|
فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (21) الأحكام الفقهية من قصة ابني آدم -عليه السلام د.وليد خالد الربيع لا نزال مع قصة ابني آدم -عليه السلام-؛ فقد أخبرنا الله -تعالى- عن حال الجاني؛ فقال -سبحانه-: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. من المسائل الفقهية المستفادة من الآية الكريمة وما قبلها (حرمة القتل العمد بغير حق)، قال الشيخ ابن سعدي: «قوله: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار». القتل نوعان والقتل كما قال الجرجاني: «فعل يحصل به زهوق الروح»، وهو نوعان: الأول: قتل بحق وذلك إذا ارتكب الشخص جريمة عقوبتها القتل، كما جاء عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قال ابن رجب: «وَفِيهِ تَفْسِيرُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ خِصَالٍ هِيَ حَقُّ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُسْتَبَاحُ بِهَا دَمُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالْقَتْلُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ». الثاني: قتل بغير حق وهو الاعتداء على شخص معصوم الدم عدوانا وظلما حتى يموت، وهو من كبائر الذنوب، وعظائم الأمور كما دلت عليه النصوص الشرعية، فمن ذلك قوله -سبحانه-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الأنعام:151) قال الطبري: «يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفسَ مؤمن أو مُعاهد، وقوله: (إلا بالحق)، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتقتل قَوَدًا بها، أو تزني وهي محصنة فترجم، أو ترتدَّ عن دينها الحقِّ فتقتل. فذلك «الحق» الذي أباح الله -جل ثناؤه- قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به». وقال -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الإسراء:33)، يقول القرطبي: «وهذه الآية نهي عن قتلِ النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها». العقوبة الشديدة وبين الله -تعالى- العقوبة الشديدة لمن يعتدي على نفس المؤمن بغير حق فقال -سبحانه-: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}(النساء:93) قال الشيخ ابن سعدي: «ذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول، فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته». الأحكام الدنيوية وأما في الأحكام الدنيوية فقد شرع الله -تعالى- القصاص في حالة القتل بغير حق فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى}(البقرة:178) قال الشيخ ابن سعدي: «يمتن -تعالى- على عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم {الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد، وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين». لا يقيمه إلا أولو الأمر قال القرطبي: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله -سبحانه- خاطب المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا دون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح». اجتنبوا السبع الموبقات ومن السنة المطهرة روى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» متفق عليه. خطبة الوداع وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائب، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع» متفق عليه، قال النووي: «المراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض، والتحذير من ذلك». وروى البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» أخرجه البخاري، قال ابن الْعَرَبِيِّ: «الْفُسْحَةُ فِي الدِّينِ سَعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ضَاقَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ، وَالْفُسْحَةُ فِي الذَّنْبِ: قَبُولُهُ الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ارْتَفَعَ الْقَبُولُ». مِنْ وَرَطَاتِ الأمور ولهذا قال ابن عمر: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله» أخرجه البخاري. قال ابن حجر: «الورطات: جَمْعُ وَرْطَةٍ وَهِيَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: وَقَعَ فُلَانٌ فِي وَرْطَةٍ أَيْ: فِي شَيْءٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: «الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا» قَوْلُهُ: «سَفْكُ الدَّمِ» أَيْ: إِرَاقَتُهُ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ». وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار». تعظيم القتْلِ وتَهويلُ أمْرِه وعن عبدالله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» أخرجه الترمذي، قال في شرح مشكاة المصابيح: «وهذا الكلامُ مَسوقٌ لتعظيمِ القتْلِ وتَهويلِ أمْرِه» ثم بين وجهه فقال: «الدُّنيا عظيمةٌ في نفوسِ الخلْقِ، فزَوالُها يكونُ عندَهم عظيمًا على قدْرِ عَظَمتِها، فإذا قيل: قتل المؤمن أعظم منه، أو الزوال أهون من قتل المؤمن، يفيد الكلام من تعظيم القتل وتهويله وتقبيحه وتشنيعه ما لا يحيطه الوصف».
__________________
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (23) الأحكام الفقهية من قصة خلق آدم وزوجه -عليهما السلام د.وليد خالد الربيع اعتنت الشريعة المطهرة بمكارم الأخلاق، وحسن الآداب، ليكون المسلمون في أنفسهم ومع إخوانهم، وفي حال اجتماعهم وخلواتهم على أكمل حال وأرفع صورة ومآل، ومن ذلك العناية باللباس والزينة، وستر العورات وإخفاء السوءات، لتحقيق أعلى المقاصد وأكرم الصفات، وسد باب الفتنة ومنع ذريعة السيئات، لذا حرص شياطين الجن والإنس على إغواء البشر، ونقلهم من الكرامة الإنسانية التي حباهم الله -تعالى- بها، إلى رتبة البهيمية وما فيها من عدم المبالاة بظهور العورات، وانكشاف السوءات. وقد قص الله -سبحانه- علينا في سورة الأعراف قصة خلق آدم وزوجه -عليهما السلام-، وإسكانهما الجنة، وما أكرمهما به من النعم واللذات، وبين -تعالى- إغواء الشيطان لهما لمعصية الرب -سبحانه-، وما آل إليه أمرهما من ظهور العورة، وإخراجهما من الجنة، فقال -سبحانه-:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (سورة الأعراف:20-22). قال ابن سعدي: «{فَدَلَّاهُمَا} أي: نزَّلهما عن رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها، فأقدما على أكلها، {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} أي: ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر، حتى انخلع فظهرت عوراتهما، ولما ظهرت عوراتهما خَجِلا وجَعَلا يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة، ليستترا بذلك {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} فلم اقترفتما المنهي، وأطعتما عدوَّكُما؟». وجوب ستر العورة فمن المسائل المستفادة من الآيات الكريمات وجوب ستر العورة، قال القرطبي: «وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما: ولا تقربا هذه الشجرة. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك، لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها كما فعل آدم في الجنة». وتطلق العورة في اللغة على معان منها: الخلل والسوأة والشيء المستقبح وكل ما يحرم كشفه، قال النووي: سميت العورة لقبح ظهورها ولغض الأبصار عنها، مأخوذة من (العور) وهو النقص والعيب والقبح، ومنه عور العين، والكلمة العوراء: القبيحة. والعورة في الاصطلاح: ما أوجب الشارع ستره من الذكر والأنثى. أحكام تخص العورة وللعورة أحكام في باب النظر عموما، وأحكام في باب الصلاة على وجه الخصوص. أولاً: ستر العورة في باب النظر دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب ستر العورة عن النظر. الأدلة من القرآن الكريم فمن الكتاب الكريم قوله -سبحانه-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، قال القرطبي: «دلت الآية على وجوب ستر العورة»، فقوله: {خذوا زينتكم}: الزينة ما يتزين به الناس من الملبوس، والمراد به لبس الثوب الذي يستر العورة في الصلاة وخارجها، وهو ما عليه عامة المفسرين؛ لأن الله -تعالى- أمر بأخذ الزينة، والأمر يفيد الوجوب، والقدر الواجب من ذلك ما ستر العورة، ومعلوم أن ما زاد على ذلك ليس بواجب مما يدل أن أخذ الزينة هنا هو ستر العورة . الأدلة من السنة ومن السنة ما رواه مسلم عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر ثقيل أحمله وعليّ إزار خفيف ، فانحل إزاري ومعي الحجر، لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه ، فقال رسول الله: «ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة»، وعن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا يرنها أحد فلا ترينها أحدا» قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «الله أحق أن يستحيا منه من الناس» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. الإجماع وأما الإجماع فقد قال النووي: «ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع»، وقال ابن قدامة: «سترة العورة عن النظر بما لا يصف البشرة واجب، وقال ابن هبيرة: «أجمعوا على أن ستر العورة عن العيون واجب». ثانيًا: ستر العورة في باب الصلاة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ستر العورة فرض من فروض الصلاة وشرط لصحتها، وأدلتهم في ذلك ما يلي: (1) قوله -سبحانه-:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال ابن عباس: «المراد بها الثياب في الصلاة»، فقوله -تعالى-:{عند كل مسجد} قيل: المقصود به المسجد الحرام؛ لأن الآية إبطال ما كان يفعله المشركون من الطواف بالبيت عراة؛ فأمروا بستر العورة عند الطواف، ولا طواف إلا بالبيت الحرام، وقيل: بل هو عام في كل مسجد للصلاة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (2) عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار «أخرجه أبو داود والترمذي، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: «يُرِيدُ بِالْحَائِضِ الْمَرْأَةَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الَّتِي هِيَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي بِوَجْهٍ (إِلَّا بِخِمَارٍ) أَيْ مَا يُتَخَمَّرُ بِهِ مِنْ سِتْرِ رَأْسٍ». (3) عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، إني أكون في الصيد أفأصلي في الثوب الواحد؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم وازرره ولو بشوكة». أخرجه أبو داود، قوله: (وَأَزْرُرْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيِ اشْدُدْهُ (وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا يَظْهَرُ مِنْهُ عَوْرَتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزِرَّهُ؛ لِئَلَّا يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ». فهذه النصوص وغيرها تدل على أن سترة العورة واجب في الصلاة بالاتفاق، قال ابن عبد البر: «احتجوا بالإجماع على إفساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار»، واتفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها متعمدا سواء طال الزمن أم قصر.
__________________
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (25) الأحكام الفقهية من قصة شعيب -عليه السلام د.وليد خالد الربيع قال -تعالى-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة الأعراف:85). ذكر الله -تعالى- في سورة الأعراف أنباء كثير من الأنبياء والمرسلين، لما في قصصهم من المواعظ والفوائد والأحكام الفقهية، ومنهم شعيب -عليه السلام-، حيث دعا قومه إلى أداء حق الله -تعالى- وحقوق العباد، فحق الله -سبحانه- أن يفرد بالعبادة ولا يشرك به شيء، وأن يطاع فلا يعصى -سبحانه-، وأمام حقوق العباد فأمرهم شعيب -عليه السلام- بالعدل في المعاملات بتوفية الكيل والميزان، ونهاهم عن البخس والفساد. ويوضح الراغب الأصفهاني معنى البخس فيقول: «البَخْسُ: نقص الشيء على سبيل الظلم». وقال القرطبي: «البخس: النقص، وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل». البخس من جهة المشتري والبخس قد يكون من جهة المشتري بأن يقلل من قيمة ما يريد شراءه ليحظى بثمن أقل من قيمته الحقيقية كما قال ابن عاشور: «وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْبَخْسُ مُتَعَلِّقًا بِالْكَمِّيَّةِ كَمَا يَقُولُ الْمُشْتَرِيَ: هَذَا النِّحْيُ لَا يَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ يَزِنُ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا، أَوْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ قَنَاطِيرَ تَمْرًا فِي حِينِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ عِشْرِينَ قِنْطَارًا. وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَةِ كَمَا يَقُولُ: هَذَا الْبَعِيرُ شَرُودٌ وَهُوَ مِنَ الرَّوَاحِلِ، وَيَكُونُ طَرِيقُ الْبَخْسِ قَوْلًا، كَمَا مَثَّلْنَا، وَفِعْلًا كَمَا يَكُونُ مِنْ بَذْلِ ثَمَنٍ رَخِيصٍ فِي شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَاعَ غَالِيًا، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبَخْسِ أَنْ يَنْتَفِعَ الْبَاخِسُ الرَّاغِبُ فِي السِّلْعَةِ الْمَبْخُوسَةِ بِأَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا فَتَبْقَى كَلًّا عَلَى جَالِبِهَا فَيَضْطَرُّ إِلَى بَيْعِهَا بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وَقَدْ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشَّكِّ فِي نَفْسِ جَالِبِ السِّلْعَةِ بِأَنَّ سِلْعَتَهُ هِيَ دُونَ مَا هُوَ رَائِجٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَدْخُلُهُ الْيَأْسُ مِنْ فَوَائِدِ نِتَاجِهِ فَتَكْسَلُ الْهِمَمُ». والبخس قد يكون من البائع وهو ما يسميه الفقهاء الغبن، وهو: بيع السلعة بأكثر مما تعارف الناس على التسامح بمثله. حكم الغبن وأما حكم الغبن: فقد قسم الفقهاء الغبن إلى نوعين: يسير وفاحش، ويرجع في تعيين الحد الفارق بينهما إلى العرف أو لأهل الخبرة، لأن ما لم يرد له تقدير في الشرع يرجع فيه إلى العرف. وأما حكم الغبن: فالغبن الفاحش الكثير وهو الذي لا يتسامح بمثله فحكمه التحريم لما فيه من التغرير بالمشتري والغش المنهي عنه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: «من غشنا فليس منا» أخرجه مسلم. الغبن اليسير وأما الغبن اليسير وهو الذي يتسامح الناس بمثله فهو جائز، لأنه لا يمكن التحرز منه وهو مما تعارف الناس على التعامل به دون نكير، قال القاضي ابن العربي: «إن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم». وأما تأثير الغبن في صحة العقد، فالحكم يختلف بحسب نوع الغبن ومن وقع الغبن عليه: فقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن الغبن اليسير لا تأثير له في صحة العقود، وقد تقدم كلام القاضي ابن العربي في عدم تأثير الغبن اليسير في صحة العقد، وقال ابن هبيرة: «اتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته». الغبن الكثير أما الغبن الكثير في حق البائع بأن يبيع الشخص ماله بنقص كبير مع علمه ورضاه فهو جائز، لأن ثبوت الملك له على وجه مشروع يعطيه الحق في التصرف بماله استهلاكا واستعمالا واستغلالا في حدود المشروع، فله أن يبيع الشيء الغالي بالثمن البخس كما له أن يهبه بغير عوض ما دام أهلا للتصرفات المالية وهو عالم وراض بهذا البيع. قال القرطبي: «والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب». ومما استدل به قوله -عليه السلام- في حديث الأمة الزانية: «إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا ولو بحَبْلٍ مِن شَعَرٍ». متفق عليه قال النووي: «فيه جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالما به». أما الغبن الكثير إذا وقع على المشتري بأن اشترى شيئا بثمن يفوق قيمته الحقيقية بفارق كبير لا يتسامح بمثله عادة، فقد اختلف الفقهاء في تأثير الغبن الفاحش في صحة العقد، والأظهر أن الغبن إذا صاحبه تغرير فللمغبون إذا علم بذلك الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه، وكذلك إذا لم يصحب الغبن تغرير، لأن الحق له ولا يجبر الشخص على فسخ العقد خاصة إذا لم يقع خلل في الأركان والشروط الشرعية، وإنما الخلل قد وقع من جهة اختلال رضا المشتري، حيث غبن بالثمن، والأدلة الشرعية تدل على اشتراط الرضا في صحة التصرفات كقوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (سورة النساء:29) وقال -عليه السلام-: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» أخرجه أحمد، والمغبون لا يرضى بالغبن إذا علم به ولا تطيب نفسه به، مما يدل على عدم صحة هذا التصرف وثبوت الخيار للمغبون. وأيضا لأن الغبن إضرار بالمغبون والضرر مرفوع في الشريعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» أخرجه ابن ماجه، مما يؤكد أن الغبن مؤثر في صحة العقود ويثبت الخيار للمغبون لمنحه فرصة لرفع الضرر إن أراد ذلك.
__________________
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (29) الأحكام الفقهية من قصة ذهاب موسى لميقات ربه د.وليد خالد الربيع قال -تعالى-: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (سورة الأعراف:142) قال ابن سعدي: «ولما أتم اللّه نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد -تبارك وتعالى- أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد اللّه، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها. ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه، قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وَأَصْلِحْ} أي: اتبع طريق الصلاح {وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وهم الذين يعملون بالمعاصي». من المسائل الفقهية التي اشتملت عليها الآية الكريمة: - المسألة الأولى: مشروعية ضرب الأجل تعريف الأجل في اللغة: للأجل في اللغة إطلاقات عديدة منها الوقت المحدد كما قال ابن فارس: «الْأَجَلُ غَايَةُ الْوَقْتِ فِي مَحَلِّ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ». وقال الراغب:» الأَجَل: المدّة المضروبة للشيء، قال -تعالى-: {لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى} (سورة غافر: 67}، وقال -تعالى-: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} (سورة القصص: 28). ويقال: دينه مُؤَجَّل، وقد أَجَّلْتُهُ: جعلت له أجلًا. ويقال للمدّة المضروبة لحياة الإنسان (أجل) فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنوّ الموت. وبلوغ الأجل في قوله -تعالى-: {وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} (سورة البقرة: 231) هو المدة المضروبة بين الطلاق وبين انقضاء العدة، وقوله -تعالى-:{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} سورة البقرة: 232)، إشارة إلى حين انقضاء العدّة». تعريف الأجل في الاصطلاح: عرف الفقهاء الأْجَل بأنه الْمُدَّة الْمُسْتَقْبَلَة الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا أَمْرٌ مِنَ الأْمُورِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الإْضَافَةُ أَجَلاً لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ، أَم أَجَلاً لإِنْهَاءِ الْتِزَامٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُقَرَّرَةً بِالشَّرْعِ، أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَم بِإِرَادَةِ الْمُلْتَزِمِ فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ. أنواع الأجل قسم الفقهاء الأجل باعتبار مصدره إلى ثلاثة أنواع: - أَوَّلاً: الأْجَل الشَّرْعِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُشَرِّعُ الْحَكِيمُ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَأجل وجوب الزكاة، وأجل الرضاع، ومدة الْعِدَّة، وأجل الإيلاء، ومدة تعريف اللقطة. - ثَانِيًا: الأْجَل الْقَضَائِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْقَضَاءُ أَجَلاً لأِمْرٍ مِنَ الأْمُورِ كَإِحْضَارِ الْخَصْمِ، أَوِ الْبَيِّنَةِ. أو المكفول به. - ثَالِثًا: الأْجَل الاِتِّفَاقِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْمُلْتَزِمُ مَوْعِدًا لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامِهِ كقول البائع بعتك على أن تسلمني الثمن في أول الشهر المقبل، أَوْ لإِنْهَاءِ تَنْفِيذِ هَذَا الاِلْتِزَامِ مثل أن ينص في عقد الشركة على أنها تنتهي بعد عشر سنوات، أو تحدد مدة الإجارة بشهر مثلا. وينقسم الأجل مِنْ حَيْثُ ضَبْطه وَتَحْدِيده إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَجْهُولٍ. والعلم بالأْجَلِ لَهَ أَثَرٌ في صِحَّةِ بعض الْعَقْودِ، لِمَا تُورِثُهُ الْجَهَالَةُ مِنَ الْغَرَرِ، ولذلك تفصيل يطول ذكره. حكم ضرب الأجل فمما يستفاد من هذه الآية مشروعية تحديد الأجل في بعض التصرفات بحسب ما يتفق عليه العاقدان كما في الأثمان المؤجلة ومدة الإجارة ومدة القرض والإعارة ونحو ذلك، قال القرطبي: «دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية، ومعنى قديم أسسه الله -تعالى- في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال. وأول أجل ضربه الله -تعالى- الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب}». وقد دل على مشروعية تحديد الأجل لبعض التصرفات أدلة شرعية منها قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، فهذه الآية تدل على جواز الاستدانة إلى أجل، ويشترط أن يكون الأجل معلوما. قال القرطبي: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ خَاصَّةً. مَعْنَاهُ أَنَّ سَلَمَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ سَبَبَ الْآيَةِ، ثم هي تتناول جميع المدائنات إجماعا». وعن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى طَعَامًا مِن يَهُودِيٍّ إلى أجَلٍ، ورَهَنَهُ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ. متفق عليه. قال ابن حجر: «وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ»، مما يدل على جواز تأجيل الديون إلى أجل معلوم». وأنواع الأجال المحددة شرعا في العبادات وغيرها كما تقدم تدل على مشروعية ضرب الأجل في الجملة. أثر الأجل في إسقاط المطالبة في الحال شرع تأجيل الديون والمطالبة ببعض الحقوق للرفق بالمكلفين؛ حيث إن حلول الديون وعدم تأجيلها لا يحقق المطلوب، وقد يشق على المدين، فشرع الأجل رفقا به، فالأجل حق للمدين، فلا يطالب بما في ذمته قبل حلول الأجل. فمن باع سلعة إلى شهر بثمن مؤجل فليس للبائع مطالبة المشتري بالثمن قبل مضي الشهر وحلول الأجل؛ لأن التأجيل بمنزلة الإسقاط؛ فحق البائع أن يحبس السلعة حتى يستلم الثمن، فلما رضي بالتأجيل مدة معينة أسقط حقه بالمطالبة في الحال، فلا حق له في المطالبة إلا عند حلول الأجل، ومثله تأجيل الزوجة استلام مهرها من زوجها مدة معينة، فلا حق لها في المطالبة بدفع المهر قبل هذه المدة، وليس لها أن تمنع زوجها من قربانها لأنها أسقطت ذلك الحق بالرضا بتأجيل المهر. وعند حلول الأجل وتعذر الأداء فيشرع إمهال المدين إذا طلب زيادة في الأجل لحديث عبادة بن الصامت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أنظر معسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه». أخرجه مسلم عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ»، قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ»، قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ: «لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَاه صَدَقَةٌ». أخرجه أحمد وصححه الألباني. قال ابن العربي: فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. وقد بين الله -تعالى- ذلك لموسى -عليه السلام- فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين».
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |