|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
السور القواقل جنة المؤمن، وذكر الموحِّد، وتحرير القلب من الشرك والوساوس د. علي شومان محمد علي أبو دية الحمد لله الذي جعل في كتابه شفاءً ورحمةً للمؤمنين، وجعل الذكر حصنًا من الشيطان وأوليائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فمن أعجب ما يُلحظ في ترابط سور القواقل في المصحف الشريف، تلك السور التي وردت في أواخر المفصل، مبتدئة بسورة الجن، تليها الكافرون، ثم ختم الكتاب بسور الإخلاص، والفلق، والناس، وقد جمعت هذه السور الخمس بين الدعوة إلى التوحيد الخالص، والبراءة من الشرك، والاعتصام بالله من الشرور الظاهرة والباطنة. وقد سماها بعض العلماء السور القواقل، لاشتمالها على الأمر الإلهي المتكرر: “قل”، فكأنها أوامر ربانية يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه تلقيًا مباشرًا، فيبلغها للأمة خطاب تكليف وهداية ونور. أول من أطلق اسم القواقل: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/ 208): “ذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أنه قال: يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقها ويضربها بالماء، ويقرأ فيها آية الكرسي والقواقل، ثم يشرب منها ثلاث حسوات ويغتسل بالباقي، فإنها تذهب عنه كل ما به، وهي نافعة لمن حبس عن أهله”. وقال عبدالرزاق في المصنف (11/ 13): « ومثل ذلك قال: يقرأ فيها ذوات قل ». فدل هذا على أن وهب بن منبه – رحمه الله – هو أول من أطلق هذا الاسم، وكان يرى فيها خاصيةً من خصائص الشفاء والتحصين. سورة الجن... تمهيد التوحيد ومواجهة الغيب: سورة الجن ثمرة تأمل في عالم غيبي عجيب؛ فقد خصصت هذه السورة جناحًا من القرآن ليجلي مواجهة الإنسان مع عالم لم تره العيون، وتبين أن للقرآن مخاطبًا يتعدى البشر إلى الجن، وأن دعوة التوحيد وحقيقة النبوة تؤثر فيهم كما تؤثر فينا. وبرغم أنها ليست من خواتيم المصحف، فإن حضورها في ترتيب القواقل يذكر بأن قضية التوحيد ومواجهة الشرك والأوهام ممتدة في القرآن كله، لا تنحصر في خاتمته، بل تتجلى من بداياته إلى نهاياته. الكافرون والإخلاص... البراءتان العظيمتان: ثم تأتي سورة الكافرون في موضع له وزنه؛ سورة قصيرة المبنى، عظيمة المعنى، تعلن براءة العبادة من كل ما سوى الله، وتغرس في القلب حدود المفاصلة بين الحق والباطل. ثم تتلوها سورة الإخلاص لتكمل المعنى، فبعد أن قيل في الكافرون: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6]. جاء البيان الخالص: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]. فكانت الإخلاص تعريفًا بحقيقة الدين الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا سماهما النبي صلى الله عليه وسلم البراءتين، لأن الأولى براءة من الشرك، والثانية براءة من التشبيه. قال صلى الله عليه وسلم: ((قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)). (رواه الترمذي). الفلق والناس... اكتمال دائرة التحصين: وتأتي المعوذتان في ختام القواقل، لتكملا البناء الإيماني بالتوجه إلى الله استعاذةً واحتماءً. ففي الإخلاص بيان لصمدية الله ولجوء القلوب إليه، فجاءت الفلق لتعلن هذا الالتجاء في واقع الاستعاذة: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: 1]. ثم جاءت الناس لتختم القرآن بنداء آخر: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1]. فجمعت الاستعاذتين من شر الخلق والليل والحسد في الأولى، ومن شر الوسواس في الثانية، فاستكملت دائرة التحصين الرباني. المقاصد الجامعة في القواقل: تجديد التوحيد في القلب، والتحصين من الشرور والآفات، واتباع المنهج النبوي في البلاغ. فكل سورة من القواقل ترسخ أصلًا من أصول الإيمان: دعوة، وبراءة، ومعرفة، واستعاذة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهن كل ليلة، وينفث في كفيه بالمعوذتين، ويمسح بهما جسده، وقال: ((ما تعوذ متعوذ بمثلهما))؛ [رواه مسلم]. من الفاتحة إلى القواقل... دائرة الحفظ الرباني: بدأ القرآن بالفاتحة المشتملة على الاستعاذة والاستعانة والعبادة، وختم بالقواقل التي تحمي الإيمان وتسد منافذ الشيطان، فكان مطلعه وخاتمته دائرة أمان للعبد بين الهداية والاعتصام. القواقل في زمن الفتن: وفي زمن تتكاثر فيه الفتن، وتضطرب فيه القلوب بين خوف ورجاء، تتجلى الحاجة إلى هذه السور، نقرؤها بقلوب حاضرة تستعيذ بالله حقًّا، لا بألسنة غافلة. إنها سور المواجهة مع كل فتنة تساوم على الدين، ومع كل وسوسة تزلزل العقيدة. قل يا أيها الكافرون حين يطلب التنازل عن الثوابت، قل هو الله أحد حين يطمس نور التوحيد، قل أعوذ برب الفلق حين تكثر الأحقاد وتبث العيون بالحسد، قل أعوذ برب الناس حين تتسلل الوساوس إلى القلوب فتفسدها. فما أحوج الأمة اليوم إلى أن تحتمي بمعانيها كما تحتمي بألفاظها، وتجعلها وردًا لا ينقطع، وحصنًا لا يخترق! دعاء وخاتمة: اللهم يا من قلت في كتابك: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1]، نعوذ بك من كل شر يحاصرنا، ومن كل فتنة تضلنا، ومن كل ضعف يخذلنا. اللهم اجعل هذه السور نورًا في صدورنا، وشفاءً لهمومنا، وسلاحًا لأمتنا. اللهم انصر المستضعفين في فلسطين، وارحم أهل السودان، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا. اللهم اجعلنا من أهل “قل”، القائلين بالحق، العاملين به، المستعيذين بك، المحتمين بذكرك، حتى نلقاك وأنت عنا راضٍ يا أرحم الراحمين. فما أكرمها من خواتيم للقرآن، وما أعظمها من سور حفظ الله بها المؤمنين؛ هي قواقل القلوب، ومفاتيح العصمة، وسياج التوحيد. ومن أحسن تدبرها وداوم على تلاوتها، أحاطه الله برعايته، وأمنه من فتن الليل والنهار. ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 64].
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |