|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الإخلاص وفتنة الظهور د. علي شومان محمد علي أبو دية الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وابتلى الخلق بالسر والإعلان، ليظهر صدق النيات وخفاء المقاصد، وجعل القبول عنده لمن أخلص له، لا لمن تزين للناس أو التمس ثناءهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى الإخلاص والمحذر من الرياء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فإن الإخلاص لله رب العالمين هو روح الأعمال، وميزان القبول، وبه تُرفع الدرجات وإن خفيت، وبدونه تذهب الأعمال وإن كثرت وظهرت. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5]، وقال سبحانه: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 3]. وإذا استقر هذا الأصل في القلب، علم أن كل ما يكدر صفو الإخلاص، أو يجر النفس إلى تعظيم نظر الخلق، فهو باب فتنة وإن خفي، ومزلق خطر وإن دق. ومن هذا الباب ما شاع في هذا الزمان من إظهار الإنسان نفسه في وسائل التواصل، وبث صورته وهيئته للناس؛ فإن الأمر لا يقف عند صورة تنشر، بل يتجاوز ذلك إلى ما تورثه من تعلق القلوب، واستدعاء الأنظار، وتغذية النفس بحب الظهور والقبول. فإن النفس إذا اعتادت نظر الناس، وألفت ثناءهم، وتشربت الإعجاب، تدرجت من إرادة الخير إلى إرادة الظهور، ثم من الظهور إلى حب القبول، ثم إلى داء خفيٍّ قل من ينجو منه، وهو الرياء والعجب والركون إلى حمد الخلق؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل))؛ [رواه أحمد]، وذلك لعظيم خفائه ودقة مسالكه، حتى يتسلل إلى القلب وصاحبه يظن أنه على خير، وقد قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104]. ولهذا كان السلف الصالح أشد الناس خوفًا على قلوبهم، وأبعدهم عن طلب الشهرة والإقبال. فهذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، مع علو منزلته في العلم والفقه، كان دقيق الساقين، فضحك بعض القوم من دقتهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَهُمَا في الميزان أثقل من أُحد))؛ [رواه أحمد وصححه الألباني]، ثم قال فيه عمر رضي الله عنه: كنيف مملوء علمًا وفقهًا؛ فاجتمع له خفاء الظاهر وامتلاء الباطن، وهي أمارة السلامة عند أهل البصائر. وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: أحب العمل ما كان خفيًّا، ويفر من الشهرة فرار السليم من السقم. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: إن استطعت ألا تُعرف فافعل، إشارةً إلى أن الخفاء ستر للعبد، وأن الظهور باب ابتلاء. ويُروى عن التابعي الجليل طاوس بن كيسان رحمه الله أنه كان يعظ الناس، فمر به رجل فقال: إن نفسك قد أعجبتك، فقم، قال: فقام، وترك المجلس. وقال الشافعي رحمه الله: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء، وهو إمام ملأ ذكره الآفاق، ومع ذلك كان يهرب من حظوظ النفس، ويخشى آفات الشهرة والثناء. وهكذا يتبين أن مدار هذا الباب كله على الإخلاص؛ فليس الشأن في كثرة الظهور، ولا في اتساع الانتشار، وإنما الشأن في قلب سلم من الالتفات إلى الخلق، وأقبل بكليته على الله. فكم من عمل أفسده العجب، وكم من ظهور سلب العمل بركته، وكم من عبدٍ خفيٍّ رفعه الله بإخلاصه، وهو لا يزن عند الناس شيئًا. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يطهر قلوبنا من الرياء والعجب، وأن يجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأن يصلح أحوال المسلمين، وينصر المستضعفين في كل مكان، وخاصةً إخواننا في فلسطين، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينًا، وارفع عنهم البلاء، واكفهم شر عدوهم، واجبر كسرهم، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |