الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حياة الجمال الأسرية وروحها النابض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          فتنة المسيح الدجال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 1409 )           »          سورة النساء (4) الترغيب والترهيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الوطن الآمن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          حب الوطن واجتماع الكلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          آداب الطعام والشراب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 21 )           »          مبتدعات القراء في قراءة القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          رسالة الخليل - عليه السلام - إليك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          تسبيح الله تعالى: فضائله، وآدابه، وأحكامه، ومناسباته في السنة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          الطلاق الناجح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 10:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,802
الدولة : Egypt
افتراضي الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف

الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، آيَاتُ اللهِ في الآفَاقِ وَفي الأَنفُسِ كَثِيرَةٌ، وَنِعَمُهُ وَآلاؤُهُ مُتَعَدِّدَةٌ، تَتَوَجَّهُ إِلَيهَا أَبصَارُ العُقَلاءِ وَبَصَائِرُهُم فَيَتَفَكَّرُونَ وَيَذَّكَرُونَ، وَيَمُرُّ عَلَيهَا كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ وَهُم عَنهَا مُعرِضُونَ، سَمَاءٌ ذَاتُ أَبرَاجٍ، وَأَرضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَلَيلٌ وَنَهَارٌ يَتَعَاقَبَانِ، وَفَلَكٌ يَدُورُ وَبِحَارٌ تَزخَرُ، وَرِيَاحٌ تَجرِي وَسُفُنٌ تَمخُرُ، وَأَموَاجٌ هَادِئَةٌ حِينًا وَحِينًا هَادِرَةٌ.

وَمَن تَأَمَّلَ وَتَفَكَّرَ وَنَظَرَ وَتَبَصَّرَ، كَانَ ذَلِكَ حَيَاةً لِقَلبِهِ، فَحَمِدَ رَبَّهُ وَشَكَرَهُ وَذَكَرَهُ، وَوَقَفَ عِندَ حُدُودِهِ وَأَطَاعَهُ وَلم يَكفُرْ نِعَمَهُ. وَإِنَّ وَقفَةً مَعَ نِعمَةٍ وَاحِدَةٍ مِن نِعَمِ اللهِ، لَكَفِيلَةٌ بِأَن تُطلِعَ العَاقِلَ عَلَى أَسرَارٍ وَبَدَائِعَ مِمَّا أَودَعَهُ اللهُ في هَذِهِ الأَرضِ الَّتي مِنهَا خُلِقَ البَشَرُ، وَفِيهَا أُودِعَت كَثِيرٌ مِن أَرزَاقِهِم وَمَا تَقُومُ بِهِ حَيَاتُهُم.

وَإِنَّ المَاءَ لَهُوَ مِنَ أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتي خَلَقَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَمِن ثَمَّ فَقَدِ امتَنَّ تَعَالى بِهِ عَلَيهِم، وَذَكَّرَهُم عَظِيمَ فَضلِهِ عَلَيهِم بِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 68 - 70]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 24 - 32].

إِنَّ هَذَا السَّائِلَ المُبَارَكَ، لَهُوَ أَغلَى مَا يَملِكُ الإِنسَانُ لاستِمرَارِ حَيَاتِهِ بِإِذنِ اللهِ، يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَيَخرُجُ مِنَ الأَرضِ، وَتَتَشَقَّقُ بِهِ الجِبَالُ، وَتَتَصَدَّعُ بِهِ الحِجَارَةُ، وَتَتَفَجَّرُ بِهِ العُيُونُ وَاليَنَابِيعُ، وَتَجرِي بِهِ الجَدَاوِلُ وَيَنسَابُ فِيهَا، وَتَتَدَفَّقُ بِهِ الأَنهَارُ وَتَتَكَوَّنُ مِنهُ البِحَارُ، وَتَختَزِنُهُ الأَرضُ وَيُستَنبَطُ مِنَ الآبَارِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ [الحجر: 22]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 18]، إِنَّ المَاءَ لَآيَةٌ مِن أَكبَرِ الآيَاتِ، وَنِعمَةٌ مِن أَعظَمِ النِّعَمِ، رُؤيَتُهُ تَسُرُّ العُيُونَ، وَتَصَوُّرُهُ يُرَطِّبُ القُلُوبَ، وَذِكرُهُ يَهُزُّ النُّفُوسَ، وَعَنهُ يَتَسَاءَلُ النَّاسُ وَبِهِ يَفرَحُونَ.

إِنَّهُ حَيَاةُ الأَروَاحِ وَالأَبدَانِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء: 30]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ﴾ [النور: 45]، بِالمَاءَ تَحيَا الأَنفُسُ وَيُروَى العَطَشُ، وَتُطَهَّرُ الأَجسَادُ وَيُغسَلُ المَتَاعُ، وَيُسقَى الحَرثُ وَيَنبُتُ الزَّرعُ وَيُصنَعُ الطَّعَامُ، وَيَشرَبُ مِنهُ أَنَاسِيُّ كَثِيرٌ وَبَهَائِمُ وَأَنعَامٌ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾ [الفرقان: 48 - 50]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 10، 11].

وَمِن عَجَائِبِ المَاءِ أَنْ جَعَلَهُ اللهُ وَسِيلَةً لِحُسنِ الثَّوَابِ في الدُّنيَا لِمَنِ استَقَامُوا، وَوَسِيلَةَ عِقَابٍ عَلَى المُذنِبِينَ المُكَذِّبِينَ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ [القمر: 11، 12]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ﴾ [العنكبوت: 40]، بَل حَتَّى في الآخِرَةِ، فَإِنَّ المَاءَ يَكُونُ لِلمُتَّقِينَ مِن أَعظَمِ أَنوَاعِ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ، وَوَسِيلَةَ عَذَابٍ شَدِيدَةً لأَهلِ النَّارِ فِيهَا، قَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ [محمد: 15]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ [الواقعة: 27 - 31]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15]، وَالكَلامُ في عَدِّ خَصَائِصِ المَاءِ وَمَنَافِعِهِ يَطُولُ وَقَد لا يُحصَرُ، فَلا شَرَابَ إِلاَّ بِمَاءٍ، وَلا طَعَامَ إِلاَّ بِالمَاءِ، وَلا دَوَاءَ إِلاَّ بِالمَاءِ، وَلا نَظَافَةَ إِلاَّ بِالمَاءِ، وَلا زِرَاعَةَ إِلاَّ بِالمَاءِ، بَل وَلا صِنَاعَةَ إِلاَّ بِالمَاءِ، وَمِن ثَمَّ فَلا عَجَبَ أَن زَادَت أَهَمِّيَّتُهُ حَتى صَارَ العَالَمُ اليَومَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الأَمنِ المَائِيِّ وَالصِّرَاعِ عَلَى مَوَارِدِ المِيَاهِ وَمَصَادِرِهَا وَمَنَابِعِهَا، وَحَتَّى عَادَ تَجفِيفُ تِلكَ المَنَابِعِ وَبِنَاءُ السُّدُودِ عَلَيهَا مِمَّا تُحَارِبُ بِهِ بَعضُ الدُّوَلِ بَعضًا.

أَجَل أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ المَاءَ هُوَ عِمَادُ اقتِصَادِ الدُّوَلِ وَمَصدَرُ رَخَائِهَا، بِتَوَافُرِهِ تَتَقَدَّمُ وَتَزدَهِرُ، وَبِنُضُوبِهِ وَغَورِهِ وَشُحِّ مَوَارِدِهِ تَحُلُّ الكَوَارِثُ وَالنَّكَبَاتُ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: 30].

وَمِن ثَمَّ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، فَإِنَّ مِنَ المُهِمِّ بَل مِنَ الوَاجِبِ، أَن يَتَحَمَّلَ النَّاسُ مَسؤُولِيَّتَهُم تِجَاهَ هَذِهِ النِّعمَةِ، وَأَن يَرعَوهَا وَيُحَافِظُوا عَلَيهَا، وَيَعمَلُوا عَلَى حُسنِ الاستِفَادَةِ مِنهَا، بِمَا يُؤَدِّي إِلى صَلاحِ المُجتَمَعِ وَيُظهِرُ رُقِيَّ أَهلِهِ أَفرَادًا وَجَمَاعَاتٍ.

لا بُدَّ مِن الأَخذِ بِالحَزمِ في هَذَا الشَّأنِ، فَاللهُ سُبحَانَهُ لا يُحِبُّ المُسرِفِينَ، وَالمُبَذِّرُونَ هُم إِخوَانُ الشَّيَاطِينِ، وَإِنَّ عَدَمَ الشُّعُورِ بِالمَسؤُولِيَّةِ، وَإِلقَاءَ التَّبِعَةِ عَلَى الآخَرِينَ، لَهِيَ مُصِيبَةٌ قَاتِلَةٌ، وَسَبِيلٌ لانهِيَارِ المُجتَمَعِ وَضَيَاعِ حُقُوقِهِ وَفَسَادِ مَرَافِقِهِ، وَإِذَا تَنَصَّلَ المَرءُ مِن مَسؤُولِيَّتِهِ وَتَفَلَّتَ مِنِ التِزَامَاتِهِ؛ أَصبَحَ عُضوًا فَاسِدًا وَكَلاًّ عَلَى مُجتَمَعِهِ، وَعِبئًا عَلَى أُمَّتِهِ.

وَإِنَّنَا لَو تَأَمَّلنَا مَا وَرَدَ مِن وَصَايَا نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَتَوجِيهَاتِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحِفظِ المَاءِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَيهِ، وَإِبقَائِهِ طَهُورًا نَقِيًّا نَظِيفًا، خَالِيًا مِنَ التَّلَوُّثِ وَأَسبَابِ التَّلَوُّثِ، لَوَجَدنَا نِظَامًا مُتَكَامِلًا شَامِلًا، فَقَد جَاءَ النَّهيُ عَن إِدخَالِ اليَدِ وَغَمسِهَا في الإِنَاءِ عِندَ الاستِيقَاظِ مِنَ النَّومِ، حَتَّى يَغسِلَهَا صَاحِبُهَا ثَلاثًا، وَجَاءَ التَّوجِيهُ بِتَخصِيصِ اليَدِ اليُمنَى لِلأَكلِ وَالشُّربِ وَإِبعَادِهَا عَن مَجَالاتِ التَّلَوُّثِ وَالأَقذَارِ، فَنَهَى الإِسلامُ عَن أَن تُمَسَّ العَورَةُ بِاليَمِينِ، أَو أَن تُبَاشِرَ مَوَاطِنَ النَّجَاسَاتِ وَالمُستَقذَرَاتِ، قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: كَانَت يَدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ اليُمنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَت يَدُهُ اليُسرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ مِن أَذًى؛ أَخرَجَهُ أَبُودَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسلم: "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُم فَلا يَتَنَفَّسْ في الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ"؛ كَمَا جَاءَ الأَمرُ بِتَغطِيَةِ الأَوِانيِّ وَرَبطِ الأَسقِيَةِ؛ حَتَّى لا يَصِلَ إِلَيهَا غُبَارٌ أَو هَوَامُّ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "أَطفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدتُم، وَأَغلِقُوا الأَبوَابَ، وَأَوكُوا الأَسقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَو بِعُودٍ تَعرُضُهُ عَلَيهِ"؛ أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وَنَهَى عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَنِ الاغتِسَالِ في المَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لا يَجرِي، وَنَهَى عَنِ التَّبَوُّلِ في المَاءِ الدَّائِمِ، في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم في المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يجرِي ثمَّ يغتَسِلَ فِيهِ"، وَفي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ قَالَ: "لا يَغتَسِلْ أَحَدُكُم في المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ"، قَالُوا: كَيفَ يَفعَلُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟! قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا، وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُبَالَ في المَاءِ الرَّاكِدِ؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

بَل لَقَد نَهَى عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَنِ التَّبَوُّلِ قُربَ المَاءِ، فَقَالَ: "اِتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَةَ: البَرَازَ في المَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ"؛ رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَابنُ مَاجَهْ، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ.

وَفي مَجَالِ المُحَافَظَةِ عَلَى المَاءِ وَاستِعمَالِهِ بِاقتِصَادٍ، وَتَجَنُّبِ الإِسرَافِ في استِخدَامِهِ، فَقَد كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ هُوَ القُدوَةَ في ذَلِكَ، في الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَغسِلُ، أَو كَانَ يَغتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلى خَمسَةِ أَمدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ.

وَعِندَ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا كَانَت تَغتَسِلُ هِيَ وَالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلاثَةَ أَمدَادٍ أَو قَرِيبًا مِن ذَلِكَ.

وَفي الصَّحِيحَينِ عَن أَحَدِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ كَانَ عِندَ جَابِرِ بنِ عَبدِاللهِ وَعِندَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسلِ، فَقَالَ: يَكفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكفِي مَن هُوَ أَوفى مِنكَ شَعَرًا، وَخَيرٌ مِنْكَ؛ يَعني رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ اللهُ، ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

الخطبة الثانية
أَمَّا بَعـدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَقَد وَصَلَ استِهلاكُنَا المَاءَ في هَذَا العَصرِ إِلى مُستَوًى مِنَ الإِسرَافِ مُخِيفٍ، في الاستِحمَامِ وَفي الوُضُوءِ، وَفي السِّبَاحَةِ وَفي سَقيِ الحَدَائِقِ وَالأَشجَارِ، وَفي غَسلِ السَّيَّارَاتِ وَالبُيُوتِ، وَإِنَّهُ لَيسَ مِنَ التَّقَدُّمِ في شَيءٍ أَن تُبَدِّدَ أُمَّةٌ خَيرَاتِهَا بِأَيدِيهَا، وَلَكِنَّ التَّقَدُّمَ وَالرُّقِيَّ أَن تَكُونَ مُسَيطِرَةً عَلَى أُمُورِهَا، مُتَحَكِّمَةً في نُظُمِهَا، حَازِمَةً في تَدبِيرِ شُؤُونِهَا.

وَإِنَّ تَوفِيرَ المِيَاهِ وَحِمَايَةَ مَصَادِرِهَا وَالحِرصَ عَلَى بَقَائِهَا نَقِيَّةً طَاهِرَةً، لَمِن أَكبَرِ دَلائِلِ الرُّقِيِّ وَسُمُوِّ الغَايَةِ لِكُلِّ مُجتَمَعٍ؛ إِذِ العَبَثُ بِهَا وَإِهمَالُهَا نَذِيرُ خَطَرٍ عَلَى حَيَاةِ المُجتَمَعَاتِ وَأَمنِهَا، وَبِالإِسرَافِ تُهدَرُ الثَّرَوَاتُ وَتَنضَبُ المَوَارِدُ، وَفي عَوَاقِبِ ذَلِكَ الفَقرُ وَالفَاقَةُ وَالبُؤسُ وَالإِملاقُ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ [الشعراء: 151، 152]، وَالمُسرِفُ هَمُّهُ الوُصُولُ إِلى مُتعَتِهِ وَلَذَّتِهِ، وَلا يُبَالي بِمَصِيرِهِ وَلا مَصِيرِ أُمَّتِهِ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16].

فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَلْنَحذَرِ الإِسرَافَ وَخَاصَّةً في الطُّهُورِ، وَلْنَقتَصِدْ في استِعمَالِ المِيَاهِ في بُيُوتِنَا وَفي المَرَافِقِ العَامَّةِ، وَخَاصَّةً المَسَاجِدَ، فَإِنَّ عَامَّةَ مِيَاهِهَا مِن تَبَرُّعِ المُحسِنِينَ جَزَاهُمُ اللهُ خَيرًا، وَهُم يُرِيدُونَ بِتَوفِيرِهَا الأَجرَ، فَلْنُشَارِكْهُم في ذَلِكَ بِالاقتِصَادِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَالاكتِفَاءِ بِالقَلِيلِ كَمَا كَانَ عَلَيهِ القُدوَةُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 60.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 59.02 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.76%)]