بيان ما أُعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         دورة الاستعداد لرمضان | النفسية في رمضان | الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 998 )           »          شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 231 )           »          الصلاة في البيوت حال المطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          النية في العبادات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          استخدام شاشات العرض لنقل المحاضرات داخل المسجد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          دفع الزكاة للمعسر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تغيير الشيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة التداين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 93 )           »          مهلا... هل تعدل بين الناس في دعوتك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-02-2026, 08:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة : Egypt
افتراضي بيان ما أُعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض

بيان ما أُعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض

د. أحمد خضر حسنين الحسن

قال في تفسير المنار - باختصار -: قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أَرَيْنا إبراهيم الحقَّ في أمر أبيه وقومه، وهو أنهم كانوا على ضلال بين في عبادتهم للأصنام، كنا نُريه المرة بعد المرة ملكوت السماوات والأرض على هذه الطريقة التي يعرف بها الحق، فهي رؤية بصرية، تَتبعها رؤية البصيرة العقلية، وإنما قال: "نُريه" دون أريناه؛ لاستحضار صورة الحال الماضية التي كانت تتجدَّد وتتكرَّر بتجدُّد رؤية آياته تعالى في ذلك الملكوت العظيم، كما يعلم من التعليل الآتي، والتفصيل المترتب على هذا الإجمال في الآيات.

والملكوت: المملكة أو الملك العظيم والعز والسلطان، وإطلاق الصوفية إياه على عالم الغيب اصطلاح؛ قال في اللسان: وملك الله تعالى وملكوته: سلطانه وعظمته، ولفلان ملكوت العراق؛ أي عزُّه وسلطانه ومُلكه، وعن اللحياني: والملكوت من الملك كالرَّهبوت من الرَّهبة، ويقال للملكوت مُلْكُوة (كتُرقوة)؛ انتهى.

ورُوي عن ابن عباس أن المراد بملكوت السماوات والأرض: خلقُهما؛ أي كقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 185].

وعن مجاهد أنه آياتهما، وعنهما وعن قتادة أنه الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والبحار، وعن مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي - أن الله تعالى أراه ما وراء مسارح الأبصار من السماوات والأرض، حتى انتهى بصره إلى العرش، وزاد بعضهم أنه أراه خفايا أعمال العباد ومعاصيهم، وليس لهذه الأقوال الأخيرة حجةٌ من الحديث المرفوع، وإنما استنبطوها فيما يظهر من إسناد الإراءة إلى الله عز وجل، فإنه يدل على عناية خاصة.

واختار ابن جرير مما رواه من تلك الأقوال أنه تعالى أراه من ملكوت السماوات والأرض ما فيهما من الشمس والقمر والشجر والدواب، وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلَّى له بواطن الأمور وظواهرها، ويتحقَّق ذلك بهدايته إياه إلى وجوه الحجة فيها على وحدانيَّته تعالى، وقدرته وعلمه وحكمته، وفضله ورحمته، ويدل على ذلك تعليل الإراءة، وما يترتَّب عليها من إقامة الحجة.

أما التعليل فقوله تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾: قيل: إن المعنى: ولأجل أن يكون من أهل اليقين الراسخين فيه أَريناه ما أرينا، وبصَّرناه من أسرار الملكوت ما بصَّرنا.

وقيل: إن هذا عطف على تعليل حذف؛ لتغوص الأذهان على استخراجه من قرائن الحال، وأسلوب المقال؛ أي نُريه ذلك ليَعرِف سُنننا في خَلقنا، وحِكَمَنا في تدبير مُلكنا، وآياتنا الدالة على ربوبيتنا وألوهيَّتنا؛ ليقيم بها الحجة على المشركين الضالين، وليكون في خاصة نفسه من الواقفين على عين اليقين، وهو من الإيجاز البديع.

واليقين في اللغة: الاعتقاد الجازم المبني على الأمارات، والدلائل، والاستنباط دون الحس والضرورة. وقال الراغب: هو سكون الفَهم مع ثبات الحكم، وأنه من صفة العلم فوق المعرفة والدراية، وبذلك جمع إبراهيم بين العلم النظري والعلم اللدُنِّي.
قال الرازي: قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾، فيه مسائل - نقلت بعضها على حسب ما يقتضيه المقام -:
المسألة الأولى: "الكاف" في كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكرُه، والمذكور ها هنا فيما قبل هو أنه - عليه السلام - استقبَح عبادة الأصنام، وهو قوله: ﴿ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 74]، والمعنى: ومثل ما أَريناه من قُبح عبادة الأصنام نُريه ملكوت السماوات والأرض، وها هنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائحٌ غير منقطع، ولا زائل البتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومةً عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدرِ ما يزول ذلك الحجاب يحصُل هذا التجلي، فقول إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ﴾ [الأنعام: 74]، إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى؛ لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تَجلَّى له ملكوت السماوات بالتمام، فقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 75]؛ معناه: وبعد زوال الاشتغال بغير الله، حصل له نور تجلَّى جلال الله تعالى، فكان قوله: (وكذلك) مَنْشَأً لهذه الفائدة الشريفة الروحانية.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان، فكان الأولى أن يقال: وكذلك أَرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، فلِمَ عدَل عن هذه اللفظة إلى قوله: ﴿ وكذلك نري ﴾؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن يكون تقدير الآية: وكذلك كنا نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي، والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافَه أباه الكلام الخَشِن تعصبًا للدين الحق، فكأنه قيل: وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السماوات والأرض من وقت طفولته، لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه.

الوجه الثاني في الجواب: وهو أعلى وأشرف مما تقدم، وهو أنا نقول: إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت، بل المقصود أن يراها فيتوسَّل بها إلى معرفة جلال الله تعالى، وقُدسه وعُلوه وعَظمته، ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية.

وسَمِعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين - رحمه الله تعالى - قال: سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول: سمعت إمام الحرمين يقول: معلومات الله تعالى غير متناهية، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضًا غير متناهية، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن إنصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضًا، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دَفعة واحدة في عقول الخلق محال، فإذًا لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصُل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل، فلهذا السبب - والله أعلم - لم يقل: وكذلك أريناه ملكوت السماوات والأرض، بل قال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 75]، وهذا هو المراد من قول المحققين: السفر إلى الله له نهاية، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له؛ والله أعلم.

المسألة الثالثة: "الملكوت" هو الملك، و "التاء" للمبالغة كالرَّغبوت من الرغبة، والرَّهبوت من الرهبة، واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين:
القول الأول: أن الله أراه الملكوت بالعين، قالوا: إن الله تعالى شقَّ له السماوات حتى رأى العرش والكرسي، وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني، وشقَّ له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني، ورأى ما في السماوات من العجائب والبدائع، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع، وعن ابن عباس أنه قال: لما أُسري بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في السماوات وما في الأرض، فأبصَر عبدًا على فاحشة، فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله تعالى له: (كُفَّ عن عبادي، فهم بين حالين؛ إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم)، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه:
الأول: أن أهل السماء هم الملائكة المقرَّبون وهم لا يَعصون الله، فلا يليق أن يقال: إنه لَما رفع إلى السماء أبصر عبدًا على فاحشة.

الثاني: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى، وإذا أذِن الله تعالى فيه لم يَجُز أن يَمنعه من إجابة دعائه.

الثالث: أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابًا أو خطأً، فإن كان صوابًا فلِمَ ردَّه في المرة الثانية؟ وإن كان خطأً فلِمَ قبِله في المرة الأولى؟ ثم قال: وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول، وجَب التوقف فيها.

والقول الثاني: أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه:
الحجة الأولى: أن ملكوت السماوات عبارة عن ملك السماء، والملك عبارة عن القدرة، وقدرة الله لا تُرى، وإنما تُعرف بالعقل، وهذا كلام قاطع، إلا أن يقال: المراد بملكوت السماوات والأرض نفس السماوات والأرض، إلا أن على هذا التقدير يَضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة.

والحجة الثانية: أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال، وهو قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 75]، ثم فسَّرها بعد ذلك بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ﴾ [الأنعام: 76 ]، فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة، فوجب أن يقال: إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال.

والحجة الثالثة: أنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) [الأنعام: 83]، والرؤية بالعين لا تَصير حجةً على قومه؛ لأنهم كانوا غائبين عنها، وكانوا يكذِّبون إبراهيم فيها، وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطَق به القرآن، فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم.


والحجة الرابعة: أن إراءة جميع العالم تُفيد العلم الضروري بأن للعالم إلهًا قادرًا على كل الممكنات، ومثل هذه الحالة لا يَحصُل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم، ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة، وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب، وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته، فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم.


والحجة الخامسة: أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، فكذلك قال في حق هذه الأمة: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [فصلت: 53]، فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر، فكذلك في حق إبراهيم لا يَبعُد أن يكون الأمر كذلك.

الحجة السادسة: أنه - عليه السلام - لَما تَمَّم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس، قال بعده: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ﴾ [الأنعام: 79]، فحكم على السماوات والأرض بكونها مخلوقةً لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس، وذلك الدليل لو لم يكن عامًّا في كل السماوات والأرض، لكان الحكم العام بناءً على دليل خاص وإنه خطأ، فثبت أن ذلك الدليل كان عامًّا، فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت، فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيُّرها وإمكانها، وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم، فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين.

الحجة السابعة: أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقًا بالشك، وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75]، كالغرض من تلك الإراءة، فيصير تقدير الآية: نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، لأجل أن يصير من الموقنين، فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال.

الحجة الثامنة: أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحدٍ، وهو أنها محدثة مُمكنة، وكل محدث ممكن، فهو محتاج إلى الصانع، وإذا عرَف الإنسان هذا الوجه الواحد، فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع، وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين، قد طالع جميع الملكوت بعين عقله، وسَمِعَ بأُذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار، وهذه الرؤية رؤيةٌ باقيةٌ غيرُ زائلةٍ البتة، ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى، بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

أما رؤية العين، فالإنسان لا يُمكنه أن يرى بالعين أشياءَ كثيرة دَفعة واحدة على سبيل الكمال، ألا ترى أن مَن نظر إلى صحيفة مكتوبة، فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفًا واحدًا، فإن حدَّق نظره إلى حرف آخر، وشغَل بصره به صار محرومًا عن إدراك الحرف الأول، أو عن إبصاره، فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دَفعة واحدة غير ممكنة، وبتقدير أن تكون ممكنة، فهي غير باقية، وبتقدير أن تكون باقية، فهي شاغلة عن الله تعالى، ألا ترى أنه تعالى مدح محمدًا - عليه الصلاة والسلام - في ترك هذه الرؤية فقال: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]، فثبَت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل، لا بحسب البصر الظاهر.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 56.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.89 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.95%)]