|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
سلسلة القصص القرآنية المالية (1) (قصة قارون وبغيه في الأرض) مطيع الظفاري الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: • إنّ القرآنَ الكريم مليءٌ بالقصص وأخبار الأمم السابقة، فالقران الكريم بمجمله عبارة عن عقيدة وتوحيد، وعن عبادات ومعاملات، وعن أخلاق، وأيضًا عن قصص وأمثال. فإنّ القرآن الكريم لم يأت بهذه القصص والأخبار للتسلية، أو لذكر وسرد أحداث ووقائع وقعت فقط، لا؛ بل جاءت هذه القصص والأخبار للعظة والعبرة وللاستفادة منها، كما قال اللهُ تعالى: ﴿ لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ ﴾ [يوسف: 111]. فإنّ القصص القرآنية فيها عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتعظين، فالقرآن الكريم نورٌ مبين لمن أراد أن يَسلك به أحسن المسالك، وصراطٌ مستقيم لمن أراد أن ينجو به من طرُق المهالك. فالقران الكريم فيه أجمل وأحسن وأصدق وأصح القصص، كما قال اللهُ لنبيه محمد: ﴿ نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ بِما أَوحَينا إِلَيكَ هذَا القُرآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِ لَمِنَ الغافِلينَ ﴾ [يوسف: 3]. ومعنى (قصَّ الأثر): أي تتبَع أثره، فالغرض من القصص هو تتبُع أثر وأخبار أصحابها، للاستفادة منها، والاتعاظ بها، حتى لايقع الإنسان بما وقع فيه السابقون. فالقصص حديث يسوق الذكرى، ويكشف النهاية والعُقبى، ليكون درسًا لمن خلف، في سلوك درب مَن سلَف، فالقصص فيها عبرة للإنسان الحيّ بالإنسان الميّت، ليُصحح المسير، ويستشرف المصير. وإن شاء الله في هذه السلسة القصيرة من القصص القرآنية (القصص المالية) سنتكلم عن ثلاث قصص مالية فقط، لنأخذ منها الدروس والعبر، لتكون للمسلم زادًا في حياته العلمية والعملية والدعوية. فهي ثلاث قصص مالية، في ثلاث سور قرآنية؛ أولها قصة قارون في سورة القصص، وثانيها قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، والثالثة قصة أصحاب الجنّة في سورة القلم. 1- أولى هذه القصص المالية: قصة قارون، وبغْيِه في الأرض: فبعد أنْ ذكَر اللهُ في بداية سورة القصص قصة فرعون (المتمثلة في طغيان السلطان)؛ ذكَر اللهُ في آخر السورة قصة قارون و(المتمثلة في طغيان المال). فقصة قارون هي قصة فتنة المال الذي انشغل الانسان بجمعه، ونسي اللهَ والدارَ الاخرة، ونسي حقّ عباد الله في هذا المال، فظلَم هذا الانسان وطغى وبغى في الأرض، كما قال اللهُ عن هذه الفئة من الناس: ﴿ كَلّا إِنَّ الإِنسانَ لَيَطغى * أَن رَآهُ استَغنى ﴾ [العلق: 6-7]. ففي قصة قارون؛ فيها مشهد جحود النعمة ونسيان المنعِم، وفيها مشهد انتصار الهوى والجهل على العقل والحقّ والحكمة. ففي قصة قارون نموذج للغنيّ البطِر، الذي غرِق في النعمة، ونسي شكر من أعطاه هذه النعمة. فقال اللهُ في مطلع هذه القصة: ﴿ إِنَّ قارونَ كانَ مِن قَومِ موسى فَبَغى عَلَيهِم وَآتَيناهُ مِنَ الكُنوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنوءُ بِالعُصبَةِ أُولِي القُوَّةِ إِذ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفرَح إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحينَ ﴾ [القصص: 76]. فبدأت هذه الآيات بذكر إسم صاحب هذه القصة، وزمان ووقت حدوث هذه القصة، فذكرت أنَّ قارون كان من قوم موسى، أي من بني اسرائيل. وقد جاء فيه عدة معان منها: (كان من قوم موسى): أي من ضمن الجماعة التي تم إرسال إليهم موسى. وقيل: أي كان من الذين آمنوا بدعوة موسى أولًا في بداية الأمر، ثم لَمَّا فتح اللهُ عليه بالمال والكنوز، نسي ما كان يدعو إليه لاشتغاله بثروته، فتمرد قارون على موسى وعلى دعوته. وقيل: (من قوم موسى) أي نسَبًا وقريبًا له، فقد قيل أنّ قارون هو عمّ موسى، وقيل ابن عمّه، وقيل ابن خالته، فهو من قرابته، ولكنّ قارون حسد موسى على نبوته، فنافق كما نافق السامري، فترك دعوة موسى. وعلى أية قول؛ فقصة قارون حدثت في زمن وعهد موسى، وكان قارون من قومه. • وقوله تعالى: «فبغَى عليهم»: والبغي هو تجاوز الحد في الكِبر والطغيان، وسوء الأخلاق مع الغير. ولم يذكر القرآن هنا أو يفسّر لنا نوع البغي الحاصل من قارون على قومه، بل جعله عامًا ومطلقًا، ليشمل كل أنواع البغي. فقد يكون بغي قارون هنا بظلمهم وغصبهم لأراضيهم وأشيائهم، لأنه كان صاحب مال وجاه وسلطان، فقد قيل أنّ قارون كان عاملًا لفرعون على بني اسرائيل لجمع الضرائب منهم، فقد كان الذراع الأيمن له، فاستغلّ قارون منصبه في ظلم الناس وأخْذ ممتلكاتهم بغير حق، فقد جمع ثروته الضخمة من هذا العمل. وقد جمع اللهُ فرعونَ وهامان وقارون في آية واحدة، لاشتراكهم في البغي والكفر والظلم والإجرام، فقال تعالى عنهم: ﴿ وَقارونَ وَفِرعَونَ وَهامانَ وَلَقَد جاءَهُم موسى بِالبَيِّناتِ فَاستَكبَروا فِي الأَرضِ وَما كانوا سابِقينَ ﴾ [العنكبوت: 39]. وربما كان البغي هنا أيضًا بحرمان قارون حق الفقراء والمحتاجين في هذا المال، وعدم اعطائهم شيئًا من هذا المال، فكان هذا بغيًا منه عليهم. وقد يكون البغي هنا باحتكار قارون لطرق المعيشة، فقد كان يحتكر بعض الأطعمة وبعض الأشياء التي لا يستطيع غيرُه الحصول عليها، لذلك جاء البغي هنا عامًّا ومطلقًا ليشمل كل أنواع البغي المذكورة. • ثم ذكَر اللهُ بعدها حجم ورصيد ثروة قارون فقال تعالى: ﴿ وَآتَيناهُ مِنَ الكُنوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنوءُ بِالعُصبَةِ أُولِي القُوَّةِ ﴾. فلم يذكر اللهُ عدد ما يملكه قارون من أموال لكثرتها، بل أشار إشارةً لذلك، فلكثرة ما يملكه قارون من كنوز وأموال؛ فإنّ الجماعة من الناس الأقوياء والأشداء لايستطيعون حمل مفاتيح هذه الخزائن إلا بصعوبة لكثرتها وثقل وزنها، فقد كانت ثروة قارون عبارة عن ذهب وفضة وجواهر ولآلئ وغيرها، وكل هذه الثروة موجودة داخل قصرٍه المشِيد. فقد كان قارون يضع هذه الأموال في الغرف السفلية للقصر داخل خزائن حديدية، لها أبواب وعليها أقفال، ولها مفاتيح مربوطة في سلاسل يعجز عن حملها ونقلها المجموعة من الرجال الأشداء والأقوياء (وَآتَيناهُ مِنَ الكُنوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنوءُ بِالعُصبَةِ أُولِي القُوَّةِ)، فهذه هي ملخص ثروته وأملاكه. •﴿ إِذ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفرَح إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحينَ ﴾: إنّ هؤلاء الناصحين من القوم هم مَن تربّوا على يد موسى وأخيه هارون، فهم دعاة من الطراز الأول، فقد ورثوا الدعوة عن موسى، وقاموا بواجبهم الدعوي بالنصح والتوجيه، بأسلوبهم الجميل، وبعبارتهم الموجزة: (لا تَفرَح إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحينَ). أي لا تفرح فرَح البطَر الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان المنعِم والمتفضِل، ولا تفرح فرح المتكبر المؤدِّي إلى ظلم العباد، وأخْذ أو منع حقّهم، فاللهُ تعالى لا يحب هذا الصنف من الناس (إنّ اللهَ لا يحب الفرحين). • إنّ موسى عليه السلام وعقلاء بني اسرائيل ذهبوا إلى قارون لنصحه، ووعظه وتذكيره بالله، وبالموت وبنهاية هذه الدنيا، نصحوهُ أنّ هذا المالَ مالُ الله، وإنما أعطاكه اللهُ تعالى اختبارًا وابتلاءً منه لتشكر أم تكفر، ونصحوه وقالوا له: ﴿ وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾: اجعل هذا المال زادًا لك في الآخرة، فاعطِ حقه، واشكر واهبه، وأنفقه في وجوه الخير، واطلب من الله الثواب الجزيل على ذلك. فإنّه قد حصل لك من أعمال الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فاطلب بها ما عند الله من خير وثواب وجنة، وقالوا له: ﴿ وَلا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا ﴾: فنحن لا نطلب منك إنفاق كل ما لديك من مال؛ لا بل أطعِم وأشبِع نفسك، كُل ما لذّ لك وطاب، ألبَسْ ماشئت، كُلْ وألبس بدون إسراف أو تبذير، أو مَخيلة، أو إضرارٍ بالآخرين. «قال السعدي رحمه الله: ﴿ ولا تنسَ نصيبَكَ من الدُّنيا ﴾؛ أي: لا نأمُرُك أن تتصدَّق بجميع مالِكَ وتبقى ضائعًا، بلْ أنفِقْ لآخِرَتِكَ واستمتِعْ بدُنياك استمتاعًا لا يَثْلُمُ دينَك ولا يضرُّ بآخرتك» تفسير السعدي. ﴿ وَأَحسِن كَما أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ ﴾: أحسِن إلى الآخرين مثلما أحسن اللهُ إليك، ذكّروه بأنّ المحسن هو الله، وطلبوا منه الإحسان للغير، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟. ثم حذّروه من الفساد والإفساد في الأرض، وذلك باستخدام هذه الأموال في الفساد والإفساد، فاللهُ تعالى أيضًا لا يحب الفساد وأصحاب الفساد فقالوا له: ﴿ وَلا تَبغِ الفَسادَ فِي الأَرضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفسِدينَ ﴾؛ والإفساد في الأرض قد يكون إما بالظلم، أو بالقتل، أو بالنهب، أو بصرف هذه الأموال في غير وجه حق، بما فيه اضرار بالآخرين، وما فيه اغضاب لرب العالمين. فهذه أعمال لا يحبها الله، فهو الذي أعطاك هذه النعم وهذه الكنوز، فلا تسخرها في غير مرضات الواهب المنعِم. أيها القارئ الكريم: إنّ قارون كان يظن نفسه أنه مصلِحًا، وأنّ عمله عمل صالح، لكنّ الحقيقة في نظر المصلحين أنّ هذا هو الفساد بعينه، وإذا استمر على هذا الحال فإنّه سوف يُفسد العباد والبلاد، فكان لزامًا ووجوبًا نصحه وتوجيهه نحو الصواب. فقال لهم قارون حينها، ضاربًا بكل هذه النصائح ضرب الحائط: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]! إنّه التباهي بالعلم الذي يدّعيه، فقارون يقول: إنّ هذه الكنوز والأموال إنما حصلتُ عليها بعلمي وجهدي وذكائي، فلا فضل لأحد عليّ، فحبّ قارون لأمواله وتعلقه بكنوزه؛ قد سدت عليه منافذ الفطرة السليمة، وأغلقت عليه طرق التفكير السليم، وأعمت عينيه عن رؤية واتخاذ التصرف السليم، فنسي عند ذلك الخالق الواهب. فحب قارون للمال، وحبّه لذاته؛ منعَه ذلك من الاعتراف بالواحد المنعِم، وأنكر فضلَ الواهب المعطِي سبحانه. وكأنّه يقول لهم: إذا كانت هذه الأموال من جُهدي وتعبي وخبرتي وعلمي؛ فليس لأحد له الحقّ في التصرف بمالي غيري، وليس لأحد الحقّ في سؤالي عن مالي، فالمال مالي، وليَ الحقّ في التصرف فيه بما أشاء، وكيفما أشاء... فردّ اللهُ عليه بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ﴾ [القصص: 78]. فإنّ قارون ادّعى أنّ لديه علم، لكنه نسي أو تناسى علمًا آخر، نسي علوم التأريخ، نسي علوم سقوط الظلم والظالمين، نسي علم ما جرى لأسلافه السابقين ممن هم أشد منه قوةً، وأكثر منه مالًا وجمعًا! فما نفعتهم قوتُهم، ولا دافعت عنهم أموالهم. فكما أهلك اللهُ السابقين؛ فهو قادر على إهلاك من سار على نهجهم من بعدهم في أي مكان أو زمان. ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [القصص: 78]: فاللهُ تعالى لا يسأل المجرمين يوم القيامة عن ذنوبهم، لأنه يعلمها مسبقًا، وإنما يسألهم سؤال توبيخ وتقرير، لا سؤال استعلام، فإنكارهم لها لا محلّ له هنا، فيعذّبهم اللهُ ويعاقبهم على ما يعلمه مسبقًا منهم. ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ [القصص: 79]: ففي ذات يوم مشهود، شهده جمعٌ من الناس؛ خرج قارون من قصره بكامل زينته، خرج ورأسه مزيّن بإكليل من الجواهر والآليء، وكأنّ عليه تاج الملوك، خرج والزينة تحيط به من كل جانب، ورائحة البخور تفوح من حوله من مجامر من فضة، تلمع في وهج الشمس، يفوح منها أطيب وأزكى رائحة. خرج قارون وحوله حاشيته وخدمه وأعوانه، وجميعهم في أبهى زينتهم، خرج وعصبة من الرجال ذوي العضلات القوية، والسواعد الفتية، يمشون خلفه، وهم يحملون رُزمًا من المفاتيح في سلاسل من حديد، يكادون يقعون على الأرض من ثقلها، كل هذا الوفد وهذه الزينة، وقارون يمشي بينهم في تبختر وخُيلاء. فياله من منظر يَسلب العقول، وياله من مشهد يُذهل العيون. إنه الخداع البصري لضعاف النفوس البشرية. فقد خرج قارون في كامل زينته، ليُسحر أعينَ الناس، ويَسلب عقولَ الحاضرين ممن يتأثرون بمثل هذه المناظر الزائفة. وبالفعل فقد نجحت خطة قارون هذه، فقد تأثر ضعاف النفوس، وطالبوا الدنيا، وقليلوا العلم والايمان بهذا المنظر، فقالوا عندها: ﴿ قالَ الَّذينَ يُريدونَ الحَياةَ الدُّنيا يا لَيتَ لَنا مِثلَ ما أوتِيَ قارونُ إِنَّهُ لَذو حَظٍّ عَظيمٍ ﴾ [القصص: 79]. إنها عرض القوة المادية والاقتصادية من قارون ظنًا منه أنها سوف تَقهر الحقَّ وتُغريه، وتثبطّه عما يدعو إليه. إنه بفعله وعرضه هذا؛ يريد قارون إلهاء واستعطاف السواد الأعظم من الجماهير عن دعوة موسى، فهو يريد سحب وجذب وكسب إليه أكثر عدد من المؤمنين بدعوة موسى إلى صفّه. وبالفعل فقد استطاع قارون جذب إليه ضعاف الايمان، فإنّهم لما شاهدوا هذا المنظر، قالوا بتمنٍّ مصحوبًا بحسرة وتأوه: (يا لَيتَ لَنا مِثلَ ما أوتِيَ قارونُ)،ياليت لنا نُعطى ولو جزءًا من هذا الحظ الذي فاز به قارون. (إنه لذو حظ عظيم): ولضعف ايمانهم بالله، فقد أرجعوا وجود هذا المال وهذا الرزق لقارون، أرجعوه لضربة الحظ، فإنّهم لم يسألوا اللهَ أن يرزقهم كما رزق قارون، وإنما نسبوا ذلك إلى الحظ، وإلى فعل الانسان، فقالوا ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [القصص: 79]. أيها المسلم الكريم: إنّ هذا الصنف من الناس متكرر في كل زمان، فهناك من المسلمين اليوم من يتأثرون بمثل هذه المناظر، وينبهر عند مشاهدة مثل هذه المشاهد، فهناك من ينبهر بمشاهدة قوة ومال أعداء الاسلام، ويتأثر بذلك. فإذا دلّ ذلك؛ فإنما يدل على الشعور بالدونية عند البعض، ويعبّر ذلك عن الهزيمة النفسية التي يعيشها هؤلاء. فهذا الصنف من الناس يتميز بضعف الايمان، وتأرجحه، وعدم ثباته أمام المُغريات والمتغيرات. • لكن بالمقابل؛ هناك صنف آخر وجماعة من المسلمين يعلمون حقيقة باطن هذه المناظر، فلا يتأثرون بها، فعندهم من العلم والايمان، والصلاح والقناعة والمناعة ما يجعلهم يقاومون إغراء هذه المشاهد، لأنهم يعلمون علم اليقين أنها مشاهد مزيفة ومؤقتة، فهم يعلمون أنّ هذه الدنيا زائلة وفانية، وأنّ الآخرة هي الباقية، وثواب الله فيها أعظم وأكبر من هذا الثراء الذي أمامهم. فيقولون: ﴿ وَقالَ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ وَيلَكُم ثَوابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَن آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلَّا الصّابِرونَ ﴾ [القصص: 80]. فهؤلاء هم المؤمنون الناصحون، أصحاب العلم والمعرفة، وأهل الايمان والتقى، فقالوا عندها ناصحين للذين انخدعوا بمثل هذه المناظر، وافتُتنوا بها: وَيلَكُم ثَوابُ الله في الآخرة لمن آمن به وعمل صالحًا خير وأبقى من كنوز قارون، ومن كنوز وأموال الدنيا كلها. فهؤلاء هم دعاة موسى، وعقلاء بني اسرائيل، فهؤلاء هم أنفسهم من نصحوا قارون من قبل حين قالوا له: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]. فهؤلاء هم من قاموا بواجبهم الدعوي الايماني والانساني أمام قارون، وأمام هؤلاء المفتونين بأموال قارون. فهم يذكّرونهم بالإيمان وبالثواب الباقي في الآخرة الذي لا يزول، وأنّ القناعة هي خير علاج لمواجهة مثل هذه المغريات. فلعلّ هذا التذكير يقلّل من عدد الساقطين في شِباك عرض قارون هذا. (وَلا يُلَقّاها إِلَّا الصّابِرونَ): فما يتقبل هذه النصيحة، ويتعظ ويعمل بها، ويستفيد منها؛ إلا الذين صبروا على ما أعطاهم الله، وآثروا ما عند الله على هذه الدنيا الزائلة، وصبروا وقاوموا أنفسهم أمام هذه المغريات، فلا يُلَقّاها إِلَّا الصّابِرونَ. ثمّ تأتي النهاية، تأتي نهاية من لم يسمع نصحية الناصحين: ﴿ فَخَسَفنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنتَصِرينَ ﴾ [القصص: 81]. إنّ قارون تعالى على قومه بكثرة أمواله، فأعرض عن الاسلام وعن دعوة موسى عليه السلام، وأبى ورفض نصحية عقلاء قومه، فركب مركب الغرور، فغَرِق به وهلَك، ﴿ فَخَسَفنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرضَ ﴾. فقارون لم يقبل نصحية الناصحين، لأنه كان في اعتقاده أنه أعلا منهم، فهم ليسوا في مرتبته، فلم يستمع إليهم عنادًا وتكبرًا، ولم يتعظ أيضًا بأسلافه السابقين، فكانت نهايته بالهلاك مثل نهايتهم. أيها المسلمون: لقد خسف اللهُ بقارون وبثروته وبقصره، جزاء عمله السيء، وظلمه وبغيه في الأرض، وبكفره بموسى وبدعوته. والخسف: هو ابتلاع الأرض لما عليها، فالخسف هو أن تبتلع الأرض كلّ ما عليها، وتهظمه في بطنها. فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بيْنما رجلٌ يمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُهُ نفسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ (أي شعره)، يختال في مشيته، إذْ خسَفَ اللهُ بهِ الأرضَ، فهو يتجلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامَةِ». والتجلجل" هو الغوص والنزول في الأرض مع اضطراب شديد، أي أنه يهوي في الأرض ويُعذّب فيها باستمرار إلى يوم القيامة. وسنة الله جاريةٌ ألا يدع أحدًا من المتكبّرين حتى يحطّم كبرياءه وغروره ويُريه ضآلة نفسه، فكان عقاب قارون نفس عقاب هذا الرجل المتجلجل. فقد روى ابن عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (من لبس ثوبًا جديدًا فاختال فيه خُسِف به من شفير جهنم، فيتجلجل فيها، لأنّ قارون لبس حُلة فاختال فيها، فخُسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة). فقارون يُعذّب في باطن الأرض إلى قيام الساعة. ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 81]: فوقت وقوع المصيبة، فإنّ أصحاب المصالح لن يقفوا مع أحد. فبمجرد انتهاء هذه المصلحة؛ فإنها تنتهي كل العلاقات السابقة. فقارون لما أهلكه الله لم يقف معه أحد، ولم ينصره مَن أغدق عليهم بالأموال طوال أعوام، فلم ينقذه منهم أحد، لا ممن كانوا معه، ولا ممن أغترّ به وافتتن بماله، (فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنتَصِرينَ). بل أصبح الذين كانوا بالأمس يتمنون أن يكن لهم ما لقارون، أصبحوا بعد الهلاك يقولون: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ [القصص: 82]: فقد أصبحوا يقولون وهم متعجبين مما صار لقارون (وي كأنّ اللهَ): وهي كلمة توجع وتأسف وتعجب، يقولون: ألم نعلم أنّ اللهَ هو من يبسط ويوسع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيّق على البعض الآخر!، فلماذا نسينا هذا؟ فـ﴿ لَولا أَن مَنَّ اللَّهُ عَلَينا لَخَسَفَ بِنا ﴾ وفي قراءةٍ: (لَخُسِفَ بِنَا): فلولا لطفُ الله بنا ومَنّه علينا، لعاقبنا بما قلنا ومامالت إليه نفوسنا، وما تأثرت به قلوبنا من متاع الدنيا، فلولا مَنُّ الله علينا، ورحمته بنا لخُسِفَ بنا الأرض مع قارون، بسبب ما قلناه، وما تعلقت به قلوبنا. ﴿ وَيكَأَنَّهُ لا يُفلِحُ الكافِرونَ ﴾ فالكافرون لايفوزون لا في الدنيا ولا في الآخرة. • ثمّ ختم اللهُ هذه القصة، وهذه الآيات بحقيقة لابد لكل إنسان أن يعرفها، وهي أنّ العاقبة للمتقين، وأنّ الآخرة هي دار المتواضعين، لا دار المتكبرين والعالين على الخلق. فالآخرة هي دار لمن أراد عمارة الأرض بالصلاح لا بالفساد. فقال اللهُ تعالى: ﴿ تِلكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلا فَسادًا وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ ﴾ [القصص: 83]. ﴿ تِلكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلا فَسادًا وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ ﴾ [القصص: 83]. أي: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق في الأرض ولا فسادًا فيها. والعاقبة المحمودة -وهي الجنة- لمن اتقى عذاب الله وعمل الطاعات، وترك المحرمات. (التفسير الميسر). ونحن في ختام هذه القصة إليكم بعض الدروس المستفادة منها: 1- إنّ بداية سورة القصص تكّلمت عن طغيان السلطة، وتمثلت في قصة فرعون، وفي نهاية السورة تكلمت عن طغيان المال، وتمثلت في قصة قارون. فالسلطة والمال الطاغيان هما العدو اللدود للدعوة وللدعاة، وغالبًا ما يستعين صاحب السلطة الظالم؛ بصاحب المال الطاغي. ففرعون استعان بقارون في محاربة موسى، ودعوة موسى. وقد كان موسى عليه السلام يواجه في دعوته جبهتين: جبهة السلطة واستبداد الحكم واستعباد الناس من قِبل فرعون من جهة، وجبهة طغيان المال، واستبداد الغنى، من قِبل قارون من جهة أخرى. فكان نبي الله موسى يحارب الجهتين في آنٍ واحد. فالسلطة والمال يَصبان في بوتقة واحدة، فهما وجهان لعملة واحدة. لذلك اللهُ أهلك الجهتين، فقد أهلك اللهُ الجهة الأولى (جهة طغيان السلطة) بالغرق، وأهلك الجهة الثانية (جهة طغيان المال) بالخسف. وسنة الله جارية في هلاك كلّ من حارب دينَ الله، وحارب أولياء الله، وقد جمع اللهُ كل من حارب الله، وحارب رسلَه الكرام في آية واحدة، في آية الهلاك، فقال اللهُ عن هؤلاء: ﴿ وَقارونَ وَفِرعَونَ وَهامانَ وَلَقَد جاءَهُم موسى بِالبَيِّناتِ فَاستَكبَروا فِي الأَرضِ وَما كانوا سابِقينَ * فَكُلًّا أَخَذنا بِذَنبِهِ فَمِنهُم مَن أَرسَلنا عَلَيهِ حاصِبًا [قوم عاد وقوم لوط] وَمِنهُم مَن أَخَذَتهُ الصَّيحَةُ [قوم صالح قوم شعيب] وَمِنهُم مَن خَسَفنا بِهِ الأَرضَ [قارون] وَمِنهُم مَن أَغرَقنا [قوم نوح، وفرعون وقومه] وَما كانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُم وَلكِن كانوا أَنفُسَهُم يَظلِمونَ ﴾ [العنكبوت: 39-40]. فكل هؤلاء القوم حاربوا دين الله، وحاربوا أنبياء الله، فكانت النتيجة واحدة، وهي الدمار والهلاك. فالواجب هو استخدام نعمة السلطة، ونعمة المال في خدمة دِين الله، وخدمة عباد الله، وعمارة الأرض فيما يُرضي الله. كما قال اللهُ تعالى: ﴿ الَّذينَ إِن مَكَّنّاهُم فِي الأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَروا بِالمَعروفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ ﴾ [الحج: 41]. 2- لابد وجوبًا من وجود جماعة مؤمنة ناصحة في المجتمع تَأمر وتَنهِي. فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما صمام أمان المجتمع. فلابد من وجود من يقوم بهذه المهمة العظيمة، سواءً كان فردًا أو جماعة، حزبًا كان أو مؤسسة، فلابد أن توجد هذه الفئة من الناس في كل مجتمع، ولابد أيضًا أن تُدعَم وتُرعى من قِبل الدولة الحاكمة، ومن كل أبناء المجتمع، حتى يعيش هذا المجتمع في أمنٍ وأمان، ويرقد وينام في راحة وسلام، من أي فتنة في الأرض، أو عذاب من السماء. ﴿ كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]. 3- الدرس الثالث: إنّ دعوة الناصحين بالأمس قد أثمرت اليوم، وظهرت نتيجتها لاحقًا. فقد أيقن هؤلاء الذين كانوا مغترين بالدنيا بالأمس؛ أيقنوا بصدق وصحة كلام الناصحين، وأنه هو عين الحق والصواب، وأنّ نعيم الآخرة هو النعيم الباقي الذي لا يزول، وأنّ القناعة هي كنز لايَفنى، وإنما الذي يفنى هو الطمع والجشع. فقد أيقنوا أنهلحكمةٍ يعلمها ربُنا وحده لم يُعطنا، فلو أعطانا مثل ما أعْطي قارون؛ لربما فعلنا ما فعل هو، ولخُسِف بنا مثلما خُسِف به، فهو أعلم وأحكم بالجميع. • وهذا درس مهم في الدعوة، ودرس أيضًا للدعاة؛ في أهمية الدعوة والتذكير، وإن لم تأتِ الثمرة حينها، وإن لم يكن هناك استجابة وقتها، فإنه سوف يأتي يوم من الأيام وتثمر هذه الدعوة، وتنبت هذه البذور التي رُميت، لتصبح يومًا مّا شجرةً يانعة. فهو درس يجب أن يتعلمه الدعاة إلى الله، ويعملون به، بلا يأس أو قنوط، أو انتظار للنتائج والثمار. بل يجب الإستمرارية في الدعوة دون كَلل أو خوف أو مَلل. فلسوف يأتي زمان وتشتعل جذوة الإيمان الخامدة في قلوب المدعوّين، ولسوف يأتي اليوم الذي يتعلم فيه الجاهل، ويتذكَر فيه الناسي، ويتَّنبه فيه الغافل، ويستيقظ فيه النائم، فلا تيأسوا. فإنّ الانسان قد تصيبه فترة من الضعف الايماني، فيقع في زلةٍ، بسبب شهوةٍ تُغريه، أو شبهةٍ تعتريه، ولكن سرعان ما تنقشع سُحب الغلفة والنسيان عن هذا القلب، فيُشرق ويستنير من جديد. فإنّ أصحاب قارون لما رأوا مصيره ونهايته هو وأمواله؛ أيقنوا أنّه لا علاقة للحظ في ذلك حين قالوا: (إنّه لذو حظٍّ عظيم)، وأنّ الله هو الواهب المعطي، وهو الآخذ المانع سبحانه، فيُؤتي ويُعطي بفضله لمن يشاء، ويمنع بحكمته عمن يشاء، فـ﴿ لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلونَ ﴾. 4- الدرس الرابع أيها الناس: عندما لا يعرف الإنسانُ حقّ الله في ماله، وإذا لم يشكر الإنسانُ العَطيةَ ويعرف حق معطيها؛ فإنّ هذه النعمة تنقلب إلى نقمة، وتتبدل هذه المنحة إلى محنة، كما علمتم. فالإنسان إذا كفر بأنعم الله، ولم يُؤدِي حق الله، وحق الفقراء والمساكين فيها، فإنّ اللهَ يبدّل هذه النّعم بنِقم، ويبدّل الأمن خوفًا، والشِبع جوعًا، ويبدّل رغد العيش وسعته بقلّة ونقص وضيق العيش، كما فعل اللهُ بقومٍ كفروا بأنعم ربهم هكذا، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَريَةً كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الجوعِ وَالخَوفِ بِما كانوا يَصنَعونَ ﴾ [النحل: 112]. أيها المسلم الكريم في الختام: إنّ المال في حدّ ذاته ليس هو سبب الهلاك، وإنما سوء التصرف في هذا المال، وكنزه وجمعه وعدم إنفاقه في حاجات المسلمين، وعدم تقوى الله فيه؛ هو سبب تلف وهلاك هذا المال، وهلاك صاحبه معه، هذا في الدنيا. أما في الآخرة فالسؤال عنه سؤالًا عسيرًا، والعذاب به يوم القيامة عذابًا أليمًا، كما قال اللهُ تعالى عن هؤلاء الجامعين المانعين: ﴿ وَالَّذينَ يَكنِزونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أَليمٍ * يَومَ يُحمى عَلَيها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكوى بِها جِباهُهُم وَجُنوبُهُم وَظُهورُهُم هذا ما كَنَزتُم لِأَنفُسِكُم فَذوقوا ما كُنتُم تَكنِزونَ ﴾ [التوبة: 34-35]. فياأيها الأغنياء: إنّ المال الذي أعطاكم اللهُ من فضله؛ ليس مِلكًا لكم وحدَكم، بل لكم فيه شركاء، وهؤلاء الشركاء ليس الأهل أو الأولاد أو الورثة، لا؛ وإنما هؤلاء الشركاء هم الفقراء والمحتاجون. ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33] فهؤلاء الشركاء هم بمثابة وثيقة تأمين لحياتكم، وسبب لبقاء وبركة أموالكم. فكونوا من المؤمنين الذي قال اللهُ فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24، 25]. فقد أعطاكم اللهُ الكثير، وطلب منكم القليل، فكونوا من عباد الله المتقين، حتى تفوزوا بكرم الله في الجنان، لمن اتصف بهذه الصفات: ﴿ أُولئِكَ في جَنّاتٍ مُكرَمونَ ﴾ [المعارج: 35]. نسأل اللهَ تعالى أن يغنينا من فضله، غنىً لا يُطغينا، وأن يرزقنا من كرمه رزقاَ لا يُلهينا عن طاعته، وأن يستعملنا في خدمة دينه، وأن يجعلنا خدّامًا لدعوته، ولعباده المؤمنين. والحمدالله رب العالمين. يتبع الجزء الثاني.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
سلسلة القصص القرآنية المالية (2) مطيع الظفاري قصة أصحاب الجنة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد: أيها القارئ الكريم: تواصلًا مع القصص القرآنية المالية، فقد أخذنا في الحلقة الاولى قصة قارون، واليوم نأخذ القصة الثانية قصة أصحاب الجنة. فقد قال اللهُ تعالى في مطلع قصة أصحاب الجنّة في سورة القلم: ﴿ إِنّا بَلَوناهُم كَما بَلَونا أَصحابَ الجَنَّةِ إِذ أَقسَموا لَيَصرِمُنَّها مُصبِحينَ * وَلا يَستَثنونَ * فَطافَ عَلَيها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وَهُم نائِمونَ * فَأَصبَحَت كَالصَّريمِ * فَتَنادَوا مُصبِحينَ * أَنِ اغدوا عَلى حَرثِكُم إِن كُنتُم صارِمينَ * فَانطَلَقوا وَهُم يَتَخافَتونَ * أَن لا يَدخُلَنَّهَا اليَومَ عَلَيكُم مِسكينٌ * وَغَدَوا عَلى حَردٍ قادِرينَ * فَلَمّا رَأَوها قالوا إِنّا لَضالّونَ * بَل نَحنُ مَحرومونَ * قالَ أَوسَطُهُم أَلَم أَقُل لَكُم لَولا تُسَبِّحونَ * قالوا سُبحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمينَ * فَأَقبَلَ بَعضُهُم عَلى بَعضٍ يَتَلاوَمونَ * قالوا يا وَيلَنا إِنّا كُنّا طاغينَ * عَسى رَبُّنا أَن يُبدِلَنا خَيرًا مِنها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبونَ * كَذلِكَ العَذابُ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَكبَرُ لَو كانوا يَعلَمونَ ﴾ [القلم: 17 - 33]. لقد اشتملت هذه الآيات إجمالًا على مشهدين: الاول: مشهد المكيدة والتآمر على الفقراء والمحتاجين. والثاني: مشهد نتيجة هذا التآمر وهذه المكيدة، وهو مشهد العقوبة. كان هذه المشاهد اجمالًا، وإليكم هذه المشاهد بالتفصيل: ﴿ إِنّا بَلَوناهُم كَما بَلَونا أَصحابَ الجَنَّةِ إِذ أَقسَموا لَيَصرِمُنَّها مُصبِحينَ ﴾: أي إنا اختبرنا هؤلاء المشركين أهل مكة، بالقحط والجوع، كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا ليقطعنّ ثمارها وقت الصباح مسارعين حتى لا يطعم منها مسكين. (مختصر التفسير). • فلقد كان لأهل صنعاء في اليمن، لأصحاب قرية ضَرَوَان؛ كان لهم بستان وجنّة ورثوها عن أبيهم الصالح، بستانٌ فيه ما لذّ وطاب من الزروع والثمار والفواكه. فقد كان أبوهم رجلًا صالحًا، صاحب سيرة حسنة، فقد كان يترك لعياله من هذا البستان قوت سنة، ويدّخر بعض ما نتج من هذا البستان ليردّه إليه، يعني بذورًا، وما بقي منه كان ينفقه على الفقراء والمحتاجين. فكان اللهُ تعالى يُكرمه بهذا العمل فيضع له البركة والرزق في ماله وفي بستانه. فلما مات هذا الوالد الصالح؛ اجتمع أبناؤه الخمسة ذات عصر يوم في هذا البستان، بعدما رأوا أنّ بستانهم قد أثمر وأورق وزاد محصوله أضعاف ما كان عليه في السنين الأولى! فتحدثوا إلى بعضهم البعض، مستنكرين ما كان عليه أبوهم من إنفاق وتوزيع جزءًا من محصول هذا البستان على الفقراء والمحتاجين، بل اتهموه بالخَرَف والجنون بفعله هذا. فعزَموا على عدم اتيان الفقراء والمحتاجين شيئًا من محصول هذا البستان لهذا العام، وعقدوا النية على ذلك. وصوّت لهذا القرار أربعة منهم، وقبلوا بهذا الرأي، واعترض واحد منهم، وهو أعقلهم وأخيرهم. فذكّرهم بالله وبحق الفقراء والمحتاجين في هذا المال، ونصحهم أن يسيروا على ما سار عليه أبوهم من قبل في توزيع هذا المحصول، لكنهم لم يسمعوا لنصحه، ولم يقبلوا برأيه، فكادوا أن يضربوه لرفضه رأيهم ومخالفته لهم، فوافق حينها على رأيهم مُكرهًا. بعدها رجعوا إلى بيوتهم، وقد أقسموا بالله أن يحصدوا ثمار هذا البستان صباحًا، من غير إعطاء إي فقير شيئًا من ثمار هذا البستان، وباتوا على ذلك، وناموا على هذه النية السيئة. وقد حددوا أن يكون وقت الحصاد صباحًا قبل طلوع الشمس، قبل أن يخرج الفقراء والمحتاجون. ﴿ إِذ أَقسَموا لَيَصرِمُنَّها مُصبِحينَ * وَلا يَستَثنونَ ﴾. أي لم يقولوا إن شاء الله في ذلك. ﴿ فَطافَ عَلَيها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وَهُم نائِمونَ * فَأَصبَحَت كَالصَّريمِ ﴾: فلما طلع الصباح، وذهبوا إلى بستانهم، وجدوا هناك بستانًا غير بستانهم، فإنهم لم يجدوا جنتهم وبستانهم الذي تركوه بالأمس! بل وجدوا حطامًا أسودًا، فاستنكروا المنظر، وشكّوا في أنفسهم، فقد وصل بهم هذا المنظر إلى الحيرة والشك في تكذيب أبصارهم، فظنوا أنهم أخطأوا طريق بستانهم،﴿ فَلَمّا رَأَوها قالوا إِنّا لَضالّونَ ﴾. أيها المسلم الكريم: • فإنّه لما أصبح الصباح، فرح أصحاب المزرعة ببزوغ نور هذا الصباح، لتنفيذ المهمة، وتلبية رغبات أنفسهم الشريرة، فقد نادى بعضهم البعض صباحًا: ﴿ فَتَنادَوا مُصبِحينَ * أَنِ اغدوا عَلى حَرثِكُم إِن كُنتُم صارِمينَ ﴾ * أي إن كنتم قاصدين قطع ثمارها، بدون اعطاء الفقراء والمحتاجين شيئًا منها. فقد ذهبوا مسرعين وهم يتكلمون فيما بينهم بصوت منخفض حتى لا يسمعهم الفقراء والمحتاجون. ﴿ فَانطَلَقوا وَهُم يَتَخافَتونَ * أَن لا يَدخُلَنَّهَا اليَومَ عَلَيكُم مِسكينٌ ﴾. فقد ذهب هؤلاء القوم وهم يعتقدون أنهم قادرون على تنفيذ هذه المؤامرة وهذه المكيدة، وما علموا أنّ اللهَ قد أرسل على هذه الجنة ليلًا، أرسل عليها نارًا أحرقتها كلها من جميع جوانبها، فأصبحت بعد الحريق كالصريم سوداء، (فأصبحت كالصريم). أي كالليل المظلم من شدة احتراقها، وذهاب مافيها. • فلا إله إلا الله؛ لقد نزلت عليهم العقوبة وهم يغطون في نوم عميق، لقد نزلت على بستانهم الجائحة والنار وهم نائمون، منتظرين بزوغ فجر هذا الصباح لينفّذوا مكرهم وكيدهم. فصارت هذه الجنة بعد اخضرارها وبهجتها؛ سوداء مظلمة، كالليل المظلم. فلمّا تأكدوا وأيقنوا أنّ الذي أمامهم محروقًا هي جنتهم وبستانهم؛ ندموا على عزمهم السيء، واعترفوا بذنبهم المقترَف، فقالوا عندها: ﴿ فَلَمّا رَأَوها قالوا إِنّا لَضالّونَ * بَل نَحنُ مَحرومونَ ﴾. أي: بل نحن ممنوعون ومحرومون من جني ثمارها وخيرها، بما حصل منا من بُخل وعزم على منع المساكين منها. فأيقنوا أنها عقوبة من الله لهم.(مختصر التفسير). عندها ردّ عليهم أخوهم الناصح وذكّرهم بما قال لهم مسبقًا: ﴿ قالَ أَوسَطُهُم أَلَم أَقُل لَكُم لَولا تُسَبِّحونَ ﴾ قال لهم أوسطهم أي أعقلهم وأخيَرهم) ألم أقل لكم حين عزمتم على ماعزمتم عليه من حرمان الفقراء منها، هلَّا تسبحون الله، وتنزهونه، وتتوبون إليه مما نويتم به وعزمتم عليه من شر وحرمان لحقّ الله، وحق الفقراء والمحتاجين في هذا المال؟ فقالوا حينها معترفين بخطأهم، نادمين على فعلتهم، ولكن كان ذلك الندم بعد فوات الأوان: ﴿ قالوا سُبحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمينَ ﴾. فقد ظلمنا أنفسنا، وأسأنا الأدب مع الله، قالوا ذلك بعد أن عادوا إلى رشدهم: [تنزَّه اللهُ ربنا عن الظلم فيما أصابنا، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا بترك الاستثناء وقصدنا السيِّئ]. (التفسير الميسر).-ثم لامَ بعضُهم البعض على هذا الفعل وهذا العزم السيء: ﴿ فَأَقبَلَ بَعضُهُم عَلى بَعضٍ يَتَلاوَمونَ * قالوا يا وَيلَنا إِنّا كُنّا طاغينَ * عَسى رَبُّنا أَن يُبدِلَنا خَيرًا مِنها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبونَ ﴾. فإنّه لما رأوا مشهد الفاجعة، ومشهد الكارثة، لما شاهدوا مشهد آثار العقوبة التي عمّت عليهم لعدم شكرهم لهذه النعمة، ومنع الفقراء والمساكين حقهم في هذا المال؛ لما رأوا ذلك كله، لامَ بعضُهم البعض على سوء فعلتهم، وأقرّوا في أنفسهم أنهم تجاوزوا الحدّ بظلمهم ومنعهم حقّ الله في هذا المال. فكان ندمهم هذا واعترافهم بخطيئتهم هذه؛ توبةً قدّموها بين يدي الله، طامعين في مغفرته وعفوه، راجين وراغبين من الله تبديل جنتهم المحروقة، بجنّةٍ غيرها خيرًا منها ﴿ عَسى رَبُّنا أَن يُبدِلَنا خَيرًا مِنها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبونَ ﴾. • ثمّ ختم اللهُ مشاهد هذه القصة بأنّ مصير كل من جحد نِعم الله عليه، هو مصير واحد في أي زمان أو مكان، فقال الله تعالى: ﴿ كَذلِكَ العَذابُ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَكبَرُ لَو كانوا يَعلَمونَ ﴾. أي: مثلَ ذلك العقاب الذي عاقبْنا به أهل الحديقة، يكون عقابنا في الدنيا لكل مَن خالف أمر الله، وبخِل بما آتاه الله من النعم، فلم يؤدِّ حق الله فيها. ولَعذاب الآخرة أعظم وأشدّ مِن عذاب الدنيا. فلو كانوا يعلمون ذلك؛ لانزجروا عن كلّ سبب يوجب العقاب. (التفسير الميسر). في الختام أيها المؤمن إليك هذه الكلمات الصادقة: أولًا: إنّ نِعم الله على هذا الإنسان -أيًّا كانت هذه النعمة- هي ابتلاء واختبار من الله لهذا الانسان أيشكر أم يكفر؟ ﴿ … قالَ هذا مِن فَضلِ رَبّي لِيَبلُوَني أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّما يَشكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ كَريمٌ ﴾ [النمل: 40]. • فالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وإعطاء المحتاجين، وكفالة الأرامل والأيتام؛ كلّ هذا يُعَدّ من شكر النعمة، وسببٌ لزيادتها وبركتها وحفْظها من الزوال. كما أنّ عصيان الله بهذه النعم، وعدم مراعاة حق الله، وحق عباد الله فيها؛ سببٌ لزوال هذه النعم وذهابها، ومحقٌ لبركتها، ونزول العقوبة عليها وعلى صاحبها، ﴿ وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. وكما قال الامام لشافعي رحمه الله: إذا كنتَ في نعمةٍ فارعها ![]() فإنّ الذنوب تُزيل النِعم ![]() وحافظْ عليها بشكر الإلهْ ![]() فإنّ الإلهَ سريعُ النِقم ![]() • فيامن أعطاك اللهُ نعمةً من النعم؛ حافظ على هذه النعمة، بالشكر وأدَاء حقها، وتقوى الله فيها، سواءً كانت هذه النعمة نعمةَ مال، أو جاهٍ وسلطان، أو نعمة علم، أو نعمة قوة؛ أو غيرها من النعم. فعليك أن تستعمل كل هذه النعم في طاعة الله، وفي خدمة دين الله، وفي إسعاد عباد الله. احرسها من الزوال، واحفظها من الهلاك. ﴿ وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا وَأَحسِن كَما أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلا تَبغِ الفَسادَ فِي الأَرضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفسِدينَ ﴾ [القصص: 77]. فإنّك قد تنام وهذه النعمة لديك؛ وقد تصبح بلا نعمة. فإنّ أصحاب الجنّة ناموا على نِعَم، وما إن استيقظوا إلا وقد فقدوها. يا راقدًا بالليل مسرورًا بأوله ![]() إنّ الحوادثَ قد يَطرقنَ أسحارا ![]() ![]() ![]() قاعدة: [ كلّما كثُرتْ نِعمُ الله عليك؛ كلّما زادت حوائجُ الناس إليك]. فكلما كنتَ صاحب مال، أو جاه أو منصب، أو صاحب علم، أو صاحب نفوذ؛ كلما كثُرت عليك خدمة الناس لتقضيها لهم. فاستقبال حاجات الناس، وتلبية طلباتهم، والعمل على قضائها لهم، وفتح القلوب والأبواب لهم، -بسبب مالِك، أو جاهك، أو علمك-؛ كلُّ ذلك سبب لحفظك وحفظ ما تملكه من نعمة، وسببٌ لديموميتها واستمرارها وبركتها، وحفظها من الزوال. ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. وقد رأينا العذابَ الشديد الذي أصاب أصحاب الجنّة. ثانيًا: إنّ الانسانَ العاقل والحاذق هو من يتعظ بغيره، ويأخذ العبرة ممن قد سبقه، فلا يسلُك أو يستمر بالسير في الطريق الخطأ الذي سلكه الخطّاؤون قبله. • فإنّ عاقبة أصحاب جنّة صنعاء؛ هي نفس عاقبة وعقوبة جنّة أصحاب مأرب (جنة سبأ). فلقد كان لأهل سبأ جنتان، عن يمينهم جنّة، وعن شمالهم جنّة أخرى، فأمرهم اللهُ أن يأكلوا من رزق هاتين الجنتين، وأن يشكروا ربّهم على هذه النعمة، لكنهم أعرضوا، فكفروا بأنعم الله، فأخذ اللهُ منهم جنتَه ورزقَه. فقد أرسل اللهُ عليهم سيلَ العَرِم، (وهو السيل الكثير الجارف لما أمامه)، وأبدلهم اللهُ بدل جنتَيهم المثمرتين، جنتين ذواتي شوكٍ وطلح وأثل وشيء من سدر قليل. كما قال اللهُ عنهم: ﴿ لَقَد كانَ لِسَبَإٍ في مَسكَنِهِم آيَةٌ جَنَّتانِ عَن يَمينٍ وَشِمالٍ كُلوا مِن رِزقِ رَبِّكُم وَاشكُروا لَهُ بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفورٌ * فَأَعرَضوا فَأَرسَلنا عَلَيهِم سَيلَ العَرِمِ وَبَدَّلناهُم بِجَنَّتَيهِم جَنَّتَينِ ذَواتَي أُكُلٍ خَمطٍ وَأَثلٍ وَشَيءٍ مِن سِدرٍ قَليلٍ * ذلِكَ جَزَيناهُم بِما كَفَروا وَهَل نُجازي إِلَّا الكَفورَ ﴾ [سبأ: 15 - 17]. أي: فأعرضوا عن شكر الله وعن الإيمان برسله، فعاقبناهم بتبديل نِعمهم نِقمًا، فأرسلنا عليهم سيلًا جارفًا خرّب سدّهم وأغرق مزارعهم، وبدّلناهم ببُسْتَانَيْهم بُسْتَانَين مُثْمرَين بالثمر المُرّ، وفيهما شجر الأثل غير المثمر، وشيء قليل من السِّدْر. (مختصر التفسير). • فقد أبدلهم اللهُ بدل الزروع والثمار وما ينتفع به الناس؛ أبدلهم بأشجار لافائدة منها للبشر، فلا تصلح إلا للحطب، أو طعامًا للحيوان، وذلك جزاء اعراضهم وكفرهم بربهم. ﴿ ذلِكَ جَزَيناهُم بِما كَفَروا وَهَل نُجازي إِلَّا الكَفورَ ﴾. ثمّ باعَد اللهُ بين أسفارهم، وشرّدهم في كل بلاد، ومزقهم اللهُ كلّ ممزق. ﴿ فَقالوا رَبَّنا باعِد بَينَ أَسفارِنا وَظَلَموا أَنفُسَهُم فَجَعَلناهُم أَحاديثَ وَمَزَّقناهُم كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكورٍ ﴾. • وهذه السُّنة -سُنة اهلاك نِعَم مَن لا يؤدّي شكرها- سُنةٌ لا تُحابي أو تُجامل أحدًا، فكلّ مَن لا يؤدّي شكر نعم الله عليه؛ يوشك أن تذهب منه هذه النعمة، عاجلًا أم آجلًا. • فإنّه لو سار أصحابُ الجنّة مثلما سار عليه أبوهم الصالح؛ لمَا أصابهم الذي أصابهم. فلو سار هؤلاء الأبناء سير هذا الرجل الذي ذكره الرسولُ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح؛ لبقيتْ جنتُهم ما شاء الله أن تبقى. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: [بَينا رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرضِ، فسَمِعَ صَوتًا في سَحابةٍ: اسقِ حَديقةَ فُلانٍ، فتَنَحَّى ذلك السَّحابُ، فأفرَغَ ماءَه في حَرَّةٍ، فإذا شَرجةٌ مِن تلك الشِّراجِ قدِ استَوعَبَت ذلك الماءَ كُلَّه، فتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَديقَتِه يُحَوِّلُ الماءَ بمِسحاتِه، فقال له: يا عَبدَ اللهِ، ما اسمُك؟ قال: فُلانٌ، للاسمِ الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عَبدَ اللهِ، لمَ تَسألُني عَنِ اسمي؟ فقال: إنِّي سَمِعتُ صَوتًا في السَّحابِ -الذي هذا ماؤُه- يقولُ: اسقِ حَديقةَ فُلانٍ، لاسمِك، فما تَصنَعُ فيها؟ قال: أمَّا إذ قُلتَ هذا فإنِّي أنظُرُ إلى ما يَخرُجُ مِنها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِه، وآكُلُ أنا وعيالي ثُلُثًا، وأرُدُّ فيها ثُلُثَه. وفي روايةٍ: وأجعَلُ ثُلُثَه في المَساكينِ والسَّائِلينَ وابنِ السَّبيلِ ]. فلو عمل الأغنياء، وكلُّ مَن وسّع اللهُ وبسط عليه في الرزق مثل فعل هذا الرجل صاحب الحرة؛ لبقيت نِعم الله عليهم، ولاستفاد منها كل فقير، وكل مسكين، ولمَا بقي جائع بلا طعام، أو شريد بلا مأوى. فنسأل اللهَ أن يردّ كل ذي مال إلى الحقّ ردًّا جميلًا. ثالثًا: ليعلم كلُ مسلم أنّ العزم على فعل معصية، والسعي لها والسلوك في طريقها؛ -وإنْ لم يعملها أو يصل إليها- فهي في حدّ ذاتها معصية! ويعاقب اللهُ عليها بمجرد عزم النية على فعلها. فأصحاب الجنّة لمّا عقدوا وعزموا النية على منع حق الفقراء في مالهم، وباتوا وهم عازمون على تنفيذ هذا الأمر؛ عاقبهم اللهُ على فساد نيتهم، وعاملهم بنقيض قصدهم، وأخذَ جنتهم وهم نائمون على فراشهم. فالعزيمة على فعل الجريمة؛ هي جريمة في حدّ ذاتها. فإنّه قد يعاقب اللهُ مَن عزم على ارتكاب جريمة قبل أن يفعل الجريمة نفسها. فإنّ النيّة السيئة، والعزم الفاسد قد يقضيان على صاحبهما، وعلى الخير والنعيم الذي عندهما معًا. • فكما أنّ النيّة الحسنة يُؤجر المرء عليها، كذلك النيّة السيئة يُؤاخذ ويحاسب المرء عليها، كما جاء ذلك في الحديث. فعن أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- أنّه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أحدّثكم حديثًا فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه اللهُ مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربّه، ويصِلُ فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل. وعبدٌ رزقه اللهُ علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النيّة يقول: لو أنّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبدٌ رزقه اللهُ مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبِط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل. وعبدٌ لم يرزقه اللهُ مالًا ولا علمًا، فهو يقول لو أنّ لي مالًا لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وما وصل هذا الرجلُ الثاني إلى أعلى مراتب الأجر كالرجل الأول؛ إلا بنيته الحسنة، (فهما في الأجر سواء). وكذلك مالحِق الرجلُ الرابع بصاحبه الثالث وتساويا في الوزر والإثم؛ إلا بنيته السيئة والفاسدة، (فهما في الوزر سواء). فاللهمَّ اجعل نيّاتنا وأعمالنا وأقوالنا كلها في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، يا ربّ العالمين. والحمد للّه ربّ العالمين. يتبع القصة الثالثة إن شاء الله تعالى.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |