دروس رمضانية السيد مراد سلامة - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3981 - عددالزوار : 407895 )           »          تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 571 - عددالزوار : 22326 )           »          المعجزات العلمية في السنة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          قيام الليل يرفعك إلى درجة القانتين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          حديث: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحلل والمُحلل له (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث «كل أمتي يدخلون الجنة» الجزء الأول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          حديث: إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          تخريج حديث: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          ثلاث آيات قرآنية تبين بطلان حديث: (اعرضوا الحديث على القرآن فما وافق القرآن فاقبلوه، (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          علم الحديث: رواية ودراية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > ملتقى اخبار الشفاء والحدث والموضوعات المميزة > رمضانيات
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 23-03-2024, 12:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الحادي عشر: وسائل الثبات على الإيمان

السيد مراد سلامة

الحمد لله ربِّ العالمين المنفرد بالقدم والبقاء والعظمة والكبرياء، والعز الذي لا يرام، الصمد الذي لا بصوره العقل ولا يحدُّه الفكر، ولا تدركه الأفهام، القدوس الذي تنزَّه عن أوصاف الحدوث، فلا يوصف بعوارض الأجسام، الغني عن جميع المخلوقات، فالكل مفتقر إليه وهو الغني على الدوام، سبق الزمان فلا يقال متى كان، وخلق المكان فلا يقال أين كان، فتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، إله عزَّ مَن اعتزَّ به فلا يُضام، وذلَّ مَن تكبَّر عن أمره ولقِي الآثام، أستغفر الله مما كان من زللي ومن ذنوبي وإفراطي وإصراري، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه من خلقه وحبيبه.

صلوا على خير الأنام محمد
إن الصلاة عليه نور يعقد
من كان صلى عليه قاعد يُغفر له
قبل القيام وللمتاب يجدد




وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسك بسنته، واقتدى بهديه، واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

أولًا: الاعتصام بكتاب الله تعالى:
ذلك الكتاب الذي نزله على نبيه صلى الله عليه وسلم منجمًا ليثبت به فؤاده؛ فالقرآن العظيم وسيلة الثبات الأولى، وهو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.

نص الله على أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا الكتاب منجمًا مفصلًا هي التثبيت، فقال تعالى في معرض الرد على شُبه الكفار: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان: 32].

لماذا كان القرآن مصدرًا للتثبيت؟
1- لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله.

2- لأن تلك الآيات تتنزل بردًا وسلامًا على قلب المؤمن، فلا تعصف به رياح الفتنة، ويطمئن قلبه بذكر الله.

3- لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يُقوِّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تُهيئ له الحكم على الأمور، فلا يضطرب حكمه، ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص.

- أنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين؛ كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر"[1].

ومن منطلق القرآن الكريم تتولد جميع وسائل الثبات، فهو يدعو إلى الصبر وإلى الاعتصام بحبل الله، وإلى تدبر قصص الأنبياء، وإلى الدعاء، فالقرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوم الأوضاع التي حوله تقويمًا صحيحًا، كما أن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من أحكام وصول وقواعد وحِكم وقصص يرد على الشبهات، فإن عُلِم ذلك كله لزِم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم المقيم - أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه"[2].

ثانيًا: الإيمان بالقضاء والقدر:
فمن وسائل الثبات على الإيمان أن يؤمن العبد بالقضاء والقدر، وأن كل شيء مكتوب بقد، وأن كل شيء في كتاب، "فإذا آمن العبد بأنَّ كل ما يصيبه مكتوب، وآمن أن الأرزاق والآجال بيد الله، فإنه يقتحم الصعاب والأهوال بقلب ثابت وهامَةٍ مرفوعة، وقد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيَّابين ولا وَجِلين، وكان الواحد منهم بطلب الموت في مظانه، ويرمي بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته، ثم تراه يموت على فراشه، فيبكي أن لم يسقط في ميدان النزال شهيدًا، وهو الذي كان يقتحم الأخطار والأهوال.

وكان هذا الإيمان من أعظم ما ثَبَّت قلوب الصالحين في مواجهة الظلمة والطغاة، ولا يخافون في الله لومة لائم؛ لأنهم يعلمون أن الأمر بيد الله، وما قدر لهم سيأتيهم.

وكانوا لا يخافون من قول كلمة الحق خشية انقطاع الرزق، فالرزق بيد الله، وما كتبه الله من رزق لا يستطيع أحدٌ منعه، وما منعه الله لعبد من عبيده لا يستطيع أحد إيصاله إليه[3].

ثالثًا: الاعتصام بالله والافتقار إليه:
يقول إبراهيم الدويش: "إذا عرفت الهدف وبان لك الطريق، ورضيت بهما، فإياك أن تعتمد على نفسك الضعيفة، وعلى حولك وقوتك، فأنت أخي مهما بلغت ضعيف، والله تعالى يقول ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]، نعم لا حول ولا قوة لك إلا بالله، فعليك في زمن الفتن والشبهات والشهوات بالاعتصام بالله، أليس المتغيرات تتلاحق؟ أليس الشبهات والشهوات تموج كموج البحر، فلا عاصم لك إلا بالله.

تأمل: أخي لماذا نشكو للناس؟ لماذا تئن بضعف نفسك؟
اشكُ الأمر لله، كن مع الله، إذا سجدت فأعلن ضعفك وافتقارك لله، ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].

ألست تريد الهداية إلى الصراط المستقيم؟
إذًا اعتصم بالله تعالى، أعلِن دائمًا في كل لحظة الضعف والافتقار أكثر من الدعاء والانكسار في مثل هذا الزمن، فلا عاصم لك من الفتن إلا الله، لا معين ولا منجي لك في زمن الشهوات إلا الله، لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر في سجوده من قوله: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دينك"[4].

بل كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ"[5].

فأين نحن إذًا مِن تَكرار مثل هذا الأدعية خاصة في مثل هذا الزمن؟ أليس الله يقول في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"[6].

اطلبوا الهداية، افعلوا أسبابها، تجنَّبوا مواطن الشبهات، أَلِحُّوا على الله تعالى بالهداية، إذا سألت أخي فاسأل الله، إذا استعنت فاستعنْ بالله، وردد دائمًا، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: 250]، كرِّر في كل وقت ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8].

يقولُ ابنُ القيِّم: ((أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان: أنْ يكلك اللهُ على نفسِك، ويُخلِّي بينك وبينها، والتوفيقُ ألا يكِلك اللهُ إلى نفسِك، فالعبيدُ متقلِّبون بين توفيقهِ وخذلانِهِ، بلِ العبدُ في الساعةِ الواحدةِ ينالُ نصيبه منْ هذا وهذا، فيطيعهِ ويُرضيهِ، ويذكرُه ويشكرُه بتوفيقِه له، ثم يعصيهِ ويخالفُه، ويُسْخِطُه ويغفلُ عنه بخذلانِهِ له، فهو دائرٌ بين توفيقِه وخِذْلانِهِ، فمتى شهِد العبدُ هذا المشهد وأعطاهُ حقَّه، علِم شِدَّة ضرورتِه وحاجتِه إلى التوفيق في كلِّ نَفَسٍ وكلِّ لحظةٍ وطرْفةِ عيْنٍ، وأنَّ إيمانه وتوحيده بيدِهِ تعالى، لو تخلَّى عنه طرفة عينٍ لَثُلَّ عَرْشُ توحيدِه، ولخَرَّتْ سماءُ إيمانِهِ على الأرضِ، وأنَّ الممسك له: هو منْ يمسك السماء أنْ تقع على الأرضِ إلا بإذنِهِ))[7].

هيَّا أعلن افتقارك إلى الله واهتف:
فقيرًا جئتُ بابك يا إلهي
ولست إلى عبادك بالفقير
غني عنهم بيقين قلبي
وأطمَع منك في الفضل الكبير
إلهي ما سألت سواك عونًا
فحسبي العون من رب قدير
إلهي ما سألت سواك عفوًا
فحسبي العفو من رب غفور
إلهي ما سألت سواك هديًا
فحسبي الهدي من رب بصير
إذا لم أستعن بك يا إلهي
فمن عوني سواك ومن مُجيري؟


فالطلب العون من صاحب العون، واسمع إلى كلام ابن القيم - رحمه الله - إذ يقول: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ [إبراهيم: 27].

كنز عظيمٌ مَن وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنِم، ومن حُرِمَه فقد حُرِمَ، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74].

فكان أثبت الناس قلبًا وأثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة"[8].

فما مُنح عبد أعظم من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج من يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم.

رابعًا: الاستعانة بالأعمال الصالحة التي تثبت العبد عند حلول الفتن والشهوات:
رأس تلك الأعمال الصبر والصلاة؛ يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].

يقول ابن القيم رحمه الله: "الصبرُ إذا قام به العبد كما ينبغي، انقلبتْ المِحنةُ في حقِّه مِنْحةً، واستحالتِ البليَّة عطيَّة، وصار المكروهُ محبوبًا، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ عطيَّة، وصار المكروهُ محبوبًا، فإنَّ الله تعالى على العبدِ عبوديَّةً في الضَّراءِ، كما له عبوديَّةٌ في السَّرَّاءِ، وله عبوديَّةٌ عليه فيما يحبُّونه، والشأنُ في إعطاءِ العبوديَّةِ في المكارِهِ، ففيه تفاوتُ مراتبِ العبادِ، وبحسبِه كانتْ منازلُهم عند اللهِ تعالى"[9].

وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 127]، ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18].

وقال ابن عمر رضي الله عنه بالصبر أدركنا حسن العيش.
ولأهل السنة عند المصائب ثلاثة فنون: الصبر، الدعاء، وانتظار الفرج.

وقال الشاعر:
سقيناهموا كأسًا سقونا بمثلها
ولكننا كنا على الموت أصبرَ


وقال صلى الله عليه وسلم: "رحِمَ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ"[10].
دَبَبْتُ للمجدِ والساعون قد بلغوا
جَهْدَ النفوس وألقَوا دونه الأُزُرا
وكابَدوا المجدَ حتى ملَّ أكثرُهمْ
وعانَق المجد مَنْ أوفى ومنْ صبَرا
لا تَحسبِ المجد تمرًا أنتَ آكلُهُ
لنْ تبلغ المجد حتى تلْعق الصَّبِرا



[1] -وسائل الثبات على دين الله (ص: 8-9).

[2] - مجلة التوحيد "عدد ربيع الأول 1424"ص (34).

[3] -كتاب القضاء والقدر ص (111-112).

[4] - أخرجه أحمد (6/ 294) انظر صحيح الجامع: 4801، الصحيحة: 2091.

[5] - أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 46، رقم 29358)، وأحمد (4/ 123، رقم 17155)، وابن حبان (5/ 310، رقم 1974)، انظر الصحيحة: 3228، صحيح موارد الظمآن: 2047.

[6] - أخرجه مسلم (4/ 1994، رقم 2577)، وابن حبان (2/ 385، رقم 619)، والحاكم (4/ 269، رقم 7606).

[7] -كتاب لا تحزن (ص:163).

[8] - إعلام الموقعين (1/ 76).

[9] - لا تحزن (ص: 418).

[10] - أخرجه البخاري في: 57 كتاب فرض الخمس: 19 باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 25-03-2024, 02:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الثاني عشر: تابع وسائل الثبات على الإيمان

السيد مراد سلامة


الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخِرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ناشري لواء الدين، وعلى مَن تبِعهم من سلف هذه الأمة وخلَفها ممن جاهد وبذل ورافَق ونافَح في كل وقت وحين.

خامسًا: الصلاة:
ومِن أعظم وسائل الثبات على طريق الإيمان الصلاة، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزَبه أمر فزع إلى الصلاة"[1]، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "أرحنا بها يا بلال"[2]، ويقول صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"[3]، إذا ضاق الصدرُ، وصعُب الأمرُ، وكثر المكْرُ، فاهرعْ إلى المصلَّى فصلِّ، إذا أظلمتْ في وجهِك الأيامُ، واختلفتْ الليالي، وتغيَّرَ الأصحابُ، فعليك بالصلاةِ.

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المهمَّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلاةِ، كيومِ بدْرٍ والأحزابِ وغيرِها من المواطنِ، وذكروا عنِ الحافظِ ابن حجرٍ صاحبِ (الفتحِ) أنه ذهب إلى القلعةِ بمصر، فأحط به اللصوصُ، فقام يصلي، ففرَّج اللهُ عنهُ.

وذكر ابنُ عساكر وابنُ القيمِ أنَّ رجلًا من الصالحين لَقِيَه لصٌّ في إحدى طرقِ الشامِ، فأجهز عليه ليقتله، فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتين، فقام فافتتح الصلاة، وتذكَّرَ قول اللهِ تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [النمل: 62]، فردَّدها ثلاثًا، فنزل ملكٌ من السماءِ بحربةٍ فَقَتَلَ المجرم، وقال: أنا رسولُ منْ يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132]، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].


يقول ابن القيم - رحمه الله -: فالصلاةُ من أكبر العَوْن على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسد، ومُنوِّرةٌ للقلب، ومُبيِّضَةٌ للوجه، ومُنشِّطةٌ للجوارح والنفس، وجالِبةٌ للرزق، ودافعةٌ للظلم، وناصِرةٌ للمظلوم، وقامِعةٌ لأخلاط الشهوات، وحافِظةٌ للنعمة، ودافِعةٌ للنِّقمة، ومُنزِلةٌ للرحمة، وكاشِفة للغُمَّة"[4].

سادسًا: التزام شرع الله والعمل الصالح:
يقول الله تعالى:﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾[إبراهيم: 27].

قال قتادة: "أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر".


وكذا روي عن غير واحد من السلف.


وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا[النساء: 66]؛ أي: على الحق.


وهذا بيِّن، وإلا فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادْلَهَمَّ الخطب؟!


ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم صراطًا مستقيمًا، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل[5].


سابعًا: تدبر قصص القرآن الكريم ودراستها للتأسي والعمل:
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[هود: 120]، فما نزلت الآيات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلهي والتفكُّه، وإنما لغرض عظيم وهو تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفئدة المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى لَما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، أوضح للنبي صلى الله عليه وسلم الهدف من ذلك بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].

ويقول العلامة ابن كثير - رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120].

وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك يا محمد؛ أي: قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة.

وقوله: ﴿ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ ﴾؛ أي: [في] هذه السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وجماعة من السلف[6].

ثامنًا: الدعاء:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: 250].

ولما كانت "قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ" [7].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دينك"[8].

فالدعاء هو سلاح المؤمن الذي يدافع به عن نفسه وبه تثبت الأقدام والقلوب.

رأى أصحاب نور الدين محمود زنكي إنفاقه على الفقراء والمساكين، ولا سيما طلبة العلم وشدة طلبه الدعاء منهم، فعوتِب في ذلك فقال: "والله إني لأرجو النصر إلا بأولئك، كيف أقطع صلات قوم يقالون عني وأنا نائم على الفراش بسهام لا تخطئ (يريد الدعاء)، وأصرفها إلى قوم لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تُصيب وقد تخطئ"[9].

وما هو صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى ربه بالدعاء يوم بدر، ويوم الأحزاب، وغيرها من مواقف ومعارك.

تاسعًا: الالتفاف حول العناصر المثبتة:
تلك العناصر التي من صفاتها ما أخبر به صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه"[10].

البحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين والالتفاف حولهم مُعين كبير على الثبات، وقد حدث في التاريخ الإسلامي فتن ثبت الله فيها المؤمنين برجال؛ قال علي رضي الله عنه: "إنا كنا إذا حمى البأس - ويروى: إذا اشتد البأس - واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا"[11].

ومن ذلك ما قاله علي بن المديني رحمه الله: "أعز الله الدين بالصِّديق يوم الرِّدة، وبأحمد يوم المحنة".

وتأمل ما قاله ابن القيم رحمه الله عن دور شيخ الإسلام في التثبيت: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرَغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"[12].

هنا تبرُز الأخوَّة الإسلامية مصدرًا أساسًا للتثبيت، فإخوانك الصالحون والقدوات والمربون هم العون لك في الطريق، والركن الشديد الذي تأوي إليه، فيثبتوك بما معهم من آيات الله والحكمة، الزمهم وعِش في أكنافهم، وإياك والوحدة، فتتخطَّفك الشياطين؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية[13].

والتمسُّك، بل العض بالنواجذ على الصاحب الصالح والمصاحبة، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة في كتاب الله تعالى، لكفتنا في الصحبة والمصاحبة؛ يقول الحق جل وعلا: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

تأملوا في زمن الفتن والشهوات الوصية:
ولا تصحب الأردى فتَردَى مع الرَّدي
فكلُّ قرينٍ بالمقارن يقتدي




وكم من شاب يحب الخير، ويتمنى الصلاح، لكن شياطين الإنس له بالمرصاد، وكم من فتاة فيها الخير وعلى الفطرة، وتحب الصلاح، ولكن شياطين الإنس من الفتيات ممن جلسنَ لها بالمرصاد، يصدونها عن ذكر الله وعن الخير، ونعوذ بالله من شر الناس، فإياك وصحبة البطال وعليك بالأبطال"[14].

عاشرًا الرضا:
وللرضا ثمرات إيمانية كثيرة وافرة تنتج عنه، ويرتفع بها الراضي إلى أعلى المنازل، فيصبح راسخًا في يقينه ثابتًا في اعتقاده، وصادقًا في أقواله وأعماله وأحواله، فالرِّضا يُوجِبُ الطُّمأنينة، وبردَ القلبِ، وسكونَه وقراره، وثباته عند اضطرابِ الشُّبهِ والتباسِ والقضايا، وكثْرةِ الواردِ، فيثقُ هذا القلبُ بموعودِ اللهِ وموعودِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويقولُ لسانُ الحالِ: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: 22].


والسخطُ يوجبُ اضطراب قلبِه، وريبتهُ وانزعاجهُ، وعَدَمَ قرارِهِ، ومرضهُ وتمزُّقهُ، فيبقى قلِقًا ناقِمًا ساخِطًا متمرِّدًا، فلسانُ حالِه يقولُ: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: 12]، فأصحابُ هذه القلوبِ إن يكُن لهمُ الحقُّ، يأتوا إليه مُذعِنِين، وإن طُولِبوا بالحقِّ إذا همْ يصْدفِون، وإنْ أصابهم خيرٌ اطمأنُّوا به، وإنْ أصابتهم فتنةٌ انقلبُوا على وجوههِم، خسرُوا الدنيا والآخرة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: 11].


كما أنّ الرضا يُنزلُ عليه السكينة التي لا أَنْفَعَ له منها، ومتى نزلتْ عليه السكينةُ، استقام وصلحتْ أحوالُه، وصلح بالُه، والسُّخط يُبعِدُه منها بحسبِ قلَّتِه وكثرتِه، وإذا ترحَّلتْ عنهُ السكينةُ، ترحَّل عنه السرورُ والأمْنُ والراحةُ وطِيبُ العيشِ. فمنْ أعْظَمِ نعمِ اللهِ على عبدِه: تنزُّلُ السكينةِ عليهِ. ومنْ أعظمِ أسبابِها: الرضا عنه في جميعِ الحالاتِ.
رضينا بك اللهم ربًّا وخالقًا
وبالمصطفى المختار نورًا وهاديَا
فإما حياة نظم الوحي سيرَها
وإلا فموت لا يَسُرُّ الأعادي


الحادي عشر: ذكر الله تعالى:
تأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأنفال: 45]، فجعله من أعظم ما يُعين على الثبات في الجهاد.

"وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها - ما بين القوسين مقتبس من كلام ابن القيم رحمه الله في الداء والدواء - بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيرًا.

- وبماذا استعان يوسف عليه السلام في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لَما دعته إلى نفسها؟ ألم يدخل في حصن "معاذ الله"، فتكسَّرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟

وكذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين[15]، وذكر الله - عز وجل - هو الحصن الذي يتحصن به المسلم من أعدائه؛ كما في الحديث الذي أخرجه الإمام احمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ"[16].

فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقًا بالعبد ألا يَفتُرَ لسانه من ذكر الله تعالى، وألا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يَحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثَب عليه وافترسه.

وإذا ذكر الله تعالى انخنَس عدو الله تعالى، وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سُمي الوسواس الخناس؛ أي يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس؛ أي: كف وانقبض؛ قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس"[17].

[1] أخرجه أحمد (5 /388) وأبو داود (1319) انظر صحيح الجامع: 4703
[2] ((جامع الأصول)) (6 /263)، ((المسند)) (5/364)، ((المعجم الكبير)) (6/339)، ((مشكاة المصابيح)) (1 /393)، ((تخريج إحياء علوم الدين)) (1 /369 - للحداد)، ((إحياء علوم الدين)) (1 /165 - تخريج العراقي).
[3] أخرجه الضياء في " المختارة " (1532) المعجم الكبير: 20 /420.
[4] زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 209)
[5] وسائل الثبات على دين الله (ص: 11-12).
[6] تفسير ابن كثير-(2/ 465)
[7] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب القدر -باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء -4/ 2045، رقم 17).
[8] حسن، لشواهده: أخرجه أحمد (6/294) انظر صحيح الجامع: 4801، الصحيحة: 2091
[9] وقفات مع الأبرار ص (105).
[10] أخرجه الحسين المروزي في "زوائد الزهد" (968) وابن ماجه (237) وأبو الغنائم النرسي في "قضاء الحوائج" (24)
[11] مسند أحمد، تحقيق الشيخ شاكر 2/ 64 رقم 654، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، ومجمع الزوائد 9/ 12.
[12] الوابل الصيب (ص: 67)
[13] وسائل الثبات (ص: 26)
[14] الثبات في زمن المتغيرات ص (24-26).
[15] وسائل الثبات (ص: 28)
[16] رواه الترمذي (2867). صحيح الجامع: 1724 ، صحيح الترغيب والترهيب: 552
[17] الوابل الصيب (ص: 56)




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 25-03-2024, 02:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الثالث عشر أسباب: الثبات على المصائب

السيد مراد سلامة



الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخِرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ناشري لواء الدين، وعلى من تبِعهم من سلف هذه الأمة وخلَفها ممن جاهد وبذل ورافَق ونافَح في كل وقت وحين.

اعلم - زادك الله علمًا - أنه من استخبر العقل والنقل بأن الدنيا دار المصائب والشرور، وليس فيها لذة على الحقيقية، إلا وهي مشوبة بالكدر، فما يظن في الدنيا أنه شرابٌ فهو سراب، وعمارتها وإن حسُنت صورتها خراب، والعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع، وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع قال بعض الأدباء:

طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها
صفوًا من الأقدار والأكادر



قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجًا يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وُضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم؟!

قال الشاعر:

على ذا مضى الناس
اجتماع وفرقة
وميت ومولود
وبشر وأحزان

ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر؛ إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف، كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه، ويعترض على القدر، فإن هذا لا يرد فائتًا، لكنه يدل على خَور الجازع ويوجب العقوبة، وسبب ذلك والله أعلم ضعف الإيمان بالآخرة والانشغال عنها بالعاجلة؛ قال الله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [النجم: 29].

فلا هم لهم إلا الدنيا ولا أسفَ إلا عليها، والعين المتطلعة إلى الآخرة ضعيفة جدًّا لا تكاد ترى، وقد عمَّ البلاء أهلَ هذا الزمان - نعوذ بالله من الخذلان - فالدنيا لا تخلو من بلية ولا تصفو من محنة ورزية؛ كما قال القائل:
فمؤجَّلٌ يلقى الرَّدى في غيره
ومعجَّل يلقى الردى في نفسهِ

فكان لابد على الطريق من وسيلة تثبت على الإيمان عند حلول المصائب ونزول النكبات، وها هي بين يديك جمعتها لك من بطون الكتب، ولقد ذكر ابن القيم الأسباب المعينة على الصبر والتي تثبت العبد عندما تحل عليه مصيبة:
أولًا: قال: والصبر على البلاء ينشأ من عدة أسباب:
شهود جزائها وثوابها:قلت: الحيوان الأعجمي الذي لا عقل له يدرِّبه صاحبه، فيصبر على السير على الحبال، واقتحام النيران وخوض الصعاب؛ طمعًا في قطعة لحم يحظى بها عند إتمام فقرته يوم العرض، فاصبر أنت يا صاحب العقل على ما هو دون ذلك - محن الزمان - طمعًا فيما أعده الله للصابرين من جزاء يوافيهم يوم العرض، ولأن شمس الأجر فوق رؤوسهم الصالحين بازغة لا تغيب، ساطعة لا تجبها غمامة شكٍّ، أو سحابة هوى، فقد كان كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم: "لأحدهم أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء"[1].

فرحًا حقيقيًّا من أعماق القلب من علاماته عدم الشكي، قال مغيرة ذهبت عين الأحنف فقال: "ذهبت أربعين سنة ما شكوتها لأحد".

فيها أخي المسلم - حتى تثبت على طريق الإيمان لنشاهد فجر الأجر "محبة الله" والله يحب الصبارين".

عظم الثواب: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء"[2].

تكفير السيئات: أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده، وفي ماله وفي ولده، حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة"[3].

قال الفضيل: إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير.

إلى غير ذلك من ثواب عظيم يدعو المسلم إلى الاستسلام لقضاء الله وقدره والثبات على دينه.

ثانيًا: قال ابن القيم: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
قلت: كما أشرت في الأحاديث الماضية، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يُصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها"[4].

ثالثًا: مما يثبت المسلم على إيمانه عند المصيبة؛ يقول ابن القيم: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يخلق، فلا بد منها فجزعه لا يزيده إلا بلاء؛ قلت: يقول المولى - سبحانه وتعالى -: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد: 22]، وقال سبحانه: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]، قال علقمة: هي ميبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتُبه الله لك، لم يقدروا على ذلك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتُبه الله لك، لم يقدروا على ذلك، قضي القضاء وجفت الأقلام، وطُويت الصُّحف"[5].

فالمصيبة كيرُ العبد، فإما أن يخرج ذهبًا أو خبثًا كما قيل:

سبكناه ونَحسَبه لُجينًا
فأبدى الكيرُ عن خَبَثِ الحديد



فإن لم ينفعه هذا الكِيرُ في الدنيا، فبيْنَ يديه الكِيرُ الأعظم، فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كِيرَ الدنيا ومَسبكَها، خيرٌ له من ذلك الكِير والمسبك، وأنه لا بد من أحد الكِيرَين، فليعلم قدرَ نعمة الله عليه في الكِير العاجل.

الرابع: يقول ابن القيم: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه، ويقول أيضًا: كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارًا، وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يحمد عليه، ويذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر، لم يرد الجزع عليه فائتًا، ولم ينتزع عنه مكروهًا، وإن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله، فالجزع ضره أقربُ من نفعه، قال بعض العقلاء: العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر كما قيل... فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود، فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره"[6].

الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة؛ قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع بلاء إلا بتوبة.

السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقَّه، فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدَّى الحق.

السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي داء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر على تجرُّعه ولا يتقيَّأه بتسخُّطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا.

شيبان الراعي لسفيان: يا سفيان عُدَّ منعَ الله إياك عطاءً منه لك، فإنه لم يمنعك بخلًا، إنما منعك لطفًا"[7].
كم نعمة لا تستقلَّ بشكرِها
لله في جنب المكاره كامنهْ

وقال الحسن لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة، فلرُب أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبُك"[8].

وقال التنوخي: المحن آداب الله عز وجل لخلقه، وتأديب الله بفتح القلوب والأسماع، والأبصار"[9].

إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الكاتب: يصف الفضل بن سهل، ويذكر تقدمه، وعلمه، وكرمه، وكان مما حدثني به أنه برئ من علة كان فيها، فجلس للناس، وهنَّوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامهم، قال الفضل: إن في العلل لنعمًا لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للذنب، وتعرُّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للمثوبة، وحضٌّ على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعدُ الخيار[10].

الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم، ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته، فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره؛ قال تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، وقال الله تعالى: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، وفي مثل هذا القائل:

لعل عتبَك محمودٌ عواقبُه
وربما صحَّت الأجسام بالعلل[11]



التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتُهلكه وتقتُله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبيَّن حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خلع الإكرام، وألبسه ملابسَ الفضل وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجهه، ونكص على عقبيه، طُرد وصُفع قفاه، وأُقصي وتضاعفت عليه المصيبة، وهو لا يشعر في الحال بتضاعُفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة، وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة والمصيبة، لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن الآخرة بالحرمان والخِذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم"[12].

العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرج من عبوديته في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأنَّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فلا ريب أن الإيمان الذي يَثبُت على محل الابتلاء والعافية، هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية، فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية، فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه، فإما أن يخرج تبرًا أحمرَ، وإما أن يخرج زغلًا مَحضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه ويبقى ذهبًا خالصًا، فلو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية، لشغل قلبه بشكره ولسانه: اللهم أعني على ذكرك وشكر وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيَّض له ما يستخرج خبثه ونحاسه، وصيَّره تبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه في داره، فهذه الأسباب ونحوها تُثمر الصبر على البلاء، فإن قوِيت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته ولا يفضَحنا بابتلائه بمنه وكرمه"[13].

وهيَّا أخي المسلم - لنقف مع صور من الثبات على الإيمان أمام المصائب، وكيف ثبت أصحابها على الإيمان، وتقبلوا المصائب، وكأنها نعم جاءت إليهم من قبل الله تعالى ولله درُّ مَن قال:
كم نعْمَة لَا تستقلُّ بشكرها
لله فِي جَنب المكاره كامنه



[1] أخرجه ابن سعد (2/ 208)، وابن ماجه (2/ 1334، رقم 4024)، قال البوصيري (4/ 188): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

[2] الترمذي (4/ 601، رقم 2396)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (2/ 1338، رقم 4031).

[3] أخرجه أحمد (2/ 450، رقم 9810)، وهناد (1/ 238، رقم 402)، وابن حبان (7/ 176، رقم 2913)، والحاكم (4/ 350، رقم 7879) وقال: صحيح على شرط مسلم.

[4] أخرجه: البخاري 7/ 149 (5648)، ومسلم 8/ 14 (2571) (45).

[5] أخرجه: الترمذي (2516)، أحمد 1/ 307، صححه الألباني" في ظلال الجنة: 315، وصحيح الجامع: 6806.

[6] عدة الصابرين (ص: 40)

[7] صيد الخاطر (ص: 106).

[8] شفاء العليل (ص: 34).

[9] الفرج بعد الشدة للتنوخي (ص: 21).

[10] الفرج بعد الشدة للتنوخي (ص: 22).

[11] طريق الهجرتين (ص: 416).

[12] طريق الهجرتين (ص: 416).

[13] طريق الهجرتين (ص: 417)


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 26-03-2024, 03:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الرابع عشر: الثبات عند الممات


السيد مراد سلامة



الحمد لله، شهِدت بوجوده آياته الباهرة، ودلت على كرم جوده نعمه الباطنة والظاهرة، وسبَّحت بحمده الأفلاك الدائرة، والرياح السائرة، والسحب الماطرة، هو الأول فله الخلق والأمر، والأخر فإليه الرجوع يوم الحشر، هو الظاهر فله الحكم والقهر، هو الباطن فله السر والجهر، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبُه، إذا سار سار النور معه، وإذا نام فيَّح الطيب مضجعَه، وإذا تكلم كانت الحكمة مرفعه.
هو المختار من البرايا هو
الهادي البشير هو الرسول
عليه من المهيمن كل وقت
صلاة دائمًا فيها القبول


وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه، وتَمسك بسنته واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

أولًا: الاستقامة:
وهي من أعظم الأسباب والوسائل للثبات عند الممات؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾[فصلت: 30، 31].

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 13].

والاستقامة كلمة جامعة لكل ما أمر الله به، وكل ما نهى عنه، واختلف العلماء في معناها، فقال: أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ألا تشرك بالله شيئًا":
وفسَّرها عمر رضي الله عنه بأنها الاستقامة على الأمر والنهي، وألا تروغ روغان الثعالب، وفسَّرها ابن تيمية: بالمحبة والعبودية لا يلتفتون عنها يَمنة ولا يسرة، والله سبحانه قد بشَّر أهل الاستقامة بالروح والريحان، ورُبَّ راضٍ غير غضبان، فالملائكة تتنزل عليهم لتثبتهم على الإيمان ومعهم التحف الربانية - البشارة بالجنة والنجاة من النار - وها هم أهل الاستقامة على فراش الموت لَما احتُضر أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: لا تبكوا عليّ فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت.

والعماد المقدسي قال عنه ابن قدامة: من عمري أعرِفه أن ما عرَفت أنه عصى الله معصية، فلما جاءه الموت جعل يقول: يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، واستقبل القبلة وتشهَّد.

"أما أهل الكفر والفجور، فإنهم يحرمون الثبات في أشد الأوقات كربةً، فلا يستطيعون التلفظ بالشهادة عند الموت، وهذا من علامات سوء الخاتمة، كما قيل لرجل عند موته: قل لا إله إلا الله، فجعل يحرك رأسه يمينًا وشمالًا يرفض قولها، وآخر يقول عند موته: هذه قطعة جيدة، هذه مشتراها رخيص، وثالث يذكر أسماء قطع الشطرنج، ورابع يدندن بألحان أو كلمات أغنية، أو ذكر معشوق؛ ذلك لأن مثل هذه الأمور أشغلتهم عن ذكر الله في الدنيا، وقد يرى من هؤلاء سواد وجه أو نتنَ رائحة، أو صرف عن القبلة عند خروج أرواحهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما أهل الصلاح والسنة، فإن الله يوفقهم للثبات عند الممات، فينطقون بالشهادتين.

ثانيًا: تقوى الله:
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران: 102].

قال شيخ أحمد فريد - حفظه الله – وعد - الله عز وجل - أهل التقوى بالمخرج والنجاة من كل ضيق، فقال عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2].

ولا شك أن العبد في حال السكرات في شدة وحرج والمخرج والنجاة في الذكر والطاعة، والنطق بكلمة التوحيد؛ كما وعد الله - عز وجل - المتقين اليسر بعد المشقة، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4].

ويقول الشاعر:
تزوَّدْ مِن التقوَى فإنك لا تَدرِي
إذا جَنّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم مِن فتًى أمسَى وأصبحَ ضاحكًا
وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدرِي
وكم مِن عروسٍ زينُوها لزوجِها
وقد قُبضَتْ أرواحهمْ ليلةَ القدْرِ
وكم مِن صحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ
وكم مِن سَقيمٍ عاش حِينًا مِن الدهرِ


ثالثًا: حسن الظن بالله تعالى:
فليجعل المريض حسن الظن بالله شعاره ودثاره، وليقوِ نفس رجائه، فإن الخوف سوط تساق به النفس إلى الجد، وما بقي في الناقة موضع لشوط إنما حسن الظن جدًّا؛ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال له: كيف تجدك؟ قال أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف، عن حيَّان أبي النَّضر، قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع على أبي الأسود الجرشي في مرضه الذي مات فيه، فسلَّم عليه وجلس، قال: فأخذ أبو الأسود يمين واثلة، فمسح بها على عينيه ووجهه لبيعته بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له واثلة: واحدة أسألك عنها، قال: وما هي؟ قال: كيف ظنُّك بربِّك؟ قال: فقال أبو الأسود، وأشار برأسه؛ أي: حسن، قال واثلة: أبشر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله - عزَّ وجلَّ -: أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء"[1].

عن المعتمر بن سليمان قال: قال لي أبي حين حضرته الوفاة يا معتمر، حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به"[2].

عن عطاء بن السائب قال: "دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده، فذهب بعض القوم يرجيه، فقال: إني لأرجو ربي وقد صمتُ له ثمانين رمضان"[3].

رابعًا: الصدق مع الله تعالى:
فإن الصدق يهدي إلى البر، والصدق ينجي صاحبه، الصدق منجاة، ومتى على علام الغيوب من عبده صدق النية وصدق السريرة ثبَّته - سبحانه وتعالى - في دنياه وآخرته، ولقد أمرنا سبحانه أن نكون من جملة الصادقين؛ يقول - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

والصدق أساسُ بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ومن لم يكن معه الصدق فهو من المنقطعين الهالكين، ومن كان معه الصدق أوصَله إلى حضرة ذي الجلال، وكان سببًا في حسن الخاتمة وطيب المآل؛ قال أنس: غاب عمى أنس بن النضر - سُمِّيتُ به - لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَريَّن الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين واهًا لريح الجنة أجده دون أُحد.

قال: فقاتلهم حتى قتل، فوُجِدَ في جسده بضْعُ وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الرُّبَيِّع ابنة النضر - فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ﴾ [الأحزاب: 23]، فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه رضي الله عنهم"[4].

عن الحارث الغنوي قال: آلى ربعي بن حراش ألا يضحك حتى يعلم في الجنة هو أو في النار؟ قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله أنه لم يزل مبتسمًا على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا من غسله رحمه الله تعالى[5].

خامسًا: التوبة الصادقة:
ومن وسائل الثبات عند الممات التوبة الصادقة التي نبعت من مصدر الإيمان، والخوف من الله تعالى، التوبة التي اكتملت فيها شروطها، لا توبة الكذابين التي لا تتجاوز اللسان ولا تعدوه، فتلك تهلك صاحبها ولا تنفعه؛ لذا طلب الله من معشر المؤمنين أن يتوبوا إليه توبة صادقة، فهي التي تورث صاحبها الفلاح والسعادة؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8].

وهيَّا لنعيش في أكناف التائبين أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا، فسأله فقال: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله وجعل يسأل، فقال رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها ومات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرَّبي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، قال: فوجدوه أقربَ إلى هذه بشبر، فغفَر له"[6].

وهذا ماعز بن مالك جاء النبي صلى الله عليه وسلم تائبًا من الزنا وقال: طهِّرني، وفي الحديث: "لقد تاب توبة لو قُسِمت بين أمة لوسِعتهم"[7].

أخي المسلم، فهذه بعضُ وسائل أسباب الثبات عند الممات، فهيَّا لنرى أهل الثبات في الصفحات الآتية.

[1] أحمد (3/ 491)، والدارمي (2731) ، والحاكم (4/ 240)، وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، وقال الألباني في صحيح الجامع: صحيح (4316).

[2] الثبات عند الممات (ص: 69).

[3] حسن الظن بالله (ص: 113).

[4] صحيح البخاري (2805)

[5] صفة الصفوة (2/ 22)

[6] متفق عليه، البخاري (3283) باب ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ﴾ [الكهف: 9]، مسلم (2766) باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، واللفظ له.

[7] أخرجه مسلم (3/ 1321، رقم 1695)، وأبو داود (4/ 149، رقم 4433).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 27-03-2024, 02:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الخامس عشر: وسائل الثبات أمام الشهوات

السيد مراد سلامة
الحمد لله شهِدت بوجوده آياته الباهرة، ودلَّت على كرم جوده نعمُه الباطنة والظاهرة، وسبَّحت بحمده الأفلاك الدائرة، والرياح السائرة، والسحب الماطرة، هو الأول فله الخلق والأمر، والآخر فإليه الرجوع يوم الحشر، هو الظاهر فله الحكم والقهر، هو الباطن فله السر والجهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبُه.


إذا سار سار النور معه، وإذا نام فيَّح الطيب مضجعه، وإذا تكلم كانت الحكمة مرفعه.
هو المختار من البرايا
هو الهادي البشير هو الرسول
عليه من المهيمن كل وقت
صلاة دائما فيها القبول


وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسك بسنته، واقتدى بهديه، واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.


أولًا: تقوى الله تعالى:
فهي وصية الله تعالى لنا وللأمم من قبلنا: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾[النساء: 131].

قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفؤوها بالتقوى، قالوا وما التقوى؟ "التّقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله".

قال ابن مسعود وغيره في رجل سأله عن التقوى، فقال: ألم تمش على طريق فيه شوك؟ فقال بلى، قال: فما صنعت؟ قال شَمَّرت واتَّقيت، قال: فتلك التقوى.

وأخذ هذا ابن المعتز فقال:
خلٍّ الذنوبَ صغيرها
وكبيرها ذاك التقى
واصنَع كماشٍ فوق أر
ضِ الشوك يَحذر ما يرى
لا تحقرنَّ صغيرة
إنَّ الجبال من الحصى


فالتقوى هي حص الأمان وبساط الثبات متى حققه العبد ثبت أمام سيل الشهوات، فهي ترك ما تهوى لما تخشى.

يقول الإمام الغزالي: "إنما الفضيلة في أمر هذه النفس أن تقوم عليها بقوة العزم، فتمنَعها عن كل معصية، وتصونها عن كل فضول، فإذا فعلت ذلك كنت قد اتَّقيت الله تعالى في عينك وأذنك ولسانك، وقلبك وبطنك وفرجك، وجميع أركانك، وألْجَمتها بلجام التقوى، ولهذا الباب شرح يطول، وأما الذي لا بد منه ها هنا فأن نقول: من أراد أن يتقي الله، فليراعِ الأعضاء الخمسة، فإنهنَّ الأصول: وهي العين والأذن واللسان والقلب والبطن، فيحرِص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررًا في أمر الدين من معصية وحرام، وفضول وإسراف من حلال، وإذا حصل صيانة هذه الأعضاء، فمرجو أن يكف سائر أركانه، ويكون قد قام بالتقوى الجامعة بجميع بدنه لله تعالى"[1].

وكما نصَحت إحدى الصالحات من السلف بنيها، فقالت لهم: تعوَّدوا حبَّ الله وطاعته، فإن المتقين ألِفت جوارحهم الطاعة، فاستوحشت من غيرها - أي: من المعصية ومن المباح - فإذا أمرهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة، فهم لها منكرون.

ثانيًا: مراقبة الله تعالى:
اعلم - علَّمني الله وإيك - أن من أعظم وسائل الثبت التي تصدك عن المعصية، وتملأ قلبك إيمانًا ومراقبةً لله تعالى، وهي كما فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإحسان، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وهي دوام علم العبد وتيقُّنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامة لهذا العلم اليقن في المراقبة، وهي ثمرة بأن الله سبحانه رقيبٌ عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عينٍ؛ قال الله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾[الأحزاب: 52]، وقال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾[الحديد: 4].

وقال عامر بن قيس: ما نظرتُ إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إليه مني، وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تَغيب عن نظره إليك، واجعَل شكرَك لمن لا تنقطع نعمة عنك، واجعَل طاعتك لمن لا تَستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرُج عن ملكه وسلطانه.

قال أعرابي: خرجت في ليلة ظلماء، فإذا أنا بجارية كأنها علمٌ، فأردتها فقالت: ويلك أمالك زاجرٌ من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين، فقلت: إيهًا والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: وأين مكوكبها.

وسئل الجنيد بِمَ يُستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظر إليه.
وقال المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب.

وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقُل
خلوتُ ولكن قل على رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعة
ولا أن ما يَخفى عليه يغيبُ



ثالثًا: تذكر حقوق المنعم:
ومما يُثبت العبد أن يتذكَّر أن عليه حقوقًا لابد أن يرعاها، فالله أنعم عليه، فوه يتقلب في نعمه وفي خيره؛ يقول ابن الجوزي: نازعتني نفسي إلى أمرٍ مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لي التأويلات، وندفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة، فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة، وكان درسي قد بلغ سورة يوسف، ففتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي، حتى لا أدري ما أقرأ، فلما بلغت إلى قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ [يوسف: 23]، انتبهت لها، وكأني خوطبت بها، فأفقت من تلك السكرة، فقلت: يا نفس، أفهمت؟ هذا حر بيع ظلمًا، فراعي حق من أحسن إليه، وسماه مالكًا، وإن لم يكن له عليه ملك، فقال: ﴿ إِنَّهُ رَبِّي ﴾، ثم زاد في بيان موجب كف كفِّه عما يؤذيه، فقال: ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾، فكيف بك، وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن إليك من ساعة وجودك، وإن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصى؟! أفما تذكرين كيف رباك، وعلمك، ورزقك، ودافع عنك، وساق الخير إليك، وهداك أقوم طريق، ونجاك من كل كيد، وضَمَّ إلى حسن الصورة الظاهرة جودةَ الذهن الباطن، وسهَّل لك مدارك العلوم، حتى نلت في قصير الزمان رزقك بلا كلفة تكلف، ولا كدر مَنٍّ، رغدًا غير نزرٍ؟! فوالله، ما أدري أي نعمة عليك أشرح لك، حسن الصورة، وصحة الآلات؟ أم سلامة المزاج، واعتدال التركيب؟ أم لطف الطبع الخالي عن خساسة؟ أم إلهام الرشاد منذ الصغر؟ أم الحفظ بحسن الوقاية عن الفواحش والزلل؟ أم تحبيب طريق النقل، واتباع الأثر، من غير جمود على تقليد لمعظم، ولا انخراط في سلك مبتدع؟ ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]، كم كايد نصب لك المكايد فوقاك؟ كم عدو حط منك بالذم فرقاك؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقًا وسقاك؟ كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك؟ فأنت تصبحين وتمسين سليمة البدن، محروسة الدين، في تزيد من العلم، وبلوغ الأمل. فإن منعت مرادًا، فرزقت الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع، فسلمي حتى يقع اليقين بأن المنع أصلح، ولو ذهبت أعد من هذه النعم ما سنح ذكره، امتلأت الطروس ولم تنقطع الكتابة، وأنت تعلمين أن ما لم أذكره أكثر، وأن ما أومأت إلى ذكره لم يشرح، فكيف يحسن بك التعرض لما يكرهه؟! ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾[يوسف: 23][2].

إن رجلًا جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له: يا أبا إسحاق، إني مسرف على نفسي، فاعرِض عليَّ ما يكون لها زاجرًا ومستنقذًا لقلبي، قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها، لم تضرَّك معصية ولم توبقك لذة، قال: هات يا أبا إسحاق! قال: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه، قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال: يا هذا! أفيَحسُن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا هات الثانية، قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئًا من بلاده قال الرجل: هذه أعظم من الأولى! يا هذا إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين اسكن؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال لا، هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعًا لا يراك فيه مبارزًا له فاعصه فيه، قال: يا إبراهيم، كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال يا هذا أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهر به؟ قال: لا هات الرابعة، قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخِّرني حتى أتوب توبة نصوحًا، وأعمل لله عملًا صالحًا، قال: لا يقبل مني! قال: يا هذا، فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟ قالت: هات الخامسة، قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم، قال: لا يدعونني ولا يقبلون مني، قال: فكيف ترجو النجاة إذًا؟ قال له: يا إبراهيم حسبي حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه، ولزمه في العبادة حتى فرَّق الموت بينهما[3].

رابعًا: نتائج الشهوات:
يقول ابن الجوزي: من وقف على موجب الحس هلك، ومن تبع العقل سلِم؛ لأن مجرد الحس لا يرى إلا الحاضر وهو الدنيا، وأما العقل فإنه ينظر إلى المخلوقات، فيعلم وجود الخالق ويعلم أنه قد منح وأباح وأطلق وحظر، وأخبر أني سائلكم ومبتليكم؛ ليظهر دليل وجودي عندكم بترك ما تشتهون طاعة لي، وإني قد بنيت لكم دارًا غير هذه لإثابة من يطيع وعقوبة من يخالف، ثم لو ترك الحس وما يشتهي مع أغراضه قرب الأمر، إنما يزني فيجلد، ويشرب الخمر فيعاقب، ويسرق فيقطع، ويفعل ذلة فيُفضَح بين الخلق، ويعرض عن العلم إلى البطالة، فيقع الندم عند حصول الجهل، ثم إنا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله، قد سلمت دنياه وآخرته، وميز بين الخلق بالتعظيم، وكان عيشه في لذاته غالبًا خيرًا من عيش موافق للهوى، فليعتبر ذو الفهم بما قلت، وليعمل بمقتضى الدليل وقد سلم[4].

ويقول ابن القيم: وقد عدَّد آثار الذنوب: قلة التوفيق وفساد الرأي وخفاء الحق وفساد القلب، وخمول الذكر وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم ولباس الذل، وإهانة العدو وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله، كما يتولد الزرع عن الماء، والإحراق عن النار، وأضداد هذه تتولد عن الطاعة[5].

فمن راقب الله - عز وجل - ونظر إلى العواقب والنتائج، ثبت على إيمانه "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب ببشر طِيبه".

واسمع إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو يكشف لك عن عواقب الحسنة وعواقب السيئة؛ يقول: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسَعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق".

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "ليتَّقِ أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، قيل: كيف؟ قال: يخلو بالمعاصي فيلقي الله له البغض في قلوب الناس".

أخي المسلم، إذا وجدت من إخوانك جفاءً، فذلك لذنب أحدثته فتُب إلى الله، وإذا وجدت منهم زيادة محبة، فذلك لطاعة أحدثتها فاشكُر الله عليها؛ يقول ابن الجوزي: الحذر الْحذر من المعاصي، فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه، ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة، فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها؛ لأنه عند التذاذهِ يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته، رأى بعين علمه الناهي وهو الله، فيتنغص عيشه في حال التذاذه، فإن غلبه سكر الهوى، كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات، وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم، وبكاء متواصل، وأسف على ما كان مع طول الزمان، حتَّى إنه لو تيقَّن العفو وقَف بإزائه حذار العتاب، فأُفٍّ للذنوب، ما أقبح آثارها وأسوء أخبارها، ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة"[6].

خامسًا: مجاهدة النفس:
اعلم - علمني الله وإياك - أن مما يثبت العبد أمام طوفان الشهوات ويكسر جماحها: مجاهدة النفس على ترك الشهوة، فلا ينصُر العبد على عدوه إلا إذا جاهده وقاوَمه، ولا يصل العبد إلى مبتغاه من رضا الله تعالى، والاستقامة على الصراط إلا بالمجاهد؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[العنكبوت: 69].

يقول إبراهيم الدويش: فإن أردت فلا بد من الصبر والتحمل، ففي الحديث: ما أُعطي أحد عطاءً هو خير وأوسع من الصبر"؛ (كما في الصحيحين)، وتبقى العزيمة والإصرار والهمة العالية هي مفتاح بيدي كل شاب وبيد كل فتاة بعد توفيق الله، ولذلك لابد أن تجاهد أنفسنا، لابد أن تخاطبها:
ذَريني أَنَل ما لا ينال من العلا
فصعب العلا في الصعب والسهل في السهلِ
تريدين إدراك المعالي رخيصةً
ولابد دون الشهد من إبر النحلِ



نعم لابد من المرارة، خاصة في هذا الزمان لابد من إبر النحل، لا يخلو الطريق من عقبات، لا يخلو من فتن وشهوات وشبهات، فاصبر إنها لحظات حتى يقال: فلان مات، ثم هي جنات عرضها كعرض الأرض والسماوات، بَخٍ بَخٍ"[7].

ويقول ابن القيم: "وملاك الأمر كله الرغبة في الله وإرادة وجهه، والتقرب إليه بأنواع الوسائل، والشوق إلى الوصول إليه وإلى لقائه، فإن لم يكن للعبد هِمةٌ إلى ذلك، فالرغبة في الجنة ونعيمها، وما أعد الله فيها لأوليائه، فإن لم تكن له همة عالية تطالبه بذلك، فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه، فإن لم تطاوعه نفسه بشيء من ذلك، فليعلم أنه خُلق للجحيم لا للنعيم، ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه، فهذه فصول أربعة هن ربيع المؤمن وصيفه وخريفه وشتاؤه، وهن منازله في سيره إلى الله عز وجل، وليس له منزلة غيرها، فأما مخالفة الهوى، فلم يجعل الله للجنة طريقًا غير مخالفته، ولم يجعل للنار طريقًا غير متابعته؛ قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 37 - 41].

وقال تعالى ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾[الرحمن: 46]، قيل هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة، فيتركها لله"[8].
لا خير فيمن لا يراقب ربَّه
عند الهوى ويخافه إيمانَا
حجب التقي سبلَ الهوى فأخو
التُّقى يخشى إذا وفى المعاد هوانا


[1] كتاب التقوى (ص:24).

[2] صيد الخاطر (ص: 188-189).

[3] شرح المعرفة وبذل النصيحة؛ تح: شيخنا مجدي فتحي السيد (20-21).

[4] صيد الخاطر (414-415).

[5] الفوائد لابن القيم (ص: 47).

[6] موارد الظمآن لدروس الزمان (5/ 33)

[7] الثبات في زمن المتغيرات (ص : 56-57).

[8] روضة المحبين ( ص:41).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 28-03-2024, 02:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس السادس عشر

لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

السيد مراد سلامة
الحمد لله الذي تفرَّد في أزليته بعز كبريائه، وتوحد في صمديته بدوام بقائه، ونوَّر بمعرفته قلوب أوليائه، وطيَّب أسرار القاصدين بطيب ثنائه، وأسبغ على الكافة جزيل عطائه، وأمن خوف الخائفين بحُسن رجائه، الحي العليم الذي لا يعزُب عن علمه مثقال ذرة في أرضه ولا سمائه، القدير لا شريك له في تدبيره وإنشائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، يا رب.

أنا من أنا أنا في الوجود وديعةٌ وغدًا سأمضي عابرًا في رحلتي
أنا ما مدت يدي إلى غيرك سائلٌ فارحَم بفضلك يا مهيمن ذلتي

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبُه، خاتم أنبيائه، وسيد أصفيائه، المخصوص بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، فجمع الأنبياء تحت لوائه.

الحب في دنيا الناس لماذا؟
إخوة الإسلام، إن الحب له أثرٌ كبير في حياة الأفراد والشعوب والمجتمعات، ولكن ذلك الحب يختلف باختلاف المحبوب وباختلاف أهدافه، فمن الناس من يحب المال ويجعله هدفه في الحياة، فاذا سألته لماذا تحب المال؟ قال: لأن المال هو كل شيء، وهو عصب الحياة، وبه يحقق المرء أهدافه ورغباته، ومن الناس من يحب الشهرة والمنصب فينصب في تلك الحياة، فإذا سألته لماذا تحب المنصب؟ قال: لأن به الوجاهة والمكانة بين الناس، ومنهم من يحب النساء فإذا سألته لماذا تحب النساء؟ يقول لأن المرأة هي سعادة الرجل، وبها ينال السكن والراحة، وغير ذلك من محبوبات ومشتهيات، وأنا في هذا اللقاء أسألك: لماذا تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

*ما الغايات التي تجعلك تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما المميزات التي تميز بها سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم؟

هيا لنتعرف على الجواب من كتاب الرحمن ومن سنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم؟

أولا: نحب رسول الله لأنه خليل الله تعالى صلى الله عليه وسلم:
أيها الإخوة الكرام، هو خليل الله وأحب خلقه إليه جل جلاله، فنحن نحب ما يحب ربنا ويرضى، وعَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا»[1].

من علامات محبة الله تعالى لنبيه والأدلة كثيرة وواضحة في القرآن الكريم من ذلك ما يلي:
المولى أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم:
فالله تعالى ما أقسم بحياة أحد من خلقة، ولكنه أقسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: 72].

جاء في تفسير الطبري وقوله: (﴿ لَعَمْرُكَ ﴾)، يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش ﴿ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾، يقول: لفي ضلالتهم وجهلهم يتردَّدون؛ عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا، أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره؛ قال الله تعالى ذكره: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾؛ عن ابن عباس في قول الله: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ قال: ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم، قال: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا، ﴿ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾[2].

وعد الله له بأنه يعطيه حتى يرضيه صلى الله عليه وسلم:
ومن حبه سبحانه وتعالى لحبيبه ومصطفاه، أنه وعده بأن يعطيه حتى يرضى وقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 5]؛ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى، وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في حديث علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرًا كَفْرًا، فسُرَّ بذلك، فأنـزل الله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلِّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم[3].

عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، قال: من رضا محمد صلى الله عليه وسلم ألا يدخل أحد من أهل بيته النار.

إخبار الله له بأنه يرعاه ويحفظه صلى الله عليه وسلم:
ومن حبه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه حفِظه ورعاه، ومن كل مكروه وسوء نجَّاه، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ [الطور: 48].

ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتلك التسلية الرقيقة لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ﴾.

أي: واصبر - أيها الرسول الكريم - لِحُكْمِ رَبِّكَ إلى أن ننزل بهم عقابنا في الوقت الذي نشاؤه ونختاره، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا؛ أي: فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا ... إن الله تعالى منحه الطاعة المخوصة وما أتاكم الرسول، إن الله تعالى جعله سببًا لمغفرة الذنوب.

ثانيًا: نحن نحب النبي حتى لا تكون من الفاسقين:
اعلَم بارك الله فيك وزادك الله علمًا وفهمًا أن الله تعالى أمرنا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقدمه على كل محبوب ومرغوب، فمن لم يفعل ذلك كان من جملة الفاسقين؛ قال أحكم الحاكمين: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].

﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ﴾؛ أي الخارجين من حدود الدين والشريعة ومن سلامة الفطرة إلى فساد الطباع، ومن نور العقل إلى ظلمة الجهل والتقليد، وقد جرت سنته تعالى أن يكون الفاسقون محرومين من الهداية الفطرية التي يهتدى إلى معرفتها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، ومن ثم فهم يؤثرون حب القرابة والمنفعة الطارئة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.

قال القاضي عياض:
"فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالةً وحجةً على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرع الله من كان ماله وولده وأهله، أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: 24]، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن أضل ولم يهده الله[4].

ثالثًا: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكتمل إيماننا:
اعلم بارك الله فيك أخي المسلم أننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نصل إلى كمال الإيمان بالملك الديان، فلا سبيل إلى الوصول إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ عن أَنَس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ[5].

معنى الحديث والله أعلم: أن من استكمل الإيمان علِم أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن بالرسول استنقذ الله أُمته من النار وهداهم من الضلال، فالمراد بهذا الحديث بذل النفس دونه صلى الله عليه وسلم، وقال الكسائي في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنفال: 64]؛ أي حسبك الله ناصرًا وكافيًا، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك.

عن عَبْد اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلاَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ: «لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الآنَ يَا عُمَرُ»..[6].

(أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل، وأرجحيَّته للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكمُل إيمانُه.

على أني أقول: إن كل من صدَّق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به إيمانًا صحيحًا، لم يخلُ عن وُجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي صلى الله عليه وسلم، غير أنهم في ذلك متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتَّفق لعمر - رضي الله عنه - حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ صلى الله عليه وسلم لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلها إليَّ، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ ... الحديث.

وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه[7]، ولا شك في أن حظَّ أصحابه صلى الله عليه وسلم من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبَّة ثمرة المعرفة، فتقوى وتضعف بحسبها.

ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسِّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر صلى الله عليه وسلم أو بشيء من فضائله، اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ويجده وجدانًا لا شكَّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب، لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبَّة؛ حتى لا يوجد منها حَبَّةٌ، فنسأل الله تعالى الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالها، ولا يحجبنا عنها؛ انتهى كلام القرطبي [8].

رابعًا: نحب الله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وليُّ كل مسلم:
إخوة الإسلام، نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي يدعونا إلى الجنة ونفوسنا تدعونا إلى النار، فالنفس أمارة بالسوء، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بنا من أنفسنا؛ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ وَعَلَيَّ»[9].

والمولى الذي يتولَّى أمور الرَّجل بالإصلاح والمعونة على الخير والنصر على الأعداء وسد الفاقات ورفع الحاجات.

أعميت عيني عن الدنيا وزينتها
فأنت والروح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق
من أول الليل حتى مطلع الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سنة
إلا وإنك بين الجفن والحدقِ


خامسًا: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نكون معه في الجنة:
أحباب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مما يزيدنا حبًّا في الحبيب صلى الله عليه وسلم أن من أحبه كان معه في الجنة، يا لها من منزلة عظيمة تنال بالمحبة؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلاَمِ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، لِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ [10].

أُشهد الله أنني أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة أجمعين، وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل عملهم.

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت
إلا وحبُّك مقرون بأنفاسي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدِّثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي

وها هو حنظلة رضي الله عنه يتهم نفسه بالنفاق؛ لأنه ينسى أمر الانشغال بالآخرة حينما يترك مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ويعود إلى بيته؛ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْر، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْر: فَوَاللهِ، إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْر، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِال نَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً، وَسَاعَةً، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ[11].

أنا ما أَتيتُكَ يا حَبيبي مَادحًا
يَكفِيكَ مَدْحُ اللهِ والتَمجِيدُ
فَصِفَاتُ خَلْقِكَ في الكِتَابِ كَثيرَةٌ
لَيستْ لها حَدٌ .. ولا تَحديدُ
أنا هَائمٌ في نُورِ حُبِّكَ ذَائِبٌ
فَأَظلُّ أَبكى والغَرَامُ يَزِيدُ

يقول الشافعي وهو يتحدث عن نفسه بتواضع:
أُحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأَكره مَن تجارتهم المعاصي
وإن كانا سويًّا في البضاعة

فيرد عليه الإمام أحمد ويقول:
تحب الصالحين وأنت منهم
ومنكم قد تناولنا الشفاعة
وتكره من بضاعتهم المعاصي
وقاك الله من شر البضاعة

سادسًا: نحب الرسول لحبه لنا وشفقته صلى الله عليه وسلم علينا:
إخوة الإسلام، نحب الحبيب صلى الله عليه وسلم لحبه لنا وشفقته علينا، فهو أحن علينا من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا صلى الله عليه وسلم، تأملوا عباد الله في ذلك المشهد الرائع المبكي الذي يصوره لنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36]، وَقَالَ عِيسَى: ﴿ إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، قَالَ: وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اذْهَبْ يَا جِبْرِيلُ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ"[12].

يقول النووي رحمه الله: هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد؛ منها: بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفًا - بما وعدها الله تعالى بقوله: (سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها"؛ انتهى[13].

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لجميع أمته، ويستغيث الله تعالى أن يجعلها أمةً مكرَّمةً مرحومةً، حتى استجاب اللَّه له فجعل شطر أهل الجنة من أمته، أو يزيد، ورزقهم شفاعته يوم القيامة.

سابعًا: نحبه صلى الله عليه وسلم حتى يشفع لنا يوم القيامة:
أيها المؤمنون المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن رسول الله حتى ننال شفاعته يوم القيامة؛ جاء في صحيح البخاري في حديث الشفاعة العظمى عن أنس رضي الله عنه وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيأتوني، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسَلْ تُعْطَ، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضًا يقول: فأَخرج فأُخرجهم من النار، وأُدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تُعط، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يُعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته يقول: فأَخرج فأُخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت له ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسلْ تُعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأَخرج فأُخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن)؛ أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79]، قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم.

[1] أخرجه مسلم (4/1855، رقم 2383) .

[2] تفسير الطبري، ط الرسالة؛ ت أحمد شاكر (17/ 118).

[3] المعجم الكبير: 10/ 277، جامع البيان للطبري: 30/ 292.

[4] الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 43).

[5] أخرجه البخاري في: 2 كتاب الإيمان: 8 باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان.

[6] رواه أحمد (4/ 336).

[7] رواه مسلم (121).

[8] مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه (2/ 345) راجع "المفهم" 1/ 225 - 227.

[9] أخرجه أحمد (2 /290، رقم 7886)، والبخاري (2 /805، رقم 2176)، ومسلم (3 /1237، رقم 1619).

[10] رواه أحمد (13419 و13886)، وعَبْد بن حُمَيْد (1296)، ومُسْلم (7520).

[11] أخرجه أحمد 4 /178(17753) و\"مسلم\" 8 /94(7066) و\"ابن ماجة\" 4239 والتِّرْمِذِيّ\" 2514.

[12] أخرجه : مسلم 1 /132 ( 202 ) ( 346 ) .

[13] "شرح مسلم" (3 /78-79)





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 30-03-2024, 11:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس السابع عشر: منافع ذكر الموت

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي عزَّ جلاله فلا تُدركه الإفهام، وسما كماله فلا يُحيط به الأوهام، وشهِدت أفعاله أنه الحكيم العلام، الموصوف بالعلم والقدرة والكلام، سبحانه هو الله الواحد السلام، المؤمنون حبِّب إليهم الإيمان، وشرح صدورهم للإسلام، ويقبل التوبة ويكشف الحوبة، ويغفر الإجرام، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير شهادة من قال ربي الله ثم استقام.

ونشهدُ أن نبينا محمدًا عبد الله ورسول الملك الواهب، ما من عاقلٍ إلا وعلم أن الإيمان به حقٌّ واجب....

إخوة الإسلام، إن ذكر الموت له منافع كثيرة وفوائد جليلة، ذكرها لنا الأفذاذ من العلماء وهاكم يا رعاكم الله بيانها.

(1) قطع أسباب الغفلة بتقصير الأمل:
فإن طول الأمل أكبر أسباب الغفلة، فالموت لا يترك فقيرًا لفقره ولا غنيًّا لغناه، وقد ذكروا عن ابن السماك أنه قال: (بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكته في البحر، فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول: عزيز فلم تترك لعزك!! غني فلم تترك لغناك!! فقير فلم تترك لفقرك!! جوَاد فلم تترك لجودك!! شديد لم تترك لشدتك!! عالم فلم تترك لعلمك!! يردد هذا الكلام ويبكي[1].

عبرة الموت:
يروى أن أعرابيًّا كان يسير على جمل له، فخر الجمل ميتًا، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول: ما لك لا تقوم؟

مالك لا تنبعث؟

هذه أعضاؤك كاملة!!

وجوارحك سالمة!!

ما شأنك؟

ما الذي كان يحملك؟

ما الذي صرعك؟

ما الذي عن الحركة منعك؟

ثم تركه وانصرف متعجبًا من أمره، متفكرًا في شأنه!!

قال ابن السماك: (بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكته في البحر، فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول:
عزيز فلم تترك لعزك!!

غني فلم تترك لغناك!!

فقير فلم تترك لفقرك!!

جواد فلم تترك لجودك!!

شديد لم تترك لشدتك!!

عالم فلم تترك لعلمك!!).

يردد هذا الكلام ويبكي.

اذكروا هاذم اللذات.

(2) يحث على الاستعداد وحسن العمل:
أخي المسلم، إن مَن أكثر مِن ذكر الموت أحسَنَ الاستعداد ليوم المعاد، قال أبو علي الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي ذكر الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، ترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة[2].

عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125]، قال: إذا أدخل الله النور القلب انشرح وانفسح، قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت[3].

قال أبو عبد الرحمن السُّلمي في مرضه: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان؟![4].

وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت، ثم قال: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، لا إله إلا الله، ثم قضى رحمه الله[5].

وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضَّى عنك بعد الموت؟ ثم يقول: من كان الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون حاله؟[6].

بينا الفتى مرحٌ الخطى فرحٌ بما
يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى
إذ قيل بات بليلة ما نامها
إذ قيل أصبح مثخنًا ما يرتجى
إذ قيل أصبح شاخصًا وموجهًا
ومعللًا إذ قيل أصبح قد مضى


(3) الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها:
ومن أكثر من ذكر الموت، زهد في زخارف الدنيا، واستوى عنده ذهبها مع حذفها؛ قال التميمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى[7].

وقال الحسن: إن هذا الموت أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشًا لا موت فيه؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ.

عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا عُرِضَتْ عَلَيَّ حَلَالًا لَا أُحَاسَبُ بِهَا فِي الآخرة، لَكُنْتُ أَقْذَرُهَا كَمَا يَقْذَرُ أَحَدُكُمُ الْجِيفَةَ إِذَا مَرَّ بِهَا أَنْ تُصِيبَ ثَوْبَهُ.

قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: الدُّنْيَا غَنِيمَةُ الْأَكْيَاسِ، وَغَفْلَةُ الْجُهَّالِ، لَمْ يَعْرِفُوهَا حَتَّى اخْرِجُوا مِنْهَا، فَسَأَلُوا الرَّجْعَةَ فَلَمْ يَرْجِعُوا.

عن موسى بن عبيدة الربذي أن لقمان قال لابنه: يا بني، إنك استدبرت الدنيا منذ يوم نزلتها، واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقرُب منها أقربُ منك إلى دار تباعد عنها [8].


(4) يردع عن المعاصي:
فمن اعتقد أن الموت يخطفه في أي لحظة، هل يجرؤ على المعصية، خصوصًا إذا علم أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فهل يرضى أن يبعث يوم القيامة وهو مقيم على معصية الله تعالى، فيفضح بين الخلائق؟!

(5) الرضا على كل حال:
فمن كان في ضيق، فذكر الموت وسَّعه عليه، ومن كان في سعة تدعوه للبطر والكبر، فذكر الموت ضيَّقها عليه، ومن أصابته مصيبة، فتعزى بالموت هانت عليه مصيبته، ولذلك قالوا:
اصبر لكل مصيبة وتجلَّد
واعلم بأن المرء ليس مخلَّد
من لم يُصب ممن ترى بمصيبة
هذا سبيلٌ لست فيه بأوحد


وقال الشافعي يعزي رجلًا في ميت له:
إنا نُعزيك لا أنا على ثقةٍ
أنا نعيش ولكن سنةُ الدين
فلا ما لمعزَّى سيبقى بعد ميته
ولا المعزي وإن عاشَا إلى حين


(6) دواء قسوة القلب:
و قسوة القلب داء عضال وله في النفس علامات وهي:
لا نشعر بالخشوع في صلاتنا وعبادتنا.

عدم التأثر والتباكي عند تلاوة القرآن.

عدم التورع عن الشبهات في المعاملات.

الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين.

الجفاء وسوء الظن بين الإخوان.

انتشار القطيعة بين الأسر.

أخي السلم، إن مما يلين القلوب ويذيب قساوتها، ذكر الموت وتشييع الجنائز، فإذا أردت عينًا مدرارة وقلبًا خاشعًا، فأكثر من ذكر هادم اللذات، قال أبو الدرداء: مَن أكثر ذكر الموت قل فرحُه وقل حسدُه، ويقول سعيد بن جبير رحمه الله: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيتُ أن يفسد عليَّ قلبي.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

[1] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 286).

[2] التذكرة للقرطبي (ص: 8).

[3] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (2/ 383) أخرجه ابن جرير ( 12 / 100 / 13855.

[4] المحتضرين (ص: 206).

[5] الثبات عند الممات (ص: 159).

[6] العاقبة في ذكر الموت (ص: 40).

[7] التذكرة للقرطبي (ص: 8).

[8] الزهد لابن أبي الدنيا (ص: 80).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 01-04-2024, 02:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس الثامن عشر: طبقات الناس في كراهية الموت

السيد مراد سلامة

واعلم زادك الله علمًا - أن الناس ليسوا على طبقة واحدة في كراهية الموت، بل يتفاوتون على حسب ما عندهم من إيمان وقربٍ، أو ما عندهم من معاصي وبُعد عن الله، وإليك بيان ذلك:
الطبقة الأولى: الحياء من الله:
أعلى هذه الطبقات طبقة أهل الحياء من رب الأرض والسماء، وهو أن يستحيي العبد من لقاء ربه لِما جنت يداه كحياء أم هارون.

قال أحمد أبي الحواري: قلت لأم هارون العابدة الدمشقية:
أتحبين الموت؟

قالت: لا.

قلت: ولِمَ؟

قالت: لو عصيت آدميًّا ما أحببت لقاءه، فكيف أحب لقاء الله وقد عصيته؟[1].

الطبقة الثانية: الخشية الحادة من أن ينزل المرء منزلة تضره ولا تسره:
وهذا من الأخطار التي ينبغي على العاقل ألا يغفل عنها، فالإنسان منا لا يدري أهو من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة.

قال بعض أصحاب هذه الخشية:
وكيف تنام العينُ وهي قرير
ولم تدرِ في أي المحلين تنزل؟




قال سعيد بن أبي عطية:
لما حضر أبا عطية الموت جزع منه، فقالوا له:
أتجزع من الموت؟
فقال: ما لي لا أجزع، فإنما هي ساعة، ثم لا أدري أين يسلك بي؟[2].

لما حضرت أحمد بن خضرويه الوفاة، سئل عن مسألة فدمعت عيناه، وقال:
يا بني، باب كنت أدقه خمسًا وتسعين سنة، هو ذا يفتح الساعة لي، لا أدري أيفتح بالسعادة أو الشقاوة، فأنى لي أوان الجواب؟[3].

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه ذكر عمر وأبا بكر ابني المنكدر قال: "لَما حضر أحدهما الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك بهذا اليوم، قال: أما والله ما أبكي أن أكون ركبت شيئًا من معاصي الله اجتراءً على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئًا هينًا وهو عند الله عظيم، قال: وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول لقوم: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47]، فأنا أنتظر ما ترون، والله ما أدري ما يبدو لي"[4].

عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رعت أهلك؟ أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾، قال فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرِّج عنه فزدتَه، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما[5].

الطبقة الثالث: ضعف التزود من العمل الصالح:
وهم أقوام أحسوا بقلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس، لذا فهم يكرهون الموت مخافة الفوت؛

قال الله سبحانه قد قال فيمن هذا شأنهم: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 10، 11].

تحسر بعض الناس عند الموت، فقيل له: ما بك؟


فقال ما ظنكم بمن يقطع سفرًا طويلًا بلا زاد، ويسكن قبرًا موحشًا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجة[6].

بكى أبو هريرة قبل الوفاة فقيل له: وما يبكيك؟ فقال: [قلة الزاد، وبعد السفر، وضعف اليقين، وخوف الوقوع من الصراط في النار][7].

تزَوَّدْ من التقوى فإنكَ لا تدري
إذا جنَّ ليلٌ هلْ تعيشَ إلى الفجر؟
وكمْ من صغارٍ يرتجى طولَ عُمْرَهْم
وقدْ أُدْخِلَتْ أجسادَهُمْ ظُلمَة القبرِ
وكمْ من عرُوسٍ زَينوها لِزَوجها
وقدْ قُبضَتْ أَرْواحَهُم ليلةَ القدرِ
وكمْ من فتىَ أمسى وأصبحَ ضاحكًا
وقدْ نُسِجَتْ أكفَانَهْ وَهوَ لا يدري


روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه، وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه: "أليس إذا أراد أحدكم سفرًا يستعد له بزاد؟ قالوا: نعم، قال: فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون! فقالوا: دلنا على زاده؟ فقال: (حجوا حجة لعظائم الأمور، وصلُّوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، وصوموا يومًا شديدًا حرُّه لطول يوم نشوره)[8].

الطبقة الرابعة: الإسراف على النفس والغفلة عن محاسبتها:
إخوة الإيمان، إن الغفلة عن المحاسبة، والتسويف بالمتاب، يُفضيان إلى تراكم السيئات، حتى يذهل من تراكمها من ينتبه إليها.

كان الشيخ توبة بن الصمة من الطيبين، وكان محاسبًا لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره، فحسب يومًا ما مضى من عمره، فإذا هو ستون سنة، فحسب أيامها، فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم، فقال: يا ويلتا، ألقى مالكي بإحدى وعشرين ألف ذنب ثم صعق صعقة كانت فيها وفاته، (وهذا بحساب ذنب واحد فقط في اليوم الواحد)[9].

وتأملوا في أحوال المحسنين الذين يخافون من الله تعالى؛ فعن عبد الله بن مسعود، حديثين: أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه، قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه»، فقال به هكذا، قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه"[10].

كانوا يتهمون أعمالهم وتوبتهم، ويخافون ألا يكون قد قُبل منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف وكثرة الاجتهاد في العمل الصالح؛ قال الحسن: أدركت أقوامًا لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمِن لعِظَم الذنب في نفسه.

فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند موته يقول: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصَّرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، قال: إني أرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض رحمه الله وسمعوا تاليًا يتلو: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص:83][11].

قال معاوية - رضي الله عنه - عند موته لمن حوله: أجلسوني.... فأجلسوه.... فجلس يذكر الله، ثم بكى، وقال: الآن يا معاوية، جئت تذكر ربك بعد الانحطام والانهدام، أما كان هذا وغض الشباب نضير ريَّان؟! ثم بكى وقال: يا رب، يا رب، ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي.... اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وجُد بحلمك على من لم يرجُ غيرك، ولا وثق بأحد سواك.... ثم فاضت روحه رضي الله عنه[12].

الطبقة الخامس: تعلق المرء بالدنيا أو بشيء معين منها:
واعلم أن من تعلَّق قلبه بالدنيا وبشيء من متاعها، كره الموت؛ لأنه يعلم أنه سيفوت على ذلك المحبوب؛ روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء القارئ النحوي أنه قال: بينما أنا ذات يوم -أحسبه قال في ضيعتي - سمعت قائلًا يقول:
وإن امرأً دنياه أكبرُ همه
لمستمسك منها بحبل غرور




فكتبت هذا البيت على فص خاتمي فكان نقشه هذا[13]، قال الحسن - رحمه الله - ابن آدم، لا تعلق قلبك بشيء من الدنيا، تعلِّقها شرَّ تعلُّقٍ، اقطع عنك حبائلها، وأغلق دونك أبوابها.

وليكن حسبك -أيها المغرور- منها ما يبلغك المحل، وإياك أن تظن أنك تُباهي يوم القيامة بمالك وولدك، هيهات أن ينفعك شيء من ذلك يوم يقوم الحساب! ذلك يوم تذهب الدنيا فيه بحالها، وتبقى الأعمال قلائد في أعناق عمَّالها.

خاتمة السوء: وها هي خاتمة السوء لمن تعلَّق بشيء من متاع الدنيا والخواتيم ميراث السوابق.


ففي كتاب العاقبة: أن رجلًا كَانَ وَاقِفًا على بَاب دَاره، وَكَانَ بَابهَا يشبه بَاب حمام مُجاور له، فمرت بِهِ جَارِيَة لَهَا منظر، وَهِي تَقول: أَيْن الطَّرِيقُ إِلَى حمَّام منْجَاب...

فَقَالَ لَهَا: هَذَا حمَّام منْجَاب... وَأَشَارَ إِلَى دَاره.. فَدخلت الدَّار، فَدخل وَرَاءَهَا، فَلَمَّا رَأَتْ نَفسهَا مَعَه فِي دَاره وَلَيْسَت بحمَّام علمت أَنه خدعها، فعلمت أنه لا نجاة لها منه إلا بالحيلة والخداع.. فأظهرت لَهُ الْبشر والفرح باجتماعها مَعَه على تِلْكَ الْخلْوَة فِي تِلْكَ الدَّار، وَقَالَت لَهُ: يصلح أَن يكون عندنَا مَا يطيب بِهِ عيشنا وتقر بِهِ عيوننا، من طعام وشراب.

فَقَالَ لَهَا: السَّاعَة آتِيك بِكُل مَا تريدين وَبِكُل مَا تشتهين، وَخرج فَتَركهَا فِي الدَّار، وَلم يغلقها، وَتركهَا مَفْتُوحَة على حَالهَا وَمضى، فَأخذ مَا يصلح لَهما وَرجع، وَدخل الدَّار فَوَجَدَهَا قد خرجت وَذَهَبت، وَلم يجد لَهَا أثرًا، فهام الرجل بهَا، وَأكْثر الذّكر لَهَا، والجزع عَلَيْهَا، وَجعل يمشي فِي الطّرق والأزقة وَهُوَ يَقُول:
يَا رب قائلة يَوْمًا وقد تعبت
أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب




وَفي رواية: أنه بعد أشهر مر فِي بعض الْأَزِقَّة وَهُوَ ينشد هَذَا الْبَيْت، وَإِذا بِالجَارِيَة تجاوبه من طاق وَهِي تَقول:
هلا جعلت لَهَا إِذْ ظَفِرتَ بهَا
حرْزا على الدَّار أَو قُفلا على الْبَاب؟
إِنْ يَنْفَد الرِّزْقُ فَالرّزَّاقُ يَخْلِفُهُ
وَالعِرْضُ إِنْ نْفَدَ فمِنْ أَيْنَ يُنْجَابُ؟


فَزَاد هيمانه، وَاشْتَدَّ هيجانه، وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى كَانَ من أمره أنه لما نزل بِهِ الْمَوْت وجاءت ساعة احتضاره، فَقيل لَهُ قل: "لَا إِلَه إِلَّا الله"، فلا يستطيع، إنما جعل يَقُول: أَيْن الطَّرِيقُ إِلَى حمَّام منْجَاب؟[14].

[1] (صفة الصفوة ج4 ص304).

[2] (الحلية ج5 ص 154).

[3] (رسالة الثبات عند الممات ص 62)

[4] المحتضرين (ص: 170)

[5] حلية الأولياء (3/ 146)

[6] (الكشكول للعاملي ج1 ص 290)

[7] مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار (1/ 35)

[8] حلية الأولياء (1/ 165)

[9] -(الكشكول للعاملي ج2 ص 337)

[10] أخرجه: البخاري 8/83-84 (6308)

[11] المحتضرين لابن أبي الدنيا (ص: 84)

[12] العاقبة في ذكر الموت (ص: 125)

[13] الهواتف (ص: 67)

[14] العاقبة في ذكر الموت (ص: 179)





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-04-2024, 04:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس التاسع عشر: يا عبد الله ماذا تقول لربك غدًا؟

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي جعل القرآن هدايةًً للمقبلين، وجعل تلاوته بخضوع تُهل دمع الخاشعين، وأنزل فيه من الوعيد ما يهز به أركان الظالمين، وأخبر فيه أن الموت نهايةٌ لعالمين، وأننا بعد الموت للحساب مبعوثين، وأننا سنحاسب عما كنا فاعلين، وسنقف بذل وخضوع بين يدي رب العالمين، ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾[الفجر: 23]، ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ [إبراهيم: 49]، ليس هناك فرق بين ملك معظم وإنسان مهين، هذا جزاء من أخلص العمل لله رب العالمين، وهذا عطاء رب الأرباب مالك يوم الدين، سبحانه من إله عظيم أعز الحق وأخرس المبطلين، سبحانه عدد ما دعاه عباده المساكين، سبحانه عدد ما انهمرت دموع المنيبين، سبحانه جواد كريم قوي متين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19].
يا من تمتَّع بالدنيا وزينتها
ولا تنام عن اللذات عيناه
أفنيت عمرَك فيما لست تُدركه
تقول لله ماذا حين تلقاه



أخي الحبيب، حديثنا في هذا اليوم الطيب الميمون المبارك عن المسؤولية إمام رب البرية في ذلك اليوم العصيب الرهيب الذي صوَّره الله تعالى بقوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ محْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا[آل عمران:30]، ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾[الفرقان:25]، ﴿ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ[الفرقان:27]، ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم القارعة، يوم الصَّاخة، ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:24-37].


ذكر اليوم الآخر يطهر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف.


ذكره يهدد الظَّلَمَة ليَرعَووا، ويعزي المظلومين ليسكنوا، فكل سيأخذ حقه لا محالة، حتى يقاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء، فلا ظلم ولا هضم، والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوى ما عملا.


ذكر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين، تسكن معه قلوبهم، ثم تَثبُت شماء وهي تتطلع لما أعدَّه الله للصابرين من نعيم يُنسى معه كل ضرٍّ وبلاء وسوء وعناء، وتتطلع لِما أعده الله للظالمين من بؤسٍ يُنسى معه كل هناء.
يوم القيامة لو علمت بهوله
لفررت من أهل ومن أوطانِ
يوم عبوس قمطرير أمره
فيه تشيب مفارق الولدانِ



فاستفتح بالذي هو خير، يقول مولانا في كتابه العظيم: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيب * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيد * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴾ [ق:20-28].

حال السلف ماذا تقول لربك غدًا:
روى الذهبي في تاريخ الإسلام بعد أن ذكر مشورة أبي بكر - رضي الله عنه - لكبار الصحابة في عزمه على تولية عمر بعده: (فقال قائل: ماذا تقول لربك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته؟ فقال أجلسوني، ثم قال: أبالله تخوفوني؟ أقول: استخلفت عليهم خير أهلك).

وعن الأحنف بن قيس قال: كنت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلقيه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فقد ظلمني، فرفع عمر درته وخفق بها رأس الرجل، وقال له: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم مقبل عليكم، حتى إذا شغل بأمر من أمور المسلمين أتيتموه أعدني أعدني، فانصرف الرجل غضبان آسفًا، فقال عمر: علي بالرجل، فلما عاد ناوله مخفقته، وقال له: خذْ واقتص لنفسك مني، فقال الرجل: لا والله، ولكني أدعها لله وانصرف، وعدت مع عمر إلى بيته، فصلى ركعتين ثم جلس يحاسب نفسه ويقول: ابن الخطاب، كنت وضيعًا فرفعك الله، وكنت ضالًّا فهداك الله، وكنت ذليلًا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب الناس، فجاءك رجل يستعديك فضربته، فماذا تقول لربك غدًا إذا لقيته؟ خرج يومًا إلى السوق، فرأى إبلًا سمانًا فقال: إبل من هذه؟ قالوا: إبل عبد الله بن عمر، قال: عبد الله بن عمر! بخ, بخ, يا بن أمير المؤمنين، وأرسل في طلبه، فلما أتاه قال له: ما هذه الإبل يا عبد الله؟

فقال عبد الله: إنها إبل أنضاء اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى: أتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال عمر: ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربحك يا بن أمير المؤمنين، ثم صاح به: يا عبد الله، خذ رأس مالك، واجعل الربح في بيت مال المسلمين، يا خالق عمر، سبحانك!

وروى ابن كثير أن معاوية رضي الله عنه لما دخل على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فسلم عليها من وراء حجاب، وذلك بعد مقتله حجرًا وأصحابه، قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرًا وأصحابه؟! فقال لها: فقدته حين غاب عني من قومي مثلك يا أماه، ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمة؟ فقالت: إنك بي لبارٌّ، فقال يكفيني هذا عند الله، وغدًا لي ولحجر موقف بين يدي الله عز وجل، وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالصوت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل قالها ثلاث، ما أروع هذا الميزان الذي يزن المرء منا به أفعاله في كل وقت: (ما تقول لربك غدًا؟)، هذا الميزان الذي بثه الإسلام في نفوس المؤمنين، ورباهم عليه، فحققوا أعظم حضارة وكانوا به خير أمة أخرجت للناس.

ماذا تقول لربك إذا يا مضياع للصلاة:
اعلموا عباد الله أن أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة الصلاة، فماذا أنت قائل عندما يسألك عنها؛ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ).

يا تاركًا للصلاة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس معنى أضاعوها تركوها بالكلية، ولكن أخروها عن أوقاتها، وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين رحمه الله: هو ألا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر إلى المغرب، ولا يصلي المغرب إلى العشاء، ولا يصلي العشاء إلى الفجر، ولا يصلي الفجر إلى طلوع الشمس، فمن مات وهو مصر على هذه الحالة، ولم يتُب وعده الله بغَيٍّ، وهو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه، وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5]؛ أي: غافلون عنها متهاونون بها، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: "هو تأخير الوقت"؛ أي: تأخير الصلاة عن وقتها سماهم مصلين، لكنهم لَما تهاونوا وأخَّروها عن وقتها، وعدهم بويل وهو شدة العذاب، وقيل: هو واد في جهنم لو سُيرت فيه جبال الدنيا، لذابت من شدة حره، وهو مسكن من يتهاون بالصلاة ويؤخرها عن وقتها، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويندم على ما فرَّط، وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].

وقال صلى الله عليه وسلم: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف عن بعض السلف أنه أتى أختًا له ماتت، فسقط كيس منه فيه مال في قبرها، فلم يشعر به أحد حتى انصرف عن قبرها، ثم ذكره فرجع إلى قبرها، فنبشه بعدما انصرف الناس، فوجد القبر يشعل عليها نارًا، فرد التراب عليها ورجع إلى أمه باكيًا حزينًا، فقال: يا أُمَّاه أخبريني عن أختي وما كانت تعمل، قالت: وما سؤالك عنها، قال: يا أمي رأيت قبرها يشتعل عليها نارًا، قال: فبكت وقالت: يا ولدي كانت أختك تتهاون بالصلاة وتؤخرها عن وقتها، فهذا حال من يؤخر الصلاة عن وقتها، فكيف حال من لا يصلي، فنسأل الله تعالى أن يعيننا على المحافظة عليها في أوقاتها، إنه جواد كريم.

يا آكلًا للربا ماذا تقول لربك غدًا وأي عذر ستقدمه لربك غدًا؟
آكلَ الرِّبا مُحاربٌ لله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 278، 279]، قال ابنُ عَبَّاسٍ: (يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لآكِلِ الرِّبَا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ)؛ رواه الطبري.

توهِم نفسك وأنت واقفٌ بين يدي ملك الملوك وأنت حاربته في الدنيا بترك أمره وانتهاك نهيه، وأنت كنت في الدنيا حريصًا على جمع المال، ولم تعمل حسابًا لوقوفك بين يدي الكبير المتعال أن آكلَ الرِّبا يسبح في نهرٍ من دمٍ في البرزخ حتى تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا)؛ رواه البخاري.

أن آكلَ الرِّبا يُبعثُ يوم القيامة مجنونًا يُخنق؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].

يا مانعًا للزكاة الم تسمع قول الله تعالى وهو يناديك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[البقرة: 254]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ البقرة: 267].

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34-35].

يا من شغل بماله وولده عن ذكر الله ماذا تقول لربك غدًا؟
﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

ومعنى الآية؛ أي: لا يشغلكم تدبير أموالكم والعناية بشؤون أولادكم عن القيام بحقوق ربكم وأداء فرائضه التي طلبها منكم، واجعلوا للدنيا حظًّا من اهتمامكم وللآخرة مثله، وهذا ما عناه الحديث: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة: 172].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

يا من ضيَّعت عمرك ماذا تقول لربك غدًا؟
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟))[1].

والله ما خلقنا لنضيع الأعمار، فإن جُلَّ الأمة الآن يقضي جُلَّ الليل أمام التلفاز ولا حول ولا قوة إلا باللـه العلي العظيم.

يا من يمضي عمرك وأنت لا تدري، اعلَم أنك ستسأل عن هذه الساعات، ستسأل عن هذا العمر..

قيل لإبراهيم بن أدهم طيب اللـه ثراه: يا إبراهيم كيف وجدت الزهد في الدنيا؟!

فقال إبراهيم: بثلاثة أشياء، قيل: وما هي؟!

قال إبراهيم: رأيت القبر موحشًا وليس معي مؤنس، ورأيت الطريق طويلًا وليس معي زاد، ورأيت جبار السماوات والأرض قاضيًا وليس معي من يدافع عني.

وهذا أخوه هارون الرشيد الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء، ويقول لها: أيتها السحابة في أي مكان شئت أمطري فسوف يحمل إلي خراجك إن شاء اللـه تعالى.

لما نام على فراش الموت بكى هارون قال لإخوانه: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه!!

فحملوه إلى قبره، فنظر هارون إلى قبره وبكى ورفع رأسه إلى السماء: وقال يا مَنْ لا يزول مُلكه ارحم من زال ملكه.

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون:115-116].

قال لقمان الحكيم لولده: أي بُنَيَّ إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا، واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تُقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.

[1] الترمذي: (4/ 529) (38) كتاب صفة القيامة (1) باب في القيامة رقم (2417).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 02-04-2024, 01:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,244
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس رمضانية السيد مراد سلامة

الدرس العشرون: أسباب سوء الخاتمة

السيد مراد سلامة

الحمد لله ربِّ العالمين إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، سبحانه سبحانه بهرت عظمته قلوب العارفين، وأظهرت بدائعه لنواظر المتأملين، نصب الجبال فأرساها، وأرسل الرياح فأجراها، ورفع السماء فأعلاها، وبسط الأرض فدحاها، الملائكة من خشيته مشفقون، والرسل من هيبته خائفون، والجبابرة لعظمته خاضعون، ﴿ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ [الروم: 26].

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد، القيوم الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لا مغيث غير الله، ولا مجير غير الله، ولا معين غير الله، ولا ناصر غير الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى والرسول المجتبى الرحمة المهداة والنعمة المسداة، صاحب المقام المحمود والحوض المورود الشفاعة العظمى، سيد الأولين والآخرين على الله ولا فخر.

اللهم صلِّ عليه وسلم على أله وأصحابه الطيبين الأبرار الذين كانوا فيما بينهم رحماء، فرضي عنه رب الأرض والسماوات وعن التابعين وتابعين بإحسان إلي يوم الدين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران/102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 69-71].

أما بعد، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ - فِيْمَا يَرَى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلْ فِيْمَا يَرَى الْنَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيْمِهَا»[1].

قال ابن بطال: وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا، فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء[2].

لأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءِ الْخَاتِمَةِ شَدِيْدًا، يَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءٍ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ كُلِّ خَطرَةٍ وَحَرَكَةٍ، وَيَقُوْلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَحَدٌ أَمِنَ عَلَى إِيْمَانِهِ أَلاَّ يُسْلَبَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلاَّ سُلِبَهُ، وَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ سُفْيَانَ الْثَّوْرِيَّ رحمه الله جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَمِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لاَ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ الإِيْمَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ[3].

فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنة؛ قال ابن القيم رحمه الله: وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى[4].

قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: ولسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابٌ ولها طرقٌ وأَبوابٌ، وأَعظمها الانكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها، والإِعراض عن الآخرة والإِقدام والجرأة على معاصي الله، وربما غلب على الإِنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإِعراض، ونصيب من الجرأة والإِقدام، فملك قلبه وسبى عقله، فربما جاءه الموت على ذلك، وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلَح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة[5]؛ اهـ.

1- فساد المعتقد والابتداع في دين الله:
فإن من أعظم أسباب سوء الخاتمة أن يعتقد العبد اعتقادًا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن يكون من أهل البدع والأهواء، فإن هؤلاء يتخطهم الشيطان في حياتهم وعند مماتهم؛ يقول الشيخ أحمد فريد حفظه الله: "فإن أهل البدع هم أكثر الناس شكًّا واضطرابًا عند الموت، وذلك لسوء معتقدهم وفساد قلوبهم، ومرضها بالشـبهات والشكوك، وقد يظهر لهم من معـاينة أمور الآخرة عند الموت ما يظهر فساد معتقدهم، وسوء منقلبهم فيدفعهم ذلك إلى اليأس والقنوط، فأهـل السنة هم أكثر الناس ثباتًا على أقوالهم ومعتقداتهم، فالثبات على الحق هو سيما أهل الحق، قال هرقل لأبي سفيان بن حرب سائلًا عن أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له، قال: لا، قال كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فأهل السنة والجماعة هم أعظم الناس صبرًا وثباتًا على أقوالهم ومعتقداتهم، وأهل البدع أكثر الناس شكًّا واضطرابًا في الحياة وعند الممات؛ ا. هـ.

وتأمل قول الباري - جل جلالة - وهو يبن خيبة وخسران أهل الشرك والأهواء والعصيان، فيقول: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47].

يقول وهو يخبر عبادها بأحوال الخاسرين أعمالًا: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104]".

وتأمل أحوال أهل الاعتقاد الفساد عند الموت يخبرون بما صاروا إليه ونهاية سعيهم؛ حتى يكون عبرة، فهذا ابن الفارض - قبَّحه الله - الذي كان يعنق بالاتحاد، ويقول بحلول الله جل وعلا في مخلوقاته، وأن الرب عبد والعبد رب، عندما حضرته الوفاة يخبر بما هو صائر إليه ويعبر عن شقوته وخيبته وخسرانه، فيقول:
إن كان منزلتي في الحب عندكم
ما قد رأيت فقد ضيَّعت أيامي
أمنية ظفرت نفسي بها زمانًا
واليوم أحسبها أضغاث أحلام



2- ومن أسباب سوء الخاتمة مخالفة الباطن للظاهر:
ومخالفة الظاهر للباطن من أعظم وأخطر الأمور التي تؤدي إلى سوء الخاتمة، إنه النفاق الذي هو سوس الأمة، فكم من إنسان إذا رأيته حسبته من الصالحين، ويحمل بين طيات جنبه كفرًا دفينًا وحقدًا وحسدًا على المخلصين؛ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار.

فقوله: فيما يبدو للناس يدل على أن باطنه خلاف ظاهرة، ولا يمكن أن تسوء خاتمة من صلح ظاهرة وباطنه، والله أعلم.

قال الحافظ أبن الجوزي - رحمه الله - واسم الرجل قزمان، وكان قـد تخلف عن المسلمين يوم أحد، فعيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أول من رمي بسهم، ثم صار إلى السيف ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه، وجعل يقول: أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئًا لك بالشهادة، فقال: والله ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه.

3- ومنها الذنوب والمعاصي:
فالمعاصي بريد الكفر؛ قال ابن القيم - رحمه الله - ومن عقوباتها - يعني الذنوب والمعاصي - أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه وميعاده، إلى أن قال: هذا وثم أمر أخوف من ذلك أدهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثير من المحتضرين أصابَهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال آه آه لا أستطيع أن أقولها، وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: "شاه رخ" اسم لأحجار الشطرنج، غلبتُك، ثم قَضَى، وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال:
يا رب قائلة يومًا وقد لغبت
كيف الطريق إلى حمام منجاب




وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تنتنا حتى مات.

وقيل لآخر: ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول ولم أدَع معصية إلا ركبتها؛ وقيل لآخر: ذلك، فقال: ما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة ولم يقلها، وقيل لآخر: ذلك، فقال: أنا كافر بما تقول ولم يلقها وقضى، وقيل لآخر: ذلك، فقال: أردت أن أقولها ولساني يمسك عنها[6].

وتلك هي سنة الله أن من عاش على شيء مات عليه؛ يقول الإمام الذهبي - رحمه الله - ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم، فاحتضر رجل ممن كان يلعب الشطرنج فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاهك ثم مات، فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب، فقال عوض كلمة التوحيد شاهك، وهذا كما جاء في إنسان آخر ممن كان يجالس شرَّاب الخمر أنه حين حضرة المـوت، فجاءه إنسان يلقنه الشهادة، فقال له: اشرب اسقيني، ثم مات ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وهذا كما جاء في حديث مروي: "يموت كل إنسان على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه"[7].

4- التسويف بالتوبة والعمل الصالح:
فإن من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله أن يسوف الإنسان بالتوبة، إذا قيل له تُب عما أنت عليه، يقول سأتوب بعد حين، وإذا قيل له صلِّ، يقول سوف أصلي، فالسين وسوف جند من جند إبليس يغري بهما ما يشاء من أوليائه؛ يقول ابن رجب في كتابه القيم "لطائف المعارف": اعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة، فإنه لا يقطـع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس الحياة، أفاق من سكراته بشهوات الدنيا، فندم حينئذ علي تفريط ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا يتوب ويعمل صالحًا، فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت، وقد حذَّر الله في كتابه عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزول بالتوبة والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر: 54 - 56].

سمع بعض المحتضرين عند احتضاره يلطم على وجهه ويقول: "يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله"، وقال آخر عند موته: لا تغرنَّكم الحياة الدنيا كما غرتني، وقال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

وقال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [المنافقون: 10].

وقال تعالى: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ [سبأ: 54]، "وفسر طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - بأنهم طلبوا التوبة حين حال بينهم وبينها.

وقال الحسن: اتق الله، ابن آدم لا يجتمع عليك خصلتان سكرة الموت، وحسرة الفوت.

وقال ابن السماك: احذر السكرة والحسرة أن يفاجئك الموت وأنت على الغرة، فلا يصف واصف قدرَ ما تلقى ولا قدر ما ترى[8].

[1] صحيح البخاري برقم (6493)، وصحيح مسلم برقم (2651) واللفظ للبخاري.

[2] فتح الباري (11/ 330).

[3] مختصر منهاج القاصدين (ص: 391).

[4] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 148).

[5] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 146، 148).

[6] الداء والدواء ص 141 / 143.

[7] الكبائر للذهبي 76-77، والحديث " روي مسلم بلفظ آخر " يبعث كل عبد علي ما مات عليه.

[8] لطائف المعارف ص 353-354.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 257.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 252.05 كيلو بايت... تم توفير 5.66 كيلو بايت...بمعدل (2.20%)]