|
ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() الخيال في الشعر د. إبراهيم عوض فنون الأدب في لغة العرب (8) ومن عناصر الشعر أيضًا: الخيال، وهذا الخيال قد يكون تشبيهًا أو استعارةً أو كنايةً أو مجازًا مرسَلاً، وهو ما يسمى بـ"الخيال الجزئي"، ويقابله ويكمله "الخيال الكلي"؛ كما في لامية الحُطيئة التي مطلعها: وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطن مُرمِل فإنها إلى جانب ما فيها من ألوان الخيال الجزئي تقوم في بنائها العام على قصة متخيَّلة عن أعرابي يعيش في قلب الصحراء بعيدًا عن العمران والناس عيشةً قشفةً مرملة، حدث أن حل به ضيفٌ ذات يوم، فلم يجدْ لديه ما يمكن أن يقدمَه له، فاغتم اغتمامًا شديدًا؛ خشية القيل والقال، واتهام الناس له بالبخل، ونكوله عن القيام بواجب الضيافة المقدس عند عرب البادية، ففكر في لحظة يأس أن يذبح ابنه، وفعلاً عرض الأمر على الابن، فما كان منه إلا أن رحب بالفكرة؛ إنقاذًا لشرف أبيه أن تلوكَه الألسن، وتشيع مذمتُه بين الناس، وبينما يهم بتنفيذ الأمر إذا بقطيع من الحمر الوحشية تعنُّ على البعد، فيسارع إلى كنانته وسهامه ويفوق سهمًا منها لأتانٍ سمينة تخر إثرها على الأرض فيجرها ويذبحها ويطعم ضيفه ويبيتون جميعًا سعداء، وقد شعرت زوجة الأعرابي أنها أم للضيف، مثلما شعر الزوج أنه أبوه، وهي - كما نرى - قصة جميلة، تخيلها الشاعر ليبثها فكرته عن الكرم، ويقدم لنا صورةً عن فقر تلك الأسرة، مع تحليل مشاعرها إزاء الضيف، وما يجب له في ذمتهم، ومن ذلك النوعِ من الخيالِ أيضًا أبياتُ الفرزدق التي مرت بنا عن لقائه بالذئب، وكذلك أبيات ابن خفاجة عن الجبل الذي بات إلى سفحه ذات ليلة، فتخيَّله وهو يروي له ما مر به من ألوان مختلفات من الناس قال كلٌّ منهم يومًا في ظله، ثم مضى لحال سبيله لم يعُدْ إليه قط؛ فهذا عابد أواه، وذاك قاطع طريق قتَّال، وهذا مدلج، وذاك مؤوب، وهذه مطية، وذاك راكبها... إلخ، وهي الأبيات التي يقول في مفتتحها: وأرعنَ طمَّاحِ الذؤابةِ باذخٍ ![]() يطاول أعنانَ السماء بغاربِ ![]() أصَختُ إليه وهو أخرس صامتٌ ![]() فحدَّثني ليل السرى بالعجائبِ ![]() ومن القصائد القائمة أيضًا على ذلك الضرب من الخيال "سلع الدكاكين في يوم البطالة"، التي يتخذ فيها العقاد من سلع الدكاكين في يوم العطلة الأسبوعية رمزًا على البشرية، ومن حبسها وراء الجدران رمزًا على السجن الذي تصادَرُ فيه حرياتُ البشر، وهو يصور البضائع وقد ثارت بسبب الحبس تريد الخروج إلى الحياة الطليقة، حتى لو كان ذلك على حساب وجودها نفسه، وهو يقول: إن هذا هو موقف الجنين ذاته؛ إذ لو سئل أن يبقى حيث هو في بطن أمه يتمتع بالأمان والراحة بدلاً من الخروج إلى النور والحرية الممزوجين بوجع القلب والآلام والشكوى من كل لون - لكان جوابه أن: هيا حيث أحيا، فهو خير من أمان الحبس حيث أنا الآن؛ ذلك أن حبَّ الحرية والانطلاق يجري في دمه، فلا يملك له دفعًا ولا منازعةً. وهي قصيدة من أروع ما كتب العقاد، بل من أروع ما نظم الناظمون في لغة العرب، وفي غير لغة العرب. وبقدر ما تكون الصورة الخيالية جديدةً غير مذالة من كثرة الاستعمال تكون طازجةً ناضرةً، فمن شأن كثرة الاستعمال أن تقتل ما في الصورة من حيوية وقدرة على الإشعاع والإيحاء، كذلك ينبغي أن تصيب الصورةُ المعنى المرادَ، وألا تسلمك كل ما فيها، أو لا تسلمكه دفعةً واحدة، وإلا كانت صورةً مسطحةً قصيرة العمر، لا تخاطب منك إلا حواسك دون أن تكون لها أغوار، وكلما كانت الصورة نابعةً من القلب حارةً يتطلبها الموقف كانت صورةً ناجحةً مؤثرة، أما إذا كانت وليدة العقل البارد فإنها تجيء متكلَّفةً هامدةً فاقدةَ القدرة على الإيحاء، كذلك يجب ألا تزدحم الصورُ ازدحامًا، فترهق ذهن المتلقي، وتكظه فلا يستطيع أن يتنفس، ويئنُّ تحت وطأتها دون أن تتاح له الفرصةُ لتملِّيها والتلذُّذِ بها. وللصور الخيالية دَورٌ لا يبارَى في التلذذ بذوق الشعر؛ ذلك أن الخيال يفتح الآفاق أمام النفس البشرية، فلا تشعر بالملل من الوجود جراء ما ترى من مفرداته كل يوم وكل ساعة، بل كل لحظة على ذات النحو دون تغيير أو تجديد، فيأتي الخيال ليعوِّضَها عما حُرِمتْه من التجديد، ورؤية الدنيا على أوضاع لم تتعودها، ومن ثم لا تشعر تجاهها بالملل والضيق، كذلك فإن الفطرة الإنسانية تتوق إلى الانعتاق من قيود الحياة وقوانينها الصارمة، فلا تجد ذلك الانعتاق إلا في الخيال، والدنيا دون خيال تكون شديدةَ الضيق، فيجيء الخيالُ ليوسِّعَها وينطلق بالإنسان إلى عوالمَ أرحب وأكثر انفتاحًا؛ حيث يتعامل مع أشياء أكثرَ مواتاةً وطواعيةً، وفوق ذلك فالخيال يخاطب فينا الطفولةَ الخالدة في أعماقنا، تلك الطفولة التي تبث الحياةَ في الجمادات والمعاني، وتتلذذ بمخاطبة الأشياء من حولها، وخضوعها لِما تريد، وعلى النحو الذي تبغي، والخيال يمدنا بالتعزية التي نحتاجها حين نُحرَم مما أو ممن نحب، أو حين يقع بنا مكروه، أو ألَمٌ فنجد دنيا أكثر حنانًا وتفهُّمًا تعوِّضنا عما حُرِمناه أو تعذَّبنا بسببه، أو على الأقل يرينا ناسًا يقاسون مثلما نقاسي، ويتألَّمون كما نتألم، فلا نشعر أننا وحدنا في محنتنا، بل هناك من يشاركوننا ونشاركهم الوجدان، وفوق هذا فمن شأن الخيال أن يملأ نفوسنا رضًا واعتزازًا؛ لاستطاعتنا أن نلمح بين عناصر الوجود التي تبدو متباعدةً لا صلة بينها وجوهَ شَبَهٍ تقرِّبها وتقضي على ما بينها من تباعد، فنرى الكون المتنافرةَ عناصرُه وقد سادته قرابةٌ لم تكن فيه. ولا بد في الصور الخيالية - سواء كانت صورًا جزئية؛ كالاستعارة والتشبيه مثلاً، أو كانت صورًا كليةً - من صلة بين طرفيها؛ كالتشابه أو انتماء الجزء إلى الكل أو المجاورة... إلخ، والحذر كل الحذر من التعمُّل في تشكيل الصورة، والاعتماد الكامل على العقل البارد في ذلك كما هو الحال مثلاً في بيت الوأواء الدمشقي المشهور: وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسَقَتْ ![]() وردًا وعضَّتْ على العنَّاب بالبرد ![]() الذي امتدحه أبو هلال العسكري في "الصناعتين" و"ديوان المعاني"، وأبو منصور الثعالبي في "يتيمة الدهر"، و"الإعجاز والإيجاز" و"خاص الخاص"، والعماد الأصفهاني في "خريدة القصر"، بأنه يحتوي على خمسة تشبيهات: تشيبه الدمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخد بالورد، والأنامل بالعنَّاب لِمَا فيهن من الخضاب، والثَّغر بالبرد، وكأن الأمرَ أمرُ تنافس بين الشعراء فيمن يضمِّنُ بيتَه أكبرَ قدر من الصور البيانية، لا أمر شعور يستولي على النفس، فيولِّد الصورة المرادة تلقائيًّا، أو بما هو أدنى إلى التلقائية، ونسُوا أن كثرة التشبيهات - وبخاصة ما كان من ذلك الضرب البارد الهامد - من شأنه إرهاق الذهن والمخيلة؛ كما تُرْهَقُ المعِدة بكثرة ما يلقى فيها من طعام لا تستطيع هضمه بنفس السلاسة التي تهضم بها الطعامَ المعتاد المعتدل، وعلى الأقل فكثير منا الآن لا يستطيعون أن يعجبوا بهذه الصورة رغم أنها كانت تفتن عددًا من نقادنا القدماء للسبب المارِّ ذكرُه، أو لجريانها على الاستعارة لا التشبيه، وفي الاستعارة شيء من التعقيد، وبُعْد عن المباشرة، وليس كذلك التشبيه، ومن هؤلاء القدماء عبدالقاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز"، وابن الأثير في "المثَل السائر". يتبع
__________________
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |