سرعة الأيام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          سلسلة هدايات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 23 - عددالزوار : 5657 )           »          التوجيهات الحسان لمن أراد حفظ القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          من أحكام الوصية في الفقه الإسلامي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          متى اتضح الشيء فلا وجه للمعارضة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الرفق .. حظ الدنيا والآخرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          متى آخر مرة جلست مع نفسك؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          نَسْلَمُ ويَسْلَمونُ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          القناعة وعدم الإسراف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          النظر المحرم.. حكمه.. خطره.. التوبة منه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-04-2026, 11:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,050
الدولة : Egypt
افتراضي سرعة الأيام

سُرْعَةُ الأَيَّامِ

أحمد بن عبدالله الحزيمي

الحَمْدُ لِلَّهِ مُقَلِّبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمُصَرِّفِ الأَعْمَارِ، لَا يُؤَخِّرُ أَجَلًا إِذَا جَاءَ، وَلَا يُقَدِّمُهُ إِذَا انْقَضَى، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، أُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَأَنْ نُقَدِّمَ لِأَنْفُسِنَا أَعْمَالًا تُبَيِّضُ وُجُوهَنَا يَوْمَ نَلْقَى اللَّهَ: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89].


عِبَادَ اللَّهِ:
يَا لِسُرْعَةِ الأَيَّامِ! هَلْ لَاحَظْتُمْ ذَلِكَ؟ إِنَّ سُرْعَةَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَتَصَرُّمَهَا شَيْءٌ مُخِيفٌ جِدًّا!


مَا إِنْ يَضَعُ الْوَاحِدُ رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ لِيَنَامَ، إِلَّا وَيُشْرِقُ نُورُ الْفَجْرِ، وَمَا إِنْ يَسْتَيْقِظُ إِلَّا وَيَأْتِي مَوْعِدُ النَّوْمِ.


وَمَا إِنْ تَأْتِي بَدَايَةُ الأُسْبُوعِ، وَلَا تَشْعُرُ إِلَّا وَأَنْتَ فِي آخِرِهِ، وَهَكَذَا الشُّهُورُ وَالأَعْوَامُ، تَسِيرُ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ مُخِيفٍ.


أَلَا تُلَاحِظُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ كَيْفَ تَنْسَلِخُ الشُّهُورُ وَالأَعْوَامُ، وَلَا يَشْعُرُ الإِنْسَانُ بِهَا؟! كَيْفَ نَصُومُ رَمَضَانَ وَنُكْمِلُهُ، وَلَا نَشْعُرُ إِلَّا وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَمَضَانًا آخَرَ!


الأَعْيَادُ تَمُرُّ، وَالسِّنُونُ تَتَقَلَّبُ، وَالطِّفْلُ يَكْبَرُ، وَالشَّابُّ يَشِيخُ، وَالإِنْسَانُ يَمْضِي... وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْعَمَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾ [النازعات: 35].


أَلَا تُلَاحِظُونَ وَأَنْتُمْ تَسْتَمِعُونَ إِلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، كَيْفَ يَمُرُّ الأُسْبُوعُ، وَمَا يَشْعُرُ الإِنْسَانُ إِلَّا وَهُوَ يُفَاجَأُ بِيَوْمِ الْخَمِيسِ، وَالْخَطِيبُ مَا إِنْ يَفْرُغُ مِنْ إِعْدَادِ خُطْبَتِهِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَعِدُّ لِإِعْدَادِ خُطْبَةٍ أُخْرَى؟!


تَمُرُّ اللَّيَالِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَتَنْقَضِي الأَعْمَارُ كَأَنَّهَا حُلْمٌ عَابِرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 46].


أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ سُرْعَةَ مُرُورِ الأَيَّامِ وَتَصَرُّمِهَا، وَنَحْنُ نُلَاحِظُ ذَلِكَ فِي زَمَنِنَا جَيِّدًا، وَسَوْفَ تَزْدَادُ سُرْعَتُهَا، حَتَّى تَكُونَ كَمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَاضْطِرَامِ النَّارِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «تَكُونُ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ». وَالسَّعَفَةُ هِيَ الْخُوصَةُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.


قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِنَّنَا نَجِدُ مِنْ سُرْعَةِ مَرِّ الأَيَّامِ مَا لَمْ نَكُنْ نَجِدُهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي قَبْلَ عَصْرِنَا هَذَا». هَذَا كَلَامُ هَذَا الْعَالِمِ الْجَلِيلِ قَبْلَ نَحْوِ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، فَمَاذَا نَقُولُ نَحْنُ فِي هَذِهِ الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ؟ لَا شَكَّ أَنَّ تَقَارُبَ الزَّمَانِ أَظْهَرُ، وَالشُّعُورَ بِهِ أَكْثَرُ وَأَبْيَنُ.


إِنَّ الإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمِثْلِ الْمُسَافِرِ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ – رَحِمَهُ اللَّهُ –: «النَّاسُ مُنْذُ خُلِقُوا لَمْ يَزَالُوا مُسَافِرِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ حَطُّ رِحَالِهِمْ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ؛ وَالْعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنَّ السَّفَرَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَرُكُوبِ الأَخْطَارِ، وَمِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يُطْلَبَ فِيهِ نَعِيمٌ وَلَذَّةٌ وَرَاحَةٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ انْتِهَاءِ السَّفَرِ».

إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالأَيَّامِ نَقْطَعُهَا
كُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا
فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ فِي الْعَمَلِ


أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ مُرُورَ الأَزْمَانِ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ، وَلَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، فِيهِ أَبْلَغُ عِبْرَةٍ، وَأَصْدَقُ تَنْبِيهٍ لِلْغَافِلِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ فَكَمْ مِنْ سِنِينَ مَرَّتْ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ كَأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ. تَأَمَّلُوا – عِبَادَ اللَّهِ – سُرْعَةَ مُرُورِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ؛ بِالأَمْسِ كَانَ الإِنْسَانُ طِفْلًا، ثُمَّ شَابًّا يَافِعًا أَعْزَبَ، ثُمَّ صَارَ زَوْجًا، ثُمَّ أَبًا، ثُمَّ جَدًّا، ثُمَّ لَهُ أَحْفَادٌ وَأَسْبَاطٌ، لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا مَعَ كَثْرَةِ الْغَفْلَةِ، وَرَاحَةِ الْبَالِ، وَالأَمْنِ عَلَى الْعِيَالِ وَالْمَالِ؛ فَتَجْرِي الأَيَّامُ، وَتَتَقَلَّبُ الأَحْوَالُ، وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ.

هَلْ جَلَسْتَ يَوْمًا فِي مَكَانٍ عَامٍّ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ فِي مَصْلَحَةٍ حُكُومِيَّةٍ، ثُمَّ تَحَدَّثْتَ مَعَ أَحَدِهِمْ سَاعَةً مِنَ الزَّمَنِ، فَتَعَرَّفْتَ عَلَيْهِ، وَتَعَرَّفَ عَلَيْكَ، وَسَمِعْتَ أَخْبَارَهُ، وَسَمِعَ أَخْبَارَكَ، ثُمَّ افْتَرَقْتُمَا؟! هَكَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ مَهْمَا طَالَتْ. وَاسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ – تَعَالَى –: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [يُونُسَ: 45].


أَرَأَيْتَ يَا أَخِي، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا سَافَرَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَطَعَ مَسَافَةً قَصُرَتِ الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي يُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَيْهَا؟! أَرَأَيْتَ إِلَى هَذَا التَّقْوِيمِ الَّذِي نَضَعُهُ فَوْقَ مَكَاتِبِنَا فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَامٍ، إِنَّهُ مَلِيءٌ بِالأَوْرَاقِ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ نَأْخُذُ مِنْهُ وَرَقَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، وَفِي نِهَايَةِ الْعَامِ لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْجِلْدَةُ فَقَطْ.


هَكَذَا عُمْرِي وَعُمْرُكَ: مَجْمُوعَةُ أَيَّامٍ، وَمَجْمُوعَةُ لَيَالٍ، كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ أَوِ انْقَضَتْ لَيْلَةٌ، كُلَّمَا نَقَصَتْ أَعْمَارُنَا، كُلَّمَا نَقَصَ رَصِيدُ أَيَّامِنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ الرَّصِيدُ، ثُمَّ نُغَادِرُ هَذِهِ الدُّنْيَا.


بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، يَغْفِرْ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَرَ بِتَقْوَاهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنِ اتَّقَاهُ وَقَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الدُّنْيَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ: أَمَّا الأَمْسُ فَقَدْ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا غَدًا فَلَعَلَّكَ لَا تُدْرِكُهُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَكَ فَاعْمَلْ فِيهِ.


وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَطِيَّتَانِ، فَأَحْكِمُوا السَّيْرَ عَلَيْهِمَا إِلَى الآخِرَةِ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِحِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالأَيَّامُ خَزَائِنُ الأَعْمَالِ، وَالْعَبْدُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ.


وَإِنَّهُ لَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمِنْ دَلَائِلِ تَوْفِيقِهِ لِلْعَبْدِ، أَنْ يُلْهِمَهُ اسْتِغْلَالَ كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ عُمْرِهِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَيُوَفِّقَهُ لِأَخْذِ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ وَالْبَصَائِرِ مِنْ تَصَرُّمِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، وَفَقْدِ الأَهْلِ وَالإِخْوَانِ.


وَقَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ يَعِظُهُ: تُرَى هَذَا الْمَيِّتُ لَوْ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا، مَاذَا يَصْنَعُ؟! قَالَ: يُكْثِرُ مِنَ الطَّاعَاتِ. قَالَ لَهُ الْحَسَنُ: قَدْ فَاتَتْهُ، فَلَا تَفُتْكَ أَنْتَ!


أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قَدْ فَاتَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَالْفُرْصَةُ مَاثِلَةٌ أَمَامَكم، فَمَاذَا نَحْنُ فَاعِلُونَ؟!


أَيُّهَا الفضلاء: إِنَّ فِي سُرْعَةِ الأَيَّامِ عِبْرَةً، وَأَيَّ عِبْرَةٍ!! نَهَارٌ يَكُرُّ، وَلَيْلٌ يَمُرُّ، وَأَيَّامٌ تُطْوَى، وَأَعْمَارٌ تَفْنَى، وَشَبَابٌ يَنْقَضِي، وَحَيَاةٌ تَنْتَهِي، وَقُوَّةٌ تَزُولُ، وَصِحَّةٌ تَحُولُ، وَأَحِبَّاءُ يَمْضُونَ، وَأَقَارِبُ يَدْرُجُونَ، وَغَنِيٌّ يَفْتَقِرُ، وَصَحِيحٌ يَسْقَمُ، وَعَزِيزٌ يَذِلُّ، وَرَفِيعٌ يَنْحَطُّ، وَدُوَلٌ تَسْقُطُ، وَرُؤُوسٌ تَخْضَعُ. إِنَّهَا لَأَحْوَالٌ مُتَغَيِّرَةٌ، وَأَوْضَاعٌ مُتَغَايِرَةٌ، تَدْعُو لِلْعِبْرَةِ، وَتَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ الْعِظَةَ.


أَلَا فَمَا بَالُ الأَوْقَاتِ تَضِيعُ فِي السَّعْيِ وَرَاءَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ؟! وَلِمَ تَزْدَادُ الأَعْمَارُ وَتَنْقُصُ الآجَالُ، وَنَحْنُ مُقِيمُونَ عَلَى الْغَفَلَاتِ؟! وَعَلَامَ يَشْتَدُّ تَنَافُسُنَا فِيمَا يَفْنَى وَلَا يَبْقَى؟! وَلِمَ لَا نَنْهَى النُّفُوسَ عَنِ الْهَوَى، لِنَرِثَ جَنَّةَ الْمَأْوَى؟!


أَمَا إِنَّهُ تَوْفِيقُ اللَّهِ لِمَنْ يَصْطَفِيهِ مِنْ عِبَادِهِ، مِمَّنْ كَانَ لَهُ أُذُنٌ تَسْمَعُ، وَقَلْبٌ يَخْشَى وَيَخْشَعُ، وَرَزَقَهُ مَوْلَاهُ عَقْلًا يَعِي، وَبَصِيرَةً تُمَيِّزُ، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].


اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغَفْلَةِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا، وَأَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ، وَاجْعَلْ مُسْتَقْبَلَ أَيَّامِنَا خَيْرًا مِنْ مَاضِيهَا، وَقَابِلَ أَعْوَامِنَا خَيْرًا مِنْ سَالِفِهَا.


اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى طَاعَتِكَ، وَاعْمُرْ أَيَّامَنَا بِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَحْسِنْ لَنَا الْعَاقِبَةَ وَالْخَاتِمَةَ، وَأَعِذْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَاخْتِمْ لَنَا بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 56.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.37 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.98%)]