|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مَذَاهِبُ الفُقَهاءِ فِي مَسأَلَةِ: مِقدَار مَسحِ الرَّأسِ فِي الوُضُوءِ رمضان صالح العجرمي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه سطور حول مسألةٍ من المسائلِ الفقهيةِ التي اختلفَ الفُقَهاءُ فيها وتعدَّدت أقوالُهم في حُكْمِها؛ وهيَ مَسأَلَةُ: [مِقدَار مَسحِ الرَّأسِ فِي الوُضُوءِ] هل يَجِبُ استيعَاب جميعَ الرَّأسِ؟ أم يُجزِئُ مسح بعضِه؟ فقد اتفق جميعُ الفقهاء على أنَّ مسحَ الرأس من فرائض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ [المائدة: 6]؛ قال ابنُ قدامة رحمه الله: "لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾"[1] قال ابنُ رشدٍ رحمه الله: "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ مِنْهُ"[2]. وأمَّا مقدار المسح فقد اختلفوا فيه على أقوال: القول الأول: قول المالكية والحنابلة: قالوا بوجوب مسح جميع الرأس. قال ابنُ النجار رحمه الله: "الثالث من فروض الوضوء: مسح الرأس كله، قال في "الإنصاف": هذا المذهب بلا ريب. وعليه جماهير الأصحاب؛ متقدمهم ومتأخرهم"[3]. واستدل المالكية والحنابلة على وجوب مسح جميع الرأس بالأدلة التالية: 1- قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾؛ وأنَّ هذا يتناولُ جميعَ الرأس. 2- أنَّ الباءَ في قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ قد تكونُ أصليةً، وقد تكونُ زائدةً للتأكيدِ تَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ؛ واعتبارُها هُنا زائدة أولىٰ. قال ابنُ رشدٍ رحمه الله: "وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي الْبَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَرَّةً تَكُونُ زَائِدَةً، وَمَرَّةً تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ؛ فَمَنْ رَآهَا زَائِدَةً أَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ كُلِّهِ؛ وَمَعْنَى الزَّائِدَةِ هَاهُنَا كَوْنُهَا مُؤَكِّدَةً، وَمَنْ رَآهَا مُبَعِّضَةً أَوْجَبَ مَسْحَ بَعْضِهِ"[4]. قال ابنُ قدامة رحمه الله: "وَقَوْلُهُمْ: "الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ" غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ذَلِكَ"[5]. 3- وقالوا: إنَّ آيةَ الوضوء تشبه آية التيمم، وقد أمر الله تعالى بمسح جميع الوجه في التيمم: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ [المائدة: 6]، ولمّا كان المسح في التيمم عامًّا لجميع الوجه، فكذلك هنا يجب مسح جميع الرأس ولا يجزئ مسح البعض، وقد تأكد ذلك بفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ حيث ثبت أنه كان إذا توضَّأ مسح رأسه كله. فيكون المعنى: "امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ"؛ قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: "وهذه الآية: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ كقوله تعالى فِي التَّيَمُّمِ: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ [المائدة: 6]، والوجه يجبُ استيعابه في التيمم فكذلك الرأس هنا"[6]. وأُجِيبَ عن هذا: أنَّ مسحَ الوجه في التيمم بدل من غسله، فلا بدَّ أن يأتيَ بالمسحِ على جميع موْضِع الغسل منه، ومسحُ الرأس أصلٌ فهذا فرقُ ما بينهما. 4- وَاحْتَجُّوا أيضًا بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ"[7]؛ فقالوا: مسح العِمَامةِ قائِمٌ مقام مسح الرأس. قال ابنُ قدامة رحمه الله: "وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَضَّأَ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِلْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اللَّفْظِ مَجَازٌ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ"[8]. قال ابن القيم رحمه الله: "لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ أَلْبَتَّةَ؛ وَلَكِنْ كَانَ إذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ أَكْمَلَ عَلَى الْعِمَامَةِ"[9]. وقال الشيخُ ابنُ عثيمين: "إجزاء المسح على الناصية هنا؛ لأنه مسح على العمامة معه، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط"[10]. 5- وَاحْتَجوا أيضًا بِحَدِيثِ عبدِالله بنِ زيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أتَى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخرجنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفرٍ، فتوضَّأ، فغَسل وجهَه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسَح برأسه، فأَقْبل به وأدْبَر))، وفي رواية: ((فأقْبل بهما وأدْبَر؛ بدأ بمُقدَّمِ رأسِه، حتى ذهَب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكانِ الذي بدَأ منه))[11]. القول الثاني: قول الأحناف والشافعية؛ أنَّه يكفي مسح بعض الرأس؛ على خلاف بينهم أيضًا في تحديد هذا البعض؛ فقال الأحناف: مسح ربع الرأس أخذًا بفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بمسحه على الناصية. وقال الشافعية: يكفي أن يمسح أقل شيء يُطلقُ عليه اسم المسح ولو شعرات أخذًا باليقين. واستدلَّ الأحنافُ والشافعيةُ بعدة أدلة؛ منها: 1- أنَّ الباء في قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ للتبعيض وليست زائدة؛ فيكون المعنى: "امْسَحُوا بَعضَ رُءُوسِكُمْ"، وَقَالوا: "إنَّ مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ يُقَالُ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحَ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ". وأجيبَ عن هذا: بأنَّ الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للإلصاق، ومعنى الإلصاق: أنه يجب أن يلتصق بالرأس شيء من الماء الذي يمسح به[12]. 2- واستَدلُّوا أيضًا بحديث الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ رَضيَ الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ"[13]. قالوا: فاقتصر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مسح الناصية وهي مقدم الرأس. قال الشافعيُّ رحمه الله: "احتملَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ بعض الرأس، ومسح جميعه، فدلَّت السُّنَّة على أن مسح بعضه يجزئ، وهو أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مسح بناصيته. وأجيبَ عن هذا: بأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فعل ذلك لعلَّهُ لعذر؛ قال القرطبي رحمه الله: "أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنْ قَالُوا: لَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ؛ لَا سِيَّمَا وَكَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَهُوَ مَظِنَّةُ الْأَعْذَارِ، وَمَوْضِعُ الِاسْتِعْجَالِ وَالِاخْتِصَارِ، ثُمَّ هُوَ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّاصِيَةِ حَتَّى مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَاجِبًا لَمَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ"[14]. الراجح (والله أعلم): هو القولُ بوجوبِ مسح جميع الرأس في الوضوء؛ وهو الأحوط والأبرأ للذمة وخروجًا من الخلاف؛ ولا سيَّما أن جميع الفقهاء يقولون: باستحباب مسح جميع الرأس [وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، والألبانيّ، وابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله جميعًا]، وهذا القول هو الذي أفتت به اللجنة الدائمة للفتوى؛ فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "الواجب مسح جميع الرأس في الوضوء"[15]، وقال الشيخُ بنُ عثيمين رحمه الله: "ولو مسح بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإنَّه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾، ولم يقل: ببعض رؤوسكم"[16]. [1] المغني/ ج1/ ص 92. [2] . بداية المجتهد ونهاية المقتصد/ ج 1/ ص 19. [3] شرح منتهى الإرادات/ ج1/ ص 251. [4] بداية المجتهد ونهاية المقتصد/ ج 1/ ص 19. [5] المغني/ ج1/ ص 93. [6] مجموع الفتاوى/ج 21/ ص 125. [7] رواهُ مُسْلِمٌ. [8] المغني/ ج1/ ص 93. [9] زاد المعاد/ ج1 / ص193. [10] الشرح الممتع/ ج1 / ص178. [11] متفق عليه. [12] مجموع الفتاوى/ ج21/ ص123. [13] رواه مسلم. [14] الجامع لأحكام القرآن/ ج6/ ص88. [15] فتاوى اللجنة الدائمة/ ج 5/ ص227. [16] الشرح الممتع/ ج1/ ص187.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |