الجشع، داء ينخر المجتمعات ويمحق البركات - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أدوات جديدة يطلقها فيسبوك لحماية صناع المحتوى من الانتحال وسرقة الفيديوهات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          كيف تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي من النصوص إلى صناعة الفيديو؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          هل غرفتك آمنة؟.. دليلك لكشف كاميرات المراقبة فى الفنادق خلال سفرك فى العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          رحلة تطور منافذ شحن iPhone.. من 30-Pin إلى USB-C (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          دليلك الكامل لتفعيل الرقابة الأبوية على هاتف طفلك بسهولة وأمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          جوجل تحصن متصفح كروم ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          جوجل تطلق تحديثات ثورية في أستوديو الذكاء الاصطناعي لمنافسة أنثروبيك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          خزائن الأمان الرقمية.. كيف تدير عشرات الحسابات بكلمة مرور واحدة فقط؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          كيف يُحدث الذكاء الاصطناعى ثورة فى تشخيص الأمراض ؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          تعرف على مميزات iPhone 17 Pro Max.. مش موجودة في iPhone 16 Pro Max (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-05-2026, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,789
الدولة : Egypt
افتراضي الجشع، داء ينخر المجتمعات ويمحق البركات

الجشع داء ينخَر المجتمعات ويمحق البركات

د. أحمد بن حمد البوعلي

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي وسع عباده فضلًا، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرها وباطنها، وفتح لهم أبواب الرزق والبركة، نحمده سبحانه على ما أولى وأنعم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد معاشر المسلمين:
فاتقوا الله تعالى واعلموا أنكم ملاقوه، وبشر المؤمنين.

أيها المؤمنون، إن من أخطر الآفات التي تفتك بالمجتمعات على مر العصور آفة الجشع، فهو داء يفسد القلوب قبل أن يفسد الأسواق، ويهدم الثقة قبل أن يرفع الأسعار، ويحوِّل العلاقات من رحمة وتكافل إلى صراع وشح وبخل، وقد حذر القرآن الكريم من سلطان هذه الآفة على قلب الإنسان؛ فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

والشح هنا كما قال العلماء هو شدة الحرص على المال مع منع الحقوق، وهذا أصل الجشع ومادته.

أيها الأحبة، إن الجشع ليس مجرد رغبة في الكسب، فحب المال غريزة فطرية، ولكن الخطر حين يتحول إلى عبودية، وحين يصبح المال معيار الكرامة، ومركز الاهتمام، وميزان العلاقات؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تعِس عبدالدينار تعس عبدالدرهم))[1]، سماه عبدًا لأنه استسلم لهذا الهوى، وتسيد المال على قلبه.

وحين يسري الجشع في المجتمع، تتغير الأخلاق والمعاملات، ويظهر الغش التجاري، والاحتكار، ورفع الأسعار دون وجه حق، واستغلال حاجات الناس، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار وقال: ((من احتكر فهو خاطئ))[2].

وقال العلماء: إن الاحتكار من مظاهر الجشع الذي يضر بالمصلحة العامة، ويؤدي إلى الظلم وفساد الأسواق.

ومن آثار الجشع أيضًا أنه يزرع العداوة بين الناس، لأن الجشع يقود إلى ظلم الشركاء والموظفين، والتهرب من الزكاة، وأكل حقوق العمال، وتأخير الرواتب، والتلاعب في الوزن والكيل.

قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: 1 - 3]، والمطفف كما قال المفسرون هو الذي يأخذ حقه كاملًا، ويعطي الناس منقوصًا، وهذا لبُّ الجشع وروحه.

عباد الله، من أعظم مظاهر الجشع اليوم ما نراه في بعض الأسواق من مبالغة في رفع الأسعار دون حاجة، ولا مسوغ، أو يخزنون السلع انتظار الندرة، أو يستغلون الفقراء في القروض، أو يستنزفون الناس في خدمات ضرورية، وكل هذا يسبِّب غضبًا اجتماعيًّا واحتقانًا يسيء إلى صورة المجتمع وسمعته، ولا يضر بفقراء الأمة وحدهم، بل يضر بالبلاد كلها، ويولِّد نقمة عامة، ويهدم الثقة في التجار، ويسقط البركة، بينما نرى مجتمعات راقية حافظت على العدل والسيطرة على الجشع، فنمت اقتصاديًّا وتماسك شعبها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لبادٍ))[3]، وهذا كله لمنع التلاعب بالأسعار والاستغلال.

أيها الكرام، إن الإسلام حين جاء ليبني المجتمع، لم يجعل المال غاية، بل جعله وسيلة، وأمر بالتكافل، والتراحم، والإحسان، والبذل، والصدقة؛ فالمجتمع المتماسك لا يقوم على الجشع، بل يقوم على العدل، والرحمة، والأمانة، والوفاء؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن))[4].

أيها المسلمون، لقد حَبَا الله بلادنا خيراتٍ واسعة، وأرزاقًا متتابعة، وعيشًا كريمًا، وأمنًا راسخًا، وبركات تتجدد في كل يوم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، ومن النعم المتجددة أن قيادتنا تعرف حاجات شعبها وتعيش معهم نبض الوطن، ترعى مصالحهم، وتسد أبواب الفساد والجشع، وتضبط السوق صيانة للحق، ورحمة بالخلق.

ومن آخر الجهود المشهودة ما يتعلق بتنظيم القطاع العقاري وتحقيق الاستقرار السكني، حماية للمستأجرين والمشترين، وردعًا للمغالين في رفع الإيجارات والمكاسب الظالمة، وهو قرار حكيم، نابع من فقه القيادة وحسن رعايتها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].

وهؤلاء المالكون للعقارات والدور قد ولَّاهم الله شيئًا من مصالح إخوانهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به))[5].

أيها المؤمنون، وإن العجب ليقع حين نرى وفرة الخيرات، ووجوب الشكر، ثم مع ذلك يتمسك بعض الناس بحطام الدنيا الفاني، ويشتد الطمع والجشع، وترتفع الأسعار، وتقل السماحة، ويقوى التغابن، ويظهر اللؤم، وتتلاشى الرحمة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8].

وما ينبغي للمؤمن أن يبلغ به حب المال أن يعبده أو يأسره، بل عليه أن يمتثل وصية النبي صلى الله عليه وسلم: ((من طلب حقًّا فليطلبه في عفاف))[6]، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))[7]، وفي هذا تأسيس لمجتمع نقي يقوم على السماحة والتعاون دون تفريط في الحقوق.

أيها المستأجرون والمبتاعون، أحسنوا الوفاء وأدوا الحقوق، وإياكم أن تشغلكم الكماليات عن سداد ما يجب عليكم، فإن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وما لا تقدر على أدائه كاملًا فلا تعذر عن أداء بعضه؛ وتذكروا دائمًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله))[8].

ومن العلاج الحاسم للجشع: تربية القلب على القناعة، والرضا، والزهد في الحرام، ومعرفة أن ما عند الله خير وأبقى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس))[9]، والغنى الحقيقي أن يكون القلب ممتلئًا بالثقة بالله، لا بالممتلكات.

ومن العلاج أيضًا: مراقبة الله في البيع والشراء، والالتزام بضوابط الشرع، وتذكير النفس بأن المال الذي يأتي من الحرام ممحوق البركة، وأن المال الحلال ولو كان قليلًا فهو أبقى وأنفع، وقد قال السلف: من ضيع الأمانة ابتًلي بالفقر، ولو كان مليئًا.

قلت ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ أما بعد أيها المسلمون:
فإن الجشع لا يفسد دنيا الناس فقط، بل يعرض صاحبه للهلاك يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾ [الفجر: 20، 21].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن... ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟))[10].

وحين يغيب الإنصاف ويحل الجشع، تتحول المجتمعات إلى غابة، ويضعف التكافل، ويزداد الفقر، وتضيع القيم، وينتشر الغش والخداع، أما حين يقوى الإيمان ويستقيم العدل، ويقدم الحق على الجشع، تنزل البركات، وتعم الطمأنينة، وتنفتح أبواب الرزق؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96].

فإن من أخلاق أهل الإيمان، ومن جميل صناعات المسلمين في معاملات الناس، أن يرفق الدائنون بالمعسرين، ويقبلوا اليسير، ويضعوا عن المتعثر، أو يمهلوه إلى وقت يقدر فيه على السداد؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280].

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أهل السماحة والبذل؛ فقال: ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه))[11]، وفي رواية أخرى: ((من أنظر معسرًا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظَره فله بكل يوم مثليه صدقة))[12].

أيها الإخوة، ليكن أساس العلاقة بين المسلمين الرحمة والتواد والتراحم؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10].

والمسلم الصادق يحس بآلام إخوانه، ويبذل جهده في رفع معاناتهم؛ فإن كان غنيًّا واسى، وإن كان مالكًا لدار رفق بالمستأجر، ولم يرهقه، وإن كان صاحب عملٍ وفَّى حقوق العمال ولم يبخسهم أجرهم، وكيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله))[13].

والمؤمن الحق قنوع، شاكر، غير جشع ولا متطلع لما في أيدي الناس، تحرره القناعة من أسر الهوى والمال والطمع؛ وصدق القائل:
أطعت مطامعي فاستعبدتني
ولو أني قنعت لكنت حرًّا




فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في معاملاتكم، واطلبوا البركة في الحلال، فإن الحرام وإن كثر فهو إلى زوال؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا))[14].

وأكثروا من الصدقة، فإنها تطهر المال، وتمحو أثر الشح، وتجلب البركة.

اللهم طهِّر قلوبنا من الشح، وارزقنا القناعة، وبارك لنا في أرزاقنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

فاللهم اجعلنا رحماء، رفقاء، متراحمين، متلاحمين، ميسرين غير معسرين، وهب لنا قناعة تكفينا، وغنًى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

[1] رواه البخاري رقم 2887.

[2] رواه مسلم رقم 1605.

[3] متفق عليه.

[4] رواه الترمذي رقم 1924.

[5] رواه مسلم، رقم الحديث 1828.

[6] حسنه الألباني، السلسلة الصحيحة، برقم 3085، ورواه الطبراني في الأوسط.

[7] رواه البخاري، رقم 2076.

[8] رواه البخاري، رقم 2387.

[9] متفق عليه.

[10] رواه الترمذي رقم 2417.

[11] رواه مسلم، كتاب المساقاة، رقم 2699.

[12] رواه أحمد في المسند (21997)، وصححه الحاكم والهيتمي والألباني.

[13] رواه أحمد، رقم 7001، وأبو داود 4941، والترمذي 1924، وصححه الألباني.

[14] رواه مسلم رقم 1015.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 55.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.27 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.99%)]