|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حفصة بنت عمر.. سادنة المصحف وحارسة القرآن د. رولا الحيت شهادة من السماء نقلها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة».. إنها السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عرفت بالصلاح والذكاء والقدرة على القراءة والكتابة في وقت ندرت فيه هذه المهارات بين النساء، وقد ورثت من أبيها القوة في الحق والوعي الشرعي والسياسي. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة للهجرة لتصبح من أمهات المؤمنين، حياتها مليئة بالمواقف التي تعكس شخصيتها الحازمة والواعية. بعد وفاة زوجها أظهرت صبرها وجلدها وهي في الثامنة عشرة من عمرها قبل أن تنتقل إلى بيت النبوة؛ حيث كانت تتلقى العلم والإيمان من المصدر، وقد كانت لها عدة مواقف تناقش فيها النبي صلى الله عليه وسلم بما يعكس عقلية نقدية فاحصة وعمقاً في فهم النص القرآني. هذه «المراجعات» لم تكن اعتراضاً على النبوة، بل كانت بحثاً عن الفهم أو تعبيراً عن مشاعر إنسانية طبيعية، وقد أقرّها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع، ووجهها في مواضع أخرى. من أشهر مراجعاتها العلمية، حيث ناقشت النبي صلى الله عليه وسلم في فهم آية قرآنية بناءً على حديث سمعته منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها»، فقالت السيدة حفصة: «بل يا رسول الله!» (كأنها تستفسر مستشهدة بالقرآن)، وقرأت قوله تعالى: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) (مريم: 71)، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً الفارق بين «الورود» و«السقوط»، فقرأ الآية التي تليها: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم: 72). وموقف آخر وهو مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الحج (التحلل)، فقد كانت السيدة حفصة حريصة على تتبع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، واستشكلت عدم تحلله من عمرته، عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته والمسلمين بالتحلل من العمرة (قلب الحج تمتعاً) ولم يتحلل هو لأنه ساق الهدي، سألته حفصة: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فأوضح لها العلة التشريعية قائلاً: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يضيق ذرعاً بمراجعة نسائه، لكن عمر بن الخطاب كان يخشى عليهن من ذلك، وكان يوبخ ابنته حفصة إذا بلغه شيء من ذلك. تروي الكتب موقف عمر حين بلغه بعض ما وصله من تلك الأخبار، يقول عمر: بلغني بعض ما آذين رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه، فدخلت عليهن فجعلت أستقريهن، وأعظهن، فقلت: فيما أقول لتنتهين أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر، أما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظنا أنت؟ فأنزل الله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ) (التحريم: 5). وقصة المغافير والعسل كانت سبباً في نزول صدر سورة «التحريم»، وهو موقف تظاهرت فيه حفصة، وعائشة، على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، حين كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فاتفقتا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلن له: نشم منك ريح مغافير (صمغ ذو رائحة)، فحرم النبي صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه إرضاء لهن، فكانت النتيجة نزول الآيات الكريمة تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {1} قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {2} وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ {3} إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ {4} عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً) (التحريم). وهو ما كان يحذر سيدنا عمر بن الخطاب ابنته حفصة منه حين قال لها: أتعصين رسول الله؟! وفي رواية أخرى: أتراجع إحداكن النبي اليوم إلى الليل؟ فلما قالت حفصة: نعم، حذرها عمر من ذلك خشية نزول الوحي بسخط الله تعالى. إن بيت النبوة كان يتسم بحرية الرأي وسعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تسمح لزوجاته بنقاشه؛ ما أعطى مساحة واسعة للنضج العقلي والحكمة، وفتح باب العلم والتعلم والتفقه في أمور الدين والدنيا، وهو ما جعل السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب تتمتع بأهلية علمية. أرشيف وطني هذه الأهلية العلمية جعلتها قادرة على حماية النص القرآني من التصحيف، وجعلت حجرتها بمثابة الأرشيف الوطني الأول -إن صح التعبير- للإسلام؛ حيث احتفظت بالنسخة الوحيدة والمكتوبة من القرآن الكريم التي جمعها لأول مرة أبو بكر الصديق. هذه الصحف انتقلت بداية إلى عمر بن الخطاب وعند اقتراب وفاة عمر أودعها عند السيدة حفصة؛ ما يشير إلى الاعتراف بأهليتها العلمية ودقتها في حفظ النص إضافة إلى التشريف الذي حظيت به. وعندما قرر الخليفة عثمان بن عفان توحيد المصاحف لقطع دابر الخلاف في القراءات استأذن السيدة حفصة في إرسال الصحف التي عندها ليتم النسخ ثم ردها إليها وفاء بعهده. هذه النسخة الأصلية الموثقة كانت المرجع القطعي الذي أنهى الاختلاف في الأمصار. ظلت السيدة حفصة محتفظة بهذه الصحف حتى وفاتها، وفاء لوالدها عمر، ويذكر المؤرخون أن مروان بن الحكم حاول أخذها منها مراراً (خوفاً من أن يعود الناس للاختلاف إذا وجدوا فروقاً يسيرة في ترتيب السور أو التفسيرات الجانبية)، لكنها رفضت بشدة ولم تخرج هذه الصحف إلا بعد وفاتها في جنازتها؛ حيث أخذها مروان وأتلفها لضمان وحدة الأمة على المصحف العثماني الموحد. نموذج أكاديمي كانت السيدة حفصة تمثل نموذج المرأة الأكاديمية بمفهوم عصرها، فهي القارئة الكاتبة المحدثة وحارسة الدستور الأول (القرآن الكريم)، وقد كان هذا الأمر يشكل البعد التقني العلمي في حياتها. ولا نغفل عن البعد الإنساني في حياتها خاصة علاقتها بالسيدة عائشة رضي الله عنها، هذه العلاقة الرائعة والاستثنائية، التي يمكن وصفها بثنائي المشاكسة والمودة، وقد وصفت السيدة عائشة هذا التحالف بقولها: «كنا يداً واحدة على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم»، فقد كانت حفصة هي الأقرب لعائشة في السن والذكاء والمكانة الاجتماعية (ابنة الوزير الأول، وابنة الوزير الثاني)؛ ما خلق بينهما نوعاً من التنافس المحمود والغيرة البشرية الطبيعية التي لم تفسد للود بقية. ورغم المنافسة، فقد كانت السيدة عائشة تكن احتراماً كبيراً لثبات السيدة حفصة وقوتها، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقيت الصداقة بينهما قوية، وكانتا مرجعاً للنساء في الفتوى وشؤون الدين. توفيت السيدة حفصة ودفنت في البقيع وتركت سيرة عطرة ومركزاً عظيماً في التاريخ الإسلامي، حيث كانت تشكل الجسر الآمن لانتقال الوحي من الجمع الصديقي إلى المصحف العثماني الذي نقرأه اليوم. إن السيدة حفصة بنت عمر كانت مزيجاً من هيبة الفاروق ورقة أمهات المؤمنين، عاشت قريبة من الوحي، ففهمت مقاصده، وعاشت تحت سقف النبوة، فأدبتها المواقف، وستبقى سيرتها حية، لا بوصفها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، بل بصفتها فقيهة، وعالمة، ومؤتمنة على كتاب الله، وحارسة لأعظم أمانة عرفتها البشرية؛ فبين يديها استودع الصحابة المصحف الإمام، وفي بيتها حُفظت أصول الوحي. إن سيرة «حارسة القرآن» تقدم لنا نموذجاً فريداً للمرأة المسلمة التي تزاوج بين عمق الفقه وقوة الشخصية، وبين الغيرة الإنسانية الطبيعية والولاء المطلق لله ورسوله، لتبقى ذكراها نبراساً يستضيء به كل باحث عن معاني العزّة والوفاء في ظلال النبوة.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |