الابتلاء بالتكاليف الشرعية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         هنا تفقد من غاب - الجزء الخامس (اخر مشاركة : بــيآرق النصـــر - عددالردود : 500 - عددالزوار : 358881 )           »          النسوية.. وخلخلة العلاقات الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية.. مشاركات وضوابط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          عمل المرأة.. وأهمية رد الاعتبار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          تفسير قوله تعالى: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار...} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          الذكر... حياة القلوب ومنشور الولاية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          مراقبة الله سبب لتزكية النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          عبادات لا تحتاج إلى مال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5402 - عددالزوار : 2809302 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5014 - عددالزوار : 2143488 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-08-2026, 11:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,915
الدولة : Egypt
افتراضي الابتلاء بالتكاليف الشرعية

الابتلاء بالتكاليف الشرعية

د. محمود بن أحمد الدوسري


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ؛ التَّكْلِيفُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْكُلْفَةِ، وَهِيَ: الْمَشَقَّةُ[1]. وَالتَّكْلِيفُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّهِ إِلَّا الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ فَقَطْ. وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ.

فَالتَّكْلِيفُ إِذَنْ هُوَ: خِطَابُ الشَّارِعِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ[2]. وَالْأَمْرُ: قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا[3] أَوْ مَنْدُوبًا[4]. وَالنَّهْيُ: قَدْ يَكُونُ حَرَامًا[5] أَوْ مَكْرُوهًا[6]. وَبِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَتَحَقَّقُ الْعِبَادَةُ الَّتِي خُلِقَ الْخَلْقُ مِنْ أَجْلِهَا[7].

وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَاتِ الْمَشَقَّةَ وَالْكُلْفَةَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ - وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ ضِمْنًا وَتَبَعًا فِي بَعْضِهَا؛ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَالْمَشَقَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّكَالِيفِ هِيَ مَشَقَّةٌ مُعْتَادَةٌ[8].

وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الَّتِي يَبْتَلِي اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، لَيْسَتْ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَعُودُ نَفْعُهُ وَمَصْلَحَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا تَعُودُ مَضَرَّتُهُ عَلَيْهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَحِكْمَةُ ابْتِلَائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ.

وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلِمَ أَعْمَالَ عِبَادِهِ وَأَحْوَالَهُمْ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ– قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَيُوجِدَهُمْ فِي دَارِ الِابْتِلَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَيْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَشَرَعَ شَرَائِعَهُ، فَابْتَلَاهُمْ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَبِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ لِيَظْهَرَ مَعْلُومُهُ الَّذِي عَلِمَهُ مِنْ قَبْلُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الْمَدْحَ أَوِ الذَّمَّ، وَالثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَ، وَيُعْذِرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ[9].

وَيُمَيِّزُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِابْتِلَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْمُطِيعِ وَالْعَاصِي،وَالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَمَنْ يَشْكُرُهُ وَيَعْبُدُهُ، وَمَنْ يَكْفُرُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 179] أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمْ؛ بِمَا يَشْرَعُهُ مِنْ تَكَالِيفَ لَا يَسْتَجِيبُ لَهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ، فَيُعْرَفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّكَالِيفُ هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ أُولَئِكَ لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُوحَى إِلَيْهِمْ[10].

وَهُوَ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الِابْتِلَاءِ يَعْلَمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِيَجْزِيَهُمْ؛ وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَلَكِنِ اقْتَضَى عَدْلُهُ وَحَمْدُهُ أَنَّهُ لَا يَجْزِي الْعِبَادَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِمْ حَتَّى يُوجَدَ مَعْلُومُهُ، وَيَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ فَيَقَعَ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 142]. (أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوْا، وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ)[11].

وَهُنَاكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ، وَغَايَاتٌ عَظِيمَةٌ تَتَحَقَّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ نَتِيجَةً لِقِيَامِهِمْ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَطَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَلَوْلَا هَذَا الِابْتِلَاءُ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ لَمَا تَحَقَّقَتْ، وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 124].

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ كَلَّفَهُ بِالْقِيَامِ بِهَا، فَقَامَ بِهَا خَيْرَ قِيَامٍ، وَأَدَّاهُنَّ أَحْسَنَ تَأْدِيَةٍ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَوَانٍ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَأَبْقَى لَهُ الثَّنَاءَ الدَّائِمَ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ فِي الْآخِرَةِ.

فَلَمَّا وَفَّى بِذَلِكَ؛ امْتَدَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النَّجْمِ: 37] أَيْ: إِنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَأَكْمَلَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْئًا[12].

وَمِنَ الِابْتِلَاءِ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ: مَا ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ أَصْحَابَ طَالُوتَ، عِنْدَمَا خَرَجُوا لِقِتَالِ جَالُوتَ وَقَوْمِهِ، فَابْتَلَاهُمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ - مَعَ شِدَّةِ عَطَشِهِمْ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْمَاءِ - وَلَمْ يَأْذَنْ إِلَّا بِغَرْفَةٍ[13]؛ لِيَرَى طَاعَتَهُمْ وَامْتِثَالَهُمْ لِنَهْيِهِ، فَيَتَمَيَّزَ الصَّابِرُ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 249][14].

وَنَحْوُ هَذَا: مَا حَدَثَ لِأَصْحَابِ الْقَرْيَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُمْ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاصْطِيَادِ فِيهِ؛ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا لَهُمْ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَكْثُرُ وَتَظْهَرُ فِيهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ؛ لِيَعْلَمَ امْتِثَالَهُمْ لِنَهْيِهِ، وَانْصِيَاعَهُمْ لِطَاعَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ خَالَفُوا النَّهْيَ؛ فَاحْتَالُوا عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْيَوْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً! قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 163][15].

وَقَدِ ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ؛ لِيَظْهَرَ امْتِثَالُهُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابُهُمْ لِنَهْيِهِ، وَيَتَحَقَّقَ فِيهِمْ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الِابْتِلَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَجَّهَ – أَوَّلًا - بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَرَفَهُ عَنْهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَهَدَى قُلُوبَهُمْ، وَاسْتَجَابُوا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَصَدَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَلَهُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 143][16].

وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا جَاءَ فِي الِابْتِلَاءِ بِالنَّهْيِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 94]. نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ حَيْثُ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّيْدِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَيَغْشَاهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَكَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ صَيْدِهِ أَخْذًا بِأَيْدِيهِمْ، وَطَعْنًا بِرِمَاحِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَظْهَرَ طَاعَةُ مَنْ يُطِيعُ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَتَتَمَيَّزَ مِنْ مَعْصِيَةِ الْعَاصِي[17].

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَعَنْ حِكْمَةِ الِابْتِلَاءِ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مِنْ تَمَامِ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ: تَسْلِيطُ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ عَلَى الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ، فَابْتِلَاؤُهُ لَهُ وَامْتِحَانُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَعْرَاضِهِ وَشَهَوَاتِهِ: مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ يَتَّهِمُ رَبَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِ بِابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ... فَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ: ابْتِلَاؤُهُمْ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي رَحْمَةً وَحِمْيَةً، لَا حَاجَةً مِنْهُ إِلَيْهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَلَا بُخْلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَهُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ: أَنْ نَغَّصَ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا وَكَدَّرَهَا؛ لِئَلَّا يَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَلَا يَطْمَئِنُّوا إِلَيْهَا، وَيَرْغَبُوا فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي دَارِهِ وَجِوَارِهِ، فَسَاقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بِسِيَاطِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ، فَمَنَعَهُمْ لِيُعْطِيَهُمْ، وَابْتَلَاهُمْ لِيُعَافِيَهُمْ، وَأَمَاتَهُمْ لِيُحْيِيَهُمْ)[18].

وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِهَا، فَابْتَلَاهُمْ بِالتَّكَالِيفِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ؛ لِكَيْ يَنَالُوا بِذَلِكَ أَرْفَعَ الْمَقَامَاتِ، وَأَسْمَى الدَّرَجَاتِ، فِي عَالِي الْجَنَّاتِ، فَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ جَزَائِهِمْ؛ بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ بِالِابْتِلَاءِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (لَوْلَا هَذَا الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ لَمَا ظَهَرَ فَضْلُ الصَّبْرِ، وَالرِّضَا، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْجِهَادِ، وَالْعِفَّةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْحِلْمِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يُكْرِمَ أَوْلِيَاءَهُ بِهَذِهِ الْكَمَالَاتِ، وَيُحِبُّ ظُهُورَهَا عَلَيْهِمْ؛ لِيُثْنِيَ بِهَا عَلَيْهِمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، وَيَنَالُوا بِاتِّصَافِهِمْ بِهَا غَايَةَ الْكَرَامَةِ وَاللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ - وَإِنْ كَانَتْ مُرَّةَ الْمَبَادِئِ، فَلَا أَحْلَى مِنْ عَوَاقِبِهَا)[19].

[1] انظر: القاموس المحيط، (ص1099)؛ الصحاح، (4/ 1424)؛ تاج العروس، (12/ 465).

[2] انظر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 215)؛ مجموع الفتاوى، لابن تيمية (10/ 344).

[3] الواجِبُ: هو ما تُوُعِّدَ بالعقابِ على تَرْكِه. وقيل: ما يُعاقَبُ تارِكُه. وقيل: ما يُذَمُّ تارِكُه شَرْعًا. انظر: المستصفى، للغزالي (ص53)؛ روضة الناظر، لابن قدامة (ص26)؛ إرشاد الفحول، للشوكاني (ص23).

[4] المَنْدُوبُ: ما يُمدح فاعِلُه، ولا يُذَمُّ تارِكُه. وقِيل: هو الذي يكون فِعْلُه راجِحًا في نَظَرِ الشَّرْع، ويُقال له: مُرَغَّبٌ فيه، ومُسْتَحَبٌّ، ونَفْلٌ، وتَطَوُّعٌ، وإحْسَانٌ، وسُنَّة. انظر: المستصفى، (ص53)؛ المنخول، للغزالي، (ص137)؛ إرشاد الفحول، (ص24).

[5] الحَرامُ: هو ما يُذَمُّ فاعِلُه، ويُمْدَحُ تارِكُه. ويُقال له: المُحَرَّم، والمَحْظُور، والمَعصِية، والذَّنْب، والمَزْجُورُ عنه، والمُتَوَعَّدُ عليه، والقَبِيح. انظر: إرشاد الفحول، (ص24)؛ المستصفى، (ص23)؛ روضة الناظر، (ص41).

[6] المَكْرُوهُ: هو ما يُمدَحُ تارِكُه، ولا يُذَمُّ فاعِلُه. ويُقال بالاشتراك على أمورٍ ثلاثةٍ: على ما نُهِيَ عنه نهي تنزيه؛ وهو الذي أُشْعِرَ فاعِلُه أنَّ تَرْكَه خيرٌ من فِعلِه، وعلى تَرْكِ الأَولى؛ كتركِ صلاةِ الضُّحى، وعلى المحظور. انظر: إرشاد الفحول، (ص24)؛ المستصفى، (ص53)؛ روضة الناظر، (ص41).

[7] انظر: شفاء العليل، (ص248).

[8] انظر: إغاثة اللهفان، (1/ 31).

[9] انظر: شفاء العليل، (ص246)؛ إغاثة اللهفان، (1/ 31).

[10] انظر: تفسير الطبري، (7/ 424)؛ تفسير الرازي، (9/ 110)؛ تفسير القرطبي، (4/ 289)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 549).

[11] تفسير ابن كثير، (2/ 127).

[12] انظر: تفسير الطبري، (22/ 74)؛ تفسير القرطبي، (17/ 113)؛ تفسير ابن كثير، (7/ 463).

[13] غَرْفَة: الغَرْفُ: أَخْذُ الماءِ باليد، والغَرْفَةُ: هي المرَّةُ الواحدة منه. انظر: القاموس المحيط، (ص7810).

[14] انظر: تفسير الطبري، (4/ 481)؛ تفسير البغوي، (1/ 301).

[15] انظر: تفسير الطبري، (2/ 171)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 436).

[16] انظر: تفسير الطبري، (3/ 155)؛ تفسير القرطبي، (2/ 157)؛ تفسير ابن كثير، (2/ 10).

[17] انظر: تفسير الطبري، (8/ 671)؛ تفسير ابن أبي حاتم، (4/ 1203)، رقم (6784).

[18] إغاثة اللهفان، (2/ 915).

[19] شفاء العليل، (ص244).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 60.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.40 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.78%)]