|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
فخامة الاستدلال بأقوال السلف على معاني القرآن الكريم روضة محمد شويب الحمد لله الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل الكتاب، فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب، وكشف به حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم؛ أما بعد: فقد أرسل الله النبي صلى الله عليه وسلم بلسان قومه، كما سنَّها عز وجل في بعث الرسل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4]، وأنزل معه القرآن بلغة العرب: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 - 195]، فجاء على سنن أساليبهم وطريقة كلامهم، فبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم قومه كما أمره ربه عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [المائدة: 67]، وأنذرهم به وكل من بلغه القرآن: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام: 19]، من هنا يمكن القول بأن التفسير المأثور نشأ مع نزول القرآن الكريم، إذ كان هؤلاء العرب يفهمون كلام الله ولا تخفى عليهم عموم معانيه، وعلى إثر ذلك تفاوتت مواقفهم تجاه نبي الله وكتابه، ما بين معترض عليه كافر به، وموافق مؤمن، وهم الصحابة رضي الله عنهم[1]. ونزلت الآيات لتوضيح أن القرآن الكريم بلسان عربي، لأن اللغة العربية هي أكمل الألسنة وأحسنها بيانًا للمعاني، وهذا يهدف إلى أن يعقل الناس معانيه، ويفهموا ما فيه، ويعملوا بأوامره، وينتهوا عن نهيه. وإن فخامة الاستدلال في الشرع الإسلامي تكمن في كونه منهجًا منضبطًا يربط الأحكام بمصادرها الصحيحة (الكتاب، السنة، الإجماع) بفهم الصحابة، مما يضمن ثبات الدين، ويدفع البدع، ويحقق مراد الله ورسوله. ولا شكَّ أن إيمان الصحابة ناتج عن فهم كامل، واقتناع تام بما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا غرو، فقد كانوا أهل العربية وبني جلدتها، لا تخفى عليهم ما تحويه من فنون البيان وأساليب القول، وقد نزل القرآن على نمطها، غير أنه سما عليهم جميعًا بدقة التعبير، وقوة المعاني، ورصانة الألفاظ، وسحر البيان، فانبهروا بطريقته، وولعوا بأسلوبه، ووعوا معانيه، وأدركوا مراميه، فكانوا يتلقفونه من في الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتعلمونه ويعملون به مباشرة[2]. وتظهر أهمية تفسير السلف تبعًا لفضلهم وعظم مكانتهم، فهم خير الأمة بشهادة نبينا صلى الله عليه وسلم[3]. قال ابن تيمية: "ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة، أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة، من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل..."[4]. قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ [التوبة: 33]، ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية، والقوة الإرادية العملية في غير موضع، كقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ [التوبة: 33]، فالهدى كمال العلم، ودين الحق كمال العمل، كقوله: ﴿ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴾ [ص: 45][5]. فإن أعلم الناس بتفسير القرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم، لأنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وقد شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله، وعرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن، مع حسن فهمهم وسلامة قصدهم، ثم التابعون الذين تلقوا التفسير عن الصحابة، وكذلك أتباع التابعين، وأتباعهم بأنهم خير الناس، وفي الصحيحين: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، فتفسيرهم هو تفسير خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفتهم هي السبيل القويم للوصول إلى الصحيح لمراد الله عز وجل في كتابه الكريم[6]. قال ابن رجب الحنبلي: "يعتبر منهج السلف في التفسير أصلًا أصيلًا في التفسير، ومعرفة أقوالهم يعد من أهم أصول التفسير"[7]. والمراد بتفسير السلف هو بيان معاني القرآن الكريم الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صحابته وتابعيهم وتابعي تابعيهم[8]. ويطلق مصطلح السلف ويراد به أحد المفهومين: 1- الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وفي الحديث: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). 2- الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ممن التزم الكتاب والسنة ولم يلتبس ببدعة، ومن تبعهم إلى يوم الدين، ومستندها ما ورد في حديث الافتراق المشهور: ((ما أنا عليه وأصحابي))؛ حيث ربط النبي صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية بما كانوا عليه من منهج محدد واضح المعالم، لا بحقبة زمنية محددة[9]. فالسلف من أهل القرون المفضلة سلف لغة وتاريخًا ومنهجًا، والسلف ممن بعدهم سلف لغة ومنهجًا، والسلف من أهل العصر سلف منهجًا[10]. والمراد بأقوال السلف دليلًا لتصحيح المعاني أو إبطالها أو ردها، أو الإبانة بأقوال السلف عن صحة المعاني وبطلانها[11]. إن معرفة تفسير السلف أصل أصيل من أصول التفسير، ومن ترك أقوالهم، أو ضعف نظره فيها، فإنه سيُصاب بنقص في العلم، وقصور في الوصول إلى الحق في كثير من آيات القرآن[12]. وإن من استقرأ تاريخ السلف مع كتاب الله، وجد تمام عنايتهم بكتاب الله حفظًا وتفسيرًا وتدبرًا واستنباطًا، كيف لا؟ وكتاب الله هو العصمة والنجاة، لذا لا ترى خفيًّا على الصحابة شيئًا من معانيه، ولم يستفصلوا من الرسول صلى الله عليه وسلم فبقيَ عليهم منه شيء غامض لا يعرفونه[13]. وكذا الحال بالتابعين، الذين هم أكثر طبقات السلف في التفسير، وعددهم فيه كثير، لقد سألوا عن التفسير، واستفصلوا فيما غمض عليهم، ولهم في ذلك أقوال، ومن أشهرها ما رواه الطبري بسنده عن الشعبي، قال: «والله ما من آية إلا سألت عنها، لكنها الرواية عن الله تعالى»[14]. وروى بسنده عن مجاهد، قال: «عرضت المصحف على ابن عباس»، وكذا الحال بالتابعين، الذين هم أكثر طبقات السلف في التفسير، وعددهم فيه كثير، لقد سألوا عن التفسير، واستفصلوا فيما غمض عليهم، ولهم في ذلك أقوال، ومن أشهرها ما رواه الطبري بسنده عن الشعبي، قال: «والله ما من آية إلا سألت عنها، لكنها الرواية عن الله تعالى»[15]. فالاستدلال بأقوال السلف على المعاني حجة: إذا أجمع السلف على قول فهو الحق، واتباعهم فيه واجب، تحرم مخالفته[16]. وأهل السنة يتبعون السلف ويقتدون بهم، ويرون أن طريقتهم الأسلم والأعلم والأحكم، قال اللالكائي في شرح منهجه وشرطه في كتابه "شرح أصول الاعتقاد لأهل السنة والجماعة": "فابتدأت بشرح هذا الكتاب بعد أن تصفحت عامة كتب الأئمة الماضيين رضي الله عنهم أجمعين، وعرفت مذاهبهم وما سلكوا من الطرق في تصانيفهم، ليعرفوا به المسلمين، وما نقلوا من الحجج في هذه المسائل التي حدث الخلاف فيها بين أهل السنة وبين من انتسب إلى المسلمين، ففصلت هذه المسائل وبينت في تراجمها أن تلك المسألة: متى حدث في الإسلام الاختلاف فيها، ومن الذي أحدثها وتقولها، ليعرف حدوثها وأنه لا أصل لتلك المقالة في الصدر الأول من الصحابة، ثم أستدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها، وبما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما، وإن وجدت في أحدهما دون الآخر ذكرته، وإن لم أجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يُقتدى بهم ويُهتدى بأقوالهم ويُستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها، فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي، فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفاء والهدى، والتدين بقولهم القربة إلى الله والزلفى، فإذا رأيناهم قد أجمعوا على شيء عولنا عليه، ومن أنكروا قوله أو ردوا عليه بدعته أو كفروه حكمنا به واعتقدناه"[17]. ويتسم تفسير الطبري رحمه الله بالتفسير بالمأثور، لأنه حوى جميع تراث السلف في التفسير، ويلتزم الطبري بما اتفق عليه المسلمون في درجات التفسير، فيلجأ أولًا إلى تفسير القرآن بالقرآن نفسه، ثم إلى تفسير القرآن بالسنة البيانية وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتبع ذلك بالآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم وعن التابعين الذين اتبعوهم بإحسان[18]. كما يقدم الطبري مجموعة كبيرة من أقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات، لأن الصحابة عاشوا عهد نزول القرآن، وعرفوا أسباب النزول، واختصوا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورشفوا من معينه، واستضافوا بنور النبوة، وأخذوا عنه الكثير الكثير، فهم أولى من غيرهم بفهم كتاب الله تعالى[19]. وابن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ) صاحب "تفسير القرآن العظيم" مسندًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، الذي اقتصر فيه على المأثور من آثار السلف، فقال ابن أبي حاتم: "فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبعها متنًا، فإذا وجدت التفسير عن رسول الله لم أذكر معه أحدًا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك، وإذا وجدته عن الصحابة، فإن كانوا متفقين ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الإسناد، وسميت موافقيهم بحذف الإسناد، وإن كانوا مختلفين ذكرت اختلافهم، وذكرت لكل واحد منهم إسنادًا، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذا أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم، جعل الله ذلك لوجهه خالصًا، ونفع به"[20]. إن "معالم التنزيل" للإمام البغوي، كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو من أجَل الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والآثار الغالب عليها الصحة، يعتمد منهج الإمام البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" على الاستدلال بالأثر (التفسير بالمأثور) كركيزة أساسية، حيث يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة النبوية، مع التزام عالٍ بصحة النقول، وتجنب الأحاديث الموضوعة والآراء البدعية، والاقتصار على أقوال الصحابة والتابعين[21]. ويبين الحافظ ابن كثير منهجه في التفسير فقال رحمه الله: "إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، وحينئذٍ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبدالله بن مسعود، رضي الله عنه"[22]. هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله. كتب في 14 شوال 1448 [1] تفسير السلف تاريخه وأعلامه ومصادره، د. مساعد الطيار ص 43. [2] تفسير السلف تاريخه وأعلامه ومصادره، د. مساعد الطيار ص 43. [3] انظر تفسير السلف تاريخه وأعلامه ومصادره ص 28. [4] مجموع الفتاوي 4/157. [5] ابن تيمية:6/ 38. [6] انظر تفسير السلف تاريخه وأعلامه ومصادره ص 11. [7] انظر كتاب فضل علم السلف لابن رجب الحنبلي. [8] تفسير السلف تاريخه وأعلامه ومصادره، د. مساعد الطيار ص 27. [9] انظر كتاب الاستدلال في التفسير للدكتور الأستاذ نايف الزهراني ص 338. [10] نفس المرجع. [11] نفس المرجع ص 339. [12] كتاب الإعجاز العلمي لمساعد الطيار ص 15. [13] نفس المرجع. [14] نفس المرجع. [15] نفس المرجع ص 15. [16] الاستدلال في التفسير د. نايف الزهراني ص 341. [17] شرح كتاب أصول الاعتقاد لأهل السنة والجماعة ج 1/ ص 27. [18] جامع البيان عن تأويل القرآن تفسير الطبري مقدمة المحقق ص 46. [19] نفس المرجع مقدمة المحقق ص 46. [20] تفسير القرآن العظيم مسندًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ص 11/12. [21] انظر كتاب معالم التنزيل مقدمة المؤلف ج 1/ ص 33. [22] انظر تفسير ابن كثير ت سلامة 1/ 7.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |