وقفات مع حديث: "إنما الأعمال بالنيات" - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 09:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,635
الدولة : Egypt
افتراضي وقفات مع حديث: "إنما الأعمال بالنيات"

وَقَفَاتٌ مَعَ حَدِيثِ: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"

رمضان صالح العجرمي

1- نُبْذَةٌ عَنْ رَاوِى الحَدِيثِ.
2- دَرَجَةُ وَأَهَمِّيَّةُ وَمَنْزِلَةُ الحَدِيثِ.
3- مَسَائِلٌ وَأَحكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّيَّةِ.

(الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ)
التَّذكِيرُ بِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، وَبَيَانُ بَعضٍ مِن المَسَائِلِ وَالأَحكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّيَّةِ.

مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ.))؛ وَلَنَا مَعَ هذا الحَدِيثِ وَقَفَاتٌ ثَلَاثَةٌ:
الوَقْفَةُ الأُولَى: نُبْذَةٌ عَنْ رَاوِي الحَدِيثِ:
فالذي يروِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو: أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ بنِ نفيل بنِ عبد العُزَّى العَدَوِيُّ القُرَشِيُّ، المُلقَّبُ بالفاروقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه؛ خليفةُ خليفةِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فهو ثاني الخلفاء الراشدين، وهو من كبار الصحابة، وهو الذي أعزَّ اللهُ بإسلامه الإسلام والمسلمين؛ فقد كان من دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرَّجُلَيْنِ إليكَ، بأبي جَهْلٍ، أو بعُمرَ بنِ الخطَّابِ، قالَ: وَكانَ أحبَّهما إليهِ عمرُ))؛ [رواه الترمذي، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضِيَ اللهُ عنهما]؛ فأسلم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في السنة السادسة من النُّبوةِ.

لَهُ مَنَاقِبُ عَدِيدَةٌ نكتَفِى بِبَعضٍ منها؛ فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ))، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ))؛ [متفق عليه]

وعن ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما، قال: سمعت رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)) قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْعِلْمَ))؛ [متفق عليه]

وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بينا نحن عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ قال: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا))، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: "أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!"؛ [متفق عليه]

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: دَرَجَةُ وَأَهَمِّيَّةُ وَمَنْزِلَةُ هَذَا الحَدِيثِ.
هَذَا الحَدِيثُ مما اتفق عليه الشيخان؛ وهما البخاري ومسلم؛ ومِنَ المعلُومِ أنَّ أصحَّ الأحاديث بعد كتاب الله هي ما اتفق على صِحَّتِها البخاري ومسلم

وهَذَا الحَدِيثُ: حديثٌ عظيمٌ وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدين، وقاعدة من قواعد الإسلام؛ حيث قال بعض العلماء: عليه مدارُ الإسلام؛ قال العراقي رحمه الله: "هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل: إنه: ثُلُث العلم، وقيل: رُبُعه، وقيل: خُمُسه، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: إنه ثلث الإسلام."

وقال بعضُ العلماء: مدارُ الإسلامِ على حديثين؛ هما: هذا الحديثُ، وحديثُ عائشةَ رضي الله عنها: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))؛ فهذا الحديثُ: عمدة أعمال القلوب، فهو ميزانُ الأعمال الباطنة، وحديثُ عائشةَ: عمدةُ أعمالِ الجوارحِ".

الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: مَسَائِلٌ وَأَحكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّيَّةِ.
قَولُهُ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)) جملتان تضمنتا خبرين؛

فالجملةُ الأُولَى: خبر عن حُكم الشريعة على العمل: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))؛ أي: أنَّ العمل لا يكون إلا بِنِيَّةٍ وقَصدٍ،

والجملةُ الثَّانِيَةُ: خبرٌ عن حُكمِ الشريعة على العَامِلِ: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))؛ تأكيدٌ على أنَّ الجزاءَ مبنِيٌّ على ما نواهُ العامِلُ، خيرًا كانَ أو شرًّا.

وقالوا: الأُولَى: سَبَبٌ (أنَّ كلَّ عملٍ لابد له من نِيَّةٍ)، والثَّانِيَةُ: نتيجةٌ (لا يحصلُ له الثَّوَابُ أو العِقابُ إلا بِحَسَبِ النِّيَّةِ).


وعندنا في الكَلَام عَنِ النِّيَّةِ مَسَائِلٌ وَأَحكَامٌ:
المَسْأَلَةُ الأُولَى: تعريفُ النِّيَّةِ وحكمُ التَّلفظُ بها:
النِّيَّةُ هِي: قصدُ القلبِ وعزمُه وانبِعَاثُهُ؛ وَلِذَا فإنَّنا نقول: أنَّ النِّيَّةَ محِلُّها القلب، فلا يشرع التَّلفظُ بها لا سِرًّا ولا جهرًا؛ وأمَّا التَّلفظُ بنِيَّةِ الدخول في النُّسُكِ في الحجِّ؛ فقد أجابَ العلماءُ: أنَّ التَّلفظَ بُالدخولِ فِي النُّسُكِ والتَّلبيَةَ هذا من جملةِ أذكار ومناسك الحجِّ؛ أمَّا نِيَّةُ الحجِّ فهي منعقِدَةٌ قبل السفر أصلًا، وقبل الخروج من المنزل وهي التي مَحِلُّها القلبِ.

وكذلك الحالُ إذا ذبحَ الإنسانُ أضحيتَهُ فقال: "باسم الله والله أكبر اللهم منك ولك"؛ فهذا ليس تلفُّظًا بِالنِّيَّةِ وإنَّما هو ذكرٌ مشروعٌ عند ابتداء هذا التعبُّد؛ فَهُنَاك فرقٌ بين النِّيَّةِ وبين الذكر الذي يُعتَبرُ دخولًا في التَّعبُّدِ.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الأُمُورُ بمَقَاصِدِهَا:
فقد اشتملَ هذا الحَدِيثُ على قاعدةٍ عظيمةٍ من القواعد الفقهية؛ والتي يندرجُ تحتَها فروعٌ كثيرةٌ في أبوابِ الفِقه؛ وهي قاعدةُ: [الأُمُورُ بمَقَاصِدِهَا، أَوْ الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ] قال السعديُّ رحمه الله: "النِّيَّةُ شرطٌ لسائرِ العمل بها الصلاحُ والفسادُ للعمل"؛ أي أنَّ نتائجَ الأقوال والأفعال وأحكامَهَا تختلفُ باختلافِ المقاصدِ؛ فَشَتَّانَ شَتَّانَ بَينَ مَن يحفظُ القرآنَ من أجلُ أن يكونَ شفيعًا له، وآخرُ يحفظُهُ ليقال حافظٌ؛ فالنَّتائِجُ تختلِفُ بَحَسَبِ النِّيَّةِ؛ فالأولُ: يُقَالُ له: اقرأ وارتق فإنَّ منزلَتَك عند آخر آية تقرَأُهَا؛ والآخَرُ: أوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ به النَّارُ يومَ القيامةِ.

وَآخَرُ قالَ لزوجَتِهِ: اذهَبي إلى أهلكِ، والآخَرُ قالَ لزوجَتِهِ نفس الكلمة؛ لَكِنَّه ينوي بها الطَّلَاقَ؛ فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ؛ لأن الطَّلَاقَ لَهُ أَلفَاظٌ صريحٌ لا تحتاجُ إلى نِيَّة (أنتي طالقّ، طلقتُكِ، أنتي مُطلَّقَةٌ) ولَهُ أَلفَاظٌ غيرُ صرِيحَةٍ تَحتمِلُ الطَّلَاقَ وتَحتمِلُ غيرَهُ (أنتي بائن، أنتي حرة، حبلك على غاربك، اذهبي إلى أهلكِ)؛ فهذه الأَلفَاظُ تَحتاجُ إلى نِيَّةٍ؛ فلا يقعُ طلاقًا إلَّا إذا نوَاهَا.

المَسْأَلَةُ الثَّالثَةُ: النِّيَّةُ شرطٌ للعملِ لا للتَّركِ؛ فَإنَّ التُّرُوكَ لا تُشتَرَطُ لها النِّيَّةُ، وأمَّا الأفعَالُ فتُشتَرَطُ لها النِّيَّةُ؛

فلو أنَّ رجلًا غسل بدنه بنِيَّةِ التَّبرد أو النَّظَافة فقط، ثم تبيَّن أنَّه جُنُبٌ؛ فإِنَّه لَا يُجزِئُهُ هذا الغسلُ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ شرطٌ للعملِ؛ أمَّا إذا كانَت في بدنه نَجَاسةٌ فغسل بدنَهُ بنِيَّةِ التَّبرد، فَإِنَّ بدنَهُ يطهرُ؛ لأنَّ إزالةَ النَّجاسةِ مِن بابِ التُّروك، فلا تُشتَرَطُ لها النِّيَّةُ.

المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَهَمِّيَّةُ وَفَوائدُ النِّيَّةِ:
فَإِنَّ النِّيَّةَ شُرِعَت للتَّميِيزِ؛ فهي تُميِّزُ المعمولَ لَهُ، وتُميِّزُ العباداتِ عن العاداتِ، وتُميِّزُ رُتَبَ العباداتِ.

أوَّلًا: تُميِّزُ المعمولَ لَهُ؛ وهذا هو الإخلاصُ الذي لا يَقْبلُ اللهُ تَعَالَى الأعمالَ إلا بِهِ؛ ومعناه: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، ويقول الهروي رحمه الله: "الإخلاص: تصفية العمل من كل شوب، والإخلاص هو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة المرسلين"؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 2-3].

وحقيقةُ الإخلاصِ: أن يعملَ الإنسانُ العملَ لا يريدُ به إلا وجَهَ الله عز وجل، فلا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا على هذا العمل.

والنِّيَّةُ تكونُ فاسدةً: إذا شابها ما يوجب فسادها من رياء أو تسميع أو طلب شيء من حظوظ الدنيا، وتكون صحيحة: إذا كانت خالصةً لوجه الله عز وجل والدار الآخرة.

ثَانِيًا: النِّيَّةُ تُميِّزُ رُتَبَ العباداتِ، أو تُميِّزُ العبادةَ عن العبادةِ؛ فلو أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ فصلَّى ركعتين بنِيَّةِ تحية المسجد، ثم تذكر أنَّه لم يصلي الصُّبحَ، فقال: سأَجعَلُ الركعتين هما صلاة الفجر! فلا يجزئه ذلك؛ لأنَّ هذه عبادة وهي تحية المسجد، وصلاة الفجر عبادة أخرى.

وكذلك لو تصدَّقَ رجُلٌ بمبلغٍ من المال بنِيَّةِ التَّطوع، ثمَّ تذكرَ أنَّ عليه زكاةً لم يُخرجها، فقال: سأَجعَلُ هذا المبلغ عن زكاة مالي! فلا يجزئُه؛ لأنَّ هذه عبادة وهذه عبادة.

وكذلك لو صام رجُلٌ بنِيَّةِ صيام يومٍ من رمضانَ، وآخرُ صامَ يومَ الاثنين تطوُّعًا؛ فالأول صام فرضًا، والثاني صامَ سُنَّةً؛ والتي مَيَّزت بينهُمَا النِّيَّةُ.

ومن الفروع لهذه المَسْأَلَة: قَاعِدةُ: [الاختلافُ بين الإمامِ والمأمومِ في النِّيَّةِ لا يؤثرُ في صِحةِ الاقتداء]؛ وَهِي جَوَابٌ لِمسأَلَةِ: حكمُ اختلاف نِيَّةِالإمام والمأموم فِي الصَّلاة؛ قال العلماءُ: يجوز صلاة المتنفل خلف المفترض، وصلاة المفترض خلف المتنفل، وصلاة المفترض خلف من يصلي فرضًا آخر، وصلاة المُتِمِّ خلف من يقصُرُ، وصلاة من يقصُرُ خلف من يُتِمُّ؛ فقد ثبتَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه أجاز صلاة المتنفل خلف المفترض والمفترض خلف المتنفل؛ وأمَّا النَّهي عن مُخَالفَةِ المأموم فإنَّه محمُولٌ على الأفعال الظاهرة.

ثَالِثًا: النِّيَّةُ تُميِّزُ العباداتِ عن العاداتِ؛ فلو أنَّ رجلًا ترك الطعام والشراب بنِيَّةِ الصوم؛ فهذه عبادة، وآخر ترك الطعام والشراب للصحة؛ فهذه عادة.

وكذلك لو أنَّ رجلًا اغتسل بنِيَّةِ رفع الحدث، وآخرَ اغتسل بنِيَّةِ التَّبرد والنَّظافة؛ فكِلَهُما اغتسلَ؛ لكن هذه عبادة وهذه عادة؛ والتي مَيَّزت بينهُمَا النِّيَّةُ.

المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: بِصلاحِ النِّيَّاتِ تنقلبُ العاداتُ والمباحاتُ إلى عباداتٍ؛ وهذا نصُّ قاعدةٍ فقهيةٍ: [العاداتُ تنقلبُ بِالنِّيَّاتِ إلى عباداتٍ].

والمباحَاتُ: جمعُ مُباح؛ وهو ما ليس بواجب ولا مستحب، ولا حرام ولا مكروه، أو ما سكت عنه الشارع؛ ومعنى تحويل العادات إلى عبادات: وذلك بأن يحتسبَ الأجرَ والثوابَ في كل قولٍ وعملٍ يقومُ بِهِ ولو كان ذلك من العادات؛ كالنوم والأكل والشرب والنفقة على الأهل؛ يقول النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسعد بنِ أبي وقاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((إنك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ؛ إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ.))؛ بل حتى الشَّهوة له بها أجر؛ كما في الحديث الصحيح: ((أرأيتُم لو وضعَها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعَها في الحلالِ كان له أجرٌ)).


المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: المؤمِنُ يُؤجَرُ بِنِيَّتِهِ؛ فعن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رجع من غزوة تبوك ودنا ‌من ‌المدينة، قال: ((إِنَّ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ))، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: ((وَهُمَ بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ))، وفي رواية: ((إلا شركوكم في الأجر))، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ))، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّمَا الدَّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ))


بل أنَّ نِيَّةَ المؤمنُ تبلُغُ بِهِ أعلى المنازل، ويُعطَى على نِيَّتِهِ ما لا يُعطَى على عملِهِ؛ لأن مدار الثواب عند الله مرتبط بصلاح النِّيَّةِ؛ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نِيَّةُ المؤمنِ خيرٌ مِن عَمَلهِ.))؛ [رواه الطَّبراني]

وَهُنَا تنبيهٌ مُهِمٌّ: وهُوَ أنَّ النِّيَّةَ تُغني عن العملِ المعجوزِ عنه؛ لكنَّها لا تُغني عن العملِ المقدورِ عليه؛ فالنِّيَّةُ وحدها لا تكفي إذا كنتَ تقدِرُ على العمل؛ ومِثالُ ذلك: لو أنَّ رجلًا يستطيعُ أن يُصلي، ويكتفي بالنِّيَّةِ (يقولُ: نِيَّتِى أن أُصَلي؛ وإنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ!) فهذا فهمٌ خَاطِيءٌ؛ فلو صحَّت النِّيَّةُ لقامَ بِفعلِ الصَّلاة.

المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ العبدَ قد يُؤزَرُ وَيَأثمُ بسبَبِ نِيَّتِهِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ))، وفي الصحيحين عن أبي بكرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ ‌بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.))


المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأجرَ يزيدُ ويعظُمُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ؛ فقد تكونُ صورةُ العملِ واحدةً، ويتفاوتُ الأجرُ والثوابُ مِن شَخصٍ إلى شَخصٍ.

المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: النِّيَّةُ الصَّالحةُ وحدها لا تكفي لقبول الأعمال؛ فالنِّيَّةُ الصَّالحةُ لا تُصحِّحُ العملَ الفاسدَ؛ لأنَّ العملَ لا يكُونُ مقبولًا إلَّا بشرطين: الإخلاص والمتابعة. قال الفضيلُ بنُ عياضٍ رَحِمَه اللهُ في قوله تعالى: ﴿ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾: "أخلصه وأصوبه"، وقال: "العمل لا يُقبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالصُ: إذا كان لله، والصوابُ: إذا كان على السُّنةِ"؛ ولذلك قال بعضُ العلماء: مدارُ الإسلامِ على حديثين؛ هما حديثُ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))، وحديثُ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))؛ فالأوَّلُ: عمدةُ أعمالِ القلوب، وهو ميزانُ الأعمال الباطنة، والثَّاني: عمدةُ أعمالِ الجوارح.

المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: تَجنَّب الحُكمَ على النِّيَّاتِ، والتفتيش في النَّوَايَا؛ وتأمل هذا الموقف؛ كما في الصحيحين عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: فَصَبَّحْنَاهُمْ، فَقَاتَلْنَاهُمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، إِذَا أَقْبَلَ الْقَوْمُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْنَا، وَإِذَا أَدْبَرُوا كَانَ حَامِيَتَهُمْ، قَالَ: فَغَشِيتُهُ، أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَقَتَلْتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ، فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ".

نَسأَلُ اللهَ العظيمَ أن يُصلَحَ لنَا نِيَّتَنا وأَعمَالنَا وَسَائِرَ أحوَالِنَا.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، ثمَّ ذكرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذا الحَدِيثِ العَظِيمِ ما يُفصِحُ عن حقيقةِ معنى قُولِهِ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))؛ فضربَ مثالًا لتأثير النِّيَّة في الأعمالِ صِحَّةً وفَسَادًا؛ وذكر عملًا من أعظمِ الأعمالِ: الهِجرَةُ إلى اللَّهِ تعالى.

قَولُهُ: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)):
الشرط هنا وافق الجزاء؛ والأصل أن الشرط يختلف عن الجزاء؛ ولذلك فَإنَّ العلماء قَدَّرُوا تقديرًا وهو: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ)) نيّةً وقصدًا؛ ((فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِه)) أجرًا وثوابًا. قالوا: أعاد الجزاءَ بصيغة العمل؛ للإعلامِ بثبوثِ أجرِهِ.

قَولُهُ: ((وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ.))؛ لم يُعِد الجملةَ كما في الأولى؛ لبيانِ حَقَارة هذا الأمر الذي يُهاجرُ الإنسانُ من أجله؛ فهو ليس أهلًا لأن يُذكَرُ، وأيضًا: لتعدُّدِ الأغراضِ التي يهاجِرُ لها النَّاسُ؛ فلا تنحَصِرُ فِي دُنيَا أو زَوَاجٍ. قَالَ ابنُ رَجَبٍ رَحمَةِ الله: "وكأنَّهُ يقولُ: سَائر الأعمَالِ علَى حَذوِ هَذَا المِثَال."

وَالهِجرَةُ: هي الانتقالُ مِن بِلادِ الشِّرك إلى بلادِ الإسلامِ؛ كالهجرةِ من مكةَ إلى المدينةِ، وقد انتهت الهجرةُ إليها بفتح مكةَ، وأمَّا الهِجرَةُ من بلاد الشركِ إلى بلادِ الإسلامِ فَهيَ باقيةٌ إلى قيامِ السَّاعةِ.

وَكَذَلك الهِجرَةُ إلى اللَّهِ تَعَالَى باقيةٌ إلى يَومِ القِيَامَةِ؛ وذلك بتركِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئاتِ؛ فَعَن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ))؛ [متفق عليه]، وفِي الحَدِيثِ: ((والمهاجرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ.))؛ [رواه أحمد، وابن حبان عن فضالة بن عبيد، وصححه الألباني].

نسألُ اللهَ العظيمَ أن يُصلِحَ أقوالَنَا، وأعمالَنَا، وقلوبَنَا، وأن يرزُقَنا نِيَّةً صالحةً فِي كُلِّ شَيءٍ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 63.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 61.65 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]