|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نور وكتاب مبين (5) نفي الشاعرية عن الرسول ﷺ وتأسيس مفهوم الإبانة القرآنية د. رمضان فوزي بعد أن طوّفنا في حلقاتنا السابقة من سلسلة «نور وكتاب مبين» التي نتناول فيها السياقات التي وصف فيها القرآن نفسه بأنه «مبين» في معرض حديث القرآن عن نفسه؛ حيث تناولنا «جلال الإبانة» وسر وصف القرآن لنفسه بـ«المبين»، وكيف كسر هذا الكتاب قيود الظلمة بأنوار البيان في سياق الهداية، وبعد أن استنطقنا لغز الحروف المقطعة، ووقفنا إجلالًا أمام شرف القسم بالبيان في قوله تعالى: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) (الدخان: 2)؛ نصل إلى هذه المحطة التي يفصل فيها الوحي بين منطق الخيال الشعري ومنطق الحقيقة القرآنية. يتجلى ذلك بوضوح في سياق وصف القرآن نفسه بالإبانة في قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ {69} لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) (يس)، إن هذا السياق يمثل ذروة تقرير صفة الإبانة؛ حيث ينفي الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم الشاعرية ليؤكد صفة البيان التي لا تشوبها شائبة الخيال أو المجاز أو ما يرتبط بالشعر من هذه الأمور. لقد كان العرب أرباب الكلمة، وفرسان الفصاحة، قامت أسواقهم على المفاخرة بالقصيد، وجعلوا من الشعر ديوانًا لمآثرهم، ومستودعًا لصورهم البيانية التي تخلب الألباب، وفي مواجهة هذا البيان المعجز، وقف المشركون حائرين، فغالطوا أنفسهم وقالوا: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (الطور: 30)؛ أَيْ: قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَالْمَنُونُ: الْمَوْتُ؛ يَقُولُونَ: نُنْظِرُهُ وَنَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ وَمِنْ شَأْنِهِ. وَيُنقل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْتَبِسُوهُ فِي وَثَاقٍ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَتَّى يَهْلَكَ، كَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةُ، إِنَّمَا هُوَ كَأَحَدِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)» (تفسير ابن كثير، 7/ 436). وكانوا يرمون من وراء هذا الوصف أن يصلوا إلى نتيجة وهي (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه، ثم يأتي التحدي الإلهي المعجز لهم في قوله سبحانه: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثِ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) ليقفوا أمامه عاجزين على أن يأتوا بسورة أو بآية من مثله؛ حتى اضطر أحد صناديدهم وكبرائهم المشهود له بالفصاحة والبلاغة -الوليد ابن المغيرة- أن يصف القرآن لقومه في لحظة صدق بعيدا عن أعين الناس، قائلاً: فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. الحكمة من نفي الشاعرية لقد أراد الله أن يقطع الطريق على كل مرتاب، فجعل نفي الشاعرية دليلاً من دلائل النبوة؛ حتى لا تلتبس الشبهة على من أُرسل إليه؛ لئلا يظنوا أن قدرته على صياغة القرآن نابعة من موهبة فطرية لديه في نظم الشعر. يوضح الإمام القرطبي هذا المعنى بقوله: «أخبر تعالى عن حال نبيه صلى الله عليه وسلم، ورد قول من قال من الكفار: إنه شاعر، وإن القرآن شعر، بقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ)، وكذلك كان رسول الله صلى عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلًا كسَر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم» (تفسير القرطبي، 15/ 51). وعن الخليل بن أحمد قال: «كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له» (تفسير القرطبي، 15/ 52)، وقد تجلى هذا الامتناع الطبيعي في مواقف عدة، منها ما نقله الحسن بن أبي الحسن: «أنشد النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنما قال الشاعر: هريرة ودع إن تجهزت غادياً وكفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً فقال أبو بكر، أو عمر: «أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: وما علمناه الشعر وما ينبغي له» (السابق نفسه).تأسيس مفهوم الإبانة القرآنية إن نفي الشاعرية قد يوهم بعض المشككين بعدم بلاغة القرآن، لذا جاء التأكيد الرباني: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)، فهو مبين إبانة خاصة تختلف عن الشعر، إذ تتناسب مع رسالته وهي الإنذار وإقامة الحجة؛ حيث يقول سبحانه في الآية التالية: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ). وهذا البيان لا ينفيه وجود بعض الكلمات الموزونة اتفاقًا، فالقرطبي يؤكد: «لا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر، ولو كان شعرًا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرًا» (تفسير القرطبي، 15/ 55). وتتجلى عبقرية الربط البياني في قوله تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)؛ فلكي تتحقق غاية الإنذار لا بد أن يكون القول مبيناً؛ فالإنذار بالشعر قد يُفهم على أنه استعارة أو نوع من المبالغة اللغوية، أما الإنذار بالقرآن المبين فهو إخبار بوقائع آتية لا ريب فيها. إن هذا الكتاب مبين إبانة خاصة، إبانة تليق بذات الله جل جلاله، وتناسب جلال الرسالة؛ فالقرآن لم يأتِ ليكون قِطعًا فنية للاستمتاع الذهني المجرد، بل جاء ليكون:
إن الحياة في قوله: (مَنْ كَانَ حَيًّا) هي حياة القلب الذي يستقبل نور البيان فيبصر به؛ فالأعمى لا يرى النور لا لقصور في الضوء بل لعلة في البصر، وكذلك الكافر الذي غلف قلبه الران، يرى القرآن أساطير أو شعراً، بينما يراه المؤمن ذكراً وقرآناً مبيناً يضيء له عتمة الحيرة.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |