|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مَنْعُ الْإِنَاثِ مِنَ الْمِيرَاثِ د. عبد الرقيب الراشدي الخطبة الأولى الْحَمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَمِنَ النَّارِ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: رَوَى الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنِّي»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا». أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم رَؤُوفًا رَحِيمًا بِأُمَّتِهِ، وَكَانَ حَرِيصًا كُلَّ الْحِرْصِ أَلَّا تَمَسَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ نَارُ جَهَنَّمَ بِأَذًى، وَأَلَّا يَذُوقَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ حَرَّهَا، وَكَانَ يَذُودُهُمْ عَنْ أَبْوَابِ النَّارِ، وَلَكِنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَقْتَحِمُوا النَّارَ وَأَنْ يُلْقُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِيهَا، بِوُقُوعِهِمْ فِي الْمَعَاصِي الْمُوصِلَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ، نَبِيُّكُمْ وَاقِفٌ عَلَى شَفِيرِ النَّارِ، مَاسِكٌ بِحُجَزِكُمْ، يَصْرُخُ بِكُمْ: إِيَّاكُمْ، إِيَّاكُمْ، وَالْوُقُوعَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَأَنْتُمْ تَفِرُّونَ مِنْ يَدِهِ وَتَقْتَحِمُونَ فِيهَا. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّمَا ضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْمَثَلَ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي، الَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا، وَيَظُنُّونَ أَنَّ نَارَهَا لَنْ تُحْرِقَهُمْ، كَمَا يَظُنُّ الْفَرَاشُ الْأَحْمَقُ أَنَّ وَهَجَ النَّارِ نُورٌ جَمِيلٌ، فَيَتْبَعُهُ بِجَنَاحَيْهِ حَتَّى يَقَعَ فِيهَا فَيَهْلِكَ، كَذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ، يَتْبَعُونَ بَرِيقَ الْحَرَامِ، وَيَلْهَثُونَ وَرَاءَهُ، حَتَّى تَقُودَهُمْ مَعَاصِيهِمْ هَذِهِ بِأَقْدَامِهِمْ إِلَى نَارٍ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الطُّرُقَ الْمُوصِلَةَ إِلَى النَّارِ كَثِيرَةٌ، فَمَنْ مَاتَ كَافِرًا بِاللهِ دَخَلَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾[البينة: 6]، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا بِاللهِ دَخَلَهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ﴾[المائدة: 72]، وَمَنْ مَاتَ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ دَخَلَهَا، قَالُوا عَنْ أَهْلِ سَقَرَ: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ _ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾[المدثر: 42-43]، وَهُنَاكَ طُرُقٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَقُودُ أَصْحَابَهَا إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ. وَفِي خُطْبَتِنَا هَذِهِ سَوْفَ نَقِفُ مَعَكُمْ عِنْدَ طَرِيقٍ خَفِيٍّ، يَسِيرُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ إِلَى النَّارِ، إِنَّهُ طَرِيقُ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، فَأَنْ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى مَالِ أَخِيكَ فَتَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَتَحْسَبَهُ غَنِيمَةً، وَمَا هُوَ إِلَّا جَمْرَةٌ تَتَقَلَّبُ فِي جَوْفِكَ، وَفِي الْآخِرَةِ سَوْفَ تَصْلَى سَعِيرًا. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: نَهَانَا اللهُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 188]، تَأَمَّلُوا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى _"وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"_ أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لَكُمْ، وَتَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ ظَالِمُونَ لِغَيْرِكُمْ، ثُمَّ تَمْضُونَ إِلَى الْمَحَاكِمِ وَتُخَاصِمُونَ وَتُجَادِلُونَ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ تُقَلِّبُونَ بِهِ الْبَاطِلَ حَقًّا!، وَكَمْ مِنْ خُصُومَةٍ طَالَتْ سِنِينَ، وَأَحَدُهُمْ يَعْلَمُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ، رَدَّ وَقَالَ: "الْقَاضِي حَكَمَ لِي بِذَلِكَ" يَا مِسْكِينُ أَتَظُنُّ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُحِلُّ الْحَرَامَ؟!، اسْمَعْ لِنَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»، نَعَمْ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، بِشِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ أَخَذْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، بِظُلْمٍ فِي مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ صَوْلَةُ لِسَانِكَ، وَلَا دَهَاءُ حُجَّتِكَ، وَلَا كَثْرَةُ وَسَائِطِكَ، وَلَا حُكْمُ قَاضٍ الَّذِي قَضَى لَكَ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ وَخَفَايَاهَا، فَاللهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَسَيَقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَفَزِعَ الصَّحَابَةُ وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» قَضِيبُ أَرَاكٍ! عُودُ مِسْوَاكٍ تَأْخُذُهُ غَصْبًا بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، فَتَحْلِفُ عَلَيْهِ كَذِبًا، فَبِسَبَبِهِ تُحْرَمُ الْجَنَّةَ، وَتُوجَبُ لَكَ النَّارُ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ مِنْ شَأْنِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ قِوَامُ الْحَيَاةِ، وَعِمَادُ الْمَعَاشِ، وَبِهِ تُقَامُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ، وَالْإِنْسَانُ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْمَالِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَفْطُورٌ عَلَى حُبِّ الْمَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾[الفجر: 20]، وَلِعِظَمِ قَدْرِ الْمَالِ، فَقَدْ وَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي آخِرِ خُطْبَةٍ لَهُ، فَقَالَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، نَعَمْ دِمَاؤُكُمْ حَرَامٌ، وَأَمْوَالُكُمْ حَرَامٌ، وَأَعْرَاضُكُمْ حَرَامٌ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ أَشْنَعِ صُوَرِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، صُورَةٌ يَئِنُّ مِنْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانِهِمْ: إِنَّهَا صُورَةُ أَكْلِ أَمْوَالِ ضُعَفَاءِ النَّاسِ، مِنَ الْيَتَامَى، وَالْقُصَّرِ، وَالنِّسَاءِ، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ وَلِيًّا عَلَى أَيْتَامٍ، أَوْ قَائِمًا عَلَى أَخَوَاتٍ، فَيَسْتَغِلُّ سُلْطَتَهُ وَوِلَايَتَهُ، فَيَتَحَايَلُ عَلَى الْوَرَثَةِ الصِّغَارِ، وَيَأْكُلُ حُقُوقَهُمْ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدِ ارْتَكَبَ جُرْمًا عَظِيمًا، وَفَعَلَ إِثْمًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ سَيَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِهِ نَارَ جَهَنَّمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾[النساء: 10]، إِنَّهَا نَارٌ فِي الدُّنْيَا لَا تَشْبَعُ، وَسَعِيرٌ فِي الْآخِرَةِ لَا يَخْمُدُ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِنَّ مَنْعَ الْوَارِثِينَ مِيرَاثَهُمْ وَمِنْهُنَّ النِّسَاءُ، مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ النَّارِ؛ لِهَذَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى آيَاتِ الْمَوَارِيثِ خَتَمَهَا بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ اللهَ تَعَالَى فِي أُمُورِ الْمَوَارِيثِ وَلَمْ يَقْسِمْهَا وَفْقَ مَا شَرَعَهُ اللهُ وَبَيَّنَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ _ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾[النساء: 13-14] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِمَّا يَتَسَاهَلُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَنْعُ الْإِنَاثِ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَحِرْمَانُهُنَّ مِنْ مِيرَاثِهِنَّ، بِأَيِّ حُجَّةٍ مِنَ الْحُجَجِ، أَوْ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ يُعَدُّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، فَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ مِنَ الْأَبْنَاءِ إِلَّا الذُّكُورَ وَيَحْرِمُونَ النِّسَاءَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَرِثُ أَمْوَالَنَا مَنْ طَاعَنَ بِالرُّمْحِ، وَضَرَبَ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَبْنَاءُ ذُكُورٍ وَرَّثُوا أَقْرَبَ الرِّجَالِ مِنَ الْعَصَبَةِ كَأَبِي الرَّجُلِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَهَكَذَا وَلَا يُعْطُونَ بَنَاتَهُ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِنَّ، أَمَّا زَوْجَاتُ الرَّجُلِ فَكُنَّ مُوَرَّثَاتٍ لَا وَارِثَاتٍ. فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَكَسَّرَ هَذَا الْمِيزَانَ الْأَعْوَجَ، وَرَفَعَ الظُّلْمَ، وَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ امْرَأَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَبْكِي فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَعْدًا اسْتُشْهِدَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ ابْنَتَيَّ وَأَنَا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا قَدْ أَخَذَ مَالَهُمَا كُلَّهُ" فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعَمَّ وَقَالَ لَهُ: «أَعْطِ ابْنَتَي سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَلَكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: سَمْعًا وَطَاعَةً يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَهَا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النِّسَاء: 10]، وَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ... ﴾ [النِّسَاء: 11]. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ أَوْسَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: _"أُمُّ كُجَّةَ"_ وَثَلَاثَ بَنَاتٍ لَهُ مِنْهَا، فَقَامَ رَجُلَانِ هُمَا: ابْنَا عَمِّ الْمَيِّتِ وَوَصِيَّاهُ، يُقَالُ لَهُمَا: "سُوَيْدٌ وَعَرْفَجَةُ" فَأَخَذَا مَالَهُ وَلَمْ يُعْطِيَا امْرَأَتَهُ وَبَنَاتَهُ شَيْئًا، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الصَّغِيرَ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَيَقُولُونَ: لَا يُعْطَى إِلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى ظُهُورِ الْخُيُولِ، وَطَاعَنَ بِالرُّمْحِ، وَضَارَبَ بِالسَّيْفِ، وَحَازَ الْغَنِيمَةَ، فَذَكَرَتْ _"أُمُّ كُجَّةَ"_ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُمَا، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَدُهَا لَا يَرْكَبُ فَرَسًا، وَلَا يَحْمِلُ كَلًّا، وَلَا يَنْكِي عَدُوًّا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "انْصَرِفَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ اللهُ لِي فِيهِنَّ" فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾[النِّسَاء: 7]، رَدًّا عَلَيْهِمْ، وَإِبْطَالًا لِقَوْلِهِمْ، وَتَصَرُّفَاتِهِمْ بِجَهْلِهِمْ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ الصِّغَارَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَحَقَّ بِالْمَالِ مِنَ الْكِبَارِ، لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، فَعَكَسُوا الْحُكْمَ، وَأَبْطَلُوا الْحِكْمَةَ، فَضَلُّوا بِأَهْوَائِهِمْ، وَأَخْطَؤُوا فِي آرَائِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِمَّا يَنْدَى لَهُ الْجَبِينُ، وَتَبْكِي مِنْهُ الْقُلُوبُ قَبْلَ الْعُيُونِ، أَنْ نَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ قَدْ مَنَعُوا الْمَرْأَةَ مِنْ حَقِّهَا فِي الْمِيرَاثِ، فَلَمْ يُعْطُوهَا مَا أَعْطَاهَا اللهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَكَمْ مِنْ امْرَأَةٍ قَدْ تَكُونُ مَرِيضَةً لَا تَجِدُ دَوَاءً، وَمِيرَاثُهَا عِنْدَ إِخْوَتِهَا مَحْبُوسٌ، وَكَمْ مِنْ يَتِيمٍ جَائِعٍ وَحَقُّهُ عِنْدَ وَلِيِّهِ مَسْلُوبٌ! وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم كَمَا صَحَّ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ إِلَيْكُمْ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ»، بَلْ رُبَّمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهَا حَقَّهَا لَكَانَ عَيْبًا عَلَى أَفْرَادِ عَشِيرَتِهِ وَقَبِيلَتِهِ، فَتَجِدُ الْمَرْأَةَ الْمَحْرُومَةَ مِنْ مِيرَاثِهَا وَاقِعَةً بَيْنَ نَارَيْنِ: نَارِ عَدَاوَةِ إِخْوَتِهَا أَوْ أَعْمَامِهَا، إِنْ هِيَ طَالَبَتْ بِمِيرَاثِهَا، وَنَارٍ أُخْرَى هِيَ نَارُ فَقْدِهَا لِمَالِهَا الَّذِي اسْتَحَقَّتْهُ بِوَرَاثَتِهَا لِمَنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْهُ الْمِيرَاثَ، فَأَصْبَحَتْ تُقَاسِي الظُّلْمَ وَالْحَسْرَةَ وَلَا حِيلَةَ لَهَا إِلَّا بِالدُّعَاءِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَلِأَهَمِّيَّةِ مِيرَاثِ النِّسَاءِ فَقَدْ حَدَّدَ اللهُ تَعَالَى مِيرَاثَ النِّسَاءِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَتَوَلَّى قِسْمَتَهُ بِنَفْسِهِ؛ حَتَّى لَا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ عُذْرًا بِعَدَمِ الْعَدْلِ فَاللهُ تَعَالَى هُوَ أَعْدَلُ الْعَادِلِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، فَجَعَلَ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ إِنْ كَانَتْ لِوَحْدِهَا، أَوِ الثُّلُثَيْنِ إِنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾[النِّسَاء: 11]، وَجَعَلَ لِلْأُمِّ السُّدُسَ إِنْ كَانَ لِابْنِهَا الْمَيِّتِ أَوْلَادٌ، وَالثُّلُثَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلَادٌ، فَالْمَرْأَةُ لَهَا حَقٌّ مِنَ الْمِيرَاثِ، مِنْ زَوْجِهَا، وَمِنْ أَبِيهَا وَأُمِّهَا، وَمِمَّنْ تَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مِنْهُمْ مِنْ أَقَارِبِهَا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾[النِّسَاء: 7]. وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنَ الْعَقَارِ وَالدَّارِ، وَمِنَ الْمَالِ النَّقْدِيِّ وَالْعَيْنِيِّ، وَمِنَ الْمَنْقُولِ وَالثَّابِتِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي وُجُوبِ إِعْطَائِهَا مَا لَهَا مِنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الَّذِي يَتَأَمَّلُ فِي فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ لَيَرَى أَمْرًا عَجِيبًا، فَاللهُ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْقُرْآنِ عَدَ الرَّكَعَاتِ وَتَرَكَهَا لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُبَيِّنَهَا لَنَا عَنِ الطَّرِيقِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَصْدَرُ الثَّانِي لِلتَّشْرِيعِ وَكَذَا الزَّكَاةُ، أَمَّا الْمِيرَاثُ فَتَوَلَّى بَيَانَهُ وَقِسْمَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ فَرْدٍ وَبَيَّنَ لَنَا أَحْوَالَهُ، حَتَّى لَا يَقَعَ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، قَالَ تَعَالَى سُبْحَانَهُ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾[النِّسَاء: 11]. فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُوصِي بِتَقْسِيمِ الْمِيرَاثِ تَقْسِيمًا إِسْلَامِيًّا عَلَى مَنْهَجِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَمِنْ عَادَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُنَفِّذَ وَصِيَّةَ مَنْ لَهُ مَكَانَةٌ عِنْدَهُ، وَكُلَّمَا عَلَتْ مَكَانَةُ الْمُوصِي، كَانَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ أَلْزَمَ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَرَّرَ نَفْسَ الْوَصِيَّةِ وَأَمَرَ بِتَنْفِيذِهَا. لِذَا نَقُولُ: إِنَّ وَصِيَّةَ اللهِ فِي الْمِيرَاثِ أَوْلَى أَنْ تُنَفَّذَ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ [النِّسَاء: 11] أَتَى بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ الْبَالِغِ مِنَ الْقُرْآنِ بِتَقْسِيمِ الْمِيرَاثِ تَقْسِيمًا شَرْعِيًّا مَصْدَرُهُ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمَنْ تَأَمَّلَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ الْوَارِدَةَ فِي تَفْصِيلِ أَنْصِبَةِ الْوَرَثَةِ رَأَى أَنَّهَا جَمِيعًا خُتِمَتْ بِصِفَةِ الْعِلْمِ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ بِكُلِّ مَنْ لَا يُقَسِّمُ الْمِيرَاثَ كَمَا شَرَعَهُ اللهُ وَبَيَّنَهُ، فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى قَالَ تَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ... ﴾ ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿...إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾[النِّسَاء: 11] وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ.. ﴾[النِّسَاء: 12] وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾[النِّسَاء: 12] وَفِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ... ﴾[النِّسَاء: 176]، وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾[النِّسَاء: 176]. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: رَغْمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي قَسَّمَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَحَدَّدَ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُ الْوَرَثَةَ مِنْ حَقِّهِمْ وَخَاصَّةً النِّسَاءَ، وَلِهَذَا الْمَنْعِ أَسْبَابٌ سَنَذْكُرُهَا فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. قُلْتُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ فَاسْتَغْفِرُوا اللهَ يَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِينَ. الخطبة الثانية الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ أَمَّا بَعْدُ:أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي ذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا كَثِيرَةً لِأَكْلِ مِيرَاثِ النِّسَاءِ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مَا يَلِي: أَوَّلًا: ضَعْفُ الْإِيمَانِ: فَآكِلُ الْمِيرَاثِ ضَعِيفُ الْإِيمَانِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ تَشَبَّهَ بِأَعْدَاءِ اللهِ وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْيَهُودِ عِنْدَمَا قَالُوا لِأَنْبِيَائِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾[الْبَقَرَة: 93]، فَاللهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَأَنْتَ يَا آكِلَ الْمِيرَاثِ إِنْ لَمْ تَقُلْهَا بِلِسَانِكَ فَأَنْتَ تَقُولُهَا بِأَفْعَالِكَ وَجُحُودِكَ لِحُقُوقِ الْوَرَثَةِ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ أَسْبَابِ مَنْعِ الْإِنَاثِ مِنَ الْمِيرَاثِ الْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ الْجَاهِلِيَّةُ، فَبَعْضُ النَّاسِ لَدَيْهِمْ عَادَاتٌ قَبِيحَةٌ لَا يُوَرِّثُونَ الْمَرْأَةَ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُتَزَوِّجَةً مِنْ رَجُلٍ مِنْ خَارِجِ الْعَائِلَةِ فَتُحْرَمُ مِنَ الْمِيرَاثِ بِحُجَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْأُسْرَةِ، وَالْبَعْضُ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنْ مِيرَاثِهَا بِحُجَّةِ أَنَّهَا لَا تُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهَا وَادِّعَاءِ أَنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى مِيرَاثِهَا وَمَالِهَا، فَتُمْنَعُ الْمَرْأَةُ مِنْ مِيرَاثِهَا وَقَدْ تَكُونُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَرُبَّمَا ضَاعَ مِيرَاثُهَا فِيمَا بَعْدُ خَاصَّةً عِنْدَمَا لَا يَهْتَمُّ الْوَلِيُّ عَلَى الْمَالِ بِالْكِتَابَةِ وَتَحْدِيدِ مَا لِلْمَرْأَةِ مِنْ مَالٍ وَأَيْنَ يُوجَدُ هَذَا الْمَالُ. وَبَعْضُ النَّاسِ إِذَا قُلْتَ لَهُ: لِمَاذَا لَا تُوَرِّثُ إِخْوَتَكَ؟ يَقُولُ: "وَجَدْنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ"، نَقُولُ لَهُ: هَذِهِ عَادَاتُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَبَيَّنَ أَنَّ التَّقَالِيدَ سَبِيلُ الضَّلَالِ وَطَرِيقٌ إِلَى النِّيرَانِ، قَالَ تَعَالَى ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [لُقْمَان: 21]. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ أَسْبَابِ مَنْعِ الْإِنَاثِ مِنَ الْمِيرَاثِ طَمَعُ بَعْضِ الْأَقَارِبِ فِي مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ، وَهَذَا الطَّمَعُ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِ الْمَرْأَةِ بِنَصِيبِهَا، وَإِمَّا لِضَعْفِهَا وَحَاجَتِهَا لِلرَّجُلِ، فَإِذَا طَالَبَتْ بِحَقِّهَا حَصَلَ لَهَا مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّعْنِيفِ وَالْمُعَامَلَةِ السَّيِّئَةِ مَا لَا تُرِيدُهُ فَازْدَادَ شَقَاؤُهَا شَقَاءً، وَازْدَادَ هَمُّهَا هَمًّا، فَبَعْضُ الْأَقَارِبِ لَمَّا أَصَابَهُمُ الطَّمَعُ وَالْجَشَعُ جَحَدُوا حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي الْمِيرَاثِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَخْذَهَا لِمِيرَاثِهَا سَيَنْقُصُ مِنْ أَنْصِبَتِهِمْ وَمِيرَاثِهِمْ وَالطَّمَعُ جَمْرَةٌ لَا تُحْرِقُ إِلَّا صَاحِبَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ أَسْبَابِ مَنْعِ الْإِنَاثِ مِنَ الْمِيرَاثِ التَّأَخُّرُ فِي تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ، وَبِالتَّالِي لَا تَعْرِفُ الْمَرْأَةُ كَمْ نَصِيبُهَا وَرُبَّمَا تَأَخَّرَ حُصُولُهَا عَلَى نَصِيبِهَا سَنَوَاتٍ عَدِيدَةً، وَهَذَا يَحْدُثُ كَثِيرًا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّأْخِيرُ إِمَّا بِسَبِ تَهَاوُنِ الْوَرَثَةِ، أَوْ بِسَبَبِ تَشَعُّبِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَكَثْرَةِ أَمْلَاكِهِ وَتَفَرُّقِهَا فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُمْكِنُ عِلَاجُ هَذَا السَّبَبِ بِالْمُبَادَرَةِ بِتَوْزِيعِ التَّرِكَةِ الْمَعْلُومَةِ وَالْمَعْرُوفَةِ وَعَدَمِ تَأْخِيرِهَا، فَيُوَزَّعُ كُلُّ مَا يَتِمُّ مَعْرِفَتُهُ مُبَاشَرَةً، ثُمَّ إِذَا تَمَّتْ مَعْرِفَةُ أَمْوَالٍ جَدِيدَةٍ تُوزَّعُ مُبَاشَرَةً وَهَكَذَا حَتَّى يَتِمَّ إِنهَاءُ جَمِيعِ مَا لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُلَ كُلُّ وَارِثٍ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمَا فِي ذَلِكَ النِّسَاءُ. وَأَمَّا التَّرِكَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ وَالَّتِي لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا _"الْمُؤَخَّرَاتُ"_ فَتُؤَخَّرُ حَتَّى يَجِدَ الْوَرَثَةُ لَهَا حَلًّا مُنَاسِبًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَبْرَزِ أَسْبَابِ تَأَخُّرِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ جَعْلَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً دُونَ فَصْلٍ بَيْنَ مَا هُوَ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ثَابِتٍ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَاللهَ اللهَ فِي إِعْطَاءِ النِّسَاءِ مِيرَاثَهُنَّ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لِعِظَمِ إِثْمِ آكِلِ الْمِيرَاثِ فَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ آكِلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، فَيَا آكِلَ الْمِيرَاثِ اسْتَمِعْ إِلَى تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تَوَعَّدَكَ بِهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، عَسَاكَ أَنْ تُرَاجِعَ نَفْسَكَ قَبْلَ لِقَاءِ مَوْلَاكَ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ مَا يَلِي: أَوَّلًا: أَنَّ آكِلَ الْمِيرَاثِ مُتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللهِ، فَمَنْ مَنَعَ امْرَأَةً: أُخْتًا كَانَتْ أَمْ أُمًّا، أَوْ جَدَّةً أَوْ زَوْجَةً مِيرَاثَهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللهِ، وَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ رَفَضَ قِسْمَةَ اللهِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَاللهُ قَدْ قَسَّمَ الْمِيرَاثَ قِسْمَةَ عَدْلٍ لَا جَوْرَ فِيهَا وَلَا حَيْفَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ آيَةِ الْمَوَارِيثِ:﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾[النِّسَاء: 13، 14]. وَالْأَشَدُّ إِثْمًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ قَدْ يُوصِي بِحِرْمَانِ النِّسَاءِ مِنْ مِيرَاثِهِنَّ، فَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ»، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾[النِّسَاء: 13، 14]. ثَانِيًا: التَّعَدِّي عَلَى الْمَوَارِيثِ جُرْمٌ عَظِيمٌ، وَإِفْكٌ مُبِينٌ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾[النِّسَاء: 2]، وَالْمَعْنَى: إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الثَّعَالِبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي غَطَفَانَ كَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أَخٍ لَهُ يَتِيمٌ فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيمُ طَلَبَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ فَتَرَافَعَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَلَمَّا سَمِعَ الْعَمُّ قَالَ: أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْحُوبِ الْكَبِيرِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ ثَالِثًا: أَكْلُ الْمِيرَاثِ أَكْلٌ لِلنَّارِ فِي بَطْنِهِ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾[النِّسَاء: 10] فَالْيَتَامَى مَظِنَّةُ أَنْ يُبْخَسُوا فِي الْمِيرَاثِ، فَأَكْلُ مَالِهِمْ هُنَا ظُلْمًا هُوَ بَخْسُهُمْ حَظَّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، أَوْ أَكْلُ الْأَوْصِيَاءِ أَمْوَالَهُمْ وَالْأَخْذُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَكْلٌ لِلنَّارِ فِي بَطْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَقَدْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا عَنْ بُيُوتٍ خَرِبَتْ لِأَنَّهَا أَكَلَتْ مَالَ الْيَتِيمِ. وَهَذَا عِقَابُهُمْ فِي حَاضِرِهِمْ، أَمَّا الْعِقَابُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النِّسَاء: 10] أَيْ سَتُوقَدُ بِهِمْ نَارٌ شَدِيدَةُ الْأُوَارِ، يَسْتَمِرُّونَ فِي بَلَاءٍ شَدِيدٍ مِنْهَا. رَابِعًا: الْفَضِيحَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَلْيَعْلَمْ آكِلُ الْمِيرَاثِ أَنَّ مَا أَكَلَهُ مِنْ مِيرَاثِ أُخْتِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَالٍ وَعَقَارٍ؛ سَيُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْ حَقِّهَا شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ فَسَيَأْتِي حَوْلَ عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَوْقًا مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ. خَامِسًا: الْإِفْلَاسُ مِنَ الْحَسَنَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آكِلَ الْمِيرَاثِ تَخَيَّلْ نَفْسَكَ وَقَدْ بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ وَقَدْ أَتَيْتَ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ، فَتَأْتِي وَقَدْ أَفْلَسْتَ مِنْ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ بِسَبِ مَا جَنَتْ يَدَاكَ مِنْ أَكْلِكَ لِمِيرَاثِ غَيْرِكَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنَاتِ وَغَيْرِهِمْ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّ مَا أَكَلْتَهُ مِنْ مِيرَاثِ غَيْرِكَ فِيهِ الْغِنَى كَلَّا بَلْ فِيهِ الْإِفْلَاسُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ _ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[الشُّعَرَاء: 88، 89]. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَنَخْتِمُ بِقِصَّةٍ تُبَيِّنُ ثَمَرَةَ خَوْفِ اللهِ عِنْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ. يُذْكَرُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُتَزَوِّجًا امْرَأَتَيْنِ، فَمَاتَ وَتَرَكَ 8000 دِينَارٍ. فَقَامَتِ الزَّوْجَةُ الْأُولَى - وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ - فَقَسَمَتِ التَّرِكَةَ شَرْعًا: أَعْطَتِ الِابْنَ 7000 دِينَارٍ، وَأَخْرَجَتْ 1000 دِينَارٍ قَسَمَتْهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَرْسَلَتْ نَصِيبَهَا مَعَ جَارِيَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْجَارِيَةُ وَأَخْبَرَتْهَا، بَكَتِ الزَّوْجَةُ الثَّانِيَةُ وَأَخْرَجَتْ وَثِيقَةً وَقَالَتْ: "اِرْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ وَقُولِي لَهَا: إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَيْسَ لِي حَقٌّ فِي مِيرَاثِهِ. وَرُدِّي هَذَا الْمَالَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ آكُلَ حَرَامًا". فَرَجَعَتِ الْجَارِيَةُ وَأَخْبَرَتِ الْأُولَى، فَبَكَتَا جَمِيعًا خَوْفًا مِنَ اللهِ. فَانْظُرُوا كَيْفَ خَافَتِ الْأُولَى رَبَّهَا فَأَعْطَتِ الْحَقَّ كَامِلًا، وَكَيْفَ خَافَتِ الثَّانِيَةُ رَبَّهَا فَرَدَّتِ الْمَالَ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ... عَدْلٌ فِي الْعَطَاءِ، وَوَرَعٌ عَنِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ تَعَالَى وَأَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ الَّتِي لَهَا مِيرَاثٌ عِنْدَهُ مِيرَاثَهَا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يَحْرِمَ النِّسَاءَ مِنْ مِيرَاثِهِنَّ الشَّرْعِيِّ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ مَنْ لَا يَلْتَزِمُ بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ كَمَا بَيَّنَهَا بِالنَّارِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَعَلَى مَنْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْكَبِيرَةِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلْتَكُنْ تَوْبَتُهُ صَادِقَةً؛ فَيَرُدَّ مَا أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِ مَنْ مَنَعَهَا حَقَّهَا الْمَفْرُوضَ لَهَا شَرْعًا، وَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَمَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَرُدَّهُمْ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الْأَحْزَاب: 56]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا». اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ فِي عِلْمِهِ وَعُمُرِهِ وَعَمَلِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي بَدَنِهِ وَصِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي مَالِهِ وَرِزْقِهِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا مُبَارَكًا مُوَفَّقًا مُسَدَّدًا أَيْنَمَا حَلَّ أَوِ ارْتَحَلَ. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، زَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. رَبَّنَا إِنَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللهُ.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |