|
|
|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نَفِرُّ منْ قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه عصام الدين أحمد كامل ((عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عَنْهُما أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه خَرَجَ إلَى الشَّامِ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَراءُ الأجْنَادِ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أنَّ الْوبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ لي عُمَرُ: ادْعُ لِي المُهاجرِين الأوَّلِينَ فَدَعَوتُهم، فاسْتَشارهم، وَأَخْبرَهُم أنَّ الْوَباءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتلَفوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّة النَّاسِ وَأصْحَابُ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَلا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الْوَباءِ، فَقالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الأَنْصارَ، فَدعَوتُهُم، فَاسْتَشارهمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجرِين، وَاختَلَفوا كاخْتلافهم، فَقال: ارْتَفِعُوا عَنِي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كانَ ها هُنا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الْوَباءِ، فَنَادى عُمَرُ رضي الله عنه في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْر، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. فَقَال أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ رضي الله عنه: أَفِرارًا مِنْ قَدَرِ اللَّه؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَها يا أبا عُبيْدةَ! (وكانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلافَهُ)، نَعَمْ نَفِرُّ منْ قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه، أرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لهُ عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبةٌ، والأخْرَى جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رعَيْتَها بقَدَرِ اللَّه، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبةَ رعَيْتَها بِقَدَر اللَّه، قَالَ: فجَاءَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه- وَكَانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَال: إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلا تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرارًا مِنْهُ)، فَحَمِدَ اللَّه تَعَالى عُمَرُ رضي الله عنه وَانْصَرَفَ))؛ متفقٌ عَلَيْهِ. مقولة عمر حلت مشكلًا في العقل الإنساني عند من يحتجون بالقدر لتبرير غبائهم وعنادهم وكبرهم، ويقولون: إن الله كتب علينا كل شيء، فكيف يجازينا على ما قد قدره علينا؟!... نعم نفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله الذي هو الوباء إلى قدر الله الذي هو السلامة، وهو طريق السلامة، وقد وهبنا الله العقل على التمييز بين ما فيه السلامة وما فيه الهلكة، ووهبنا القدرة على فعل ما فيه النجاة.. ولم يكتفِ رضي الله عنه بهذا القول، وإنَّما قرَّب إلى أفهامهم الأمر بضرب المثل.. فقال: "أرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لهُ عُدْوَتانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبةٌ، والأخْرَى جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّه، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رعَيْتَهَا بِقَدَر اللَّه". وبينما هو يشرح لهم الأمر ويُبيِّنه للناس إذ جاء عبدالرحمن بن عوف فقال: عندي علم عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، ففرح عمر بذلك والمسلمون، فقال رضي الله عنه: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلا تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِها، فَلا تخْرُجُوا فِرارًا مِنْهُ)). وفرح عمر رضي الله عنه والمسلمون وارتاحوا لقول عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه (إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ...) سببه هو: • ثقتهم بأن شرع الله هو ما فيه السلامة والنجاة على الدوام، وهو العليم الحكيم الذي لا يأمر إلا بما فيه الخَير في الدِّين والمَعَاش والعَاقِبَةِ في العَاجِل والآجِلِ. • اطمئنانهم وارتياحهم لطاعة الله ورسوله. • قناعتهم بأن شرع الله لا يحيد عن كل ما يقول به العقل السديد والرأي الراجح. فالآجال مضروبة ما أحد يتقدم عن أجله ولا يتأخَّر، كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78]، لكن الحق تعالى قد شرع للإنسان أن يعمل عقله فيبتعد عما فيه هلاكه، فقد قال تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]، فالإنسان يأخذ بالأسباب المعلومة له ولا ينشغل بما ليس معلومًا له وهو في علم الغيب ولا يعلمه سوى عالم الغيب والشهادة، فإذا أخذ بالأسباب ونجا، فقد صادف قدر الله، وإذا أخذ بالأسباب وهلك، فقد صادف قدر الله أيضًا.. ولا يسبب هلاكه هذا إلا أمران: • إما إنه جاهل بشرع الله. • وإما إنه علم شرع الله لكنه جحد نعم الله وعاند؛ فلم يتَّبِع شرعه واستكبر وأنكر حقه تعالى في أن يحكم عباده. ويبين لنا أمر السبب الأول وهو "الجهل بشرع الله"، حديث جابر بن عبدالله في صحيح أبي داود قال: خرَجْنا في سفَرٍ فأصابَ رجلًا منَّا حجَرٌ فشجَّهُ في رأسِهِ، ثمَّ احتَلمَ فسألَ أصحابَهُ، فقالَ: هل تَجِدونَ لي رخصةً في التَّيمُّمِ؟ فَقالوا: ما نجِدُ لَكَ رُخصةً وأنتَ تقدرُ علَى الماءِ، فاغتسَلَ فماتَ، فلمَّا قدِمنا علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أُخْبِرَ بذلِكَ فقالَ: ((قَتلوهُ قتلَهُمُ اللَّهُ، ألا سألوا إذْ لَم يعلَموا؛ فإنَّما شفاءُ العيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكْفيهِ أن يتيمَّمَ ويعصرَ أو يعصبَ- شَكَّ موسَى- علَى جرحِهِ خرقةً، ثمَّ يمسحَ عليها ويغسِلَ سائرَ جسدِهِ)). وهكذا يفعل الجهل بأصحابه. وموسى هذا أحد رواة الحديث (موسى بن عبدالرحمن الأنطاكي). وأما ما يبين لنا أمر السبب الثاني وهو "جحود ابن آدم وعناده واستكباره عن اتِّباع الحق" فهو قول الحق تبارك وتعالى الذي ينبئنا بذلك، ونجده في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: 1- ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل: 14]، فهؤلاء عرَفوا الحق ولكن تكبَّروا وجحدوا. 2- ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ [المدثر: 22 - 24]، وهي تصف حال الوليد بن المغيرة. 3- ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [لقمان: 7]، وهي وصف لحال الوليد أيضًا. 4- ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ [الإسراء: 90]، وفيها مثال صريح على طلب الآيات للعناد فقط دون استبصار. 5- ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأنعام: 7]. 6- ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: 31]. 7- ﴿ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ [الأنعام: 157]، وتصِف عنادَهم وصدَّهم عن السبيل. 8- ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 89]. فما كان من الله إلا أن قدر على هؤلاء الجاحدين المعاندين المستكبرين أمثال الوليد وأبي جهل وغيرهم، ما كان من الله إلا أن طبع على قلوبهم؛ فماتوا على الكفر لهذه الأسباب، فقال تعالى: • ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 155]. • ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الكهف: 57]. وهذا الوباء الذي ذكرنا بأنه وقع في زمن الفاروق رضي الله عنه سنة سبع عشرة أو سنة ثمانية عشر من الهجرة، مات فيه أبو عبيدة وهو أمين الأمة ومن العشرة المبشَّرين بالجنة، بل ومات فيه معاذ بن جبل وهو من قال فيه صلى الله عليه وسلم: • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "معاذ يحشر يوم القيامة إمام العلماء بربوة". • وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أعلمُ أُمَّتي بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل". • ونال محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال له: "يا معاذ، والله إنِّي لأحبك". فكان من مات بقدر الله في هذا الوباء وبسائر الأوبئة شهادة للمؤمن، ينزله الله به مقام الشهداء، جاء في صحيح البخاري وصحيح الجامع عن أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعونُ كان عذابًا يبعثُهُ اللهُ على منْ يشاءُ، وإِنَّ اللهَ جعلَهُ رحمةً للمؤمنينَ، فليس مِنْ أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكُثُ في بلدِهِ صابرًا محتسِبًا، يعلَمُ أنه لا يُصيبُهُ إلَّا ما كتب اللهُ لَهُ، إلَّا كان لَهُ مثل أجرِ شهيدٍ)).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |