|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من التيه إلى العبودية رحلة الإنسان بين عداوة الشيطان وامتحان الإيمان د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أولًا: التيه بين الحِسِّي والمعنوي من يتأمل في أحوال الأمة اليوم، يرى بوضوحٍ لا يدع مجالًا للشك أننا نعيش زمن التيه- كما وصفه القرآن من قبل عن بني إسرائيل- غير أن تيهنا هذا ليس في الأرض وحدها، بل هو تيه في الوجهة والمقصد، قال الله تعالى عن بني إسرائيل لما رفضوا أمر الله بدخول الأرض المقدسة: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 20 - 26]. لقد ضلُّوا الطريق الحسي في الأرض، بينما ضلت أمتنا اليوم الطريق المعنوي إلى الله، وإن عرف أكثرنا طريق عمله ومدرسته وبيته، فقد جهل طريقه إلى الغاية مِنْ خلقه، وغفل عن السؤال الجوهري: لماذا خُلِقنا؟ وما غاية وجودنا؟ وإذا تاه المرء في طريقه، فإن أول ما يفعله هو أن يعود إلى نقطة البداية، ليعرف من أين بدأ، وأين ضلَّ، وكيف يعود إلى الجادَّة، وكذلك الأمة، لا خلاص لها من تيهها إلا بالعودة إلى أصل القضية: إلى قصة الإنسان الأولى مع ربه وعدوِّه الأول. ثانيًا: بداية الصراع مع العدوِّ الأول تبدأ القصة من مشهدٍ جليلٍ في الملأ الأعلى، حين قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]. لقد كان إبليس يعبد الله مع الملائكة، بل رُوي أنه كان يُلقَّب "طاووس الملائكة"؛ من كثرة عبادته، ولكنه سقط في أول امتحانٍ للعبودية، فأبى السجود لآدم؛ تعظيمًا لنفسه واستكبارًا على أمر ربه. فتأمل، كم من الناس اليوم يعبدون الله زمنًا ثم يعصونه في أمرٍ واحدٍ استكبارًا أو هوى، فيسقطون كما سقط إبليس، والعياذ بالله. ثم قال تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]. نعيمٌ واسعٌ، وأمرٌ واحدٌ بالامتناع، لكن الشيطان بدأ وساوسه التي لم تتوقف منذ تلك اللحظة: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ [البقرة: 36]. فهل تظن- أيها القارئ- أن الشيطان الذي لم يدع أباك في الجنة، سيتركك آمنًا في دنياك؟ كلا، والله! إنَّه لا يزال يسعى ليفعل بك ما فعل بآدم: أن يُخرجك من جنة الطاعة إلى نار المعصية. ثالثًا: العدو الذي لا ينام قال الله تعالى محذرًا: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6]، ولو أن الإنسان علم أن له عدوًّا يترصَّده، ما نام مطمئنًّا حتى يأخذ بكل أسباب الحيطة، لكنه يتهاون في عداوةٍ هي أخطر من كل أعداء الأرض؛ لأن هذا العدو يريد لك الهلاك في الدين والدنيا والآخرة. ومن عجيب تَسَلُّطِه أنه لا يكتفي بالوسوسة، بل يستعمل وسائل متعددة ذكَرَها الله في قوله: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الإسراء: 64]. صوتُه كل وسيلة تُغري وتغوي، وخيله ورَجْله كل داعٍ إلى معصية، وشراكته في الأموال هي الربا وأكل الحرام، وشراكته في الأولاد هي حين يُهمل الآباء ذكر الله عند الجِماع، أو يغفلون عن تربية أبنائهم على التوحيد والعفاف. إنه عدوٌّ قديمٌ بارعٌ في التزيين، وعدُه غرور، وإغراءاته كذب، يقول للناس: "غدًا تتوبون"، كما قال إخوة يوسف: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ [يوسف: 9]، فهل صاروا صالحين بعد ذلك؟! فيا من يقول: "سأتوب غدًا"، هل تضمن أن تبقى إلى الغد؟ وهل تضمن أن يلين قلبك كما هو اليوم؟! رابعًا: في حكمة الابتلاء والامتحان من حكمة الله العظيمة أن جعل وجود هذا العدوِّ سببًا لاختبار عباده، وميزانًا لصدقهم في العبودية، قال تعالى: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 1، 2]. فما خلق الله الشرَّ عبثًا، ولا أذن بالفتن إلا لحكمةٍ بالغةٍ هي التمحيص والتمييز، كما قال سبحانه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]. وما أجمل أن يقف العبد عند هذه المعاني، فيرى أن وجود البلاء ليس علامةَ سخطٍ، بل بابٌ إلى الصقل والاصطفاء! وأنه ما من امتحانٍ إلا وفي طيَّاته درسٌ جديد في العبودية لله. خامسًا: مظاهر التيه في واقع الأمة إن المتأمل في واقع المسلمين يرى مظاهر كثيرة للتيه، منها: تيه الفكر والعقيدة: حين تُستبدَل شريعة الله بدساتير وضعية، ويُرفَع شعار الديمقراطية بدل شعار "العبودية لله"، فيُقال: "حكم الشعب"، بدل "حكم الله". تيه الهوية: حين يُراد للمسلم أن يذوب في ثقافة الغرب، وأن يخجل من انتمائه إلى دينه. تيه القلوب: حين تعلو الدنيا في النفوس، وتُنسى الآخرة، وتصبح الصلاة عادةً لا عبادةً. تيه الأسرة:حين يُهمِل الأب تربية أبنائه على التوحيد والعفاف، وتُهدَم بيوت المسلمين بسبب الخلافات والشهوات. وهذه المظاهر كلها ما هي إلا ثمراتٌ مرة لوساوس الشيطان الذي أقسم أمام الله فقال: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الأعراف: 16]. لقد أقسم أن يجلس للناس على الطريق المستقيم، لا على طريق الفساد وحده؛ فهو لا يحارب الفُجَّار فقط، بل يتسلَّل إلى قلوب الصالحين ليحول بينهم وبين الإخلاص، أو ليُدخِل عليهم الرياء والغرور. سادسًا: رحمة الله لم تتركنا هملًا ورغم هذا الصراع الطويل بين الإنسان وعدوِّه، لم يتركنا الله هملًا، بل رحمنا بالوحي والرسالة، فأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وأوضح الطريق، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. والذكر يشمل القرآن والسُّنَّة معًا؛ لأن السُّنَّة وحيٌ آخر مبيِّن للقرآن، ثم شرع الله لنا العبادات لتكون زادًا في مواجهة هذا التيه، فكان في الصلاة تجديدٌ للعهد بين العبد وربِّه سبع عشرة مرة يوميًّا على الأقل، حين يقرأ في كل ركعة سورة هي أمُّ القرآن. أخرج مسلم في «صحيحه» (395) عن أبي هريرة قال: "مَن صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فيها بأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ ثَلاثًا غَيْرُ تَمامٍ. فقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّا نَكُونُ وراءَ الإمامِ؟ فقالَ: اقْرَأْ بها في نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قالَ اللَّهُ تَعالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]، قالَ اللَّهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ". فكل ركعةٍ يتحدَّث فيها العبد مع ربِّه، ويسمع ربُّه كلامَه، ويُجيبه سبحانه، وهي منزلةٌ عظيمةٌ من القرب والخشوع لا يدركها إلا من تدبَّر معانيها. وهل هناك أعظم من أن يخاطبك ربُّك في كل صلاة فيقول: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"؟! إنها مدرسة العبودية اليومية التي تذكِّرك بمن أنت، ولمن تعمل، ومن أين وإلى أين تسير. وفي الحديث: إثبات صفة الكلام لله عز وجل على الوجه الذي يليق به سبحانه. سابعًا: العبودية هي طريق الخروج ما من طريقٍ للخروج من التيه إلا تحقيق العبودية لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58]، فالعبودية ليست ذلًّا، بل هي شرف الارتباط بالله، وحريةٌ من عبودية الهوى والشيطان. ومن أراد النصر والتمكين، فليبدأ من هنا؛ لأن الله لا ينصر إلا من تحقق بالعبودية، كما قال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]. أما أن نطلب النصر ونحن بعيدون عن طاعة الله، فذلك كمن يطلب الثمرة دون أن يزرع البذرة. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة مستضعفًا، يُؤذَى هو وأصحابه، ومع ذلك كان يقول: «صبرًا آل ياسرٍ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ»[1]، ولم يقل لهم: "اصبروا حتى يأتيكم الملك والتمكين"، بل دعاهم إلى الثبات على العبودية أولًا، فجاء النصر بعدها تبعًا. ثامنًا: التأمل في مشهد الواقع من تأمل حال المسلمين في فلسطين، أو السودان، أو كشمير، أو غيرها من بقاع الأرض، علم أن الطريق إلى الخلاص ليس بالشعارات، بل بالعودة إلى الله. وحتى في مجتمعاتنا الآمنة، لا خلاص من الضعف الداخلي إلا بالرجوع إلى الله وصدق التوبة، وإحياء معنى "العبودية" في القلوب قبل المظاهر. ولْيسأل كلٌّ منا نفسه: هل حققت معنى ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]؟ هل صرت عبدًا لله في السر كما في العلن؟ هل إذا حُرمْتَ الأسباب بقي قلبك مع المُسبِّب؟ من هنا يبدأ طريق النور، ومن هنا تُكتب بداية الخروج من التيه. خاتمة: إن مسيرة الإنسان منذ السجود الأول لآدم عليه السلام، مرورًا بحال التيه الذي تعيشه البشرية اليوم، وصولًا إلى الأمل في الخروج منه بالعودة إلى العبودية، ليست إلا رحلة عبودية كبرى تمتد من لحظة خلق الإنسان إلى لحظة وقوفه بين يدي ربه. فمن أدرك عداوة الشيطان، وتبصَّر حكمة الرحمن، وسلك طريق العبودية خالصًا لله، فقد اهتدى إلى سواء السبيل، ونجا من التيه، ونال سكينة القلب في الدنيا، ونور الوجه في الآخرة، ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123، 124]. اللهم يا واسع الرحمة، يا حكيمًا في قضائك، يا عليمًا بعبادك، اجعلنا من المخلصين في عبادتك، والمصطفَين في طاعتك. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همومنا وغمومنا، وذهاب أحزاننا. اللهم علِّمنا منه ما جهلنا، وذكِّرنا منه ما نُسِّينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنَّا. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة دارنا وقرارنا. اللهم هيِّئ لهذه الأمة أمرَ رشدٍ، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُبصَر فيه أهل البغي والطغيان. اللهم احفظ أبناء المسلمين، ونساءهم، وشبابهم، وردَّنا جميعًا إليك ردًّا جميلًا، وامنحنا من اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا. [1] أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (1508)، والحاكم (5666)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (6664) باختلاف يسير.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |