الشرط الجزائي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ترجمات المستشرقين لمعاني القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          أعرِضْ عن الجاهلين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          العقلية الاستهلاكية ومستقبل الأمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          الثقافة الإسلامية وقضايا المرأة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 51 )           »          بلوغ العشرين.. نظرة في صفحات الماضي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          العولمة وأثرها على الهوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 42 )           »          عملُ المرأة تكاملٌ وليس منافسة مع الرجل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          المرأة الداعية.. وتحديات الصورة النمطية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          عمل المرأة.. بين متطلبات الواقع وتنظيرات «النسوية» (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          المرأة العربية.. مشاركة ومعاناة في سوق العمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 04-08-2026, 04:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,939
الدولة : Egypt
افتراضي الشرط الجزائي

الشرط الجزائي

هيئة كبار العلماء


المراد بالشرط الجزائي والداعي إليه:
الشرط الجزائي لم يكن معروفاً بهذا الاسم لدى فقهائنا الأقدمين، وإنما جاء ذكره في صور مسائل فقهية، ولعل أول وجود له في الفقه الإسلامي ما روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا أو كذا فلك مائة درهم فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه، وقال أيوب، عن ابن سيرين: أن رجلاً باع طعاماً وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع فلم يجيء فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه. اهـ.

أما الفقهاء المعاصرون فقد تعرضوا لبحثه في كتبهم بهذا الاسم وبينوا العوامل التي أدت إلى التوسع في الأخذ به فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء[1].


في أواخر العهد العثماني اتسعت في الدولة التجارة الخارجية مع أوربا وتطورت أساليب التجارة الداخلية والصنائع وتولدت في العصر الحديث أنواع من الحقوق لم تكن معهودة كامتياز المؤلف والمخترع وكل ذي أثر فني جديد في استثمار مؤلفاته، أو مخترعاته، أو آثاره الفنية مما سمى بالملكية الأدبية والصناعية، واحتاج أصحاب هذه الحقوق والامتيازات إلى بيعها والتنازل عنها لغيرهم من القادرين على استثمارها - إلى أن قال: واتسع مجال عقود الاستصناع في التعامل بطريق الإيصاء على المصنوعات مع المعامل والمصانع الأجنبية وكذا عقود المتعهد بتقديم اللوازم والأرزاق والمواد الأوليه إلى الدوائر الحكومية والشركات والمعامل والمدارس مما سمى ((عقود التوريد)) وكل ذلك يعتمد على المشارطات في شتى صورها. وقد ازدادت أيضاً قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية فأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضراً بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل. فلو أن متعهداً بتقديم المواد الصناعية إلى صاحب معمل تأخر عن تسليمها إليه في الموعد المضروب لتَعَطّل العمل وعماله. ولو أن بائع بضاعة لتاجر تأخر في تسليمها حتى هبط سعرها لتضرر التاجر المشتري بخسارة قد تكون فادحه. وكذا تأخر الصانع عن القيام بعمله في وقته. وكل متعاقد إذا تأخر أو امتنع عن تنفيذ عقده في موعده.

ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة، ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاوناً منه أو امتناعاً، وهذا قد ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه، ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي الشرط الجزائي. اهـ.

وذكر الدكتور عبدالرزاق السنهوري تعريف الشرط الجزائي وسبب تسميته بذلك فقال[2]: ((يحدث كثيراً أن الدائن والمدين لا يتركان تقدير التعويض إلى القاضي كما هو الأصل بل يعمدان إلى الاتفاق مقدماً على تقدير هذا التعويض، فيتفقان على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بالتزامه وهذا هو التعويض عن عدم التنفيذ أو على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه وهذا هو التعويض عن التأخير. هذا الاتفاق مقدماً على التعويض يسمى بالشرط الجزائي. وسمى بالشرط الجزائي لأنه يوضع عادة كشرط ضِمْنَ شروط العقد الأصلي الذي يستحق التعويض على أساسه)). اهـ.


وفي الموسوعة العربية الميسرة ما نصه: ((شرط جزائي)): اتفاق يقدر فيه المتعاقدان سلفاً التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه. اهـ.

2- ما للشرط الجزائي من صور مختلفة:

الشرط الجزائي وإن كان يعني اشتراط التعويض عن الضرر اللاحق في طريقة تنفيذ العقد - إلا أن له صوراً مختلفة باختلاف العقود والالتزامات، وقد أشار الدكتور عبدالرزاق السنهوري إلى شيء من هذه الصور فقال[3]: ((والأمثلة على الشرط الجزائي كثيرة ومتنوعة: فشروط المقاوله قد تتضمن شرطاً جزائياً يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو عن كل أسبوع أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه. ولائحة المصنع قد تتضمن شروطاً جزائية تقتضي بخصم مبالغ معينة من أجرة العامل جزاء له على الإخلال بالتزاماته المختلفة. وتعريفة مصلحة السكك الحديدية أو مصلحة البريد قد تتضمن تحديد مبلغ معين هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد معها في حالة فقد طرد أو فقد رسالة واشتراط حلول جميع أقساط الدين إذا تأخر المدين في دفع قسط منها هو أيضاً شرط جزائي ولكن من نوع مختلف، إذ هو هنا ليس مقداراً معيناً من النقود قدر به التعويض، بل هو تعجيل أقساط مؤجله)). اهـ.

وقال في الحاشية في الصفحة نفسها ما نصه: ((هذا والأصل في الشرط الجزائي هو أن يكون تقديراً مقدماً للتعويض كما أسلفنا، ولكن قد يستعمله المتعاقدان لأغراض أخرى: من ذلك أن يتفقا على مبلغ كبير يزيد كثيراً على الضرر الذي يتوقعانه فيكون الشرط الجزائي بمثابة تهديد مالي. وقد يتفقان على مبلغ صغير يقل كثيراً عن الضرر المتوقع فيكون الشرط الجزائي بمثابة إعفاء أو تخفيف من المسئولية... وقد يكون الغرض من الشرط الجزائي تأكيد التزام المتعهد عن الغير بتحديد مبلغ التعويض الذي يكون مسئولاً عنه إذا لم يقم بحمل الغير على التعهد. وقد يوضع شرط جزائي في الاشتراط لمصلحة الغير لتقدير التعويض المستحق للمشترط في حالة إخلال المتعهد بالتزامه نحو المنتفع، فيمثل الشرط الجزائي في هذه الحالة المصلحة المادية للمشترط في اشتراطه لمصلحة الغير)). اهـ.


وجاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودي ما نصه: ((إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملاً في المواعيد المحددة ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعياً لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى أي تنبيه للمقاول ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي: 1% عن الأسبوع الأول 1.5% عن الأسبوع الثاني 2% عن الأسبوع الثالث 2.5% عما زاد عن ثلاثة أسابيع 3% عن أية مدة تزيد على أربعة أسابيع))[4]. اهـ.


3- ما يندرج تحته الشرط الجزائي من أنواع الشروط التي تشترط في عقود المعاملات أو إجارة أو نحو ذلك مع بيان وجه الاندراج:

نستعرض فيما تحت هذا العنوان ما ورد من الأحاديث والآثار في الشروط المقترنة بالعقود من حيث الجملة وما ذكره بعض العلماء في تفسيرها وما بنوه عليها من تقسيم الشروط إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة، وما وضعوه من الضوابط لكل منهما، ليتسنى معرفة ما يندرج تحته الشرط الجزائي من هذه الضوابط، وما يلتحق به من المسائل التي يشبهها وأدرجوها تحتها أو جعلوها أمثلة شارحة لها.

روى البخاري في صحيحه تحت باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله: عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءتْ تَسْتَفْتِيهَا في كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً. فَقَالَتْ لها عَائشَةُ: ارْجِعِي إلىَ أَهْلِكِ فَإنْ أَحبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاَؤكِ لي فَعَلتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهْلِهَا فَأبَوا وَقَالُوا: إنْ شَاءتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((ابْتَاعي فَأعْتِقي فَإنّما الولاء لمنْ أَعْتَق))، قال: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ الله، مَنْ اشْتَرطَ شَرْطاً لَيسَ في كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وإنْ شَرَطَ مائَةَ شَرْط شَرْطُ اللهِ أَحَقُ وَأَوْثَق))- وَفِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنْ تَشْتَرِي جَارِيَةً لتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا عَلىَ أَنَّ وَلاَءهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإنّما الوَلاَء لِمَنْ أَعْتَق)).

قال ابن حجر في الفتح قوله باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله، جمع في هذه الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني، وأن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، وسيأتي في كتاب الشروط أن المراد بما ليس في كتاب الله، ما خالف كتاب الله. وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه: من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة. وقال ابن خزيمة ليس في كتاب الله أي ليس في كتاب الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطاً لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروطاً من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك، فلا يبطل. قال النووي: قال العلماء: الشروط في البيع أقسام:

أحدهما: يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.

الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقاً.

والثالث: اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور، لحديث عائشة وقصة بريرة.

الرابع: ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري، كاستثناء منفعته فهو باطل.

وقال القرطبي: ((قوله ليس في كتاب الله، أي ليس مشروعاً في كتاب الله تأصيلاً ولا تفصيلاً ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله، كالوضوء ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله، كالصلاة ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع، وكذلك القياس الصحيح فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلاً - إلى أن قال - وقال القرطبي: قوله ولو كان مائة شرط، يعني أن الشروط الغير مشروعة باطله ولو كثرت)). اهـ[5].

وقال البخاري في صحيحه (باب الشروط التي لا تحل في الحدود):

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بنِ خَالِدِ الجُهَنيِّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنّهُمَا قَالا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأعْرَابِ أَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ الله إلاَّ قَضَيْتَ لي بِكِتَابِ الله.

فَقَالَ الخصْمُ الآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، وائْذَنْ لي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: قُلْ، قَالَ: إنَّ ابْني كَانَ عَسِيفاً عَلىَ هَذَا، فَزَنى باِمْرَأَتِهِ، وإني أُخْبرْتُ أَنَّ عَلىَ ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيده، فَسَألْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأخْبَرُوني: أَنَّ مَا عَلى ابْني جَلْدُ مائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَام، وأَنَّ عَلى امْرأةِ هَذَا الرَّجْم، فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((والّذِي نَفْسي بِيّدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلىَ ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، أُغْدُ يَا أُنَيْسٍ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فإنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). قَالَ: فَغَدا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأمَرَ بها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

قال ابن حجر في الفتح وقد ترجم له في الصلح إذا اصطلحوا على جور فهو مردود. ويستفاد من الحديث أن كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله فهو باطل، وكل صلح وقع فيه فهو مردود. اهـ[6].

وروى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.


قال ابن حجر: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع مالا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع: لأن الدليل يتركب من مقدمتين والمطلوب بالدليل، إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه، لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل نافٍ لحكم. مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود. فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث وإنما يقع النزاع في الأول، ومفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد فإذاً حديث الباب نصف أدلة الشرع. ((والله أعلم)).

وقوله: ( رد ) معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل: خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ، وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به. واللفظ الثاني وهو قوله: من عمل، أعم من اللفظ الأول وهو قوله: من أحدث، فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: ليس عليه أمرنا، والمراد به أمر الدين وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد ا.هـ[7].

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في العقود والشروط منها، فقال[8].


القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جداً.

والذي يمكن ضبطه فيها قولان، أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا وكثير من أصول الشافعي وطائفة من أصول أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحياناً بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقداً ولا شرطاً إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله، وطردوا ذلك طرداً جارياً. لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.

وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه يصحح في العقود شروطاً يخالف مقتضاها في المطلق. وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار، ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بين العين المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنما جوز الإجارة المؤخرة، لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة، أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به، أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطاً أصلاً، لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقاً. وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر، وهو عنده موضع استحسان.

والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث، ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع، حتى منع الإجارة المؤخرة، لأن موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضاً ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلا العتق، لما فيه من السنة والمعنى، ولكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع، كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه، كبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض، ولا يجوِّز اشتراطها دارها أو بلدها، ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى، ويُجوِّز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه، كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار، وانفساخه بالشروط التي تنافيه، كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف فساد المهر ونحوه.


وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين.

وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه يجوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض.

هؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم، لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيْرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِ عَامٍ أُوقِيّة فَأَعِيْنِينيِ فَقُلْتُ إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُون وَلاَؤُكِ ليِ فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيْرَةُ إلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوا عَليْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوا إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم الْوَلاَء فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُم الوَلاَءَ فإنّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلتْ عَائِشَة ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النّاسِ فَحَمِدَ الله وأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله؟؟ مَا كَانَ مِن شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُو بَاطِلٌ وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإنّمَا الْوَلاَءُ لِمنْ أَعْتَقَ))وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِي ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا))فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْها وَاشْتَرط أَهْلُهَا وَلاَءَها فَقَالَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الْوَلاَءُ لِمنْ أَعْتَق وَإنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْط))- وَفِي لَفْظٍ ((شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ))وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ((عن عَبْدِاللهِ بنِ عُمر، أَنَّ عَائِشَةَ أمَّ المؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَري جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ((لاَ يَمْنَعَنّكِ ذَلِكَ فَإنّما الوَلاَءُ لِمنْ اَعْتَقَ)). وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَريَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَها فأبى أَهْلُهَا إلا أَنْ يكُونَ لَهُمُ الْوَلاء فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال: ((لاَ يَمْنَعَنّكِ ذَلِكَ فَإنّمَا الْوَلاءُ لِمنْ أَعْتَقَ)).


ولهم من هذا الحديث حجتان:

إحداهما قوله: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))فكل شرط ليس في القرآن، ولا في الحديث، ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان في السنة، أو في الإجماع. فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع.

ومن قال بالقياس - وهم الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة، أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله.

الحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه: كونه مخالفا لمقتضى العقد. وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع فيعتبر تغييرها تغييراً لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة. وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع. ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطاً يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر، ومتابعة لعبدالله بن عمر، حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ويقول: ((أليس حسبكم سنة نبيكم؟)) وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]. وقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].

قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعدٍ لحدود الله، وزيادة في الدين.

وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين عام الحديبية. أو قالوا: هذا عام أو مطلق. فيخص بالشرط الذي في كتاب الله.


واحتجوا أيضاً بحديث يروي في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهىَ عَنْ بَيْعٍ وَشرْطٍ)) وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنه لا يعرف أن الأحاديث الصحيحة تعارضه. وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه عن غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتباً أو صانعاً، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك: شرط صحيح.

القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصاً أو قياساً، وعند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه، أكثرها يجيء على هذا القول. ومالك قريب منه، ولكن أحمد أكثر تصحيحاً للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحاً للشروط منه.

وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يشتبه بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعاً من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطاً يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة مالا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياساً عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص، فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقاً، فمالك يجوزه بقدر الحاجه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، يجوز شرط الخيار في النكاح أيضاً. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط. والنقص منه بالشرط مالم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله.


فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، وإذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، اتباعاً لحديث جابر، لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 118.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 117.05 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]