|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الشيخ د. عبدالعظيم بدوي يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]. تعظيم حرمات المسلمين مبدأ من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المسلم، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بترسيخ هذا المبدأ وتثبيته، فكان يخطب به في المحافل العامة والمجامع الكبيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه»؛ [مسلم 2564]. وقد استقرت حرمة المؤمنين في نفوس المؤمنين حتى نظر ابن عمر رضي الله عنه يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمةً عند الله منك؛ [الترمذي 2101]. ومن انتهاك حرمات المسلمين ما نهى الله تعالى عنه في هذه الآية، قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾؛ [تفسير ابن كثير 4/212]، فإن مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والأشكال، ولا الأوضاع والأطوار التي عليها يدور أمر السخرية غالبًا؛ بل إنما هو الأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترئ أحد على استحقار أحد، فلعله أجمع منه لما نيط به الخيرية عند الله تعالى، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى، والاستهانة بمن عظمه الله تعالى؛ [تفسير أبي السعود 6/ 117]. وقد دلَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» على أن السخرية بالناس من الكبر، حيث يرى المتكبر نفسه خيرًا من الآخرين فيسخر منهم ويحتقرهم، وهذا الذي وقع من إبليس- لعنه الله- كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 71 - 74]، فاستكبر- لعنه الله- أن يسجد لآدم، والاستكبار الاستعظام، فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق آدم، وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76]. ولقد نفَّر الله تعالى عباده من الكبر بإعلامهم أنه لا يحب المستكبرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]؛ أي: مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض؛ [تفسير ابن كثير 1/495]. وعن أبي سعيد الخُدْري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما عذَّبته»؛ [مسلم 2620]، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ [مسلم 91]، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن جهنم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال»؛ [الترمذي 2610]. قال الغزالي رحمه الله: وإنما صار الكبر حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحبه لنفسه وفيه شيء من الكبر، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ليحفظ كبره، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفًا من أن يفوته عزه، فمن هذا لا يدخل الجنة؛ [إحياء علوم الدين 3/344]. فالسخرية لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحلٍّ بكل خلق ذميم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»؛ [تفسير السعدي7/135] يعني: يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم، فإنه إنما يحتقر أخاه المسلم لتكبره عليه، والكبر من أعظم خصال الشر؛ [جامع العلوم والحكم، ص 293]. ومن شؤم الكبر أن يعجل للمتكبر العقاب عليه في الدنيا، مع ما يدخر له من العذاب في الآخرة: عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»؛ لأن البغي من الكبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76]، قال الطبري: يقول تعالى ذكره: فتجاوز حده في الكبر والتجبر عليهم، [تفسير الطبري 20/109]، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81]، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة»؛ [البخاري 5784]. إن الكبر من أخطر الأمراض القلبية، وقد عرفنا ما يترتب عليه من العقاب في الدنيا والآخرة؛ لذلك يجب على من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر أن يتخلَّص منها، وأن يخفض جناحه للمؤمنين، وطريقه في الخلاص العلم والعمل. أما العلم فهو أن يذكر نفسه بما جاء في ذم الكِبْر وأهله وسوء عاقبته مما ذكرناه من الآيات والأحاديث. وأن ينظر في بدايته ونهايته، فمن كان أوله نطفةً قذرةً، وآخره جيفةً نتنةً، وهو بين ذلك يمشي وبين جنبيه الأقذار، كيف يتكبر! وأما العمل فهو أن يتكلف التواضع، ويجاهد نفسه عليه حتى يصير سجيةً له، وأن يخالط المتواضعين ليستفيد من أخلاقهم، وأن يهجر المتكبرين ولا يعاشرهم، وأن يحب المساكين ويدنو منهم ويدنيهم منه ويلزم مجالسهم، والله الهادي لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو. فإن قيل: وهل للمتواضع والمتكبر علامات يعرف بها؟ فالجواب: نعم إن للمتواضع والمتكبر علامات لا تخفى على المتأملين؛ فالمتواضع ينقاد للحق مع من كان، ولا يبالي بترك قول كان يقوله وينصره إذا اتضح له الصواب، والمتكبر يتعصب لأقواله وأفعاله، ويعجب بقوله وفعاله. المتواضع يسلم على الصغير والكبير، والشريف والوضيع، ويقبل بوجهه وقوله على من تصدَّى له حتى يقضي حاجته، ويعاشر كل أحد أكمل معاشرة، والمتكبر لا يسلم ولا يقبل بوجهه على الفقير والحقير، وينأى بجانبه عن مجالسهم، ولا يهتم بشأنهم، وإنما يتصدَّى ويعظم الرؤساء والكبراء، خاضعًا لهم بقلبه، ومعظمًا لهم بلسانه، وهذا أكبر برهان معبر عن رذيلته. المتواضع حبيب إلى الله، حبيب إلى عباد الله، قريب من الخيرات، بعيد من الشرور والمنكرات، والمتكبر بغيض إلى الله، بغيض إلى عباد الله، بعيد من الإحسان والخيرات، قريب من الشرور والمنكرات. كم حصل للمتواضع من مودة وصداقات، وكم تمَّ له من ثناء وأدعية من الناس مستجابات، كم جبر بتواضعه من فقير، وكم حصل له بالتواضع من خير كثير، ما تواضع أحد لله إلا رفعه، ولا تكَبَّر أحد إلا وضعه. التواضع خلق الأنبياء والمرسلين، ونعت المتقين والمهتدين، والتكبُّر خلق الجبابرة الظالمين، التواضع يزيد الشريف شرفًا، ويرفع الوضيع حتى يصل إلى مقامات الأولياء والأنبياء. ما أحلى التواضع! خصوصًا من الأتقياء والأشراف والرؤساء، وما أقبح الكبر من كل أحد! وبالأخص من الضعفاء والفقراء، لقد سعد المتواضعون في الدنيا والآخرة، ولقد رجع المتكبرون بالذل والصفقة الخاسرة[1]. وقد مدح الله تعالى الذين استجابوا لربهم وتواضعوا لخلقه، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، ثم وعدهم بالجنة فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 75، 76]. قال الراغب الأصفهاني: الكبر والتكبر والاستكبار متقارب؛ فالكبر الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره؛ [المفردات ص421]، وهو الذي أفضى بإبليس إلى عدم السجود لأدم، أعجب بأصله فرأى نفسه خيرًا من آدم، فاستكبر عليه، فاستكبر على أمر الله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 75، 76]. [1] الرياض الناضرة (107-110) بتصرف.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |