|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
غذاء القلب ودواؤه محمد بن عبدالله العبدلي الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والصلاة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: ففي خضم صراعات الحياة وتسارع إيقاعها، قد يغفل الإنسان عن أهم جزء في كيانه، وأثمن ما فيه: قلبه؛ فالقلب ليس تلك المضغة التي تضخ الدم فحسب، بل ذلك الملِك الذي يسوس الجوارح كلها. وإن السعادة الحقيقية للإنسان وشقاءه الأبدي مرتبطان بصحة هذا القلب وسلامته، وقد أبدع الحافظ ابن القيم رحمه الله في تشخيص حال هذا الملك، فبين لنا ما هو غذاؤه الذي يحييه، وما هو داؤه الذي يمرضه، وكيف السبيل إلى دوائه وشفائه؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: ((... ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))؛ [أخرجه البخاري برقم (52)، ومسلم، برقم (1599)]. فلنقرأ هذه الكلمات التي حُق لها أن تُكتب بماء الذهب، ولنصغِ بقلوبنا إلى كلماته الذهبية النيرة، علنا نجد فيها الدليل إلى حياة قلوبنا وسعادتها. قال رحمه الله تعالى: "خلق الله سبحانه ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالًا، إذا فقده أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالًا، إذا فقده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان. فإذا فقدت العين ما خُلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها. والقلب: خُلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضا عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجل في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء، والصحة، والحياة، فإذا فقد غذاءه، وصحته، وحياته؛ فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ورهن مقيم عليه. ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده. وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يُزال بالضد، والصحة تُحفظ بالمثل، فصحته تُحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها. فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار"؛ [زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 185، 186)]. وقال رحمه الله أيضًا: "والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد، وإذا ضعفت قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيب القلوب عبدالله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ![]() وقد يورث الذل إدمانها ![]() وترك الذنوب حياة القلوب ![]() وخير لنفسك عصيانها ![]() فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء، فتعتمده وتضع الدواء موضع الداء، فتجتنبه فيتولد من بين إيثارها للداء، واجتنابها للدواء، أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء. والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان. وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة"؛ [زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 186، 187)]. وهكذا يتجلى لنا بوضوح أخي الحبيب أن قضية القلب هي القضية الأولى؛ لأن صلاح هذا القلب سبب لصلاح سائر الجوارح، وبفساده تفسد كلها، وأن رحلة البحث عن السعادة هي غوص في أعماق الذات؛ لتطهير هذا القلب الذي بين جنبيك وتزكيته. فليكن همنا الأول والأكبر هو أن نلقى الله عز وجل بقلب سليم، قلب يملؤه التوحيد، وتغسله التوبة النصوح، ويزينه الرضا واليقين. فلنتعاهد قلوبنا أيها الأفاضل اليوم، فالقلب محل نظر الرب جل وعلا، فلنحرص على نظافته وسلامته؛ قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وسلامته إنما تكون بالنجاة من هذه الأدواء، ومجاهدة النفس على ضدها. اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك. اللهم إنا نسألك قلوبًا سليمة، وألسنة ذاكرة، ونفوسًا بك مطمئنة، اللهم املأ قلوبنا بحبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم طهر قلوبنا من الشرك والنفاق، والغل والحسد، واجعلها عامرة بالإيمان واليقين والتوحيد. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |