|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... ﴾ سعيد مصطفى دياب قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. سُورَةُ النِّسَاءِ مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا سِتٌّ وَسَبْعُونَ وَمِائَةٌ، وَسُمِّيَتْ بسُورَةِ النِّسَاءِ; لِأَنَّهَا اشتملتْ على كثيرِ من الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ النِّسَاءِ. روى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَعْنِي قَدْ بَنَى بِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَنَى بِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾. هذا أمرٌ من اللهِ تَعَالَى للنَّاسِ جميعًا بِتَقْوَاهُ، فإنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ، وهي من أقوى صيغِ العموم، والمرادُ بِتَقْوَاهُ تعالى امتثال أمره واجتناب نَهْيه، والحذر من أسبابِ سخطه، ثم بيَّنَ الله تعالى العلة التي يجب عليهم من أجلها أن يتقوا الله تعالى، وهي أنه هو الذي خلقهم؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17]. ثم ذكر تعالى دليلًا آخر على قدرته الباهرة، وحكمته البالغة، فقال: ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾، وَمَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَّقَى، فيُطاع ولا يُعْصَى، ويُذْكَر ولا يُنسى، ويُشْكَر ولا يكفر، والمرادُ بقوله: ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾، أي: حَوَّاءُ عَلَيْهَا السَّلَامُ، خُلِقَتْ مِنْ ضِلعه الْأَيْسَرِ وَهُوَ نَائِمٌ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ»[1]. ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾: أي: خَلَقَ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَنَشَرَهم في الأرض وفرَّقهم، وفي الكلام حذف اختصار تقديره، وَنِسَاءً كثيراتٍ. قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ ﴾: أي: كَمَا يقول بعضكم لبعضٍ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وبالرَّحِم. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي بِهِ تَعَاقَدُونَ وَتَعَاهَدُونَ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامِ ﴾، بِخَفْضِ الأرْحَامِ، فيكونُ معطوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي بِهِ، أَيْ: تَسَاءَلُونَ بِاللَّهِ وَبِالْأَرْحَامِ. وقال ابن جرير الطبري: ذَلِكَ غَيْرُ فَصِيحٍ مِنَ الْكَلَامِ عِنْدَ الْعَرَبِ؛ وذلك لأنه عَطَفَ الظَّاهِرَ عَلَى مَكْنِيٍّ مَخْفُوضٍ. وقَالَ الزَّجَّاجُ: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ مَعَ ضَعْفِهَا وَقُبْحِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي أُصُولِ أَمْرِ الدِّينِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)، فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ بِالرَّحِمِ. ورد ابن عطية قِرَاءَةَ حَمْزَةَ بمثل ما قَالَ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ ﴿ وَالأرْحَامِ ﴾ قَسَمٌ خَطَأٌ مِنَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى النَّصْبِ. وقال مكي بن أبي طالب: وهو قبيح عند البصريين، قليل في الاستعمال، بعيد في القياس. وَقد ردَّ نحاة البصرة هذه القراءة حتى قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَوْ صَلَّيْتُ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْرَأُ: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامِ ﴾، لَأَخَذْتُ نَعْلِي وَمَضَيْتُ. والعجب من نحاةِ البصرة وبعضِ المفسرين الذين طعَنوا في هذه القراءة وهي متواترة، وجعلوا القواعد التي قَعَّدُوها حاكمةً على القرآنِ، والأصلُ أن القرآنَ هو الذي يحكم على اللغة من حيث القبولِ والردِّ، وَنحن لَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ بِقَوْلِ النُّحَاةِ. وَحَمْزَةُ بنُ حَبِيْبِ الزَّيَّاتُ إِمَامٌ في القِرَاءاتِ، وقُدْوَةٌ للقراءِ، فلا وجه للطعنِ في قراءته؛ قَالَ سفيانُ الثَّوْرِيُّ: مَا قَرَأَ حَمْزَةُ حَرفًا إِلاَّ بِأَثَرٍ. وقال أيضًا عنه: غلب حَمْزَةُ النَّاسَ على القرآنِ والفرائضِ. وقال الفخر الرازي: وَلَوْ أَنَّ حَمْزَةَ رَوَى هَذِهِ اللُّغَةَ لَكَانَ مَقْبُولًا بِالِاتِّفَاقِ، فَإِذَا قَرَأَ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا[2]. فليس في قِرَاءَةِ حَمْزَةَ رحمه الله مطعنٌ، وليس في إمامته غمزٌ. ومثلُ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 217]. ومما وردَ من ذلك فِي الشِّعْرِ قول الشاعر: فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وَتَشْتِمُنَا ![]() فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ ![]() ![]() ![]() وقول الآخر: نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا ![]() وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ مَهْوَى نَفَانِفُ ![]() ![]() ![]() والمناسبة بين الأمرِ بالتقوى والوصية بالْأَرْحَامِ أنَّ صلةَ الْأَرْحَامِ من أعظم القرباتِ، وقطعها من أكبر الكبائرِ، فأتى الأمرُ بِوَصْلِهَا، التحذيرُ مِنْ قَطْعِهَا. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾: تذييلٌ فيه تَرْغِيبٌ في التقوى وَتَرْهِيبٌ من التهاونِ فيها، وَالرَّقِيبُ هُوَ الْمُرَاقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَى العبادِ أقوَالَهم، وأفعَالَهم. الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ: من الأساليب البلاغية في الآية: الطِّبَاقَ في: (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، و (زَوْجَهَا). وحذفُ الإيجازِ في قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾.. وتقديره أنشأها وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا. وحذفُ الاختصارِ في قوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾، وتقديره: وَنِسَاءً كثيراتٍ. [1] رواه مسلم- كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ، حديث رقم: 1468. [2] تفسير الرازي (6/ 389).
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |