علم الطاقة حقيقته ومخاطرة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: العقود المشتملة على الربا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 26 )           »          بيان معنى ومفهوم البلاغ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          التجويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          تلاوة القرآن بالقراءات المتواترة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 90 - عددالزوار : 60203 )           »          الإنذارات والتحذيرات النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          الأسرة التي يريدها القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 29 )           »          حياة القلوب في زمن الشواغل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          وقفات مع أحكام الوصية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          منع الإناث من الميراث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 02:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,136
الدولة : Egypt
افتراضي علم الطاقة حقيقته ومخاطرة

علم الطاقة حقيقته ومخاطرة
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70]..
أما بعد: فإن أحسن الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..

معاشر المؤمنين الكرام: لا شك أن أغلى ما يملكه المسلم في هذه الحياة: سلامةُ دينه وصفاءُ عقيدته؛ فبها فوزه ونجاته، وعليها مدار فلاحه وسعادته في دنياه وآخرته..

وإن من أخطر ما يواجهه المسلمون في هذا العصر: تلك الأفكار الضالة التي تُقَدَّم لهم في ثوبٍ من العلم الحديث، وتزعم أن في الكون طاقاتٍ خفيةً يمكن للإنسان أن يستمد منها القوة والإيجابية، أو أن يجذب بها ما يريد من الأحلام والأمنيات.. وأن حوله هالةً من الذبذبات، وفي جسمه سبع بواباتٍ للطاقة تسمى الشكرات، وأن له عين ثالثة لو فتحها فسيبصر بها ما لا تبصره العينان، وغير ذلك من التصورات التي تندرج تحت ما يسمى بعلم الطاقة الكوني أو الروحي، والتي قد تبدو للسامع أنها علميةٌ أو فلسفية، أو حتى قريبةً من بعض المفاهيم الشرعية؛ بينما تحمل في أصولها تصوراتٍ وثنية، ومعتقداتٍ دينيةٍ شرقية، كالجسد الخفي، ومراكز الطاقة، وتناسخ الأرواح، وتخاطر العقول، والتأملات الروحية، وغيرها من التصورات الضالة، الي أعيد تقديمها بأسماء عصرية جديدة، ذات طابعٍ علمي مخادع.. ثم ُسوَّقوها على أنها وسائل للشفاء والسلام النفسي، أو لتطوير الذات وتنمية القدرات، أو لجلب الرزق والنجاح والسعادة، حتى يُقال للإنسان: غيّر طاقتك، واضبط ذبذباتك، وافتح مراكز الطاقة في جسدك، وفكّر بطريقةٍ تأمليةٍ، وسوف يتغير واقعك للأفضل..

ولمن يظن أن في الأمر مبالغة، فقد انتشرت هذه الأفكار الضالة في كثيرٍ من المجتمعات المسلمة، خصوصًا بين أوساط النساء، من خلال الكتب ووسائل التواصل، وبعض البرامج والدورات الخاصة، واشتهر بها مدربون ومدربات، يتفننون في عرضها وتزيينها، ويغلفونها بشيءٍ من الكلام الشرعي، حتى يبدو الباطل في صورة الحق، والوهم في صورة العلم، والشعوذة في صورة العلاج الروحي.. ومع الأسف فإن أعداد المتأثرين بهذه الخزعبلات تزيد ولا تنقص.. وللأسف أن كثيرًا منهم يمارسون تلك الضلالات وهم لا يعلمون من أين جاءت، ولا ما هو أصلها الذي تقوم عليه، ولا إلى أين يمكنُ أن تقودهم.. والمؤسف أكثر أنهم يدفعون مقابلها أموالًا ليست بالقليلة، ظنًا منهم أنه يشترون علمًا ينفعهم، أو علاجًا يخففُ آلامهم، أو طريقًا يُحسنُ من جودة حياتهم؛ فإذا بهم يتشربون أفكارًا وتصوراتٍ ضالة، ويمارسونَ طقوسًا وسلوكياتٍ شركيةٍ مخالفة، تهدم مسلمات عقيدتهم من حيث لا يشعرون..

من هنا وجب أن نقف وقفةً جادة ونتساءل: ما حقيقة ما يقوم به أرباب علم الطاقة من طقوس وممارسات؟.. ماهي أصولها، ومن أين جاءت؟.. وإلى أين تصل بمن يمارسها ويصدقها؟..

أحبتي الكرام: ما يسمى بـ«علم الطاقة» إنما هو خليطٌ من تصوراتٍ وممارسات تعود جذورها لمعتقداتٍ هندوسيةٍ أو بوذيةٍ ضالة، كتصورات الجسد الخفي، ومراكز الطاقة، والتشي كونغ، والتاكي، والشكرات، والتأملات الروحية، والتواصل مع القوى الكونية، والتحول الروحي، والحلول والاتحاد، وغيرها من التصورات الوثنية الضالة.. والتي قام بعض الغربيين خلال القرن الماضي بصياغتها في قوالب جديدة، وأطلقوا عليها ألفاظًا ومصطلحات عصريةٍ حديثة، كالطاقة الكونية، وبذور النجوم، والذبذبات، والهالات، وقوة العقل، وقانون الجذب، وغيرها من المصطلحات التي يسوقونها على أنها وسائل لتطوير الذات، وتحقيق النجاح وجذب الأمنيات، وتحسين الصحة والحياة.. ومع توسع سوق الكتب والدورات، انتشرت هذه الأفكار وتشعبت، وأصبحت تُقدَمُ للناس لا باعتبارها مُعتقداتٍ روحية أو ممارساتٍ دينية، وإنما باعتبارها «قوانين كونية» شبيهة بقوانين الفيزياء والطبيعة..

ومكمن الخطر في هذه التصورات أن يُعلق الإنسانُ قلبه بطاقةٍ كونيةٍ مجهولة، أو بقوةٍ خفيةٍ مزعومة، أو يعتقد أن أفكارهُ قادرةٌ بذاتها على تغيير واقعهِ وتحقيق أحلامه؛ وقد يصلُ الأمرُ بتبني معتقداتٍ كفرية ضالة، كتناسخ الأرواح، وتخاطُرِ العقول، وبعضُ صور الاتصالِ بالجن والشياطين، وخزعبلات العين الثالثة، وبوابات الطاقة، وغير ذلك من التصورات والممارسات المناقضةِ للتوحيد ومسلمات العقيدة.. والتي قد تصل بالإنسان للردة والخروج من الملة.. وأقل ما فيها: أن يتعلق قلب المسلم بمخلوقٍ يعظمه ويرجوه من دون الله؛ والله سبحانه يقول: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم ﴾ [يونس:106].. فالنفع والضر بيد الله وحده، والعطاء والمنع بيد الله وحده، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ».. وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز...».. فانظروا إلى هذا الجمع النبوي العظيم: احرص على ما ينفعك، أي ابذل جهدك وخذ بالأسباب، ثم قال صلى الله عليه وسلم: واستعن بالله، وذلك حتى لا يتحول أخذُك بالأسباب إلى تعلقٍ بها، وحتى لا تنسى المسبب سبحانه.. أما أن يُقال للإنسان: أرسل رغبتك إلى الكون، واشحن نفسك بطاقةٍ معينة، وارفع ذبذباتك، وسوف يستجيب لك الكون ويجلب لك ما تريد؛ فهذا خلل عقدي خطيرٌ، فمن ظنَّ أن للكون قوةً تجلب النفع وتدفع الضر بذاتها فقد خرج من الملة, عياذًا بالله..

ثم إن من أخطر ما يفعله منظرو علم الطاقة: أنهم يُلبِسُون الوهمَ لباس العلم.. فتراهم يتحدثون عن الطاقة والموجات والذبذبات والترددات، وهذه مصطلحاتٌ علميةٌ حقيقية، لكنهم يخلطونها بالحديث عن طاقةٍ كونيةٍ خفية، وعن هالاتٍ خياليةٍ تحيط بجسد الإنسان، ومراكز طاقةٍ وبوابات، وتأملاتٍ تجذب الأحداث، وقوانين وقوى كونيةٍ تستجيبُ لأفكار الإنسان؛ فيظن السامع أن الانتقال من حقيقةٍ علمية إلى دعاوى غيبيةٍ, انتقالٌ علميٌ سليم، بينما هي أوهام وتدليس..

كما أن من أخطر مخالفات علم الطاقة: ما يتصل بادعاء علم الغيب.. حيث أن بعض ممارساتهم الضالة تتعلق بقراءة الهالات، ومعرفة ما في النفس بطرقٍ غيبية، وتخاطر العقول، وادعاء نقل الأفكار، أو الاتصال بالجن والشياطين، أو معرفة المستقبل؛ وكل هذا انحرافٌ عقديٌ خطير قد يفضي بصاحبه إلى الكفر الأكبر، عياذًا بالله.. فالغيب لله وحده، ومن زعم علم الغيب فهو كافرٌ لا شك في كفره، قال تعالى: ﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل:65].. وفي الحديث الصحيح: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»..

ومن أخطر ما يتعلق بعلم الطاقة: أنه قد يجعل الإنسان أسيرًا للوهم.. فحين يقال للإنسان أن كل ما يحدث لك انعكاس لأفكارك، وكل ما يجري حولك فأنت الذي جذبته نحوك؛ فحينها قد يتحولُ المرءُ إلى مراقبٍ دائمٍ لأفكاره ومشاعره، فإذا مرضَ قال: لعلي فكرت تفكيرًا سلبيًا، وإذا خسر شيئًا مهمًا قال: لعلي جذبت الخسارة لنفسي، وإذا أصابه بلاءٌ قال: لعلي أرسلت ذبذباتٍ سلبية.. وقد يصدق من يقول له: إن مرضك أو مصيبتك بسبب انسداد طاقتك، أو بسب خللٍ في ذبذباتك، أو لأن اضطرابًا حدث في مركزٍ من مراكز الطاقة في المنطقة الفلانية من جسدك، فتعال إلى جلساتنا، وطبق ما نقوله لك وستعود إليك عافيتك.. وهكذا يُدخِلُ الإنسانُ نفسهُ في دائرة من الخوف ولوم النفس والوسوسة، بدل أن يعيش مطمئنًا بإيمانه بالقضاء والقدر، مرتاحًا بتوكله على الله، وحسن ظنه بربه ومولاه.. فهو القائل سبحانه: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن:11]..

أما أخطرُ ما يتعلقُ بعلم الطاقة: فهو ترقيق الباطل والتدرج في الانحراف.. ذلك أن دُعاةَ الضلال، لن يُصَرِّحُوا بٍباطِلِهِمْ حِينَما يَدُعُونَك إلَيْهِ، ولن يقولوا لك في بادئ الأمر: اترك عقيدة التوحيد.. وإنما يأتونك بخطوة صغيرةٍ جذابة، فيقولوا: تفاءل وفكّر بإيجابية، ولكي تحقق ما تريده وتتمناه، ارفع طاقتك الإيجابية، واضبط ذبذباتك، ثم أرسل أمنيتك إلى الكون.. ثم يتدرج الأمر شيئًا فشيئًا؛ ليقنعوك أن الكون يستجيبُ لك، وأنك بتأملاتك فقط يمكنك أن تحققَ كل أحلامك وأمنياتك..

هكذا يبدأ الأمر: فكرةٌ بسيطة وقد تبدو لصاحبها بريئة، ثم تتواصل الممارسات، ومع المصادفات تتغيرُ القناعات، ثم يتعلق القلب وتحدث المأساة، حيث يجد الإنسان نفسه وقد أختل توحيده، وانحرف معتقده دون أن يشعر.. إنها خطوات الشيطان، التي حذرنا الله منها بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ [البقرة:208]..

فاحذروا عباد الله هذا المنزلق الخطير، واعلموا أن أعظم خسارةٍ يخسرها المسلم يوم أن يُعكّرَ صفاءَ توحيده، أو أن يتعلقَ قلبهُ بغير ربه، أو أن يستبدل مسلمات عقيدته بأوهامٍ وضلالات..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر:64]..

أقول ما تسمعون....

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عباده الذين اصطفى..
أما بعد، فاتقوا عباد الله، واعلموا أن من أعظم ما يحمي المسلم من هذه الأوهام والضلالات: أن يعرف ربه حقَّ المعرفة، وأن يعتز بدينه، وأن يوقن أن هذا الدين لم يتركه حائرًا بين الفلسفات والمعتقدات الباطلة.. يبحث فيها عن حاجاته ومصالحه..

فربك الذي خلقك هو أرحم الراحمين، ورحمته وسعت كل شيء، وهو الأعلم بما يناسبك وينفعك، وقد أنزل إليك شريعةً متكاملة تحقق مصالحك العاجلة والآجلة على أكمل وجه، ووالله لئن بحثت عنها بغير هذا الدين فلن تجد إلا عكس ما تريد، ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه:124]..

وتيقن أن دينك العظيم لم يمنعك من الأخذ بالأسباب، ولم يأمرك بترك العمل والسعي خلف مصالحك، ولكنه علّمك لمن تهبُ قلبك، وبمن تستعين في سيرك وسعيك، ومن الذي ترجو نفعه وتخشى ضره.. قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران:159].. فإذا أردت شفاءً، فاسأل الله أن يشفيك، ثم ابحث عن الدواء عند طبيبٍ حاذق، ثم تناوله متوكلا على ربك، فلا شفاء بدون أذنه.. وإذا أردت رزقًا، فاسأل الله أن يرزقك، ثم اجتهد في طرق أبواب الرزق المشروعة، متوكلًا على ربك فلن ترزق إلا بإذنه.. وهكذا إذا نزل بك همٌّ أو كربٌ، فادعو الله أن يكشفه ويزيله، ثم ابذل من الأسباب ما هو مشروع ومعروف، وأنت متوكل على الله، فلن يزول ما بك إلا بإذنه وفضله.. وهكذا في كل أمورك وأحوالك: أسأل الله العون والتوفيق وخذ بالأسباب المشروعة، ثم توكل على رب الأسباب.. فلن توفق إلا بإذنه وفضله..

ثم اعلموا عباد الله أن من أعظم ما ينبغي للمسلم أن يربي عليه نفسه وأهله في هذا العصر: ألا ينبهروا بالأسماء البراقة، ولا بالألقاب الرنانة، ولا بكثرة المتابعين، ولا ببراعة المتحدثين..

وأنه ليس كل ما يسُمِّي علمًا فهو بالضرورة نافع، ولا كُلُّ ما أراح النفسَ فهو مُباح، ولا كُلُّ ما نُسبَ إلى الطاقة فهو من قوانين الكون المقبولة.. قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36]..

كما أن من أعظم ما يحمي دين المسلم في هذا الزمان: أن يتحلى بالعقل الناقد، والتفكير المتبصر، وأن يتأنى ويتحرى.. فإذا سمع دعوى سأل: ما دليلها؟ وما هو مصدرها؟ وما هو رأي أهل الاختصاص فيها؟.. فإن كانت من أمور الدين والعقيدة استشار العلماء الموثوقين، فإن الله تعالى يقول: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء:7]..

أيها الكرام: إن من عظمة هذا الدين، أنه علّمنا كيف نتعامل مع أنفسنا، وكيف نتعاملُ مع غيرنا، وكيف نأخذ بالأسباب، وكيف ندعو ربنا، وكيف نرضى بقضائه وقدره، وكيف نسعى خلف مصالحنا وقلوبنا معلقةٌ بخالقها، موصولةٌ بآخرتها.. فلا نحتاج مع كتاب ربنا إلى فلسفاتٍ غامضة، ولا مع التوحيد الصافي إلى قوى كونيةٍ مجهولة، ولا مع الدعاء الخالص إلى أحد غير الله تعالى.. القائل سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]..

فربُّنا أيها الكرام: قريبٌ مجيب، يسمع دعاءنا، ويعلم بحاجاتنا، ويدبر أمورنا بحكمته ورحمته.. ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة:51]..

فاثبتوا يا عباد الله على دينكم، واعتزوا بتوحيدكم، وتمسكوا بعقيدتكم، واسألوا الله أن يرزقكم العلم النافع، والبصيرة في الدين، والثبات على الحق، والسلامة من كل ضلالةٍ وإثم.. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه..

ويا ابن آدم عش ما شئت..


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.51 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.88%)]