود نشأتها، وهذا هو سر انتشارها كفكرة وليس كتنظيم، وهو جوهر المشكلة مع كافة القوى والخصوم لأنها تيار عقدي غير قابل للشخصنة، لذا نؤكد ثانية على أن المشكلة ليست في احتكار القاعدة للجهاد ولا في احتكارها للراية،بدليل أن البداية كانت مع الجهاد الأفغاني ثم تطورت نحو الأفغان العرب ثم القاعدة ثم التيار السلفي بكل أدواته الضاربة، وها نحن نشهد دولة العراق الإسلامية وما بات يتجه نحو حركة الجهاد العالمي في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، لذا فالتفكير في القاعدة وكأنها الوصية على الراية أو الجهاد العالمي هو تفكير عبثي أو مغرض كالشخصنة تماما ليس وراءهمن هدف سوى الطعن بالحركة الجهادية العالمية لا أكثر ولا أقل عبر حصرها في تنظيم القاعدة، وتأسيسا على ذلك فإذا ما اختفت القاعدة أو اضمحل نشاطها وذكرها فلأن الأمر وارد ولم يعد يعني الشيء الكثير، وحتى اختفاء رموزها وقادتها لن يغير في الأمر شيء[97] بما أن الحديث الآن عن الراية تجاوز مرحلة التنظيم بالكامل ليغدو حديثا وفعلا عن راية أمة قد يكون للقاعدة السبق في رفعها والتعبير عنها ولكنها بالتأكيد ليست ملكها ولا هي سعت لاحتكارها ولا يحق لها ذلك، وليس أدل على ذلك من ظهور جماعات ضاربة ذات طابع سلفي جهادي ولكنها ليست فرعا من القاعدة ولا من غيرها.
3) أما الإشكال الثالث فواقع في تصريحات الشيخ عطية الله، فقد لا يهتم لها البعض من الجماعات الإسلامية أو ممن "يستحسنون المد في اللحايا ويشرِّعون الجَزْر في العقيدة والتوحيدولكنها بالتأكيد ستلقي بظلالها على جماعة الإخوان المسلمين التي حددها بالاسم كجماعة، من بين جماعات أخرى، غير مؤتمنة على قضايا الأمة والحركة الجهادية العالمية، وهو تصريح غير مسبوق بهذه الصراحة والوضوح، والأكيد أن الجماعة تشعر بأن السلفية الجهادية إن لم تكن قد سحبت البساط من تحت أقدامها فهي على الأقل تزاحمها وتخوض معها صراعا أيديولوجيا وسياسيا مكشوفا جرى التعبير عنه بوضوح وعديد المرات من قبل د. أيمن الظواهري وأبي يحيى الليبي[98] وقادة دولة العراق الإسلامية وغيرهم من رموز السلفية على خلفية اتهام الجماعة بالنكوص عن مبادئها وأهدافها[99] فضلا عن أنها متهمة "بالعمل على تعميم الإرجاء على أوسع نطاق"[100] . وإذا كانت السلفية تقرر أنها لا يمكن أن تسلم القيادة والراية للإخوان المسلمين فهذا يعني أضعف الإيمان، ولكن في معنى آخر قد يشي القرار بأنها لن تغفر للجماعة ما فعلته وتفعله بها في أفغانستان والعراق والجزائر أيا كانت المبررات.
4) ويبقى الإشكال الرابع فيما تكشفه التصريحات الأمريكية للقادة العسكريين، فهؤلاء، سواء صدقوا أو راوغوا، إلا أنهم يقرون ميدانيا أنهم يواجهون خصما عنيدا بلا رحمة ولا يمنحهم أية فرصة للقتال على طريقتهم ووفقا لما تعلموه في كلياتهم الحربية، فهم مصممون على المواجهة والصمود والتحدي مثلما هم مصممون على القتال حتى الموت، وهي حالة فريدة لم يسبق للأمريكيين وغيرهم أن خبروها في أي مكان آخر لا في فيتنام ولا في كوريا ولا في أوروبا. ربما في هذه صدقوا ولكنهم في مسألة الانسحاب مراوغون بلا شك حتى وإن كان القرار السياسي متعلقا بتوصياتهم.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:19 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
قائمة الحواشي والهوامش

1) في دراستين سابقتين للباحث ثمة محاولة استكشافية في المحاور الأولى لبعض الأفكار الهامة لدى التيار الجهادي. العالمي، وينصح بالعودة إلى: (1) رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية – صحيفة القدس العربي، أربع حلقات ابتداء من 28 – 31 /9/2006 و (2) الصين تحت مجهر السلفية الجهادية – صحيفة الوقت البحرينية، العدد 322 - 326، خمس حلقات ابتداء من 7/1/2007.
2) كالهدنة التي عرضها بن لادن على العالم الغربي والتي وردت في شريط فيديو بتاريخ 17 أو 18 /2/2006، أو دعوة أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية) للقوات الأمريكية وحلفائها إلى الانسحاب أفرادا دون معداتهم وأسلحتهم الثقيلة من البلاد في خطابه "وقل جاء الحق وزهق الباطل"، تسجيل صوتي 22 / 12 / 2006.
3) أحد الباحثين الإسلاميين ممن يهتمون بمعالجة المفاهيم والمصطلحات الشائعة يتساءلون عن ماهية الأمة كمفهوم متداول، لكنه ليس معروفا حتى الآن محتواه، ويرى أن "الأمة" من أكثر المفاهيم التي "تعرضت للتخريب والتدمير منذ قرنين من الزمن (حتى)أصبحنا لا ندري من نحن هل نحن ننتمي إلى أمة واحدة أم أمتين أم أمم شتى؟ وهل نحن امة عربية أم أمة إسلامية؟ وهل نحن قوميون أم إسلاميون؟ وهل نحن اشتراكيون أم رأسماليون أم ليبراليون؟ وهل نحن مسلمون أم علمانيون؟ أم هل نحن خليط من كل هؤلاء؟". راجع مقالة: محمد أسعد بيوض التميمي: "مفاهيمنا ومُصطلحاتنا: مفهوم الأمة والهوية". على موقع مفكرة الإسلام:
http://www.islammemo.cc/article1.aspx?id=50417.
4) د. أيمن الظواهري، المعادلة الصحيحة، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 23 / 1 / 2007.
5) في هذا السياق يمكن المقارنة بمواقف رموز السلفية الجهادية وقادة تنظيم القاعدة عبر عشرات الإصدارات والكتابات ابتداء من أسامة بن لادن وانتهاء بأبي عمر البغدادي وخاصة أشرطة الظواهري وما تحتويه من مواقف شرعية تجاه الأحداث.
6) شريط "العلم للعمل"، وهو الشريط الذي بثته القاعدة بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عبر مؤسسة السحاب بتاريخ 7/9/2006. واشتهر بـ "شريط التوثيق لأحداث سبتمبر".
7) في هذه النقطة بالذات يقرر مفكر جهادي بارز ما يلي: " إن لم نكن أشداء في جهادنا وتملكتنا الرخاوة كان ذلك عاملاً رئيسيًّا في فقدان عنصر البأس الذي هو من أعمدة أمة الرسالة ، فإن الأمة ذات البأس هي الأمة التي تستطيع أن تحافظ على ما تكتسبه من مواقع ، وهي الأمة التي تخوض الأهوال وهي ثابتة ثبات الجبال وهذه المعاني فقدناها في هذا الزمن "، أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، ص 31.
8) كثيرة هي الشواهد على السلوك النبوي في التعامل بشدة مع الأعداء، وكنموذج أوسع يمكن الاستفادة من كتب فقه الجهاد التي جمع مصادرها الشيخ حسين بن محمود، فضلا عن رده على الشيخ سلمان العودة في رسالة هذا الأخير بعنوان: "سلمان العودة يوجه رسالة إلى أسامة بن لادن" في 15 / 9 / 2007، ردا على كلمته في الذكرى السادسة لهجمات 11 سبتمبر 2001. بخصوص خبر رسالة "العودة" فيمكن مراجعة موقع الإسلام اليوم على الرابط:
http://www.alekhlaas.net/forum/showthread.php?t=82622
9) أطرف ما في الخلاف بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى أن الأولى تركز على جهاد الدفع في الظروف الراهنة من بين أشكال جهادية أخرى لا تجدي نفعا في دفع صائل الأعداء، أما الجماعات الأخرى فيمكن أن تحتج بممارسة كافة أنواع الجهاد إلا جهاد الدفع. وإذا ما ووجهت بأدلة شرعية دامغة لجأت إلى الدفاع عن نفسها بمبررات سياسية. والأطرف أن هذا النوع من الخلافات يمكن إسقاطه على ما تعتبره السلفية علماء السلاطين وفقهاء الراحة والمسكتة ورغد الحياة وليس فقط على الجماعات الإسلامية بما فيها الجهادية.
10) لأبي بكر ناجي رأي لافت ومثير في الوقت نفسه فيما يتعلق بهذه النقطة، إذ يقول في "إدارته": " على فرض أننا نحتاج لمعركتنا الطويلة حتى تنتهي كما نريد - بإذن الله - نصف مليون مجاهد - افتراضاً - فإن إمكانية ضم هذا العدد من أمة المليار أسهل من ضمهم من شباب الحركة الإسلامية الملوث بشبهات مشايخ السوء ، فشباب الأمة على ما فيهم من معاصٍ أقرب للفطرة , وخبرات العقود السابقة أثبتت لنا ذلك ، أما الأحداث الأخيرة فقد وضح للجميع أن العامي بفطرته تفاعل معها أفضل بمراحل من قَعَدَة الجماعات الإسلامية الذين سلموا دينهم لأحبار ورهبان السوء". نفس المصدر السابق، ص 21.
11) ثمة مقالة تجتهد في بيان بعض الفروق بين مفهومي الجهاد والمقاومة، إذ يشير كاتبها إلى: " إن معظم الثورات المُسلحة والبنادق المُقاتلة تتحكم بهاوتُوجهها إما عقائد دينية أو أيديولوجيات سياسية لها أهداف يسعى أصحابها إلى إنجازهابالقوة وهُم يُنظرون لهذه الأهداف وكيفية تحقيقها مُستخدمين بتنظيراتهم مفاهيمومصطلحات تعبر عن مضمون عقيدتهم وأيدلوجيتهم التي يحملونها ...فكلأيدلوجية سياسية أو عقيدة دينية لها مُصطلحاتها ومفاهيمها الخاصة التي تعبر عن منظومتها الفكرية، ومن خلال هذه المفاهيم والمصطلحات نستطيع بسهولة تحديد ماهية هذهالعقيدة إن كانت دينية أو أيديولوجية سياسية"، مقالة: محمد أسعد بيوض التميمي، "في فقه المعركة: جهاد في سبيل الله وليس ونضال ومقاومةhttp://islamouna.info/dnn/MemberDetails.aspx?Id=35.
12) يمكن المقارنة، كمثال، مع "سلمان العودة يوجه رسالة إلى أسامة بن لادن"، مع ملاحظة نبذ الرسالة للجهاد وتحميل المجاهدين مسؤولية الحروب الدائرة والفتك بالشباب وزجهم بالسجون وتضرر الدعوة ومطاردة العمل الخيري والدعاة مقابل غياب ملفت لأي نقد للقوى المعادية كما لو أنها بريئة مما يجري في العراق وغيره، مصدر سابق.
13) لاحظ الحسم الذي يصر عليه "ناجي" في المسألة: " لا يمكن أن يستمر القتال وينتقل من مرحلة إلى أخرى إلا إذا كانت مرحلة البداية فيه مرحلة إثخان في العدو وتشريد به، بل يحتاج لهذه الشدة في المراحل الأخرى في كثير من الأحيانراجع: أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، مصدر سابق، ص 31. ويمكن ملاحظة التطبيقات في هذا السياق في ضوء الإعلان عن دولة العراق الإسلامية التي جاءت كمحصلة لما سبقها من مرحلة النكاية حيث الإثخان والبأس ولكن دون أن يعني هذا أن المرحلة اكتملت.
14) هذه بعض الاتهامات التي وجهها الظواهري لحركة حماس فيما عرف بـ "خطاب النعي" حين قال: "يؤسفني أن أواجه الأمة المسلمة بالحقيقة فأقول لها:عظم الله أجرك في قيادةحماس "، وقد وردت نفس المآخذ على حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين وفروعها الدولية في أشرطة أخرى، ومبدئيا يمكن مراجعة: د. أيمن الظواهري، "فلسطين شأننا وشأن كل مسلم"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 12/3/2007. وكذا فعلت دولة العراق الإسلامية فيما يتعلق بالحزب الإسلامي في العراق كما فعل أبو عمر البغدادي في خطابه الصوتي "وقل جاء الحق وزهق الباطل"، (مصدر سابق)، ثم في خطابه الأعنف "ويمكرون ويمكر الله"، وكذا أبو حمزة المهاجر في خطابه "قل موتوا بغيظكم" وهو يتهم الحزب الإسلامي بالردة ويصف جماعة الإخوان المسلمين بذات "التاريخ النكد" في العالم الإسلامي ويتهمها بتعميم مذهب الإرجاء، مصدرين سيرد ذكرهما لاحقا. وكذا أبو حمزة المهاجر في خطابه "قل موتوا بغيظكم" وهو يتهم الحزب الإسلامي بالردة ويصف جماعة الإخوان المسلمين بذات "التاريخ النكد" في العالم الإسلامي ويتهمها بتعميم مذهب الإرجاء، مصدر سيرد ذكره لاحقا.
15) يمكن العودة في هذا السياق إلى خطاب القاضي الشرعي لدولة العراق الإسلامية أبو سليمان العتيبي في شريطه المرئي الأول بعنوان: "لماذا نجاهد؟"، 12/4/2007.
16) في السياق يمكن الإشارة إلى بيان دولة العراق الإسلامية الذي يسهب في بيان الاختلاف بين المنظومتين. راجع: " دولة العراق الإسلامية - بين الانحرافاتالمنهجية والثوابت الجهادية"، مركز الفجر، 8-27-2007.
17) ثمة ردود عديدة وردت على ألسنة رموز القاعدة والسلفية الجهادية من بينها ما ورد على لسان الشيخ أسامة بن لادن في مقابلته المرئية مع الصحفي تيسير علوني في أفغانستان ( أكتوبر عام 2001) والتي لم تنشرها قناة الجزيرة.
18) الشيخ عطية الله، لقاء خاص مع مركز اليقين، وبحسب المركز فقد [أنجز اللقاء عبر المراسلة في العشر الأواخر من جمادى الأولى 1428هـ/يونيو2007م]. وكذلك يمكن مطالعة قصيدة الشيخ حامد العلي عن "أشباح الانترنت" على موقعه: .http://www.h-alali.info/q_open.php?id=6dc55ba4-543f-102a-b164-0010dc91cf69
19) يرجع البعض فهم ظاهرة التيار التكفيري إلى بعض طلبة العلم والمجاهدين ممن أخذتهم العصبية في السلفية وكأنها مذهبا وليس منهجا، ومثل هؤلاء تسببوا بأذى بالغ للجهاد والمجاهدين وحتى على مستوى الأمة، ويذكر السوري قولا لأحدهم يصفه بأعجب ما سمعه: "إن الجهاد يجب أن يكون سلفي الراية, وأن تكون قيادته سلفية التركيب, وأحكامه سلفية المنهج, وأن يكون كل شيء بالدليل.. ولو قبلنا أن يجاهد معنا من ليس سلفيا فمن باب الحاجة, ولكن ليس لهم أن يكون لهم من القيادة شيء وإنما نقودهم مثل البقر لأداء فريضة الجهاد!!". وردت لدى: أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، ص 952.
20) أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، مرجع سابق، ص 21.
21) أبو حمزة المهاجر، تسجيل صوتي بعنوان: "قل موتوا بغيظكم "، 5/5/2007.
22) أغلب التيارات الإسلامية لها رؤى مناقضة لما تراه السلفية الجهادية، إذ تعتبره تيارات أخرى كمن يسمون بالمدخلية والجامية وأصحاب الإرجاء ولي أمر . أما السرورية مثلا فتعتقد في الحاكم كل شيء إلا أن يكفر.فهذا عندهم ضيق النطاق جدا.
23) أفضل مقارنة مع شريط أبي يحيى الليبي الموجه إلى السلطات السعودية ومفتى المملكة عبد العزيز آل الشيخ، والشريط بعنوان: "توحيد آل سعود وتوحيد الحق جمادى الأولى 1428 - أيار /مايو2007.
24) كلمة د. عبدالله فهد النفيسي، ندوة بعنوان: "أثر التحولات العالمية والإقليمية على مواقف التيارات الإسلامية في منطقة الخليج"، قناة الجزيرة ، 25/6/2006. وردت مقتطفات منها في شريط د. أيمن الظواهري بعنوان: "نصيحة مشفق"، مؤسسة السحاب، 5/7/2007.
25) د. أكرم حجازي، تاريخية البرجوازية العربية – مجرد بروليتاريا. مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات ( محكمة ) / رام الله– فلسطين / العدد الثامن، تشرين أول – أكتوبر 2006م، ص 297 - 303.
26) نفس المرجع، ص 303.
27) نفس المرجع، ص306.
28) نفس المرجع، ص303.
29) يرد الظواهري على من طالب الدول العربية بنصرة العراق فيقول: "هذه الدول لا نصرت عربا ولا عجما ولو كانت تريد نصرة عرب العراق لنصرتهم قبل الغزووأثناءه"، د. أيمن الظواهري، "دروس وعبر وأحداث عظام في سنة 1427هـ"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 1428هـ.
30) في جامعة عربية يهدد أحد المسؤولين الإداريين فيها وبعض حواشيه رئيس الجامعة قائلا: إذا كان يعتقد أن وراءه فخامة الرئيس فنحن وراءنا أمريكا!
31) لاحظ تصريح وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان والذي دعا المعارضة السورية إلى الاستعانة في الغرب لإسقاط النظام السياسي في سوريا أسوة بما فعله هو وحلفائه في لبنان من إجبار سوريا على الانسحاب من لبنان تحت الضغط الدولي وإلا فلن ينجحوا، كما يمكن ملاحظة التهديد الأمريكي بقطع المساعدات عن مصر إذا لم تفرج عن سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون والذي اتهم بالاتصال بجهات أجنبية وإلحاق الضرر في الأمن القومي المصري. هذا فضلا عن دور المعارضة العراقية في تسليم البلاد للقوات الأمريكية وتحطيمها بالكامل بحجة الخلاص من نظام صدام حسين.
32) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، مصدر سابق، ص 1190
33) ربما يمكن إسقاطها في السياق رمزيا، لكن في معناها الأصلي فهي: "الولاء الكامل الذي لا ينقض والنصرة التامّة، فدمي دمُك وهدمي هدمُك".
34) د. أيمن الظواهري، المعادلة الصحيحة، مصدر سابق.
35) د. أيمن الظواهري، "دروس وعبر وأحداث عظام في سنة 1427هـ"، مصدر سابق.
36) من حقها أن تصدر الجماعة الإسلامية في مصر (24/ 5/ 2007)بيانا بعنوان: " فتح الإسلام..أم تدمير الأوطان" تعقب فيه على الوضع في نهر البارد بين جماعة فتح الإسلام والجيش اللبناني، لكن من المدهش حقا أن يبرئ البيان الجيش والدولة لا ليدين فتح الإسلام فقط مقدما إياهم قتلة وقطاع طرق بل ليدين السلاح الفلسطيني في الأردن ولبنان وسوريا وكأن الفلسطينيين بؤر توتر حيثما حلوا وأنهم دائما ما لا يحترمون مضيفيهم! http://www.egyig.com/Public/articles/announce/6/80033469.shtml.
37) شريط أبي يحيى الليبي: "توحيد آل سعود وتوحيد الحقمصدر سابق.
38) مهدي عاكف، منتدى حوار موقع الـ BBC " مرشد جماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف يرد على أسئلتكم "، شباط / فبراير 2007. وردا على سؤال لأحد الزوار: "ما هو موقف جماعة الإخوان المسلمين من تنظيم القاعدة و هل هو موجود حقا؟"، فأجابه المرشد العام بما يلي: "أنا شخصيا لا اعتقد أن هناك "تنظيم القاعدة"، إنما هو فكر منحرف يسري بين شباب الأمة بتحريض من العدو الصهيوني والأمريكي وتصرفاته ضد العرب والمسلمين. كما أن هذا الفكر ظهر نتيجة التصرفات التي يقوم بها هذا العدو ضد العرب والمسلمين. ليس غريبا أن تروج أمريكا والصهاينة هذا الفكر لأن كليهما لا يريدان لأحد أن يسمع عن الإسلام الصحيح والمعتدل أكثر من سماعه عن الإسلام الدموي. بل أن الإسلام الصحيح يحارب في مصر ومعظم الدول العربية والإسلامية". http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/talking_point/newsid_6370000/6370217.stm.
39) شريط أبي يحيى الليبي: "توحيد آل سعود وتوحيد الحقمصدر سابق. وكذلك: - أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم): "قراءة وتعليق على رسائل وبيانات الشيخ أسامة بن لادن و الدكتور سعد الفقيه إلى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وعلماء بلاد الحرمين"، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق (5)،مركز الغرباء للدراسات الإسلامية والإعلام، بدون تاريخ. الهروب إلى العمومات: "هو فَنُّ المشايخ الذي يتقنونه بعد إتقانهم فنَّ الشِّعارات، وإلا فأين هي أبحاثُ المشايخ التي تبينُ حكمَ الله في الأممِ المتحدةِ وميثاقها والشرعيّةِ الدوليّةِ ؟ وحكمَ الله في نظامِ الجنسيّةِ وترسيمِ الحدودِ والوطنية؟ ما حكمُ الله المفصّل في كلِّ هذه الأمورِ وغيرها مما تهرّبَ من الحديث عنها المشايخ؟ وكذلك ماذا قال الله في علاجِ ما ينتجُ عن هذه الأمور من أحكام ؟". أبو بكر ناجي، فتنة المصطلحات.. المصلحة والمفسدة نموذجاً، إدارة التوحش، ص 106.
40) الهروب إلى العمومات: "هو فَنُّ المشايخ الذي يتقنونه بعد إتقانهم فنَّ الشِّعارات، وإلا فأين هي أبحاثُ المشايخ التي تبينُ حكمَ الله في الأممِ المتحدةِ وميثاقها والشرعيّةِ الدوليّةِ ؟ وحكمَ الله في نظامِ الجنسيّةِ وترسيمِ الحدودِ والوطنية؟ ما حكمُ الله المفصّل في كلِّ هذه الأمورِ وغيرها مما تهرّبَ من الحديث عنها المشايخ؟ وكذلك ماذا قال الله في علاجِ ما ينتجُ عن هذه الأمور من أحكام ؟". أبو بكر ناجي، فتنة المصطلحات.. المصلحة والمفسدة نموذجاً، إدارة التوحش، ص 106.
41) شريط أبي يحيى الليبي: "توحيد آل سعود وتوحيد الحقمصدر سابق.
42) محمد اسعد بيوض التميمي، الوسطيون المحرفون لدين الله والحرب عى الإسلام؟؟ والوسطية في القرآن الكريم، 14/6/2007. موقع الكاتب: http://www.grenc.com/a/mTamimi/show_Myarticle.cfm?id=7432. والطريف في أمر هذا المفهوم أن تعميمه يشبه تعميم مفهوم "الأصولية" أو "التطرف"، ولكنه أكثر خطورة، إذ القول بالإسلام الوسطي يعني إسباغ الشرعية المفاهيمية على مقولات من نوع إسلام متطرف وإسلام ليبيرالي وإسلام عميل وهكذا، وجعل الإسلام عبارة عن مراتب ودرجات بعضها محمود وبعضها الآخر مذموم، فبأية صيغة يكون الدين عند الله الإسلام؟ ففي الماضي كان الإشكال في العالم الإسلامي يمس الفرق الضالة والمنحرفة ولم يكن يمس الإسلام مطلقا، أما في عصرنا الراهن فالتوصيفات تنسحب على الإسلام بوصفه عقيدة أو ديانة منحرفة تدعو إلى القتل والعنف، حتى بات من يتحرج من الاتهامات يجاهر بالزعم أنه من أصحاب الإسلام الوسطي وكأن الإسلام بالنسبة له بات تهمة ينبغي الهروب منها عبر مسميات أخرى ليست، بشكل أو بآخر، سوى إقرار بالمثالب التي يُرمى بها من القوى المعادية. وفي مقالة أخرى للكاتب سبقت الإشارة إليها يشن "التميمي" هجوما شرسا على الشيخ يوسف القرضاوي بوصفه إماما لما يسمى بالوسطية قائلا ( مع بعض التصرف): " سمعت الشيخ القرضاوي في حفل تنصيبه إماما (للوسطية) انه يُريد أن يجمع ويُوحد الأمة بشتى اتجاهاتها من (إسلاميين ويساريين ووطنيين وقوميين وليبراليين وجميع أصحاب الأيديولوجيات), فلا ادري كيف اعتبر هؤلاء من (أمة واحدة) ... فأي أمة التي تجمع هؤلاء أصحاب الأيدلوجيات المتناقضة؟ هل هي الأمة العربية أم الأمة الإسلامية؟ ... فكل فئة من هذه الفئات تشكل أمة وحدها, وقال أنه يُريد أن يأخذ من كل فئة أحسن ما لديها وحتى من الديانات الأخرى ليُكّون (الأمة الوسط) ذات الدين الوسطي الذي يدعو إليه والقائم على تحريف معنى الوسطية التي أرادها الله، وهذه الأمة التي يدعو لها لا يُمكن أن تكون الأمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى ... إن كثيرا من هذه الفئات تكفر بالله ولا تعبده وتعتبر الإسلام أفيون ورجعية وتخلف وظلامية يجب القضاء عليه ... فكيف يريد القرضاوي أن يكون إماما لهذه الأمم؟ أم انه يؤمن بوحدة الأديان والأيديولوجيات والعقائد والشرائع والمناهج؟"، راجع مقالته: "مفاهيمنا ومصطلحاتنا: مفهوم الأمة والهوية"، مرجع سابق.

*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:23 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
1) من المثير حقا أن تصدر مقالة تعتبر تحالف بعض أجنحة الإخوان المسلمين مع الأمريكيين في أفغانستان وخاصة العراق أو مع الأنظمة القمعية في الجزائر مجرد اجتهادات قد تصيب أو تخطئ! راجع، كمثال، مقالة: أسامة البغدادي، "حرب القاعدة على الإخوان ..العراق أنموذجا"، مع ملاحظة أن ذات المقالة جرى الترويج لها على نطاق واسع كما لو أنها حظيت بمباركة رسمية.
2) أبو محمد المقدسي،إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس، موقع منبر التوحيد والجهاد: http://www.tawhed.ws.
3) أسامة بن لادن، شريط "العلم للعمل"، مرجع سابق.
4) لاحظ مدى تذمر أبو مصعب السوري من موقف طلبة العلم وتعصبهم في أفغانستان.
5) الشيخ بكر عبد الله أبو زيد، حلية طالب العلم، ص 42، http://saaid.net/Warathah/bkar/index.htm.
6) أسامة بن لادن، شرح حديث كعب بن مالك، شريط مرئي، مؤسسة السحاب.
7) أَثر عن الإمام أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك، كما ورد في الفتاوى 28 / 442 لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، قولهما: "إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم" لأن الله يقول: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{(الغنكبوت 69). وحتى هذا القول المأثور ثمة من ينقضه بحجة أن أهل الثغور ليسوا معصومين رغم أن أحدا لم يقل بهذا.
8) عابد بن عبدالله البغدادي (أبو حارثة)، المجاهدون في العراق والشرك المميت، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية، الإصدار الأول: سلسلة ...نصيحة الجهاد إلى من نحسبهم خير العباد – صفر 1428. وفيه "دعوة إلى علمائنا ومشايخنا بأن يأخذوا الحذر في سماعهم لأخبار الجهاد والمجاهدين في العراق ، فالمنافقون وأصحاب الحظوظ والأهواء لا يجدون صعوبة في الوصول إليكم ، وإسماعكم أخبارا كاذبة عن المجاهدين وخلافاتهم ، كذبا تارة وتهويلا تارة أخرى بغية إبعادكم عن دوركم في نصرة المجاهدين هناك أو دفعكم للوقوف إلى جانب فصيل ضد آخر، فالحصول على المعلومات الصحيحة عن مجريات الأحداث هناك ليس صعبا إذا توخيتم اختيار الأشخاص الثقات من الذين ينقلون لكم الأخبار بأمانة وصدق وإخلاص".
9) أبو حمزة المهاجر، شريط مرئي موجه إلى علماء الأمة يدعوهم فيه إلى الالتحاق بساحات الجهاد وعدم التخلي عن المجاهدين. وكذا تأكيد الدعوة مؤخرا من الشيخ أبو الليث الليبي في مقابلته المرئية مع مؤسسة السحاب، 27/4/2007 الموافق ربيع الآخر 1428هـ.
10) "وجه الدكتور يوسف القرضاوي دعوة لشباب ومجاهدي تنظيم القاعدة بالخروج من سراديبهم ليتناقش معهم ومناظرتهم، ودعاهم لمجالسة العلماء ومخالطة الناس. ووصف مجاهدي القاعدة بأنهم "شبابا مفتونين" ودعاهم، (من على قناة الجزيرة) - تعليقا له على تفجيرات الجزائر أن يثوبوا إلى رشدهم، ويراجعوا فهمهم المغلوط، ويخرجوا من سراديبهم المظلمة، ويجالسوا العلماء ويناقشوهم، ويدَعوا فكر الخوارج الذي استباح دماء المسلمين"، وفي الواقع فقد أثارت الدعوة استهجانا وردود فعل سلبية بالنظر إلى لا معقولية الدعوة لدرجة أن أحد الكتاب وجه دعوى للقرضاوي، لا تخلو من سخرية، قائلا له: "دعوة للدكتور القرضاوي: أخرج من قصورك لمناقشة القاعدة في سراديبهم"، راجع مقالة الكاتب: عبد الإله حيدر الشائع على مدونته:
11) قارن مع بيوض التميمي، "مفاهيمنا ومصطلحاتنا: مفهوم الأمة والهوية"، مرجع سابق.
12) يفضل العودة إلى أبي بكر ناجي في تأصيله لقيام الدول وكيف فشلت الجماعات الإسلامية التي يسمها بـ "جماعات كف الأيدي" عن الأخذ بالسنن الكونية محتجين بأن الدولة يجب أن تبنى على الطريقة النبوية، ولهذا فقد أضاعوا فرصا كثيرة "وما زال أهل الإسلام يتناظرون ويتشاجرون حول الطّريقة المثلى لإقامة الدّولة الإسلاميّة ؟!! وكلّ المتناظرين يزعمون أنّ دليلهم فيما يقولون من إقامة الدّولة الإسلاميّة مشتقّ من الطّريقة النّبويّة ... ومازال الكثير من أهل الدين يجمع الناس ليحدّثهم عن الطريقة المُثلى في إسقاط الطواغيت، أو الطريقة المثلى في إحياء دولة الخلافة". أنظر مقالة: أبو بكر ناجي، "السنن الكونية بين الأخيار والأغيارإدارة التوحش، ص 97.
13) لاحظ خطاب الظواهري (المعادلة الصحيحة، مصدر سابق) وهو ينتقد الأحزاب العلمانية التي حشرت نفسها في أطر ضيقة بديلا عن العقيدة وكذا بعض القوى الإسلامية التي انضوت في إطار الجماعات والهيئات والمؤسسات الإسلامية فصارت عبئا عليها وكبلتها بقيودها.
14) من المحبذ العودة إلى: بيوض التميمي، "مفاهيمنا ومصطلحاتنا: مفهوم الأمة والهوية"، مرجع سابق.
15) يصف عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية المجاهدين في العراق بأنهم ممن قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} (النساء 76)، ولمن يذهب إلى العراق يخاطبهم بالقول: "تلقفتكم أيدي الظالمين والمجرمين فجعلوكم دروعا أمامهم ليكون الضرب والقتل عليكم وهم آمنون مطمئنون" مضيفا: " أتجاهد مع قوم لا تربطك بهم أي رابطة لا عقديا ولا فكريا ولا سلوكيا؟". تسجيل صوتي لوقائع خطبة جمعة ألقيت بتاريخ 12 / 6 / 1428 هـ في جامع الأمير تركي بن عبدالله، على موقع البث الإسلامي:
16) تصريحات علي عبدالله صالح التي وصف فيها بن لادن والظواهري بأنهما "عملاء للاستعمار والصهيونية العالمية وأنا أشك وأستغربكيف لم تتمكن المخابرات الدولية من القبض على هؤلاء العملاء حتى الآن"، وتأتي هذه التصريحات في أعقاب ما عرف بتفجيرات مأرب في 4/7/2007 بواسطة سيارة مفخخة استهدفت بانفجارها 13 سائحا إسبانيا قتل منهم سبعة واثنين من الأدلاء اليمنيين، صحف ووكالات.
17) الأمير نايف بن عبد العزيز (وزير الداخلية السعودي)، صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ21 / 9 / 2006 في العدد 10159.
18) يمكن المقارنة في السياق بفتاوى على النقيض تماما من فتوى عبد العزيز آل الشيخ، ففي 6/11/2004 وجه 26 عالما سعوديا بيان النصرة الشهير لأهل السنة في العراق، وفيه فتاوى تشرع لحق الشعب العراقي في المقاومة واعتباره في حالة جهاد الصائل، ويدعو الأمة إلى نصرتهم. على موقع إسلام أن لاين http://www.islamonline.net/arabic/news/2004-11/26/article06.shtml. ولقي البيان دعما مماثلا من 26 عالما يمنيا في 26/11/2004. وكذا بيان العلماء الـ 13 بتاريخ 18 نيسان / أفريل 2007حمل اسم "نداء للمجاهدين في العراق" في أعقاب تفجر الخلاف بين دولة العراق الإسلامية والجيش الإسلامي.
19) "غزوة نيويورك: أسباب ودوافع"، شريط مرئي، مؤسسة الصوارم، 17-9-2007.
20) عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية، 10/9/2006. على الشبكة:http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200.
21) قَسَم الشيخ بن لادن ورد في شريط مرئي (7/10/2001) إثر هجمات سبتمبر 2001 قبيل الهجوم الأمريكي على أفغانستان.
22) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة ... ، ص 867.
23) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة ... ، ص 834.
24) بيان الجماعة السّلفيّة للدّعوة و القتال بعنوان: " إشعار بتغيير التَسْمِيَة" بتاريخ 24 /1 / 2007.
25) نص بيان البيعة على موقع الجماعة بعنوان: "بيان وبشرى بانضمام ومبايعة الجماعة السلفية للدعوة والقتال"بتاريخ 13 / 9 / 2006.
26) في شريطه المرئي "دروس وعبر وأحداث عظام في سنة 1427هـ"، مصدر سابق، علق الظواهري على وضعية مقاتلي حركة فتح داعيا إياهم إلى العودة الإسلام قائلا: "أنا لاأدعوهم لِينضموا لحماس ولا لحركة الجهاد ولا للقاعدة ولكني أدعوهم للعودة إلى لإسلاملكييقاتلوا من أجل إقامة دولة الإسلامية على كل فلسطين وليس من أجل إقامة دولة علمانيةترضى عنهاأمريكا على فتات من فلسطين"، وفيما نعلم أنها المرة الأولى والوحيدة التي خاطب فيها الظواهري مقاتلي فتح مباشرة، والمرة الأولى التي يدعو فيها مسؤول بارز في القاعدة جماعات أو تنظيمات أخرى إلى القتال تحت راية التوحيد ولأهداف إسلامية دون أن يكون هناك ضرورة للالتحاق بالقاعدة.
27) د. أيمن الظواهري، نصيحة مشفق، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 5/7/2007.
28) تقرير عن الحركة الإسلامية في جنوب الفلبين بعنوان: "أسود الفلبين: إنهم قادمون"، مركز مورو الإعلامي، 15/8/2007. لعله الشريط المرئي الأول الذي يعرف بجماعة أبي سياف، وأطرف ما فيه أنه يطالب بأن يعامل المجاهدون في الفلبين، من حيث الدعم المطلوب، أسوة بالمجاهدين في أفغانستان وغيرها باعتبارهم يتبنون نفس المنهج ويرفعون نفس الأهداف.
29) أسامة بن لادن، (تعيين الزرقاوي أميرا لقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين)، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، تشرين أول/أكتوبر 2004.
30) ليس فقط الشيخ عطية الله بل هجمة د. أيمن الظواهري في أحد خطاباته والذي رد فيه بشدة على ما اعتبرهم "فقهاء التسول" ممن يزعمون، بحسب رأيه، حقهم في قيادة الأمة، فنراه يقول: "كيف يمكن أن يقود جهاد الأمة من يبيح لحكام مصر قتل المجاهدين والصلح مع إسرائيل؟ ومن يبيح للمسلمين القتال في الجيش الأمريكي ضد إخوانهم في أفغانستان؟ أو من يفتي المسلمات في فرنسا بوجوب خلع حجابهن طاعةً لحكومتها العلمانية المحاربة للإسلام؟ أو من يفتي المسلمين في بريطانيا بوجوب طاعة إليزابيث رئيسة كنيسة انجلترا؟ كل هؤلاء وأمثالهم لا يمكن أن يرتفعوا لمرتبة القيادة، لأنهم سقطوا في حضيض التسول". فـ "أي دين هذا؟ أي خلق هذا؟ أي شرف هذا؟ بل أي سقوط هذا؟"، للتحقق يفضل العودة إلى شريطه المرئي: "حقائق الصراع بين الكفر والإيمان"، 23/12/2006.
31) الشيخ عطية الله، لقاء معمركز اليقين،مصدر سابق.
32) سؤال مركز اليقين هو: "هل تتصور أن هذا التعارض أو الاختلاف في خطط ومناهج الجماعات المختلفة لانتشال العالم الإسلامي من وضعه الحالي قد يدفع إخوة الأمس للتصادم من أجل الإمساك بزمام القيادة وفرض كل لرؤيته ومخططه؟"، مصدر سابق.
33) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية)، "حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/4/2007.
34) صحف ووكالات 13 / 7 / 2007.
35) د. أكرم حجازي، "الصين تحت مجهر السلفية الجهادية"، مرجع سابق.
36) أبو حارثة … ، المجاهدون في العراق والشرك المميت، مصدر سابق.
37) لعل أكثر ما يلفت الانتباه ذاك الجهد الجبار الذي تبذله جماعات أو أفراد في استخراج المادة الأمنية، مثلا، من مصادر التشريع والتراث والسنة النبوية ووقائع الغزوات والفتوحات وطرق تحرك بعض الصحابة واقتراحاتهم في كيفية اختراق صفوف العدو. والحديث في هذا السياق يجري عن موسوعات متخصصة وتجميع للخبرات بصورة غير مسبوقة مقارنة بالجماعات الإسلامية التقليدية والحركات الثورية العربية وغير العربية.
38) الشيخ عطية الله في لقاء مركز اليقين وهو يتحدث عن أن: "الحركة الجهادية تراكمت لديها خبرات وتجارب وصارت لها مكتبة عامرة بالفقه والحكمة"، مصدر سابق.
39) في الحقيقة فإن أكثر ما يتميز به أنصار السلفية الجهادية في المنتديات تمسكهم في العلم الشرعي حين يضطرون للرد على الخصوم من التيارات الأخرى، فأيا كانت الحادثة سياسية أو عسكرية أو أمنية أو اقتصادية أو حتى نصح وإرشاد فإن أية محاججة سيكون مصيرها الفشل إن لم تستند في أدلتها وبراهينها إلى ميزان الشرع، وحتى في الخلافات العاصفة بين السلفية الجهادية وأقرانها من الجماعات الأخرى والتي وصلت في بعض الأحايين إلى صدامات مسلحة ظلت الخطابات تحتج بالموقف الشرعي أكثر من احتجاجها بأية مواقف سياسية أو ظروف أو مصالح.
40) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية… ، ص 827.
41) فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة، دار الخيال، ط1، 2005، بيروت لبنان.
42) أسامة بن لادن، شريط العلم للعمل. مصدر سابق.
43) د. أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية، مرجع سابق.
44) عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مرجع سابق.
45) قَسَم الشيخ بن لادن ورد في شريط مرئي (7/10/2001) إثر هجمات سبتمبر، مصدر سابق، وهذا نصه: " أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تحلم أمريكا ولا من يعيش في أمريكا بالأمنقبل أن نعيشه واقعا في فلسطين وقبل أن تخرج جميع الجيوش الكافرة من أرض محمد صلىالله عليه وسلم"، وهو ما عبر عنه الظواهري في شريطه المرئي "المعادلة الصحيحة" وهو يخاطب الأمريكيين: "الأمن قسمة مشتركة ... إذا أمنا فقد تأمنون وإذا سلمنا فقد تسلمون وإذا ضُربنا وقتلنا فحتما بإذن الله ستُضرَبون وتُقتَلون. هذه هي المعادلة الصحيحة فحاولوا أن تفهموها إن كنم تفهمون"، مصدر سابق.
46) بالإضافة للمصدر إياه "إدارة التوحش" يفضل الاطلاع على مقالته المعنونة بـ: "الخيانة أخس صفقة في التاريخ". وفي الحقيقة فإن كتابات أبو بكر ناجي لا يمكن أخذها مستقلة عن بعضها، فهي تشكل كتلة واحدة متراصة حتى ولو ظهرت في سلسلة من المقالات.
47) هذا التعبير أدخله الظواهري إلى الخطاب السلفي ليغدو من مشمولات أدبيات الجهاد العالمي، في الشريط المرئي الذي أصدرته مؤسسة السحاب تعقيبا من الظواهري على الحرب الإسرائيلية على لبنان، مؤسسة السحاب، 26/8/2006.
48) الشيخ عطية الله، لقاء مركز اليقين، مصدر سابق.
49) أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، مصدر سابق، ص 37.
50) نفس المصدر، ص 40.
51) في الحقيقة الأشرطة كثيرة التي تصدرها القاعدة عبر مؤسسة السحاب وتزكي فيها شهداءها نذكر منها شريط العلم للعمل وريح الجنة1 وقوافل الشهداء وبدر الرياض وغيرها.
52) أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد،27 ذي القعدة سنة 1427هـ. وتجدر الإشارة أن البحث يتضمن تحليلا عميقا لأحوال المجاهدين والصعوبات التي تعترضهم في عملياتهم القتالية خاصة ما يتعلق بدور بعض الأحياء والعشائر وحتى بعض القوى السنية الإسلامية التي تنشط ضد المقاتلين بالتعاون مع القوات الأمريكية والحكومية.
53) أبو عمر البغدادي، خطاب صوتي بعنوان: "حصاد السنين بدولة الموحدين"، 17 / 4 / 2007.
54) لمزيد من الاطلاع يمكن العودة إلى: د. أكرم حجازي، "هل يطفئ خطاب البغدادي نار الفتنة؟ المجتمع والعالمية والدولة (1)"، 18 / 4 / 2007. كذلك مشاهد الشريط الذي بثته مؤسسة الفرقان (30/5/2007) عن تأسيس دولة العراق الإسلامية لـ "كتائب الحراري" حيث ظهر من تحليل الشريط أنه صور وأنجز بينما كان المنفذون يتدربون على مهاجمة المدرعات الأمريكية. راجع مقالة الباحث بعنوان: "بيانات وتقارير عن أسلحة فتاكة بيد المجاهدين"، 8/7/2007، مدونة الكاتب:
55) كان لافتا للانتباه رد الشيخ بن لادن في خطاب الرثاء على تصريحات وتحليلات تنبأت بأفول عهد القاعدة في العراق إثر اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، ففي شريط الرثاء الصوتي نصح بن لادن الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم "الإكثار من الفرح" مشيرا أن "الراية لم تسقط وإنما انتقلت من أسد إلى أسد من أسود الإسلام"، وردت في تسجيل صوتي لبن لادن في 30/6/2006.
56) أبو يحيى الليبي، " فلسطين صيحة نذير وصرخة تحذير "، مؤسسة السحاب، ربيع الثاني 1428هـ الموافق29-4-2007م.
57) راجع كنموذج مقالة د. عصام العريان حول مراجعات الإخوان: "عشر سنوات على مبادرة وقف العنف: العودة إلى منهج الإخوان"، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 1760، 14/7/2007.
58) أبو حمزة المهاجر، خطاب صوتي بعنوان: "قل موتوا بغيظكم"، مصدر سابق.









*سلفيه مندسه* 02-01-2012 09:25 AM

رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
 
قائمة المصادر والمراجع

أولا: المصادر الشرعية
· القرآن الكريم
1) (لقمان: 13)
2) (الأنفال: 24، 67، 10)
3) (العنكبوت: 6،69)
4) (الكهف: 29)
5) (الفتح: 29).
6) (التوبة: 73، 105).
7) (الإسراء: 5)
8) (آل عمران: 126،159).
9) (البقرة: 194، 256)
10) (محمد: 21)
11) (النساء: 76، 104)
· الحديث الشريف
12) "إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم
13) [ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ ]حديث نبوي صحيح[.
ثانيا: الشرائط المرئية والصوتية
14) الشيخ أبو حمزة المهاجر، "قل موتوا بغيظكم"، تسجيل صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/5/2007.
15) الشيخ أبو حمزة المهاجر، "نداء إلى علماء الأمة"، شريط مرئي.
16) الشيخ أبو سليمان العتيبي القاضي الشرعي لدولة العراق الإسلامية، "لماذا نجاهد؟"، شريط مرئي، مؤسسة الفرقان، 12/4/2007.
17) الشيخ أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية)، "حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/4/2007.
18) الشيخ أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية)، "وقل جاء الحق وزهق الباطل"، مؤسسة الفرقان، تسجيل صوتي 22 / 12 / 2006.
19) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية)، "ويمكرون ويمكر الله"، مؤسسة الفرقان، تسجيل صوتي 14 / 9 / 2007.
20) الشيخ أبو الليث الليبي، مقابلة مرئية، مؤسسة السحاب، 27/4/2007 الموافق ربيع الآخر 1428هـ.
21) الشيخ أبو يحيى الليبي، "توحيد آل سعود وتوحيد الحقشريط مرئي، مؤسسة السحاب، جمادى الأولى 1428 - أيار /مايو2007.
22) أبو يحيى الليبي، " فلسطين صيحة نذير وصرخة تحذير"، مؤسسة السحاب، ربيع الثاني 1428هـ الموافق29-4-2007م.
23) الشيخ أسامة بن لادن، (تعيين الزرقاوي أميرا لقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين)، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، تشرين أول/أكتوبر 2004.
24) الشيخ أسامة بن لادن، شرح حديث كعب بن مالك، شريط مرئي، مؤسسة السحاب.
25) الشيخ أسامة بن لادن، عرض الهدنة، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، بتاريخ 17 أو 18 /2/2006.
26) الشيخ أسامة بن لادن، "العلم للعمل- الجزء الثاني "، شريط مرئي، وهو الشريط الذي بثته القاعدة بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عبر مؤسسة السحاب، 7/9/2006. واشتهر بـ "شريط التوثيق لأحداث سبتمبر".
27) الشيخ أسامة بن لادن "رثاء أبو مصعب الزرقاويتسجيل صوتي، مؤسسة السحاب، 30/6/2006.
28) الشيخ أسامة بن لادن، شريط (القسم) مرئي، مؤسسة السحاب، (7/10/2001.
29) الشيخ أسامة بن لادن، مقابلة مع الصحفي تيسير علوني في أفغانستان ( أكتوبر عام 2001) والتي لم تنشرها قناة الجزيرة.
30) الشيخ د. أيمن الظواهري، "الحرب على لبنان" شريط مرئي ، مؤسسة السحاب، 26/8/2006.
31) الشيخ د. أيمن الظواهري "حقائق الصراع بين الكفر والإيمان"، مؤسسة السحاب، شريط مرئي، 23/12/2006.
32) الشيخ د. أيمن الظواهري، "دروس وعبر وأحداث عظام في سنة 1427هـ"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 1428هـ.
33) الشيخ د. أيمن الظواهري، المعادلة الصحيحة، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 23 / 1 / 2007.
34) الشيخ د. أيمن الظواهري، نصيحة مشفق، مقابلة مرئية، مؤسسة السحاب، 5/7/2007.
35) الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية، تسجيل صوتي لخطبة جمعة، جامع الأمير تركي بن عبدالله، 12/6/1428 هـ، على موقع البث الإسلامي: http://www.liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=38624.
36)تقرير عن الحركة الإسلامية في جنوب الفلبين مقابلات مع أبي سياف: "أسود الفلبين: إنهم قادمون"، مركز مورو الإعلامي، 15/8/2007.
37)د. عبدالله فهد النفيسي، ندوة بعنوان: "أثر التحولات العالمية والإقليمية على مواقف التيارات الإسلامية في منطقة الخليج"، قناة الجزيرة ، 25/6/2006.
38) "كتائب الحراري"، شريط مرئي، مؤسسة الفرقان، 30/5/2007.
39) "غزوة نيويورك: أسباب ودوافع"، شريط مرئي، مؤسسة التنظيم، 17-9-2007.
ثالثا: البيانات
39) بيان الجماعة الإسلامية في مصر، "فتح الإسلام..أم تدمير الأوطان (24/ 5/ 2007)، على موقع الجماعة:http://www.egyig.com/Public/articles/announce/6/80033469.shtml.
40) بيان انضمام الجماعة السلفية في الجزائر إلى تنظيم القاعدة، "بيان وبشرى بانضمام ومبايعة الجماعة السلفية للدعوة والقتال"بتاريخ 13 / 9 / 2006.
41) بيان الجماعة السّلفيّة للدّعوة و القتال بعنوان: " إشعار بتغيير التَسْمِيَة" بتاريخ 24 /1 / 2007.
42) بيان النصرة لأهل السنة في العراق الصادر عن 26 عالما سعوديا، 26/11/2004. على موقع:
44) بيان النصرة لأهل السنة في العراقالصادر عن 26 عالما يمنيا، 26/11/2004.
45)بيان العلماء الـ 13 بعنوان: "نداء للمجاهدين في العراق18 نيسان / أفريل 2007الصادر في أعقاب تفجر الخلاف بين دولة العراق الإسلامية والجيش الإسلامي.
46)رسالة الشيخ سلمان العودة بعنوان: "سلمان العودة يوجه رسالة إلى أسامة بن لادن" في 15 / 9 / 2007، موقع الإسلام اليوم على الرابط: http://www.islamtoday.net/albasheer/show_news_content.cfm?id=73974، ورد الشيخحسين بن محمود عليها على الرابط: http://www.alekhlaas.net/forum/showthread.php?t=82622
رابعا: المصادر المكتوبة للسلفية الجهادية
47)بيان العلماء الـ 13 بعنوان: "نداء للمجاهدين في العراق18 نيسان / أفريل 2007الصادر في أعقاب تفجر الخلاف بين دولة العراق الإسلامية والجيش الإسلامي.
48)رسالة الشيخ سلمان العودة بعنوان: "سلمان العودة يوجه رسالة إلى أسامة بن لادن" في 15 / 9 / 2007، موقع الإسلام اليوم على الرابط: http://www.islamtoday.net/albasheer/show_news_content.cfm?id=73974، ورد الشيخحسين بن محمود عليها على الرابط: http://www.alekhlaas.net/forum/showthread.php?t=82622
رابعا: المصادر المكتوبة للسلفية الجهادية
49) الشيخ أبو بكر ناجي، إدارة التوحش.
50) الشيخ أبو بكر ناجي: "الخيانة أخس صفقة في التاريخ".
51) الشيخ أبو بكر ناجي، "السنن الكونية بين الأخيار والأغيار"، إدارة التوحش.
52) الشيخ أبو بكر ناجي، فتنة المصطلحات.. المصلحة والمفسدة نموذجاً، إدارة التوحش.
53) الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27 ذي القعدة سنة 1427هـ.
54) الشيخ أبو محمد المقدسي،إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس، موقع منبر التوحيد والجهاد: http://www.tawhed.ws.
55) الشيخ حامد العلي، "أشباح الانترنت"، قصيدة على موقعه: .
http://www.h-alali.info/q_open.php?id=6dc55ba4-543f-102a-b164-0010dc91cf69
56) الشيخ أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية.
57) الشيخ أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم): "قراءة وتعليق على رسائل وبيانات الشيخ أسامة بن لادن و الدكتور سعد الفقيه إلى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وعلماء بلاد الحرمين"، سلسلة قضايا الظاهرين على الحق (5)، مركز الغرباء للدراسات الإسلامية والإعلام، بدون تاريخ.
58) الشيخ عابد بن عبدالله البغدادي (أبو حارثة)، المجاهدون في العراق والشرك المميت، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية، الإصدار الأول: سلسلة ......نصيحة الجهاد إلى من نحسبهم خير العباد – صفر 1428.
59) الشيخ عطية الله، لقاء خاص مع مركز اليقين، وبحسب المركز فقد [أنجز اللقاء عبر المراسلة في العشر الأواخر من جمادى الأولى 1428هـ/يونيو2007م].
خامسا: المراجع
60) أسامة البغدادي، "حرب القاعدة على الإخوان ..العراق أنموذجا"، على موقع الرواق:
.http://www.alrewak.net/sub.asp?page1=v_tajarob&id=65
61) د. أكرم حجازي، بيانات وتقارير عن أسلحة فتاكة بيد المجاهدين، صحف، 8/7/2007، راجع مدونة الكاتب:http://drakramhijazi.maktoobblog.com/?post=399554#myComments
62) د. أكرم حجازي، تاريخية البرجوازية العربية – مجرد بروليتاريا. مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات ( محكمة ) / رام الله– فلسطين / العدد الثامن، تشرين أول - أكتوبر2006م، ص 297 - 303.
63) د. أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية – صحيفة القدس العربي، أربع حلقات ابتداء من 28 – 31 /9/2006.
64) د. أكرم حجازي، الصين تحت مجهر السلفية الجهادية – صحيفة الوقت البحرينية، العدد 322 - 326، خمس حلقات ابتداء من 7/1/2007.
65) د. أكرم حجازي، "هل يطفئ خطاب البغدادي نار الفتنة؟ المجتمع والعالمية والدولة (1)"، 18 / 4 / 2007. راجع مدونة الكاتب: http://drakramhijazi.maktoobblog.com/?post=293143
66) الشيخ بكر عبد الله أبو زيد، حلية طالب العلم، دراسة من 48 صفحة، ص 42،
67) عبد الإله حيدر الشائع، "دعوة للدكتور القرضاوي: أخرج من قصورك لمناقشة القاعدة في سراديبهم"، 11//2007، على موقع مدونة الكاتب:http://abdulela.maktoobblog.com/?post=320475.
68) عبدالله فهد النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية، 10/9/2006. على الشبكة:http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200
69) د. عصام العريان حول مراجعات الإخوان: "عشر سنوات على مبادرة وقف العنف: العودة إلى منهج الإخوان"، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 1760، 14/7/2007.http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=231407
70) علي عبدالله صالح، تصريحات سياسية، صحف ووكالات، 12/7/2007.
71) فؤاد حسين، الزرقاوي: الجيل الثاني للقاعدة، دار الخيال، ط1، 2005، بيروت لبنان.
72) محمد أسعد بيوض التميمي، الوسطيون المحرفون لدين الله والحرب على الإسلام؟ والوسطية في القرآن الكريم، 14/6/2007. موقع الكاتب: http://www.grenc.com/a/mTamimi/show_Myarticle.cfm?id=7432.
73) محمد أسعد بيوض التميمي، "في فقه المعركة: جهاد في سبيل الله وليس ونضال ومقاومة"،على موقع "إسلامنا" التابع لصحيفة الحقيقة الدولية الأردنية: http://islamouna.info/dnn/MemberDetails.aspx?Id=35.
74) محمد أسعد بيوض التميمي، مفاهيمنا ومُصطلحاتنا مفهوم الأمة والهوية، على موقع صحيفة الوطن الإلكترونية:
http://www.watan.com/index.php?name=News&file=article&sid=2933&theme=Pr inter
75) مهدي عاكف، منتدى حوار موقع الـ BBC " مرشد جماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف يرد على أسئلتكم "، شباط / فبراير 2007. http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/talk...00/6370217.stm.
76) الأمير نايف بن عبد العزيز، صحيفة الشرق الأوسط السعودية، 21 / 9 / 2006، العدد 10159.

رياض123 03-01-2012 01:33 AM

رد: (الصين تحت مجهر السلفيه الجهاديه-2)د/اكرم حجازي
 
بارك الله فيك اختي الفاضله وبدكتور اكرم حجازي
حقيقه موضوع مهم جدا ليتعرف الاعضاء هنا على اخواننا مسلمي الصين (تركستان الشرقيه) واسباب تحالف الصين مع امريكا وباقي الحلف العالمي من يهود ونصارى ورافضه ووو الخ لمحاربه الاسلام
وليعلمو ان الصين ليست حليف لنا وانما عدو وسيكون قريبا في واجه الصداره لاعداء هذة الامه ان لم نتنبه لخطرهم

*سلفيه مندسه* 03-01-2012 09:06 AM

ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»د/اكرم حجازي
 
ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»
(دراسة مقدمة إلى مركز الجزيرة للدراسات)
لم تنشر
د. أكرم حجازي
6/3/2010
المحتويات




مقدمة
أولا: عذرية الظاهرة ومنطق الأطروحة
ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة
ثالثا: عوائق البحث
رابعا: تداعيات منهجية
سؤال
قائمة المصادر والمراجع



*سلفيه مندسه* 03-01-2012 09:08 AM

رد: ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»د/اكرم حجازي
 
مقدمة

لا شك أن ضربة 11 سبتمبر وحربي العراق وأفغانستان، وما أعقبهما من بروز لظاهرة الجماعات الجهادية في إطار ما اشتهر بتيار « السلفية الجهادية»، مثّل فرصة ثمينة جدا لفهم الظاهرة، ولا شك أيضا أن ما يوصف بالإعلام الجهادي الإلكتروني، وعبر عشرات الشبكات ذات الصلة، قد وضع النقاط على الكثير من الحروف أمام الباحثين والدارسين للاطلاع على حقيقة الخطاب السلفي الجهادي ليس من خلال ما يقدمه الرموز فقط بل، وهو الأهم، من خلال رؤية الرواد والكتاب والعلماء وطلبة العلم والمنظرين وما يطرحونه من مواقف ورؤى وفتاوى وتأصيلات شرعية لقضايا سياسية ودينية طالما مثلت موضع خلاف حتى بين العلماء. وأكثر من ذلك أن هذه الأطروحات، الواقعة في إطار حرب الأفكار، والدائرة في ساحات المنتديات، بين مختلف التيارات الإسلامية، الجهادية وغير الجهادية، كشفت عن بعض مكنونات الظاهرة وكيفية التصدي لها بالبحث. لكن، يبقى الإشكال الرئيس أمام الباحث في استعداده للاضطلاع بمهمة عسيرة للغاية، وفي قدرته على الاستمرار في متابعة مرهقة للظاهرة خاصة فيما تصدره الشبكات أو ما يدور في رحى منتدياتها من حوارات ساخنة وتعبيرات عن مواقف تمثل، ولا ريب، رصيدا معرفيا خاما وهائلا باشتماله على أدق التفاصيل ومختلف التوجهات، ولعل معاينة لبعض كبريات المسائل التي تطرحها السلفية الجهادية لا ينبغي، منهجيا، أن يخرج عن هذه الساحات الحوارية. لكن السؤال: ما هي السمات المميزة للأطروحة السلفية الجهادية؟ وكيف وقع تناولها، منهجيا، من قبل الدارسين؟

أولا: عذرية الظاهرة ومنطق الأطروحة

خلافا لما هو شائع، فإننا نقرّ مسبقا أننا لسنا بصدد ظاهرة تقليدية مألوفة بحيث يمكن قراءتها بالقياس على ما سبقها من ظواهر تبدو للوهلة الأولى ذات مواصفات مماثلة، ولعل في هذا بعض العزاء للباحثين الذين عزفت غالبيتهم الساحقة عن محاولة الفهم، فلا الغربيون المعاصرون ولا العرب ولا المسلمون في شتى أنحاء العالم ولا غيرهم أيضا عاشوا مثيلا لها. فما الذي يمكن أن يفهمه عالَم اليوم، وليس الأمس، بمسلميه ونصاراه وبوذييه وهندوسييه وملحديه من أطروحات السلفية الجهادية عن قضية « التوحيد»، مثلا، أو « الراية» أو « الحاكمية» أو «الجهاد» أو « الولاء والبراء» أو « الاعتقاد» أو « الدين» أو « سايكس- بيكو» أو « الوطن» أو « الأيديولوجيا»، شرقيها وغربيها، بينما هو غارق حتى ناصيته في قيم الحداثة والعولمة ولغة السوق وسط ثورات تكنولوجية ورقمية لا سابق لها؟ وكيف يمكن لهذا العالَم أن يفهم الزمن بصيغته الأزلية (الثابت) أو يتوقف عنده قليلا وهو يعيشه بمقتضى الدقيقة والثانية في الواقع (المتغير)؟

بالتأكيد هذه الأطروحات التي ترى في العالَم وكأنه يعيش في « جاهلية» مسلحة بأحدث نظم العلم والمعرفة والتكنولوجيا ليست موضع ترحيب، ولا هي تتمتع بالكثير من المصداقية حتى عند المسلمين من أقران السلفية الجهادية، زيادة على أنها منبوذة. فهي بنظر البعض « مستحيلة التحقق»، و « متطرفة» عند البعض الآخر، و « خارجية» عند ثالث، و « باعثة على الفتن» عند رابع، وسبب رئيس في « تشويه الإسلام» عند خامس، و « مشبوهة» عند سادس و « ضالة» عند سابع و « مجنونة» عندثامن و « إرهابية» عند تاسع ... وهكذا في سلسلة لا تنتهي من التوصيفات المضادة. ولكن هذه التوصيفات لا تختلف كثيرا، بالنسبة للسلفية، عما واجهه محمد بن عبد الوهاب ومن بعده أئمة الدعوة النجدية حين جهروا في دعوتهم إلى تصحيح « التوحيد»، بل أنها لا تختلف عما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج، فمن صدق حينذاك، غير «قلّة» في مقدمتها الصحابي الجليل أبو بكر، بأن ما وقع كان حقيقة؟ وما الذي يجبر أحدا على أن يصدق أن ما تفعله السلفية اليوم منطقي؟ أو مشروع؟ أو ممكن التحقق؟

هكذا هي عذرية الظاهرة تتسبب دوما، ودون رحمة، بإلقاء المزيد من التساؤلات الغزيرة والمثيرة عن هوية السلفية الجهادية ونشأتها وماهية أطروحاتها؟ ومن يصنع القيادة فيها؟ وبأية شروط؟ ووفق أية آليات؟ ولماذا تحتاج الأمة إلى قيادة؟ وراية؟ ولماذا ترفض السلفية تسليم القيادة لأية جماعة أخرى؟ وما علاقة سايكس - بيكو بنوعية القيادة؟ وما هي مصادر قوتها وجاذبية خطابها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل فكرها وتفكيرها؟ وأين سيحط رحاله؟ أما لماذا هذا العناء؟ فلأن الظاهرة لم يجر توصيفها، بالدقة المأمولة، حتى الآن، ولما يكون الأمر كذلك فهل بمقدورنا، كباحثين، تحليلها؟ ناهيك عن نقدها؟

الأكيد أن التساؤلات كثيرة وكبيرة، أما الإجابات فقليلة إن لم تكن نادرة أو خاوية إنْ وجدت، والأسوأ أن السلفية الجهادية ذاتها ما زالت تقدم خطابا بلغتها هي لا بلغة العصر ولا بلغة العامة، وخطابا، إذا ما قسناه بلغة العلم، فهو أقرب إلى خطاب النخبة منه إلى خطاب العامة من الناس بمن فيهم المثقفين. فإذا نادت السلفية، مثلا، بـ « محاربة الطاغوت» أسقطته الغالبية حصرا على الحاكم وحده، وعدّه آخرون خروجا على الإمام أو ولي الأمر، وإذا نادت بـ « التوحيد» اتهمت بـ « التكفير»، وإذا دعت إلى محاربة « سايكس – بيكو» رأت فيه العامة والخاصة فتنة ورجعية وخروجا عن التحديث وسنن التغيير، وإذا ربحت معركة وصفوها بـ « الإرهاب» وإذا خسرتها حملوها المسؤولية.

ومع كل هذه التناقضات تستمر السلفية الجهادية كظاهرة في تحديها دون أن تلتفت كثيرا لما ينتظرها، وكأنها باتت تؤمن بأنها المسؤولة الوحيدة عن حماية « التوحيد» في زمن غدا فيه « الإيمان والكفر والشرك والردة» مسائل، على الأقل، ملتبسة تتطلب حوارا دوليا بين الأديان لإعادة تعريفها والتفاهم حول ماهياتها. هكذا هي، وبصورة تبعث على الدهشة فعلا حيثما وجدت، في أفغانستان والعراق ولبنان والشيشان والصومال وباكستان ... ، فما من جماعة جهادية أو حركة تحرر سابقة عليها اشتغلت بنفس الطرق والأدوات ماضيا وحاضرا، ولعلنا كنا نسمع ونراقب على الدوام، ولمّا نزلْ، عن محاولات سياسية من جماعات جهادية ووطنية تبدي استعدادها للمفاوضات ولو بشروط بينما لم نقع على أية مبادرات من هذا النوع من قبل السلفية الجهادية، اللهم تلك التي لا تخلو من لغة الإهانة للقوى الغازية وبشروط عسكرية صرفة أو شرعية[1] وكأنها في عز وتمكين ما بعده تمكين.

في ختام ندوة عن السلفية الجهادية عقدها المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية في العاصمة الأردنية (عمان) قلنا فيها بأن السلفية الجهادية، شئنا أم أبينا، باتت فاعلا استراتيجيا على المستوى الدولي[2]؛ تَقدّم مني أحد العاملين في القسم السياسي في السفارة البريطانية مستوضحا عن القول؟ ولافتا انتباهي إلى أنهم (مقاتلي السلفية) مجرد « قلّة»، ومتسائلا: كيف يكونوا فاعلا استراتيجيا؟ فقلت له: هم كذلك، وأنتم حقيقة في ورطة، لأنكم تتعاملون مع الآخرين بمقتضى العقل الوضعي والآلة التكنولوجية وتتناسون أن هؤلاء يتعاملون معكم بمقتضى الشريعة، ويستخرجون خبراتهم ومهاراتهم العسكرية والأمنية وتوجهاتهم السياسية والأيديولوجية من صميم العقيدة الإسلامية والسنة النبوية والتراث الإسلامي وليس من الكليات العسكرية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يقاتلونكم، بداية، بوصفهم « قلّة» لا بوصفهم جيوشا جرارة، وإلا فقل لي: من ضربكم في مدريد ولندن وبالي؟ وكم عدد الذين هدموا أبراج مانهاتن؟ ومن يقاتلكم في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال؟ ومن يضرب البنى التحتية في الجزيرة العربية؟ ثم هل تعتقد أن كُتابنا ومحللينا وكُتابكم ومحلليكم سيفهمون السلفية ويدركونها عبر ثقافتكم وتقنياتكم المنهجية وأنتم تتعاملون معهم فقط كإرهابيين؟ وكأن المقاربة الأمنية أو العسكرية هي الكفيلة بحل الإشكال؟ ألا تدركون بعدْ أن هذه « القلّة» تتحصن في العقيدة كمرجعية توجه كافة اختياراتها وترسم بواسطتها كل استراتيجياتها؟ وأنكم إنْ استطعتم اصطياد بعضهم عسكريا فلن تستطيعوا كسر ما يعتقدون به؟

الحقيقة أنني شعرت وكأن الرجل فوجئ بإجابتي، رغم أنني لست متأكدا أنه فهم أن « القلّة»، مثلا، في عقل هؤلاء، هي فعلا مفهوم شرعي واسع النطاق وليست مفهوما أمنيا يمكن رده إلى تعبيرات محدودة من نوع « حرب العصابات» أو « الخلايا النائمة» حتى لو تقاطعت معه في الشكل وبعض المضمون. ولو أخذنا نماذج أخرى للتحليل سنصل تقريبا إلى نفس النتائج. فالسلفية مثلا، وهي تسعى لِأنْ تجعل من تحقيق « التوحيد» واقعا غايتها النهائية، لا يمكن لها أن تقيم وزنا يذكر لمعيار « ميزان القوى» في الصراع مع الآخر العدو، ولا يمكن أن تحسب حسابا لما تسميه مثلا الجماعة الإسلامية في مصر بـ « الهدف المستحيل»[3]. ولو كان الأمر يتعلق بتطبيقات عقلانية لَمَا نفذت القاعدة هجمات 11 سبتمبر على أهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى على أعتى القوى الدولية، ولَمَا حارب الخليفة الراشد أبو بكر الصديق المرتدين وأنفذ بعث أسامة، وهو الأرق قلبا والأشد عاطفة، في الوقت الذي أصابت فيه الفتنة كبار الصحابة واجتاحت الردة الجزيرة العربية حتى لم يتبق منها سوى المدينة ومكة.

نفس الأمر ينطبق على مفاهيم « المقاومة» و « الجهاد» حيث المدخلات الشرعية لكل منهما تختلف عن الآخر، وكذا هو الحال بالضبط بالنسبة للمخرجات. ويمكن ملاحظة الأمر ذاته، أيضا، فيما يتعلق بالموقف من الأيديولوجيات والعقائد الوضعية وهي تتحدث مثلا عن «الوحدة العربية» أو « الوحدة الإسلامية» أو الوحدة الوطنية» كمصطلحات تعمل في نطاق منظومة « سايكس – بيكو» التي صممت أصلا لتعمل بموجب ميكانزمات التفكيك وليس التجميع أو التفريق وليس التوحيد، في حين أن الإسلام يستعمل بدلا من ذلك مفهوم « الاعتصام» الشرعي مرشدا وموجها لجماعة المسلمين. ولأن مدخلات مثل هذه المنظومة الاستعمارية التي تحولت مع الوقت إلى منظومة ثقافية لا يمكن لها أن تنتج مخرجاتها أي شكل من أشكال الوحدة نجد السلفية ترفع شعار « الدم الدم والهدم الهدم» لكل الأبنية القائمة بوصفها نماذج غير شرعية، فضلا عن أنها لا تصلح البتة كأدوات عمل لا للتوحد ولا للتفاهم ولا للتقاسم الوظيفي بين القوى الإسلامية أو بين هذه والقوى العلمانية[4].

إذن لما يكون الصراع مع « طواغيت العرب والعجم» بالمنظور السلفي الجهادي محملا بهذا المنطق من الفهم المغاير لكل ما سبقه، والذي يسعى إلى « الهدم» محليا ونقل المعركة من الهامش إلى المركز[5] بعقلية « اليوم نغزوهم ولا يغزوننا»، وعلى أساس الموقف العقدي بحسب تعبير أسامة بن لادن: «لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدة»[6] ؛ فالمعنى أن الوجهة المنهجية في قراءة الظاهرة يشوبها قصور بالغ إن لم تكن أخطاء قاتلة لن تفضي لأية نتائج.

*سلفيه مندسه* 03-01-2012 09:14 AM

رد: ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»د/اكرم حجازي
 
ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة

بداية لا بد من القول الفصل بأننا لسنا معنيين مطلقا ولا مضطرين لِأنْ نقبل أو نرفض أطروحة السلفية الجهادية، لكن منطق الأطروحة يفرض علينا التحدث بلغتها، وهو اختيار منهجي باعتباره وسيلة ناجعة تمكننا من الوقوف على المقاصد أو إدراك المعاني التي قد تساهم في فهم الظاهرة وتفسير خطاباتها والنظر في استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تعتقد به وتسعى إلى التعبير عن نفسها من خلاله[1]، فلعلنا بذلك نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، ولأن لغة العلم الشرعي صعبة حتى على كبار العلماء والفقهاء فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد في فهم الظاهرة بشرط عدم المس بجواهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.

هذا الاختيار المنهجي حاسم بالمقارنة مع ما يمكن وصفه بـ «الزلل المنهجي» لمن يلجؤون إلى قراءة الأطروحة السلفية اعتمادا على المقاربات الإعلامية أو الأيديولوجية أو الأمنية أو السياسية أو القانونية أو حتى التنظيمية أو الأماني والرغبات، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما ولا حزبا حتى وإن بدت أدواته الضاربة للعيان كذلك في مواضع شتى، فهو تيار عقدي يضم رموزا وقادة وعلماء وأنصارا ومجاهدين، لا فواصل بينهم ولا امتيازات ولا مغريات ولا هوى من أي نوع كان. وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة « التوحيد» التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا دون أن يعني ذلك عصمتهم من الوقوع بأخطاء قاتلة وتأويلات غير شرعية.

هذا المفهوم، « التوحيد»، قد يكون مألوفا تداوله والدفاع عنه بين الجماعات والفِرَق الإسلامية كافة على اختلاف عقائدها ومناهجها وصولا إلى الأحزاب العلمانية التي لا تنكره فضلا عن العامة من الناس. وبالتالي يبدو عصيا على الفهم، وربما استفزازيا، خاصة وأن السلفية الجهادية تظهر كمن يحتكر الوصاية على المفهوم بينما هو في الحقيقة من أصول الإيمان لدى كافة المسلمين. لكن حين يجري استعمال المفهوم لفحص عقائد ومناهج الجماعات والفرق الإسلامية سنجد فوارق كبرى تتراوح ما بين « التوحيد البراغماتي»، الذي لا يضيره التصالح مع أعداء الملة وحتى التحالف معهم إلى إذا لزم الأمر، و « التوحيد القبوري» الذي يصل إلى حدود الشرك كما هو الحال، مثلا، مع أغلب الفرق الصوفية. وسعيا منها لإبعاد « التوحيد» عن أية شوائب تعكر صفوه ونقاءه تلجأ السلفية إلى الاستعانة بمعيار « الولاء والبراء» لِنظْمه والتأكيد على أنه وحدة واحدة لا يقبل القسمة على غيره من العقائد والمذاهب الوضعية والأيديولوجيات، ولا يقبلالنسبة والتناسبولا يقبل التكامل في العمل ولا في آليات العمل ولا حتى في تقاطع المصالح معها ولا مشاركتها في الأهداف. وهو بهذا المعنى يختزل إجمالي التيار ويكشف عن هويته وطبيعة مواقفه وأطروحاته وعلاقاته البينية والخارجية، وحتى عن تاريخية نشأته.

على هذه الأرضية وانطلاقا منها؛ ليس غريبا أن يبدو التيار في واد وكافة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة ... في واد آخر ابتداء من الأعداء العقديين مرورا بالدول والجماعات والأحزاب والمنظمات وانتهاء بالنظم والشرائع والفلسفات القديمة والحديثة. وعلى هذه الأرضية أيضا؛ وانطلاقا منها، نشأت القاعدة كأطروحة عقدية. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنية النظام الدولي القائم وتقسيماته السياسية وعلاقاته ومؤسساته وقوانينه ونظم الاجتماع السياسي فيه؛ فلعله من الجدير بالذكر ملاحظة أن القاعدة كأحد الأدوات الضاربة، بخلاف الجماعات والأحزاب الوطنية، هي جزء من تيار لا يمكن نسبة نشأته إلى أية أطر سياسية أو أيديولوجية أو جغرافية أو حتى ديمغرافية[2]. وهذا يعني أن هوية التيار ونشأته تقع، حكما، في منطقة عقدية وليس سياسية ولا أيديولوجية، وهو ما تؤكده نشأة القاعدة ذاتها في أفغانستان وأغلب جماعات التيار المسلحة خاصة في العراق والصومال وحتى في الجزائر.

إذ خلافا لما هو شائع؛ فـ « القاعدة» نشأت منذ اللحظات الأولى لتأسيس بيت الأنصار بوصفها مؤسسة خدماتية ذات « سجل إداري» يُعنى بأحوال المتطوعين العرب وليس كتنظيم أو حزب أو حركة سياسية محلية ذات أيديولوجية وهيكلية تقليدية، ولم تقدم نفسها كذلك لا قبل مرحلة الجهاد الأفغاني الأول ولا في ظل حكم حركة « طالبان» الذي ابتدأ فعليا من العام 1996. وبعد انتهاء المرحلة الأولى لم يتبق من « السجل» الذي اشتمل على بيانات بآلاف المتطوعين سوى بضعة مئات التحقوا ببن لادن في السودان، هم من المريدين أو المقربين أو الأنصار. بل أن « القاعدة»، كتسمية، لم تظهر قط في أية وثيقة رسمية قبل تأسيس « الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين سنة 1998»، وإلى جانب « جماعة الجهاد» المصرية[3] وليس بصفة منفردة. وكان من المفترض أن يكون الإعلان عن ميلاد « الجبهة» بمثابة العنوان الرئيس للتيار الجديد، لكنها سقطت ولم يصدر عنها أية بيانات لاحقة في حين ثبتت القاعدة. ويبدو أن الإعلام الدولي وأجهزة الأمن العالمية تقبلوا مصطلح « القاعدة» كتنظيم حتى قبل تأسيس « الجبهة» لكنهم وإنْ تقبلوه كأطروحة عقدية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إلا أنهم لم يدركوا، بعدْ، جواهر الأطروحة إلا بوصفها « أيديولوجية إرهابية متطرفة»[4].

لو تتبعنا الأمر في العراق سنقع على نشأة مماثلة لم يكن التنظيم فيها، بحد ذاته، هدفا. فـ « جماعة التوحيد والجهاد» خاضت قتالا مريرا ضد الأمريكيين والقوى الحليفة لها في العراق قبل أن تتخذ لها اسمها أو تفكر حتى بإصدار بيان يتبنى ما تقوم به من عمليات، أما أبو مصعب الزرقاوي فلم يكن، آنذاك، ليفكر بتأسيس جماعة أو قيادتها قبل أن ينضم أبو أنس الشامي إليه ويصر لاحقا على ضرورة وجود هوية وقيادة لمن يقاتلون معه خاصة بعد أن تبنت جهات عديدة المسؤولية عن عمليات قام بها مقاتلوه[5]. أما « حركة الشباب المجاهدين» في الصومال فكانت مندمجة في إطار « المحاكم الإسلامية»، وقبل ذلك لم تتخذ لها اسما، ولم يعرف عنها أي شيء يذكر قبل الغزو الأثيوبي للصومال وسقوط « المحاكم»*.

الحقيقة أن الشواهد على عقدية التيار أكثر من أن تخطئها العين، ومع ذلك فقد اتجهت الكثير من الدراسات والتحليلات إلى قراءة القاعدة والتيار كما لو أنها تنظيم تقليدي يمكن تفكيكه أو هزيمته عبر المقاربة الأمنية أو الإعلامية أو حتى التنظيمية. وفي السياق بدا واضحا محاولات الفصل المحمومة بين قيادات القاعدة على أساس وطني، كالتفريق بين السعوديين والمصريين أو الفلسطينيين والسعوديين أو الزعم بوجود تنافس في القيادة ين المصريين والليبيين. وغني عن البيان الفشل الذريع الذي منيت به مثل هذه القراءات خاصة وأن التيار برمته لا يعترف قط بالتراث الوضعي ولا بمفاهيمه وتقنياته ومصطلحاته ونظمه المعرفية ولا بنماذجه الثقافية. فالتيار يجتمع حول مرجعية عقدية، ويسترشد في عمله وسلوكه ويبني سياساته انطلاقا من النص الشرعي والسنة والاجتهاد والإجماع، أما أدائه الميداني فيقع بموجب ما تفرضه السياسة الشرعية من مصالح ومفاسد وكذا التراث والفتوحات والغزوات الإسلامية وما تقدمه من نماذج قابلة للاقتداء.

[1]أطرف ما قيل في مايكل شوير رئيس الوحدة المكلفة بملف أسامة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، حين كان يمازحه أصدقائه: «لعل شيطان أسامةقد ركبك!»، ذلك أن الرجل ربما يكون أدرك بعضا من عقل أسامة وخطاب السلفية وبات يتحدث بلغتها، ومع ذلك فقد فشل في القبض على غريمه وتم حل الوحدة وإقالته من منصبه.

[2] سعيد علي عبيد الجمحي، « تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. الامتداد (اليمن أنموذجا)»، ط1، (القاهرة – مصر، مكتبة مدبولي، 2008)، ص 35.

[3]كل البيانات والمذكرات التي كان يصدرها بن لادن، قبل إعلان الجبهة، بما فيها بيانه الأول ضد الولايات المتحدة في شهر نوفمبر سنة 1996، والذي حمل عنوان: «إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب»،كانت توقع باسمه ولم توقع باسم القاعدة كتنظيم رغم تداول التسمية بين أنصار بن لادن.

[4] لا بد من الإشارة إلى أن كل ما أنجزته مؤسسة راند للأبحاث فيما يتعلق بالجماعات الجهادية في العراق استند إلى التمييز بينها على أسس أيديولوجية أكثر منها عقدية. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها وضعت هدفا أمنيا يستهدف محاربة التيار وليس دراسته أكاديميا، لذا فقد نجحت الولايات المتحدة باختراق الساحة لضرب الجماعات الجهادية ببعضها لكنها لم تنجح في احتواء أطروحة التيار.

[5]الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27ذي القعدة سنة 1427هـ، ص 14.

* غزت القوات الأثيوبية الصومال في 24/12/2006، وانسحبت منه بتاريخ 15/1/2009.


الساعة الآن : 08:32 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 879.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 878.16 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.20%)]