لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 148 - عددالزوار : 107973 )           »          فضل يوم الجمعة: عيد المسلمين العظيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          تعويذ النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الحديث الثاني والثلاثون: قصة الخشبة العجيبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 664 )           »          تحريم جحود حرف فأكثر من كتاب الله تعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          انتهينا... انتهينا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          مراقبة الخالق عز وجل في الحركات والسكنات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          من فضل وفوائد العفو والصفح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          دلالات تربوية على سورة قريش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-10-2025, 03:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (تمهيد)

سائد بن جمال دياربكرلي



بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فإن من أثمن موسوعات العلم الشرعي التي أصَّلت منهجَ سلف هذه الأمة؛ كتاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي الدمشقي، والذي جمعه العلَّامة عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي وابنه محمدٌ، رحمهم الله جميعًا.

وقد تجلَّت عبقرية شيخ الإسلام – قدَّس الله روحه – وجزالة فكره في هذه الموسوعة الثمينة، والدُّرة النفيسة، التي صاغها بأسلوب علميٍّ رصين، مازجَ فيه بين العقل والنقل، بجُوده المعهود عنه بالعلم، وعنايته الفريدة بتناول كل مسألة من كل وجه ممكن، وهو ما شهِد له به تلميذه ابن القيم – رحمه الله – في كتابه "مدارج السالكين"[1].

والكتاب لم يقتصر على كونه موسوعةً عقديةً فقهيةً تفسيريةً شاملةً، بل وثَّق المنهجية الشرعية الأصيلة، القائمة على فهم السلف الصالح، الذي لا يقدَّم فيه العقل على النقل، ولا يتعارض فيه العقل الصحيح مع النقل الصريح، فغدا مرجعًا شرعيًّا لا مندوحة للعلماء وطلبة العلم عنه، وحُجَّة على الفلاسفة والمتكلمين لا قِبل لهم بها.

ولجمع الكتاب قصة عجيبة، بدأت برسالة كتبها الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن مري البعلبكي[2] إلى تلاميذ شيخ الإسلام بعد وفاته، موصيًا إياهم بتعاهد إرث الشيخ والعناية بنشره، فكان مما قال فيها: "قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا، يستعملهم فيه بطاعة الله))، وقال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة))، والله سبحانه يقول في كتابه: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 8]، وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه مَن بعده إن شاء الله تعالى.

فاتبعوا أمر الله، واقصدوا رضا الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلَّفات الكبار، وأشتات المسائل الصغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلئ، ولله الحمد، من الفوائد والفرائد والشوارد، فأيقِظوا الهِمم، وابذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له، فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب، والتمام على رب الأرباب ومسبِّب الأسباب وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه وسنة نبيه على الدوام، ويُثيب من يؤهِّله لذلك من أنواع الخاص والعام، وكلٌّ مجزيٌّ في القيامة بعمله، وما ربك بظلام للعبيد.

وقد عُلِم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه؛ ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه وبيَّنوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتُفيت آثاره لأجل ذلك، والوجود هو على هذه الصفة قديمًا وحديثًا.

فلا تيئسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبولٌ طوعًا وكرهًا، وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبُّع الهِمم النافذة لمباحثه وترجيحاته، ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم، وهذه هي سُنة الله الجارية في عباده وبلاده، والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يُحصِي عدده غيرُ الله تعالى.

ومن المعلوم أن البخاريَّ مع جلالة قدره أُخرج طريدًا، ثم مات بعد ذلك غريبًا، وعوَّضه الله سبحانه عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرَّ في خياله، من عكوف الهِمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن؛ وذلك لكمال صحته، وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب.

ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة نصيب كثير إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة، ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحدٍ من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة"[3].

فكان كما قال رحمه الله، وأبرَّ الله يمينه بعد ستة قرون، فأقام لنصر هذا الكلام رجالًا أجلَّاءً، كان في طليعتهم العلَّامة الشيخ عبدالرحمن بن قاسم (المتوفى سنة 1392هـ)، الذي أمضى قرابة أربعة عقود في جمع ما تفرق من فتاوى شيخ الإسلام ورسائله المكتوبة من مظانِّها في بقاع عديدة، إلى جانب ترتيبها وتصحيح أصولها، وقد أشار الشيخ محمد بن العلَّامة عبدالرحمن بن قاسم (المتوفى سنة 1421هـ) إلى هذه الرحلة الجليلة في مقدمة كتاب "المستدرك على مجموع الفتاوى"؛ حيث قال:
"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.


منَّ الله جل وعلا بجمع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله، وطبعها في كتابٍ عددُ مجلداته سبعة وثلاثون مجلدًا، ثلاثون منها طُبعت في الرياض في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله على نفقته الخاصة عام 1381هـ، ثم طُبعت السبعة الباقية في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة عام 1386هـ.


ثم صُورت السبعة والثلاثون في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله بأمره في المغرب.


ثم صُورت بأمر الملك فهد حفظه الله في عام 1397هـ.


وهي الآن تصوَّر في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف.


وهكذا تلقَّاها ملوك آل سعود لاحقًا عن سابقٍ بالتقدير والعناية، وبذلوا في سبيل إخراجها الغاليَ والنفيس، ولا تزال عند العلماء والمفتين والقضاة والمتعلمين من أكبر المراجع وأوثقها؛ وهي كما قال عنها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: "هذا كتاب عظيم القدر كثير الفائدة".


وقد ذكرت في مقدمتي للطبعة الأولى منها قصةَ جمع هذه الفتاوى، وأصولها المطبوعة سابقًا والمخطوطة، وما قمت به مع والدي رحمه الله في جمعها، وترتيبها، وتصحيح أصولها".

فالكتاب بصورته الأصلية يقع في خمسة وثلاثين مجلدًا، يفهرسها مجلدان، ويتبعها المستدرك بخمسة مجلدات.

وقد تتابعت جهود العلماء في صَون هذا الإرث الإسلامي العظيم والعناية به؛ فمنهم من صنف كتابًا سماه "صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف"، استدرك فيه ما وجده من سقط أو تصحيف أو تنبيه ونحوه، تلاه جهد محقِّقَي طبعة دار الوفاء: أنور الباز وعامر الجزار سنة 1426هـ؛ حيث قاما بوضع الفهارس الموضوعية، واستدراك الأخطاء المطبعية والتصحيفات على الطبعة الأولى، ثم قام الإخوة في المكتبة الشاملة بالعناية به وتنسيقه بإخراج إلكتروني مُحكم، تضمن كل الجهود السابقة[4].

كما توالت جهود العلماء في الاقتباس من هذا المجموع المبارك وتقريبه للقرَّاء، فاقتبس من أضوائه في العقيدة فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان، وجمعها في كتاب بمجلد واحد سماه: "أضواء من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة"[5]، وقام الشيخ أحمد بن ناصر الطيار بتهذيب محتواه، وتيسيره لطلبة العلم ومن سواهم، وجمعه في كتاب من خمسة مجلدات سمَّاه: "تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية"[6].

وقد تشرفت بقراءة هذا المجموع الثمين ومستدركه، والوقوف على لَطائِفِهِ وما حواه من كنوز، أقوم بجمع ما تيسر منها في سلسلة من المقالات، سائلًا المولى سبحانه وتعالى النفعَ والتوفيق والسداد.

يتبع...

[1] حيث قال: "الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال، والناس في الجود به على مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ ألَّا ينفع به بخيلًا أبدًا.
ومن الجود به: أن تبذله لمن لم يسألك عنه، بل تطرحه عليه طرحًا.
ومن الجود به: أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيتَ له جوابها شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: «نعم» أو «لا»، مقتصرًا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك أمرًا عجيبًا؛ كان إذا سُئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر عليه، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفعَ للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظمَ من فرحه بمسألته.
وهذه فتاواه بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك.
فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظيرها ومتعلقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه".

[2] قال الصفدي في ترجمته: "(‌‌أحمد بن محمد بن مري) الشيخ الإمام الفاضل شهاب الدين البعلبكي، كان في مبدأ حاله منحرفًا عن الشيخ تقي الدين ابن ‌تيمية، وممن يحُط عليه، فلم يزل من أصحابه إلى أن اجتمع به فمال إليه، وأحبه، ولازمه، وترك كل ما هو فيه، وتلمذ له ولازمه مدة".
وقال ابن حجر: "كان منحرفًا عن ابن تيمية، ثم اجتمع به فأحبه، وتلمذ له، وكتب مصنفاته، وبالغ في التعصب له".

[3] رسالته كاملة نشرها وعلَّق عليها الشيخ محمد عزير شمس، والدكتور علي بن محمد العمران في كتاب: "الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع"؛ [ص193-201].

[4] رابط الكتاب: https://shamela.ws/book/7289
ورابط المستدرك: https://shamela.ws/book/10284

[5] فكان مما قال – حفظه الله ونفع بعلمه – في مقدمته: "فإن (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) مرجع عظيم من مراجع الإسلام، وثروة هائلة من فقه الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح في سائر العلوم الشرعية؛ أيقظ الله به الأمة من رقدتها، وأقامها من كبوتها بعدما تراكمت عليها ركامات من الشركيات والبدعيات والخرافات والتقليد الأعمى – إلا من رحم الله منها – وبعدما طغى عليها تيار الفكر الغربي، والمنهج الفلسفي، والسلوك الصوفي، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فقيَّض الله لها المجددون الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة ليجددوا لها دينها؛ كما جاء ذلك في الحديث، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية".
والكتاب متوفر بصيغة إلكترونية على موقع جامع الكتب الإسلامية: https://ketabonline.com/ar/books/92316/

[6] ينظر للفائدة: التعريف بالكتاب على شبكة الألوكة: https://www.alukah.net/culture/0/139414
والكتاب متوفر بصيغة إلكترونية على موقع المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/879






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-02-2026, 11:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
سائد بن جمال دياربكرلي



(توحيد الألوهية - 1)


طاعة الرسول واتِّباعه في القرآن:
فإنه لا سعادة للعباد ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: 13، 14]، فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور.

وقد ذكر الله طاعة الرسول واتِّباعه في نحوٍ من أربعين موضعًا من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: 80]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 32]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببًا لمحبة الله عبده[1].

القرآن تميَّز بنفسه:
ولما كان القرآن متميزًا بنفسه؛ لما خصَّه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]، وكان منقولًا بالتواتر، لم يطمع أحدٌ في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد، فأقام الله تعالى الجهابذة النقَّاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان[2].

فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بنوعين:
قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: 62 - 64]، وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين:

أحدهما: ثناء المثنين عليه.

الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، فقيل: ((يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن))، وقال البراء بن عازب: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس: 64]، فقال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له))، والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الربَّان الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزيَّة على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات؛ كما قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11]، قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.

وعلم الإسناد والرواية مما خصَّ الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سُلَّمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة (أهل الإسلام والسنة)، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.

وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين، هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين. عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله، معقول أو منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59][3].

أهل العلم المأثور أعظم الناس قيامًا بأصول الدين:
وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 135].

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلِّغ عنه من شهد لمن غاب، ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، وقال أيضًا في خطبته في حجة الوداع: ((ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغٍ أوعى من سامع)). وقال أيضًا: ((نضَّر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))، وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيهًا، ودعاءٌ لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ، لما أعطي المبلغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدًا من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، يُقال: نَضَرَ وَنَضُرَ، والفتح أفصح.

ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يُعظِّمون نَقَلة الحديث، حتى قال الشافعي رضي الله عنه: "إذا رأيت رجلًا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وإنما قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي أيضًا: "أهل الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل؛ لأنهم حفظوا لنا"؛ اهـ[4].

أمر الله بطهارة القلوب والأبدان:
أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: 6]، وقال: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] وقال: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103]، وقال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم [المائدة: 41]، وقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33]، فنجد كثيرًا من المتفقِّهة والمتعبِّدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة القلب ما أمر به، إيجابًا أو استحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط، حتى يزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملًا، ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا.

فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بيِّنة لليهود. والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن، حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر- الذي يجب اتقاؤه- من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاةً للنصارى[5].

مقصود العبد هو الله وحده:
وذلك أن العبد، بل كل حي، بل وكل مخلوقٍ سوى الله، هو فقيرٌ محتاجٌ إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة، والمضرة هي من جنس الألم والعذاب، فلا بد له من أمرين:
أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به.

والثاني: هو المعين الموصل المحصِّل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه.


وهذان هما الشيئان المنفصلان، الفاعل والغاية، فهنا أربعة أشياء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. والثاني: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم.

والثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب.

والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.

فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد- بل ولكل حي- لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها، وأما ما ليس بحي فالكلام فيه على وجه آخر.

إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، وهو المعين على المطلوب، وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]، فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب، فالأول من معنى الألوهية.

والثاني: من معنى الربوبية؛ إذ الإله هو الذي يؤله فيعبد محبةً وإنابةً وإجلالًا وإكرامًا، والرب: هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88] وقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123] وقوله: ﴿ عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4]، وقوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58]، وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد: 30]، وقوله: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 8، 9]، فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين[6].

خلق الله الخلق لعبادته:
إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به.

وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم له، كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال. بل من أعرض عن ذكر ربِّه ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124]؛ ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: "لا إله إلا الله"، رأس الأمر. فأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق، وقرَّره أهل الكلام، فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم[7].

المخلوق لا يضر ولا ينفع:
أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل ربُّه هو الذي خلقه ورزقه، وبصَّره وهداه وأسبغ عليه نعمه، فإذا مسَّه الله بضرٍّ فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه، وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله، وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول، لكن إذا تدبَّر اللبيب طريقة القرآن، وجد أن الله يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول، فهذا الوجه يقتضي التوكُّل على الله والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضًا محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، وحاجة العبد إليه في هذه النعم، ولكن إذا عبدوه وأحبوه، وتوكَّلوا عليه من هذا الوجه، دخلوا في الوجه الأول.

ونظيره في الدنيا من نزل به بلاءٌ عظيمٌ أو فاقةٌ شديدةٌ أو خوفٌ مقلقٌ، فجعل يدعو الله ويتضرَّع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولًا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولًا حتى يطلبه ويشتاق إليه[8].

تعلُّق العبد بغير الله مضرة:
إن تعلُّق العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره وأهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئًا حبًّا تامًّا بحيث يُخَالِـلُـه فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، وفي الأثر المأثور: ((أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان))، واعلم أن كل من أحب شيئًا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سببًا لعذابه[9].

الاعتماد على المخلوق مضرة:
إن اعتماده على المخلوق وتوكُّله عليه يوجب الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة، وهو أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء، ما علَّق العبد رجاءه وتوكُّله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خُذل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81، 82]، وهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والاستعانة في المخلوق، فلما قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]، كان صلاح العبد في عبادة الله واستعانته، وكان في عبادة ما سواه، والاستعانة بما سواه مضرَّته وهلاكه وفساده.

وإن الله سبحانه غنيٌّ حميدٌ كريمٌ واجدٌ رحيمٌ، فهو سبحانه محسنٌ إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعةٍ إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمةً وإحسانًا، والعباد لا يُتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه، ويجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما، وإن كان ذلك أيضًا من تيسير الله تعالى، فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، إذا لم يكن العمل لله.

فإذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضررٌ إذا لم يراع العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه، والرب سبحانه يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وذلك منفعةٌ عليك بلا مضرة.

فتدبر هذا، فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعةً لك، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول، كما أنه لا يقدر عليه. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، واحتمال الأذى منهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، وكما لا تخافهم فلا ترجهم، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله، وارْجُ الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وكن ممن قال الله فيه: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى [الليل: 17 - 20]، وقال فيه: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 9].

كما أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها. وإنه إذا أصابك مضرة؛ كالخوف والجوع والمرض، فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله، ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك، وأن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمرٍ قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله، ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلِّق بهم رجاءك، قال الله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك: 20، 21]، والنصر يتضمن دفع الضرر، والرزق يتضمن حصول المنفعة، قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57]، وقال الخليل عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [البقرة: 126] الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟[10]

الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به أربعة أقسام:
إما أن يعبد غير الله ويستعينه- وإن كان مسلمًا- فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.

وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم وهدايتهم من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.

وإما أن يستعينه- وإن عبد غيره- مثل كثيرٍ من ذوي الأحوال وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه، ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.

والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به[11].

وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه:
فلا يُعمل إلا له، ولا يُرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلًا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره؛ كما قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك: 20، 21].

وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادرٌ بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته: لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 7، 8].

وفي الحديث الصحيح الإلهي: ((يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا؛ ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا؛ ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا...)) إلى آخر الحديث. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله؛ كمل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله؛ لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كلما يريده فعله، فإنه فعَّال لما يريد. وهو سبحانه بالغ أمره؛ فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل[12].

أعظم الناس عبوديةً لله أكثرهم خضوعًا له:
والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبوديةً لله.

وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:
بين التذلل والتدلل نقطة
في رفعها تتحير الأفهام
ذاك التذلل شرك
فافهم يا فتى بالخلف


فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمةً عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم- ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئًا. ولهذا قال حاتم الأصم لما سُئل: فيمَ السلامة من الناس؟ قال: أن يكون شيؤك لهم مبذولًا، وتكون من شيئهم آيسًا، لكن إن كنت معوضًا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين، ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك.

فالرب سبحانه: أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه.

والخلق: أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جَهلةٌ بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة.

والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها، ويريدها رحمةً منه وفضلًا، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريدًا راحمًا، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئًا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك[13].

الفقر إلى الله من لوازم البشر:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته: ((الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا))؛ رواه البخاري من حديث أبي أمامة، بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه؛ أي: بموجب علمه ذلك.

فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم، مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقيًا فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله.

فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيرًا إلى خالقه، وليس أحد غنيًّا بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عمَّا سواه، وكل ما سواه فقيرٌ إليه، فالعبدُ فقيرٌ إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بسط هذا في مواضع.

والإنسان يذنب دائمًا فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خيرًا أصلًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائمًا إلى حصول النعمة ودفع الضر والشر، ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] والمراد بالسيئات: ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات: ما يسره من النعم، كما قال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ [الأعراف: 168]، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلًا وجودًا من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع.

والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو سبحانه المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد، وجعله مسلمًا طائعًا؛ كما قال الخليل: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: 78]، وقال: ﴿ وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128]، وقال: ﴿ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ [إبراهيم: 40]، وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] فسأل ربه أن يجعله مسلمًا، وأن يجعله مقيم الصلاة. وقال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 7] الآية، وقال في آخرها: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات: 8][14].

لفظ العبد في القرآن:
ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبدٌ لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده؛ كما قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]، وأما قوله: ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: 42]، فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: 6] ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: 63] ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: 17].

وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها؛ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف: 194] ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف: 102]، قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة والأنبياء، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجَّال: ((فيوحي الله إلى المسيح أن لي عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم))، وهذا كقوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا [الإسراء: 5]، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم معبَّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره، وقد يكون كونهم عبيدًا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106]، وقوله: ﴿ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93]؛ أي: ذليلًا خاضعًا[15].

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-02-2026, 11:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية





أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية:
وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به، فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكةً له، وله سبحانه الملك والحمد، وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأنبياء إلى محدثها، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق.

والصواب أن الأشياء مفتقرةٌ إلى الخالق لذواتها، لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غنى الرب وصفٌ لازمٌ له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غنيٌّ بنفسه لا بوصف جعله غنيًّا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها[16].

السعادة في معاملة الخلق معاملتهم لله:
فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكفّ عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم.

وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا))، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتَّقاه، وكان عبده الصالح والله يتولَّى الصالحين، وهو كافٍ عبده: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [الفرقان: 27، 28]، وأما كون حامده ينقلب ذامًّا، فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداءً عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم[17].

في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7].
ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك ما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟))، وهو حديث صحيح. وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العُبَّاد ففيه شبه من النصارى، كما يُرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك[18].

الغلو في الأمة من طائفتين: الشيعة والمتصوفة:
والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضُلَّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهَّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهَّم في نبيِّنا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى، وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسُّنَّة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [المائدة: 12]، والتعزير: النصر والتوقير والتأييد. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: 8، 9]، فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 156].

وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]، وقال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده؛ كما قال: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [النحل: 51] وقال: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: 44].

فقد بيَّن الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته وتعزيره وتوقيره ونصره وتحكيمه والرضا بحكمه والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه وتقديمه على النفس والأهل والمال وردّ ما يتنازع فيه إليه، وغير ذلك من الحقوق، وأخبر أن طاعته طاعته، فقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: 80]، ومبايعته مبايعته؛ فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: 10]، وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 24]، وفي الأذى فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: 57]، وفي الطاعة والمعصية فقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: 13] ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: 14]، وفي الرضا فقال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]، فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي[19].

العبادة والاستعانة لله وحده:
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له؛ كما قال: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36] ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: 5]، وقد جمع بينهما في مواضع؛ كقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123]، وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58]، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88]، وكذلك التوكل؛ كما قال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: 12].

والدعاء لله وحده، سواءً كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة والاستعانة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن: 18 - 20]، وذمَّ الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم، فقال: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 56، 57].

وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثيرٌ جدًّا، بل هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله))، وقال: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحًا)) وقال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ وجبت له الجنة))، وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه))، فبَيَّن بهذا أن النية عمل القلب، وهي أصل العمل، وإخلاص الدين لله وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله[20].

الخشية والإنابة من العبادة:
ويدخل في العبادة: الخشية، والإنابة، والإسلام، والتوبة؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب: 39]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة: 18]، وقال الخليل: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 80، 81]، وقال نوح: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: 3]، فجعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن يطاع، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: 64]، وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران: 50]، فجعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا.

فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار؛ كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله، وأن تجعل له ندًّا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركًا؛ أي: نصيبًا في عبادتك وتوكُّلك واستعانتك[21].

في ألا يسأل العبد إلا الله:
قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7، 8]، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))، وفي الترمذي: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر))، وفي الصحيح أنه قال لعدي بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: ((لا تسألوا الناس شيئًا))، فإن سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، وفي الصحيح في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((هم الذين لا يسترْقُون ولا يكتوون ولا يتطيرون))، والاسترقاء: طلب الرقية، وهو نوعٌ من السؤال.

وأحاديث النهي عن مسألة الناس الأموال كثيرة؛ كقوله: ((لا تحل المسألة إلا لثلاثة))، وقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله))؛ الحديث، وقوله: ((لا تزال المسألة بأحدكم))، وقوله: ((من سأل الناس وله ما يغنيه)) وأمثال ذلك، وقوله: ((من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته))؛ الحديث.

وأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه؛ بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإن شفاء العيِّ السؤال))؛ ولكن من المسائل ما ينهى عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ [المائدة: 101]؛ الآية، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك[22].

العبادات مَبْناها على الشرع والاتباع:
العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبنيٌّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الجاثية: 18، 19] الآية، وقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]، فليس لأحدٍ أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، لا يعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي مسلم أنه كان يقول في خطبته: ((خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).

وعن ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد، وتوحيدٌ معه كذب خيرٌ من شرك معه صدق؛ ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثًا))، وقرأ قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31]، وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك، فكيف الناذر لغير الله؟ والنذر أعظم من الحلف؛ ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين[23].



الفرق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية:
قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي؛ ولهذا يوجد كثيرٌ من الناس يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات، إلى غير ذلك من واجبات الحج.

وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يُرى في اليوم الواحد ببلده ويُرى بعرفة، ومنهم من يتصوَّر الشيطان بصورته، ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفًا، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة، فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثَّل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه: 123] إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: 126] ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس: ((تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألَّا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية))[24].

الشرك بالله أعظم الذنوب:
اعلم- رحمك الله- أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]، وفي الصحيحين ((أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك))، والندُّ: المثل، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8]، فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة، فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها؟[25]

في محركات القلوب إلى الله:
ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرِّك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به فتقل آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته، فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62]، والخوف المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره.

فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به؛ ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41، 42] الآية. والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: 69]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: 18]، فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا، وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر، والعرض والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو، وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع، وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله سبحانه وتعالى أعلم[26].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-02-2026, 11:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية


مسألة: من يجوِّز الاستغاثة بالنبي:
والتوسل إلى الله بغير نبيِّنا صلى الله عليه وسلم- سواء سُمِّي استغاثة أو لم يسم- لا نعلم أحدًا من السلف فعله ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ففيه حديث في السنن رواه النسائي والترمذي وغيرهما: ((أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: توضَّأ وصلِّ ركعتين ثم قل: اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيِّك محمد، يا محمد، إني أتشفع بك في رد بصري، اللهم شفع نبيَّك فيَّ، وقال: فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك، فردَّ الله بصره))، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به، وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال: ((كنا إذا أجدبنا نتوسَّل بنبيِّنا إليك فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعم نبيِّنا فاسقنا))، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسَّلوا بعمِّه العباس بعد موته، وتوسُّلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعًا لهم داعيًا لهم؛ ولهذا قال في حديث الأعمى: ((اللهم فشفِّعْه في)) فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه.

والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك[27].

مسألة: من يمنع الاستغاثة بالنبي:
قد ثبت بالسُّنَّة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم. ثم اتفق أهل السُّنَّة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحدٌ. وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضُلَّال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل.

وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمَّى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه. وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب: ((كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون)). وفي سنن أبي داود وغيره: ((أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك))، وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله، بل أقرَّه عليه فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضالٌّ مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.

وأما من أقرَّ بما ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله، وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب، وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 135]، وقال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: 56]، وكما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 3]، وكما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: 126]، وقال: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40]. فالمعاني الثابتة بالكتاب والسُّنَّة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسُّنَّة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك، رُتب عليه حكمه وإلا رُجع فيه إليه.

وقد يكون في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا يرد عليه فهمه؛ كما روى الطبراني في معجمه الكبير: ((أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله))، فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون[28].

في الشفاعة المنفية في القرآن:
كقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: 48]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123]، وقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 254]، وقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100، 101]، وقوله: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف: 53]، وأمثال ذلك. واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب.

ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار، وأيضًا ففي الصحيح: ((عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار))[29].

فيمن قال لا بد من واسطة بيننا وبين الله:
إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعدَّه لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك، إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زُلْفى، ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة.

وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23].

وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقرَّبون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 79، 80]، فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر[30].

الدعاء للغير ينتفع به الداعي:
فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له. فمن قال لغيره: ادْعُ لي، وقصد انتفاعهما جميعًا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبَّه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببِرٍّ وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضًا يثاب مثل ثوابه لكونه دعا إليه، لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: 19]، فأمره بالاستغفار، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: 64]، فذكر سبحانه استغفارهم واستغفار الرسول لهم؛ إذ ذاك مما أمر به الرسول؛ حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب، ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه وإنعامه عليه[31].

إثبات الوسائط كالتي بين الملوك والرعية شرك:
إن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عُبَّاد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقرَّبون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى؛ حيث قال: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].

وقد بيَّن الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحدٌ غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكَّل إلا عليه، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [المائدة: 44] ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: 175]؛ أي: يخوفكم أولياءه ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء: 77][32].

[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1 ص4-5.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص7.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص8-9.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص10-11.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص15-16.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص21-22.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص23.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص27-28.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص28.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص29-32.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص36.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص37-38.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص39-40.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص41-43.

[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص43-44.

[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص45-46.

[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص51-52.

[18] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص65.

[19] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص66-68.

[20] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص69-70.

[21] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص71-74.

[22] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص78-79.

[23] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص80-81.

[24] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص83-84.

[25] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص88.

[26] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص95-96.

[27] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص105-106.

[28] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص108-110.

[29] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص116-117.

[30] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص121-124.

[31] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص133.

[32] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص134-135.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم اليوم, 03:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

(توحيد الألوهية - 2)

سائد بن جمال دياربكرلي




ينبغي أن يُعرف في الأسباب أمور:
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع.


فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.

الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو يخالف الشرع، كان مبطلًا. مثل من يظن أن النذر سببٌ في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)).

الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يُتخذ منها شيءٌ سببًا إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره- وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة- وإن ظن ذلك- فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة[1].

فيمن قال: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم:
إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد وطاعته والصلاة والسلام عليه وسيلة للعبد في قبول دعائه وثواب دعائه؛ فهو صادق، وإن أراد أن الله لا يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق أو يقسم عليه به، أو أن أنفس الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة في إجابة الدعاء؛ فقد كذب في ذلك، والله أعلم[2].

هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به.

وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك به، فللعلماء فيه قولان- كما لهم في الحلف به قولان- وجمهور الأئمة؛ كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، على أنه لا يسوغ الحلف به، كما لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة، ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد.

والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره؛ ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به، ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به؛ فلذلك جوز التوسل به. ولكن الرواية الأخرى عنه هي قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به، فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحدًا من السلف والأئمة قال: إنه يقسم به على الله، كما لم يقولوا إنه يقسم بهم مطلقًا. ولهذا أفتى أبو محمد بن عبدالسلام: أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الإقسام به فقال: إن صح الحديث كان خاصًّا به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان حالفًا فليحلف بالله وإلا فليصمت))، وقال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك))، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع والله أعلم[3].

معنى التوسل:
وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعلاهم جاهًا عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: 69]، وقال عن المسيح: ﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [آل عمران: 45]، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاهًا من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

ولفظ (التوسل) في عُرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى، والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة[4].

الانتفاع بالشفاعة والدعاء له شروط:
وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم- ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا- فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: 41]، وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: 113].

وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين، وقد قيل: إن بعض أهل البدعة ينكرها.

وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثيرٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب.

وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة[5].

من تقرب إلى الله بغير أمر إيجاب أو استحباب ضال:
ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبدالله بن مسعود: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153]، فهذا أصلٌ جامعٌ يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم، لا سيما وليس معه في بدعته إمام من أئمة المسلمين، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يُعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع، فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته[6].

زيارة القبور على وجهين: شرعية وبدعية:
فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت، كما يُقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له، فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة: 84] فنهى نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون.

فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة- وهي الكفر- دلَّ ذلك على انتفاء هذا النهي عند انتفاء هذه العلة، ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يُصلى عليه ويُقام على قبره؛ إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يُخصوا بالنهي ولم يُعلل ذلك بكفرهم.

ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: ((سلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل))؛ رواه أبو داود وغيره، وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأُحُد، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم))، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون))، والأحاديث في ذلك صحيحة معروفة، فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم.

وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكفار، كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة))، فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت، تُشرع ولو كان المقبور كافرًا، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت، فتلك لا تُشرع إلا في حق المؤمنين.

وأما الزيارة البدعية: فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك[7].

قصد الصلاة عند قبور الصالحين من غير قصد الدعاء محرم منهي عنه:
ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين، من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم، مثل أن يتخذ قبورهم مساجد، لكان ذلك محرمًا منهيًّا عنه، ولكان صاحبه متعرضًا لغضب الله ولعنته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ))اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد((، وقال: ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما صنعوا، وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)).

فإذا كان هذا محرمًا، وهو سبب لسخط الرب ولعنته، فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم. وقد استفاض عن ابن عباس وغيره في صحيح البخاري وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: 23] أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان في قبائل العرب[8].

أفضل العبادات البدنية الصلاة:
وأفضل العبادات البدنية الصلاة، وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل واحد في موطنه مأمور به، ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفي الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر، وفي آخرها يؤمر بالدعاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك، والدعاء في السجود حسن مأمور به، ويجوز الدعاء في القيام أيضًا وفي الركوع، وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل، فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسنٌ مأمورٌ به[9].

ديننا مبنيٌّ على أصلين: عبادة الله وحده، وأن نعبده بما شرع:
ودين الإسلام مبنيٌّ على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيُعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان.

فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل، وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام، فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم.

ولا بد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصةً لله رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 4، 5]، وقال تعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 1 - 3].

فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله، والعبادات البدنية والمالية، ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال، هو مأمور بأن يفعله خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاءً، لا دعاءً ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاءً، لا دعاءً ولا غيره[10].

مفاسد سؤال المخلوقين:
فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك.
ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس.
فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة[11].

من العبادة الإحسان إلى الناس:
فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده، كما قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى [النساء: 36] وهذا أمرٌ بمعالي الأخلاق، وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها.

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))؛ رواه الحاكم في صحيحه، وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، وقال: ((اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة))، وهذا ثابت عنه في الصحيح[12].

معنى الصراط المستقيم:
فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، بفعل ما أمر وترك ما حظر، وتصديقه فيما أخبر، ولا طريق إلى الله إلا ذلك، وهذا سبيل أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين، وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال، وقد نزَّه الله تعالى نبيَّه عن هذا وهذا، فقال تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 1 - 4]، وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7]، وقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون))؛ قال الترمذي: حديث صحيح. وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون[13].

في الوسيلة والتوسل واضطراب الناس بسبب ما وقع من اللفظين من الإجمال والاشتراك:
فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: 35]، وفي قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 56، 57]، فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبَّات، فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.

فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. والثاني لفظ "الوسيلة " في الأحاديث الصحيحة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة))، وقوله: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، حلَّت له الشفاعة)). فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول، وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلَّت عليه الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: ((إنه مَن صلَّى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا)).

وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتوجه به في كلام الصحابة، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به، كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.

وحينئذٍ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويُراد به معنى ثالث لم تَرِد به سُنَّة، فأما المعنيان الأولان- الصحيحان باتفاق العلماء- فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني دعاؤه وشفاعته كما تقدم، فهذان جائزان بإجماع المسلمين.

والثالث التوسُّل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم[14].

سؤال العبد بالله ليس قسمًا:
والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا، فإن حنثه ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئًا ولم يفعله، فالكفارة على الحالف الحانث.

وأما قوله: ((سألتك بالله أن تفعل كذا))، فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث: ((من سألكم بالله فأعطوه))، ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله.

والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار، فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسَّهم الضر في البحر ضلَّ من يدعون إلا إياه، فلما نجَّاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورًا.

وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناسٌ مخصوصون، فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام. وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقسامًا عليه، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو[15].

السؤال بحق فلان:
وأما السؤال بحق فلان فهو مبني على أصلين:
أحدهما: ما له من الحق عند الله.


والثاني: هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة؟


أما الأول، فمن الناس من يقول: للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل، وقاس المخلوق على الخالق، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم. ومن الناس من يقول: لا حق للمخلوق على الخالق بحال، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره، كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة. ومنهم من يقول: بل كتب الله على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، كما قال في الحديث الصحيح الإلهي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا))، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54]، وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47].

وفي الصحيحين: عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حقهم عليه ألَّا يعذبهم))، فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره، وعلى الثاني يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه[16].

الفارق بين الخالق والمخلوق:
وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة.

منها أن الرب تعالى غنيٌّ بنفسه عما سواه، ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من الوجوه، والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية.

ومنها أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة، ويرضى ويفرح بتوبة التائبين، فهو الذي يخلق ذلك وييسره، فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة، الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان- بخلاف القدرية- والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.

ومنها أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، كما قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلًا عليهم، بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم. بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه، وينهاه عما ينهاه بخلًا عليه. وهذا أيضًا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته، ويقولون: إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم، ولم ينههم إلا عن شر يضرهم، بخلاف المجبرة الذين يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم.

ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا به؛ ولهذا قال أهل الجنة: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: 43]، وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك.

ومنها أن نعمه على عباده أعظم من أن تُحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة، لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضًا.

ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله لها: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45][17].

التوسل المشروع بالدعاء والشفاعة:
والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء: من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك، يتضمن شيئين كما تقدم:
أحدهما: الإقسام على الله سبحانه وتعالى به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم. كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.

والثاني: السؤال به، فهذا يجوِّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: ((أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة))، وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه؛ فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ((اللهم شفعه في))، ولهذا ردَّ الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله[18].

إذا سلَّم الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يدعو لنفسه استقبل القبلة:
فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين، أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له، هذا قول أكثر العلماء؛ كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.

وعند أصحاب أبي حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضًا، ثم منهم من قال: يجعل الحُجرة على يساره- وقد رواه ابن وهب عن مالك- ويسلم عليه. ومنهم من قال: بل يستدبر الحُجرة ويسلم عليه، وهذا هو المشهور عندهم، ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك. قال القاضي عياض في المبسوط: عن مالك قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي. قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر، يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف[19].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم اليوم, 03:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,896
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية



دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يجعل قبره وثنًا يُعبد:
قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)) ((اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا قبري عيدًا)).

قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر، لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلًا، وفي العتبية (يعني عن مالك): يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إليَّ من التنفل في البيوت. فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له.

وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء، ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه.

وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلومٌ أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟[20]

السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم مستحب:
وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحدٌ السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه، وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين، لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل يُنهى عن ذلك.

ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي: أظهرهما عنه يجب ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجبًا بالشرع، فلا يجب بالنذر عنده. وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))[21].

الروضة بين البيت والمنبر:
والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))، هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال "قبري"، وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قُبر بعد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًّا في محل النزاع، ولكن دُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه.

ثم لما وُسِّع المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبدالعزيز، أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة، فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذٍ، وبنوا الحائط البراني مُسَنَّمًا مُحَرَّفًا، فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))؛ لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما نهي عن اتخاذها مساجد ونهي عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له[22].

الوسيلة التي أمرنا بها هي الطاعة:
والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بالإيمان به وطاعته، وهذا التوسل به فرض على كل أحد.

وأما التوسل بدعائه وشفاعته- كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته- فهذا نوع ثالث هو من باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولا يشفع له، ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعًا مطلقًا لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروعٌ في حق الأنبياء والملائكة، بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحًا في نفس الأمر[23].

لا يجوز التحريم إلا بدليل شرعي:
وذلك أن العمل إذا عُلِم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًّا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب، جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.

وهذا كالإسرائيليات، يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب، للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا، ونهى عنه في شرعنا. فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت، فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. والضعيف عندهم ينقسم إلى: ضعيف متروك لا يُحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى: مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك[24].

لا يكون الشيء واجبًا ولا مستحبًّا إلا بدليل شرعي:
ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًّا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة، إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا. وفي الجملة، فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحدٌ من أئمة المسلمين[25].

قول الصحابي حُجة إذا لم يخالفه غيره:
ومن قال من العلماء: "إن قول الصحابي حجة"، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: "هذا إجماع إقراري" إذا عُرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عُرف أن غيره لم يخالفه، فقد يقال: "هو حجة".

وأما إذا عُرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه، لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه، كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا له ولا شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به[26].

النذر لغير الله حرام وكذا الحلف:
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله، لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا النذر شركٌ لا يوفي به. وكذلك الحلف بالمخلوقات، لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين.

فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله؟[27]

لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس ذلك للمخلوقات:
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته؛ لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته وعلمه، وقدرته ومشيئته، ورحمته وحكمته، وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها؛ لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات، وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهي عنه[28].

معنى استفتاح اليهود بالرسول صلى الله عليه وسلم:
وأما قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: 89] فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يُبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، ولم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأُمِّي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه، هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن، فإنه قال تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ [البقرة: 89] والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به؛ إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له[29].

التوسل بصالح الأعمال على وجهين:
أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال؛ كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك.

والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ومثل هذا كقول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران: 193]، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء، ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 109]، وأمثال ذلك كثير.

وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، فإنه يكون على وجهين:
أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع، كما كان يُطلب منه في حياته، وكما يُطلب منه يوم القيامة، حين يأتون آدم ونوحًا، ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، فيطلبون منه الشفاعة.

والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك، بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره، فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة فدعا له الرسول، وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه فيَّ))، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته، بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول- والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه- فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه[30].

دعاء الغائب أقرب للإجابة:
ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر؛ لأنه أكمل إخلاصًا وأبعد عن الشرك، فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه، إلى دعاء من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفي الحديث: ((أعظم الدعاء إجابةً دعاء غائب لغائب))، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله))، وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادرٌ على دعاء الله ومسألته؛ فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها[31].

لا يجوز القسم على المخلوق بالمخلوق:
والإنسان إذا توسَّل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده، وهذا جائز.

وإما أن يقسم عليه كما يقول: بحياة ولدك فلان، وبتربة أبيك فلان، وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك، والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز، ولا يجوز الإقسام على مخلوقٍ بمخلوق[32].

لا يشرع قصد الصلاة إلى القبر:
ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور، لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء، فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى ألَّا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى.

فعُلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا، لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيءٌ من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يُشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلفٌ أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفًا[33].

النهي عن الشرك للأنبياء والخلق على السواء:
وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله عز وجل، وسيد ولد آدم، وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاهًا عند الله تبارك وتعالى، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بألَّا يُشرك به ولا يُتخذ قبره وثنًا يُعبد ولا يُدعى من دون الله، لا في حياته ولا في مماته.

ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم- لما كانوا من جنس عباد الأوثان- صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق[34].

فيمن قال أسألك بحق السائلين عليك:
أما قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صحَّ هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه، كما قال: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه، كقول القائلين: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران: 194]، وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها[35].

مناظرة بين الشيخ والرهبان وإقامة الحجة عليهم:
ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم، دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد، فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك، فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام ألَّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، ولا كوكبًا، ولا نشرك معه نبيًّا من الأنبياء ولا صالحًا: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93].

وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره؛ مثل: إنزال المطر وإنبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم، كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: 3]، فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبيٍّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرًا حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده[36].

في الانحناء عند التحية:
وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا))، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا، كما في قصة يوسف: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 100]، وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضهم لبعض، فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه[37].

في تعبيد المشركين أنفسهم وأولادهم لغير الله:
كان المشركون يُعبِّدون أنفسهم وأولادهم لغير الله، فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبدالرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله، ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبدالله وعبدالرحمن كما سمى عبدالرحمن بن عوف ونحو هذا، وكما سمى أبا معاوية- وكان اسمه عبد العزى- فسماه عبدالرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبدالقيوم.

ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشايخ، فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين.

وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم، كما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، وعامة ما سمى به النبي صلى الله عليه وسلم: عبدالله وعبدالرحمن، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110]، فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى[38].

[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1 ص137-138.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص139.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص140-141.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص143.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص145-149.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص162-163.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص165-166.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص166-167.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص183-184.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص189-190.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص190-191.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص195.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص197.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص199-202.

[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص206.

[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص213-214.

[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص216-217.

[18] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص222-223.

[19] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص229-230.

[20] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص232-233.

[21] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص234-235.

[22] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص236-237.

[23] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص247-248.

[24] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص251.

[25] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص265.

[26] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص283-284.

[27] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص286.

[28] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص290.

[29] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص296.

[30] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص309-310.

[31] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص328-329.

[32] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص338.

[33] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص354.

[34] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص359.

[35] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص369.

[36] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص370-371.

[37] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص377.

[38] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص378-379.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 220.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 216.95 كيلو بايت... تم توفير 3.97 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]