التربية والعشرة الزوجية سكن ومودة - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 05:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,675
الدولة : Egypt
افتراضي التربية والعشرة الزوجية سكن ومودة

التربية والعشرة الزوجية سكن ومودة

د. أحمد بن حمد البوعلي


الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل البيوت سكنًا والمودة بين الزوجين آيةً وبرهانًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير الناس لأهله، وأعظمهم رفقًا بأسرته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون:
من العبادات الجليلة والقربات العظيمة التي يحبها الله ورسوله: حسن العشرة الزوجية؛ فهي الصخرة التي تتحطم عليها أمواج الفتن، وهي أهم أسس بناء الحياة الزوجية السعيدة المستقرة.

فالرابطة الزوجية -يا رعاكم الله- ليست مجرد عقد مدني أو صفقة تجارية تنتهي بمجرد الخلاف، بل هي ميثاق غليظ، وشراكة عمرٍ قائمة على الحب النقي، والرحمة الواسعة، والاحترام المتبادل، والتعاون والتضحية والوئام؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله))[1].

عباد الله: تأملوا هذه اللفظة القرآنية العجيبة: ﴿لتسكنوا إليها﴾؛ فالأصل في البيت أن يكون ملاذًا من الهموم، لا مصدرًا للهموم، أن يكون موطن الراحة والطمأنينة بعد عناء الحياة وصخبها، فأين هذا السكن اليوم في بيوت تحولت مع كثير من الشحناء إلى جحيم لا يطاق؟

أيها المسلمون: من جميل حسن العشرة التي غابت عن كثير من البيوت: أداء الحقوق الواجبة بشرح صدر وطيب نفس، والتي منها: المعاشرة بالمعروف التي تضمن -بإذن الله- صيانة البيت، وكذلك حق النفقة بالمعروف من غير شح ولا إسراف؛ قال الله تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾ [الطلاق: 7].

ومن أبهى صور العشرة: التغاضي عن الزلَّات، وتناسي الهفوات بين الزوجين؛ إذ هو أعظم دعامة في بناء خريطة زوجية آمنة، فكل ابن آدم خطَّاء، والبيت الذي يُبنى على التدقيق في صغائر الأمور ينهار سريعًا لقد كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل[2].

وما أجمل هذا البيت الشعري الشهير الذي يجري مجرى المثل في ضرورة التغافل لبقاء الود:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه[3]




فكيف بالزوجين اللذين يجمعهما سقف واحد وحياة مشتركة؟ إن الزواج يتطلب من الطرفين القدرة على التسامح العميق؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر))[4]، وقال أيضًا: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف))[5].

عباد الله: ومن جميل حسن العشرة: التعاون النابض في شؤون الدين والدنيا، فإن الحياة ليست حلبةً للتنافس والفرض والتنازع، وإنما هي تكامل وتآزر، وقد قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2].

وأولى الناس بهذا التعاون هما الزوجان؛ لأنهما لبِنتا الذرية وبناء الأمة.

فالتعاون في شؤون الدين يكون بأن يوقظ الرجل امرأته للصلاة، وتُعينه هي على صلة رحمه، ويجلسا معًا لتلاوة القرآن، وتربية الأبناء على العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، حتى يتحقق فيهما قول الشاعر أبي الطيب المتنبي في نبل المودة:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بدُّ[6]




ونقول تعكيسًا لذلك: بل من جميل نعم الله على الحر أن يرى في بيته صديقًا وأنيسًا لا عدوًّا له، فيعيش هانئًا مطمئنًّا.

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، وارزقنا الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، يا رب العالمين.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، إنه هو الخير الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد أيها المسلمون:
فاتقوا الله تعالى، واعلموا أن من أعظم أسباب استقرار الأسرة وسعادتها: الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعامله مع أهله؛ لأنه الأسوة الحسنة: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقود الأمة، ويحمل همَّ الرسالة، ومع ذلك كان في بيته زوجًا رحيمًا، وخادمًا لأهله؛ سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع في بيته؟ فقالت: ((كان في مهنة أهله -أي في خدمتهم ومعونتهم- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة))[7].

كان يلاطفهن، ويدخل السرور عليهن، ويتحمل ما يقع من أهله من الغيرة أو التقصير بالحلم والحكمة.

أيها الإخوة الأفاضل، يا معشر الزوجين:
إن الحديث عن العشرة الزوجية ليس ترفًا علميًّا، بل هو ضرورة واقعية لعلاج كارثة اجتماعية نعيشها اليوم فلقد دقت نواقيس الخطر في مجتمعنا بأرقام مخوفة تستدعي النظر والمراجعة العاجلة؛ حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نسبة الطلاق بلغت نحو (12.6%) من إجمالي عقود الزواج المسجلة، وذلك بواقع (57,595) حالة طلاق سنويًّا.

تأملوا يا رجال، واسمعن يا نساء هذا المعدل المرعب: إن هذا يعني وقوع حالة طلاق واحدة كل 9 إلى 10 دقائق تقريبًا وبمتوسط (157) حالة يوميًّا منها نحو (50,117) حالة تقع بين سعوديين وسعوديات.

وأكثر ما يفجع القلب ويقلق المهتمين بشؤون التربية: أن حوالي 60% إلى 65% من هذه الحالات المؤلمة تقع خلال السنة الأولى من الزواج[8].

عباد الله: إن هذه الأرقام الصادمة عن طلاق السنة الأولى تعني غياب الوعي بـ"التربية الزوجية" قبل الدخول في هذا الرباط المقدس، تعني أن شبابنا وفتياتنا يدخلون الزواج بعقلية الأحلام الوردية والمسلسلات العاطفية، فإذا ما واجهوا أول مسؤولية، أو أول خلاف صغير، هدموا البيت وتشتتت الأسر.

كيف يهوي صرح الأسرة لأتفه الأسباب؟ ألأجل أنه لم يعجبه طعام، أو لأنها لم ترد على مكالمة؟ أين الصبر؟ أين الحكمة؟ أين التدرب على احتواء الآخر؟ إن البيوت لا تستقيم بالغضب والانفعال والتهديد بالفراق، وإنما تستقيم بالرحمة، والصبر، والالتجاء إلى الله.

تذكروا أن كل طلاق يقع تدفع ثمنه ذرية بريئة تتشتت بين أب غائب وأم مكسورة، فاتقوا الله في بيوتكم، وعلموا أبناءكم وبناتكم معنى الاحتمال قبل أن تزفوهم إلى عش الزوجية.

هذا، وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم أصلح بيوت المسلمين، وألف بين قلوب الأزواج والزوجات، واهدهم سبل السلام.

اللهم ارزقنا الرفق في بيوتنا، وجنبنا الشقاق والفراق وسوء الأخلاق.

اللهم اجعل بيوتنا منارات للإيمان، وسكنًا للمودة والرحمة، واحفظ ذرياتنا من التشتت والضياع.

اللهم احفظ أمننا وإيماننا، وجنودنا وحدودنا، ومقدساتنا وقدسنا.

اللهم وفِّق وسدد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وارزقهم بطانة الصلاح والفلاح.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة.

[1] أخرجه الترمذي في السنن رقم (3895)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (3314).

[2] أخرجه البيهقي في مناقب الإمام أحمد، ص (231).

[3] بيت شعر مشهور جدًّا للشاعر الجاهلي بشار بن برد، وهو من القصائد السائرة والذائعة الصيت في باب العتاب والتغافل.

[4] أخرجه مسلم، رقم (1467).

[5] أخرجه مسلم، رقم (2593).

[6] البيت الشهير لأبي الطيب المتنبي، وهو من أكثر الأبيات السائرة شهرةً في ديوان العرب وتراث الأدب في وصف الشدائد والنكد، واستخدم هنا لإثراء المعنى بضده في السكن الزوجي.

[7] أخرجه البخاري، رقم (676).

[8] راجع: الهيئة العامة للإحصاء، نشرة الزواج والطلاق 2024م، الرياض: الهيئة العامة للإحصاء، 2025م، جدول مؤشرات الزواج والطلاق.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 50.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.97 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]