|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
العبادة ليست "أرقامًا".. بل هي "آثار" د. عبدالجليل علي الشجري تأمل معي حال ذلك الذي استيقظ قبل الفجر، تسحَّر وامتنع، ثم قضى يومه يراقب الساعة، يُصارع العطش ويُغالب الجوع، حتى إذا غربت الشمس أكل وشرب وظن أنه قد فعل كل شيء. وتأمل حال الآخر، الذي قام ليله يراوح بين قدميه، يطيل الركوع والسجود حتى أرهقه التعب، ثم نام وهو يظن أنه بلغ المنتهى. هؤلاء هم من قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم حينما أطلق صرخة التحذير المدوية: "رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر"؛ [رواه ابن ماجة في سننه، وقال الألباني: حسن صحيح]. إن العبادة في جوهرها ليست حركات جسدية مجردة؛ بل هي رحلة تغيير كبرى تبدأ من الداخل لتظهر آثارها على ملامح الوجه وطريقة الكلام وهدوء النفس. الصيام الحقيقي هو ذلك الذي يدخل إلى أعماق الإنسان فيُهذِّب وحشيته، ويكسر حدة "الأنا" في صدره. فما الفائدة من جوع البطن إذا كان اللسان لا يزال ينهش في أعراض الناس؟ وما النفع من جفاف الحلق إذا كان القلب لا يزال يغلي بالحقد والحسد؟ إن الصيام الذي لا يورث "رقة" في القلب، ولا يحول المرء إلى كائن رحيم يفيض بالسكينة على من حوله، هو مجرد تمرين شاقٍّ على الحرمان، ضاعت ثمرته وبقي تعبه. وكذلك القيام؛ ليس الشأن في كثرة الركعات، بل في ذلك "الحضور" الذي يجعلك تنسى تعب قدميك وأنت تناجي خالقك. القيام الذي ينبغي أن يؤثر فيك هو الذي يجعلك تخرج من مصلَّاك إنسانًا "هينًا لينًا"، تشعر بأن الدنيا تضاءلت في عينك، وأن صراعاتك التافهة مع البشر لم تعد تستحق كل ذلك الضيق. فإذا قمت الليل ثم أصبحت غليظ القلب، فظَّ القول، متعاليًا على الخلق بعبادتك، فاعلم أنك "سهرت" ولم "تقم" حقًّا؛ لأن القيام الصادق يسحق الكِبر في النفس ويستبدله بذُلِّ العبودية الجميل. إن النفس البشرية تشبه الأرض القاحلة، والعبادات هي المطر، فإذا هطل المطر ولم تخضرَّ الأرض، فالعيب ليس في المطر؛ بل في التربة التي تحجَّرت فلم تسمح للماء أن ينفذ إلى أعماقها. الصيام والقيام أدوات لليونة هذه النفس، لتصبح أكثر مرونة في مواجهة الصعاب، وأكثر تسامحًا مع الأخطاء، وأشد صبرًا على أقدار الله. المسألة إذن ليست في "الكم" بل في "الأثر"، ليس في "ماذا فعلت؟"؛ بل في "ماذا فعلت العبادة بك؟". فإذا رأيت صيامك قد جعلك أهدأ، وقيامك قد جعلك أنقى، وصمتك قد جعلك أرقى، فأبشِر.. فقد نلت من عباداتك الروح قبل الجسد، والقبول قبل التعب.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |