|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
عبادة الخوف من الله في السر عدنان بن سلمان الدريويش ما أسهل أن يكون الإنسان مستقيمًا أمام الناس! وما أصعب أن يبقى مستقيمًا حين يغلق بابه، وينفرد بنفسه، ويغيب الرقيب البشري، وتصبح المعصية قريبة، ولا يراه أحد من الخلق! هناك وفي لحظات الخلوة يظهر الإيمان الحقيقي، وتنكشف حقيقة القلوب، فقد يصلي الإنسان مع الجماعة، ويبتسم في وجوه الناس، ويتحدَّث عن الفضيلة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يخلو بنفسه، فلا يراه إلا الله، فتبرز هنا عبادة عظيمة من أجلِّ عبادات القلوب، لكنها من أكثر العبادات خفاءً، وهي الخوف من الله في السِّرِّ. أيها الشباب، إن عبادة الخوف من الله في السِّرِّ من أعظم القربات؛ لأنها دليل على أن القلب يراقب ويُعظِّم الله حق التعظيم، وإن غابت أعين البشر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: 12]، تأمَّل هذا الوصف الجميل "بالغيب"؛ أي: حين لا يراك أحد، ولا يعلم بك أحد، ولا يمنعك من المعصية إلا يقينك بأن الله يراك، وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 40، 41]. أيها المبارك، إن بعضًا من الشباب والفتيات اليوم إذا غابت الرقابة عنهم تجرؤوا على ما كانوا يستحيون منه، فتجد من يظلم الناس إذا ضمن ألَّا يُحاسَب، ومن يغش إذا ظنَّ أنَّه لن يُكشَف، ومن يخون الأمانة إذا اطمأنَّ إلى غفلة الآخرين، ومن يطلق بصره في الحرام إذا أغلق هاتفه أو جلس وحده، ومن يكتب كلمات جارحة خلف شاشة يظن أنها تخفيه، ولو كان الخوف من الله حاضرًا في القلب، لما تغيَّر السلوك باختلاف المكان. أيها الشاب، وأيتها الفتاة، إن أعظم ما يحفظ الإنسان من المعصية ليس كثرة الكاميرات، ولا شدة الأنظمة، ولا رقابة الناس، وإنما مراقبة الله، فالذي يعلم أن الله يسمعه، ويراه، ويعلم سِرَّه ونجواه، يستحي أن يلقاه وهو يعصيه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُربِّي أصحابه على هذه العبادة العظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: "سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه..."، وذكر منهم: "ورَجُلٌ طَلَبَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ، فقال: إنِّي أخافُ اللهَ"؛ رواه البخاري، تأمَّل لم يمنعه منها ضعف، ولا عجز، ولا خوف من الناس، إنما منعه خوفُه من الله، وهذا هو الفرق بين من يترك المعصية لأنه لا يستطيعها، ومن يتركها وهو قادر عليها ابتغاء مرضاة الله، فكسب بذلك ثمرات هذه العبادة، ومنها: سلامة القلب، وحفظ الجوارح، والبُعْد عن الظلم، والطُّمَأْنينة بعد الطاعة، والأمن يوم القيامة. يا أخي، جاء في حديث آخر قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وكان أحدهم قد تمكَّن من ابنة عَمِّه التي أحبَّها، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له: "يا عبدَ اللهِ، اتقِّ اللهَ ولا تفتحِ الخاتَمَ إلا بحقِّه"؛ رواه البخاري، فقام عنها، وترك المال الذي أعطاها، وانصرف خوفًا من الله، فكانت هذه العبادة الخفيَّة سببًا في تفريج كربتهم، حتى انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون، لأن الله سبحانه لا يضيع من ترك شيئًا من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّك لن تَدَعَ شَيئًا اتِّقاءَ اللهِ جَلَّ وعَزَّ إلَّا أَعْطاك اللهُ خَيْرًا مِنه"؛ رواه أحمد. أيها الشباب، كان السلف الصالح يخافون من الله في السِّرِّ أكثر من خوفهم في العَلَن، فقد كان ثابت البناني رحمه الله يقول: "ما شيء أرجى عندي من عمل لا يطَّلِع عليه إلا اللهُ"، وكان محمد بن المنكدر إذا خلا بنفسه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟، قال: "أخشى ذنبًا احتقرته، وهو عند الله عظيم"، أما الإمام أحمد بن حنبل فكان يقول: "الخوف يمنع القلب من التهاون"؛ ولذلك كانوا إذا أغلقوا أبوابهم لم يفتحوا أبواب المعاصي، بل فتحوا أبواب الطاعات، ومن أعظم القصص في هذا الباب قصة الشاب الذي جاء إلى أحد السلف يطلب النصيحة، فقال له: "إذا أردت أن تعصي الله، فاعْصِه في مكانٍ لا يراك فيه"، فسكت الشاب، ثم قال له: "وهل يوجد مكان لا يراني فيه الله؟"، قال: "فكيف تستحي من نظر الناس، ولا تستحي من نظر رب الناس؟"، فكانت كلمة هزت قلبه ووجدانه. أيها الشاب، إذا خلوت يومًا بهاتفك، أو بجهازك، أو بمالك، أو بمنصبك، فتذكَّر أن هناك عينًا لا تنام، وربًّا لا يغيب عنه شيء، فليس المقصود أن تخاف خوفًا يُوقِعك في اليأس، بل أن يكون خوفًا يدفعك إلى الطاعة، ويمنعك من المعصية، ويجعلك إذا زللت سارعت إلى التوبة، وإذا أخطأت أسرعت إلى الاستغفار، فمن جمع بين الخوف والرجاء سار إلى الله بقلب حي، لا يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته. نسأل الله أن يرزقنا خشيته في السِّرِّ والعَلَن، وأن يجعلنا ممن إذا خَلَوا بمحارمه لم ينتهكوها، وإذا خلوا بطاعته عمروا خلواتهم بذكره، وأن يرزقنا قلوبًا تُعظِّمه، وأعينًا تستحيي منه، ونفوسًا تراقبه في كل حين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |