|
فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() ربانية الشريعة الإسلامية: يظن كثير من المسلمين أن التأمين بصورته الحالية يحقق لهم منافعَ لا نظير لها، ونسيَ هؤلاء أن الشريعة الإسلامية كفيلة بتحقيق مصالحَ أكبرَ من تلك المصالح التي يظنونها في شركات التأمين المعاصرة، فضلًا عن دَرْئِها للمفاسد، التي تزيد في تحقيق المصالح، إن الشريعة الإسلامية الغرَّاء لم تقف حائرة ولا جامدة أمام مشكلة أو حادثة، بل وجدت فيها الحلول العاجلة والعادلة لكل ما يستجدُّ من أحداث في كل مكان وزمان، فهي تفصل في كل دعوى، وتحكم في كل قضية، وتفتي في كل حادثة، وهي بذلك تستطيع أن تواجه كل مشكلة وتحل كل عقدة، فمهما تطورت العلوم، وتشعبت مذاهب الحياة، ومهما تجددت الحوادث وتعقدت مشاكل الحياة، فإن الشريعة الإسلامية قادرة على حل جميع مشاكل الحياة، كيف لا وهي شريعة رب العالمين التي أنزلها على خاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ إن الشريعة الإسلامية تؤمِّن رزق كل إنسان، فهي تحقق الأمان للمجتمع الإسلامي، على عكس المجتمعات غير الإسلامية التي احتاجت إلى قوانين تؤمن لهم حياتهم، لقد دعا الإسلام إلى التكافل؛ فدعا القادر لمساعدة العاجز، والغنيَّ لمساعدة الفقير، لقد بنى الإسلام شريعته وأقام نظامه على أساس قويٍّ من عزة النفس الإنسانية وكرامتها، فوضع من الأنظمة المالية والجزاءات التأديبية ما جعل الفقير وذوي الحاجة والعاجز عن الكسب يعيش في مأمَن من الخوف والضيق، ووَصَلَهُم بعون مادي لا ينقطع ما دامت روح الإسلام تملأ قلوبهم، وتسيطر على نفوسهم وتتغلغل في المجتمع، فكان التعاون الذي يشير إليه القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]؛ [التأمين في الشريعة والقانون للدكتور شوكت محمد عليان، ص: 179، ص: 181]. الإسلام دين التكافل: إن الإسلام منهج حياة، فهو يحثنا دائمًا على التكافل والتراحم والمحبة؛ لتحقيق الخير والطمأنينة في المجتمع، وذلك من خلال آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ وسوف نذكر بعضًا منها: أولًا: القرآن الكريم: يقول الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]. وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. وقال جل شأنه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 8، 9]. وقال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]. ثانيًا: التكافل في السنة: روى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا))؛ [مسلم حديث: 2585]. روى مسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى))؛ [مسلم حديث: 2586]. وروى الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلم: ((أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربةً، فرَّج الله عنه كُرْبةً من كُرُبات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))؛ [البخاري حديث 2442، مسلم حديث 2580]. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: ((بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يَصْرِف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضلُ ظهرٍ، فلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زاد، فلْيَعُدْ به على من لا زاد له))؛ [مسلم حديث: 1728]. وروى مسلم عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))؛ [مسلم حديث: 2059]. وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرْمَلُوا في الغزو أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّوِيَّة، فهم مني وأنا منهم))؛ [البخاري حديث 2486، مسلم حديث 2500]. إن المسلمين الأوائل قد طبَّقوا شرائع الإسلام، فتغلَّبوا بفضل الله على ما قابلهم من أزمات، وحلَّ الرخاء محل الجَدْبِ، وأصبح كل مسلم آمنًا على نفسه ومأكله، ومسكنه وأولاده، وأمواله التي وضعها في التجارة؛ ثقةً برزق الله، الذي كفله لجميع الخلق. قال سبحانه: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]. وسائل التكافل في الإسلام: إن للتكافل في الإسلام وسائلَ كثيرة، وسوف نتحدث عنها بإيجاز شديد: أولًا: التكافل في الأسرة: فرض الإسلام النفقاتِ في محيط الأسرة، وجعل كل قادر فيها مسؤولًا عن العاجز والفقير فيها؛ ولذا فقد كان نظام العاقِلة، وأن الوصية في حدود الثلث، وأنها لا تجوز لوارث؛ تمكينًا لرابطة الأسرة الواحدة. ثانيًا: التكافل بين الناس جميعًا: إن التكافل في الإسلام متحقِّق بالنسبة للناس جميعًا، وذلك من خلال وسائلَ عديدة، يمكن أن نوجزها فيما يلي: 1 – الزكاة المفروضة: إن الزكاة هي الركن الاجتماعي البارز من أركان الإسلام، وهي الحق المعروف في أموال الأغنياء، وتعتبر الزكاة وقاية اجتماعية وضمانة للعاجز الذي يبذل جهده، ثم لا يجد ما يسد حاجته الضرورية من المسكن والمأكل والملبس، وما شابه ذلك. إن للزكاة من الفوائد والمنافع ما به عمارةُ الكون ونظام الهيئة الاجتماعية؛ وذلك لأن الله لم يخلق الناس متساوين لحِكَمٍ جليلة، فجعل منهم الغنيَّ والفقير، وجعل لهذا الفقير حقًّا معلومًا في مال الغني يأخذه منه كل عام، فيسُدُّ به حاجته الضرورية، ويعم الأمن بين الناس، فالغني يتمتع بماله آمنًا، والفقير يُكفَى المؤونة والحاجة، فيكفي الناس شروره، فإن كثيرًا من أنواع الشر، كالسرقة والنصب والغش والخداع ينشأ من اضطرار الفقراء، وضيق يدهم، فإذا دفع الأغنياء زكاةَ أموالهم، كان ذلك سببًا في دفع الشرور، وتثبيتًا لدعائم الأمن في المجتمع المسلم، وفي إخراج الزكاة أيضًا إيجادُ رُوحِ الاتحاد بين المسلمين؛ لأن الله أراد أن يجمع العالم الإسلامي، ويربط قلوب المسلمين بعضهم ببعض بحيث يصبح الجميع كعائلة واحدة، ويكون الأغنياء منهم بمثابة آباء ورؤوسٍ لتلك العائلة، فيُحسنون على فقرائهم، ويوسِّعون على من ضاقت به الحياة منهم، ويحمونهم من ذلِّ السؤال، والزكاة بهذا المعنى تعتبر ركنًا من أركان المدنية، وفضيلة من أكمل الفضائل الإنسانية، التي تدعو إلى الارتباط والاتحاد والتعاون، ولو أخرج جميع أغنياء المسلمين زكاة أموالهم، ما وجدنا فقيرًا يئِنُّ من ألم الفقر، ولا جائعًا يشكو من الجوع، ولَقَامَ الفقراء بخدمة الأغنياء بصدق وإخلاص؛ [التأمين في الشريعة والقانون للدكتور كنعان محمد عليان، ص: 181، ص: 186]. وقد حدَّد الله ثمانية أصناف من الناس تُصرَف لهم زكاة الأموال. قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]. الصدقات الاختيارية: لقد حثَّنا الإسلام على الصدقات من أجل سدِّ حاجة الفقراء والمساكين، وتدعيمًا لأواصر الأخوة بين المسلمين، وتحقيقًا للتكافل بينهم في داخل المجتمع الواحد. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]. وقال سبحانه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]. وقد اعتبر القرآن الكريم الصدقةَ قرضًا لله مضمونَ الوفاء. قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]. وقال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]. الصدقات الواجبة: ومن صور التكافل في الإسلام أن الشريعة الإسلامية قد أمرت بأنواع من الصدقات الواجبة، التي يجب على المسلم الذي تنطبق عليه شروط إخراجها؛ ومن هذه الصدقات الواجبة: صدقة الفطر والكفارات، وهي عقوبات قدَّرها الشرع الشريف عند ارتكاب أمر فيه مخالفةٌ لأوامر الله تعالى؛ ومن ذلك: 1- كفارة القتل الخطأ. 2- كفارة اليمين المنعقدة. 3- كفارة الظِّهار. 4- كفارة الأذى للمُحْرِم بالعمرة أو الحج. 5- كفارة من جامع زوجته قبل التحلُل. 6- كفارة من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان عمدًا. 7- كفارة من انصرف من عرفةَ قبل غروب الشمس. 8- كفارة من لم يبِتْ بمزدلفة. 9- كفارة المُحصَر إذا لم يشترط. 10- كفارة من ترك الميقات من غير إحرام. 11- كفارة صيد البَرِّ للمحرم. 12- كفارة لُبس المخيط. 13- كفارة قطع شجر الحرم ونباته الأخضر إلا الإذخر. 14- كفارة العاجز دائمًا عن صوم رمضان. 15- كفارة العجز عن الوفاء بالنذر. ومن الصدقات الواجبة أيضًا: الهدْيُ بالنسبة للقارن والمتمتع بالحج والعمرة، ومنها أيضًا: النذور، وهناك صدقات واجبة غير ذلك، والهدف من هذا كله هو طاعة الله تعالى، والتوسعة على الفقراء والمحتاجين. إن تعاليم الشريعة الإسلامية تهدف إلى تحقيق التكافل بين الأفراد في جميع نواحي الحياة. والفرد في المجتمع المسلم جزء من كلٍّ، الفرد مسؤول عن الجماعة، والجماعة مسؤولة عنه. فهل بعد هذه الكفالات والضمانات الموجودة في الشريعة الإسلامية الغراء، نحتاج إلى البحث عن ضمانات أخرى أو قوانينَ بشرية تنظم لنا أمور حياتنا، وتؤمن لنا مستقبل حياتنا؟! [التأمين في الشريعة والقانون للدكتور كنعان محمد عليان، ص: 186، ص: 190]. فتاوى العلماء في المعاشات والتأمينات الاجتماعية: سوف نذكر بعض فتاوى العلماء في حكم المعاشات والتأمينات الاجتماعية: 1- فتوى مجمع البحوث الإسلامية: 1- قرر علماء المسلمين في مؤتمرهم الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة 1385 هـ، والخاص بالتأمين ما يلي: أ- التأمينات التي تقوم به جمعيات تعاونية، يشترك فيها جميع المستأمنين، لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات - أمر مشروع، وهو من التعاون على البر. ب- نظام المعاشات الحكومي، وما يشبهه من نظام الضمان الاجتماعي المتَّبَع في بعض الدول، ونظام التأمينات الاجتماعية المتبع في دول أخرى، كل هذا من الأعمال الجائزة. 2- فتوى المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية: قرَّر علماء المسلمين في مؤتمرهم الثالث لمجمع البحوث الإسلامية ما يلي: التأمين التعاوني والاجتماعي، وما يندرج تحتهما من التأمين الصحي ضد العجز والبطالة والشيخوخة، وإصابة العمل، وما إليها – جائز؛ [موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس، ص: 379]. 3- فتوى مجمع البحوث الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي: قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي بالإجماع، في دورته الأولى المنعقدة في 10 شعبان 1398 هـ بمكة المكرمة: جواز التأمين التعاوني بدلًا من التأمين التجاري المحرَّم؛ للأدلة الآتية: 1- أن التأمين التعاوني من عقود التبرع، التي يُقْصَد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية، تُخصَّص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحًا من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم، والتعاون على تحمل الضرر. 2- خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النَّساء، فليست عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جُمع من الأقساط في معاملات ربوية. 3- أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون، فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة، بخلاف التأمين التجاري، فإنه عقد معاوضة مالية تجارية. 4- قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جُمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أُنشئ هذا التعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعًا أو مقابلَ أجر معين؛ [التأمين لسعدي أبو جيب، ص: 83، ص: 84، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للسالوس، ص: 392، ص: 393]. فتاوى العلماء في التأمين التجاري: سوف نذكر بعض فتاوى أهل العلم في التأمين التجاري: 1- فتوى ابن عابدين في التأمين: سئل الفقيه الحنفي ابن عابدين (وُلد عام 1198 هـ/ 1784 م، ومات عام 1252 هـ / 1836 م) عما جرت به العادة من أن التجار إذا استأجروا مركبًا من حربيٍّ، يدفعون له أجرته ويدفعون أيضًا مالًا معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده، يُسمَّى ذلك المال: سَوْكَرَةً (تأمين)، على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء، يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تمامًا. فأجاب رحمه الله: الذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذُ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لا يلزم، فإن قلت: إن المودِع إذا أخذ أجرةً على الوديعة يضمنها إذا هلكت، قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل؛ لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة، بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيرًا مشتركًا قد أخذ أجرةً على الحفظ وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه؛ كالموت والغرق ونحو ذلك؛ [رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج: 3، ص: 249، ص: 250]. وهكذا ذهب ابن عابدين إلى أن التأمين غير مشروع. 2- فتوى دار الإفتاء المصرية: 1- التأمين على الحياة غير جائز شرعًا، ومن ثَمَّ فلا تعتبر قيمة التأمين تركة تقسم بين الورثة. 2- ما دفعه الميت في حياته لشركة التأمين، يُستَرَدُّ منها بدون زيادة، ويعتبر تركة تقسم بين الورثة حسب الفريضة الشرعية. 3- التأمين ضد الحريق غير جائز شرعًا؛ لِما فيه من غَبْنٍ وضرر؛ [فتاوى دار الإفتاء المصرية، ج: 4، رقم 667، ص: 1401، ج: 10، رقم 1278، ص: 3445، ص: 3449]. 4- ضمان الأموال في الشريعة الإسلامية، إما يكون بطريق الكفالة، أو بطريق التعدي، أو الإتلاف، وليس عقد التأمين شيئًا من ذلك؛ [فتاوى دار الإفتاء المصرية، ج: 4، رقم 667، ص: 1401، ص: 1402]. 5- عقد التأمين ليس عقدَ مضاربة؛ لأن عقد المضاربة يلزم فيه أن يكون المال من جانب صاحب المال، والعمل من جانب المضارِب، والربح على ما شرطا، وأما أصحاب شركة التأمين، فإنهم يأخذون المبالغ التي يأخذونها في نظير ما عساه أن يلحق الملك المؤمَّن عليه من أضرار، لأنفسهم، ويعملون في تلك المبالغ لأنفسهم، لأصحاب الأموال؛ [فتاوى دار الإفتاء المصرية، ج: 4، رقم 667، ص: 1401، ص: 1403]. 3- فتاوى اللجنة الدائمة: التأمين على السيارات حرام، وكذا التأمين على الحياة وعلى الأعضاء، وعلى البضاعة، وسائر أنواع التأمين التجاري؛ لِما في ذلك من الغرر والمقامرة وأكل الأموال بالباطل؛ [فتاوى اللجنة الدائمة، ج: 13، فتوى رقم 4910، ص: 156، ص: 157]. 4- فتوى ابن عثيمين: سُئل ابن عثيمين عن حكم التأمين على الممتلكات. فأجاب رحمه الله: التأمين معناه أن الشخص يدفع إلى الشركة شيئًا معلومًا شهريًّا أو سنويًّا، من أجل ضمان الشركة للحادث الذي يكون على الشيء المؤمَّن، ومن المعلوم أن الدافع للتأمين غارم بكل حال، أما الشركة فقد تكون غانمة، وقد تكون غارمة، بمعنى أن الحادث إذا كان كبيرًا أكثر مما دفعه المؤمن، صارت الشركة غارمة، وإذا كان صغيرًا أقل مما دفعه المؤمن، أو لم يكن حادث أصلًا، صارت الشركة غانمة، والمؤمن غارم، وهذا النوع من العقود – أعني: العقدَ الذي يكون الإنسان فيه دائرًا بين الغُنْمِ والغُرْمِ – يعتبر من المَيْسِرِ الذي حرمه الله تعالى عز وجل في كتابه، وقرنه بالخمر وعبادة الأصنام. وعلى هذا؛ فهذا النوع من التأمين محرم، ولا أعلم شيئًا عن التأمين المبنيِّ على الغرر يكون جائزًا، بل كله حرام؛ لحديث أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر))؛ [مسلم حديث: 1513]؛ [فتاوى علماء البلد الحرام، ص: 418]. 5- فتوى ابن جبرين: سُئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين عن حكم التأمين على السيارات. فأجاب فضيلته: التأمين في نظري نوع من الضرر؛ حيث إن الشركة قد تأخذ من بعض المؤمِّنين أموالًا كل سنة، ولا تعمل معهم شيئًا، ولا يحتاجون إليها في إصلاح ولا غيره، وقد تأخذ من البعض الآخر مالًا قليلًا، وتخسر عليه الشيء الكثير، وهناك قسم من أصحاب السيارات قليلٌ إيمانهم وخوفهم من الله تعالى، فمتى أمَّن أحدهم على سياراته، فإنه لا يبالي بما حصل، فيتعرض للأخطار ويتهور في سيره، فيسبب حوادثَ، ويقتل أنفسًا مؤمنة، ويُتْلِف أموالًا محترمة، ولا يهمه ذلك؛ حيث عَرَفَ أن الشركة سوف تتحمل عنه ما ينتج من آثار ذلك، فأنا أقول: إن هذا التأمين لا يجوز بحال لهذه الأسباب وغيرها، سواء على السيارات أو الأنفس أو الأموال أو غيرها؛ [فتاوى علماء البلد الحرام، ص: 405]. 6- فتوى المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي: في عام 1396 هـ/ 1976 م عُقد المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة، اشترك فيه أكثر من مائتي عالم، وأستاذ في الشريعة والاقتصاد، كان عقد التأمين من الموضوعات التي بحثوها، وانتهوا إلى ما يلي: يرى المؤتمر أن التأمين التجاري الذي تمارسه شركات التأمين التجارية في هذا العصر لا يحقق الصيغة الشرعية للتعاون والتضامن؛ لأنه لم تتوافر فيه الشروط الشرعية التي تقتضي حِلَّه. ويقترح المؤتمر تأليفَ لجنة من ذوي الاختصاص من علماء الشريعة وعلماء الاقتصاد المسلمين؛ لاقتراح صيغة خالية من الربا والغرر، يحقق التعاون المنشود بالطرق الشرعية بدلًا من التأمين التجاري؛ [فقه البيع والاستيثاق للدكتور علي السالوس، ص: 1433]. 7- فتوى مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي: إن مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في 10 شعبان 1398 هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي، نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة، وبعدما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد الدراسة الوافية وتداوُلِ الرأي في ذلك، قرر بالإجماع، عدا فضيلة الشيخ/ مصطفى الزرقا: تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء أكان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك؛ للأدلة الآتية: الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا أو قسطين ثم تقع الكارثة، فيستحق ما التزم به المؤمِّن (شركة التأمين)، وقد لا تقع الكارثة أصلًا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئًا، كذلك المؤمِّن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي، ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده؛ وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلمالنهي عن بيع الغرر. الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة؛ لِما فيه من المخاطرة في المعاوضات المالية، ومن الغُرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغُنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ، فإن المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمِّن (شركة التأمين) كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر، ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة، كان قمارًا، ودخل في عموم النهي عن الميسر؛ في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91]. الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنَّساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد، أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمِّن (شركة التأمين) يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نَساء، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثلما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع. الرابع: عقد التأمين التجاري من الرِّهان المحرم؛ لأن كلًّا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة، ولم يُبِحْ الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام، وظهور لأعلامه بالحجة والسنان، وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلمرخصته للرهان بعِوضٍ في ثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم:((لا سبق إلا خف أو حافر أو نصل))، وليس التأمين من ذلك ولا شبيهًا به؛ فكان حرامًا. الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذُ مالِ الغير بلا مقابل، وأخذٌ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرَّم؛ لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29]. السادس: في عقد التأمين التجاري إلزام بما لا يلزم شرعًا، فإن المؤمِّن (شركة التأمين) لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، إنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، والمؤمِّن (شركة التأمين) لم يبذل عملًا للمستأمن فكان حرامًا؛ [التأمين بين الحظر والإباحة لسعدي أبو جيب، ص: 77، ص: 79، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس، ص: 388، ص: 390]. 8- فتوى مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي: إن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظم المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10: 16 ربيع الثاني 1405 هـ/ 22: 28 ديسمبر 1985 م، بعد أن تابع العروض المقدَّمة من العلماء المشاركين في الدورة حول موضوع التأمين وإعادة التأمين، وبعد أن ناقش الدراسات المقدمة، وبعد تعمق البحث في سائر صوره وأنواعه، والمبادئ التي يقوم عليها والغايات التي تهدف إليها، وبعد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن قرر: 1- أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت، الذي يتعامل به شركات التأمين التجاري، عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد؛ ولذا فهو حرام شرعًا. 2- أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني. 3- دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات للتأمين التعاوني، وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين؛ حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي لا يرضاه الله لهذه الأمة، والله أعلم؛ [موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس، ص: 395]. وختامًا: أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم الكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |