تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - الصفحة 24 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         نظرات فى رسالة في تعاقب الأيدي (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3834 - عددالزوار : 627662 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3319 - عددالزوار : 280202 )           »          الفقر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 348 )           »          قصص القرآن الكريم مواعدة موسى عليه السلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          المنتحر كافر أم مسلم؟!! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الطموح قوتك الدافعة في الحياة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          توازن الرعب الفيروسي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2833 - عددالزوار : 124080 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #231  
قديم 05-08-2022, 01:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1355 الى صـ 1362
الحلقة (231)

الأول: أنه تعالى قال: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فجعل التحاكم [ ص: 1355 ] إلى الطاغوت يكون إيمانا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله.

الثاني: قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم إلى قوله: ويسلموا تسليما [النساء: من الآية 65] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثالث: قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور: من الآية 63] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.

وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله، أو أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، نقله الرازي .

الرابع: قال بعض المفسرين: في هذه الآية وجوب الرضا بقضاء الله سبحانه، والرضا بما شرعه ، وتدل على أنه لا يجوز التحاكم إلى غير شريعة الإسلام .

قال الحاكم: وتدل على أن من لم يرض بحكمه كفر، وما ورد من فعل عمر وقتله المنافق يدل على أن دمه هدر، لا قصاص فيه ولا دية.

وههنا فرع، وهو أن يقال: إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم المسلمين وأبى الثاني وطلب المحاكمة إلى حاكم الملاحدة - فإنه يكفر؛ لأن في ذلك رضا بشعار الكفرة. انتهى.

الرابع: في قوله تعالى: يريدون أن يتحاكموا دقيقة بديعة، قال أبو السعود : [ ص: 1356 ] الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم دون نفسه مع وقوعه أيضا - للتنبيه على أن إرادته مما يقضى منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع، فما ظنك بنفسه؟!

الخامس: قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا ظالمين، وعلموا أنه لا يأخذ الرشا، وأنه لا يحكم إلا بمر الحكم، وقيل: كان ذلك الصد لعدواتهم في الدين.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا [62]

فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم متصل بما قبله، مبين غائلة جناياتهم المحكية ووخامة عاقبتها، أي: كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك، واحتاجوا إليك في ذلك.

ثم جاءوك للاعتذار عما صنعوا من القبائح يحلفون بالله كذبا إن أردنا أي: ما أردنا بذلك التحاكم إلا إحسانا أي: فصلا بالوجه الحسن وتوفيقا بالصلح بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا، وأنهم سيندمون عليه لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار.

قال الرازي : ذكروا في تفسير قوله تعالى: أصابتهم مصيبة وجوها:

الأول: إن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول - عليه السلام - فهم جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فطالبوا عمر بدمه، وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج.

[ ص: 1357 ] قلت: واختياره غير مختار؛ لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن، فهي ساقطة عند المحققين، واستدلال الحاكم - الذي قدمناه – مسلم لو صحت.

الثاني: قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول - عليه الصلاة والسلام - من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وأنه يخصهم بمزيد من الإذلال والطرد عن حضرته، وهو قوله تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [الأحزاب: 60 - 61] وقوله: فقل لن تخرجوا معي أبدا [التوبة: من الآية 83] وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم.

الثالث: قال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول بشر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا له الإيمان به، وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق، قال: ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا؟ ومثاله قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [النساء: من الآية 41] وقوله: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه [آل عمران: من الآية 25] ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم. انتهى.
[ ص: 1358 ] القول في تأويل قوله تعالى:

أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [63]

أولئك إشارة إلى المنافقين الذين يعلم الله ما في قلوبهم من النفاق والميل إلى الباطل وإن أظهروا إسلامهم وعذرهم بحلفهم فأعرض عنهم أي: لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه وعظهم أي: ازجرهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي: مؤثرا واصلا إلى كنه المراد.

فإن قيل: بم تعلق قوله تعالى: في أنفسهم ؟ فالجواب: بقوله: بليغا على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف، أي: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.

أو يتعلق بقوله: وقل لهم أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم، لا يخفى عليه، فلا يغني عنكم إبطانه فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم، وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم - ليس معهم غيرهم - مسارا لهم بالنصيحة؛ لأنها في السر أنجع وفي الإمحاض أدخل: قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم، كذا يستفاد من الكشاف.

قال الناصر في "الانتصاف" ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة.

أما الأول: فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم، وسياق التهديد في قوله: [ ص: 1359 ] فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يشهد له، فإنه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد.

وأما الثاني: فيلائمه من السياق قوله: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل، ثم أمره بوعظهم والإعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم، ثم جاء قوله: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا كالشرح للوعظ ولذكر أهم ما يعظهم فيه، وتلك نفوسهم التي علم الله ما انطوت عليه من المذام، وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به.

وأما الثالث: فيشهد له سيرته - عليه الصلاة والسلام - في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم، والستر عليهم، حتى عد حذيفة - رضي الله عنه - صاحب سره - عليه الصلاة والسلام - لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم وتسميتهم له بأسمائهم، وأخباره في هذا المعنى كثيرة.
تنبيه:

قال بعض المفسرين: وثمرة الآية قبح الرياء والنفاق واليمين الكاذبة والعذر الكاذب ؛ لأنهم اعتذروا بإرادتهم الإحسان، وذلك كذب، ثم قال: ودلت الآية على لزوم الوعظ والمبالغة فيه . انتهى.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [64]

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله كلام مبتدأ، جيء به تمهيدا لبيان خطتهم في ترك طاعة الرسول، والاشتغال بسر جنايتهم بالاعتذار بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة، أي: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع فيما حكم، لا ليطلب الحكم من غيره، فطاعته فرض على من أرسل إليهم، وإنكار فرضيتها كفر.

[ ص: 1360 ] وقوله: بإذن الله أي: بسبب إذنه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويجوز أن يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته.

ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب على عذاب النفاق بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت.

جاءوك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم: واستغفر لهم الرسول أي: دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم لوجدوا الله توابا أي: قابلا لتوبتهم رحيما أي: متفضلا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة.

لطيفة:

قال الزمخشري : ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات؛ تفخيما لشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.

قال في "الانتصاف": وفي هذا النوع من الالتفات خصوصية، وهي اشتماله على ذكر صفة مناسبة لما أضيف إليه، وذلك زائد على الالتفات بذكر الأعلام الجامدة.
تنبيهات:

الأول: دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقا، وأما الظاهر فظاهر الآية قبولها؛ لأنه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مستغفرا لهم وشافعا.

وعن الراضي بالله في (الباطنية): إن أظهروا شبههم وما يعتادون كتمه دل ذلك على صدق توبتهم، فيقبل وإلا فلا، ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى: توابا وذلك ينبئ عن التكرار، كذا في بعض التفاسير.

الثاني: قال الرازي : لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم: قلنا: الجواب [ ص: 1361 ] عنه من وجوه:

الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضا إساءة إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.

الثاني: إن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويطلبوا منه الاستغفار.

الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. انتهى.

أقول: وثمة وجه رابع: وهو التنويه بشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن طاعته طاعته تعالى، فرضاه رضاه وسخطه سخطه.
القول في تأويل قوله تعالى:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [65]

فلا وربك لا يؤمنون في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر حتى يحكموك يجعلوك حاكما ويترافعوا إليك فيما شجر بينهم أي: فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس ثم لا يجدوا في أنفسهم في قلوبهم حرجا أي: ضيقا مما قضيت بينهم ويسلموا أي: ينقادوا لأمرك ويذعنوا لحكمك تسليما تأكيد للفعل بمنزلة تكريره، أي: تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به .
[ ص: 1362 ] تنبيهات:

الأول: روى البخاري، عن الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك .

واستوعى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #232  
قديم 05-08-2022, 01:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1363 الى صـ 1370
الحلقة (232)

قال الزبير: فما أحسب هذا الآيات إلا نزلت في ذلك: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم

قال ابن كثير : هكذا رواه البخاري في (كتاب التفسير) في "صحيحه" من حديث [ ص: 1363 ] معمر ، وفي كتاب (المساقاة) من حديث ابن جريج ومعمر أيضا، وفي كتاب (الصلح) من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة فذكره، وصورته الإرسال وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار - قد شهد بدرا - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في شراج الحرة، كان يستقيان بها كلاهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير : اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للزبير: اسق يا زبير، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر .

فاستوعى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استوعى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه في صريح الحكم.

قال عروة: فقال الزبير : والله! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

[ ص: 1364 ] (هكذا رواه الإمام أحمد ، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله ، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في "تفسيره".

فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلا.... الحديث).

قال ابن كثير : وهكذا رواه النسائي ، من حديث ابن وهب به، ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به، وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وهكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم.

وروى ابن أبي حاتم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسقى الأعلى ثم الأسفل.

قال ابن كثير : هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. انتهى.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وحكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنه حاطب بن أبي بلتعة، وتعقب بأن حاطبا - وإن كان بدريا - لكنه من المهاجرين.

لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية، قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء.... الحديث.

وإسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير فيكون موصولا، وعلى هذا فيؤول قوله (من الأنصار) على إرادة المعنى الأعم، كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة.

وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار - ففيه نظر.

[ ص: 1365 ] وأما قوله (من بني أمية بن زيد) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر، ثم قال: ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد ، وكأنه كان مجاورا للزبير ، والله أعلم. (ج5 ص25 و27)

أقول: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس ههنا ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى: رأيت المنافقين وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر، وكيف؟ وقد كان - رضي الله عنه - من البدريين، وقد انتفى النفاق عمن شهدها.

قال التوربشتي: يحتمل أنه أصدر ذلك منه بادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب، قال: بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى.

ولما هم عمر - رضي الله عنه - بضرب عنقه في قصة الظعينة، قال حاطب: لا تعجل علي [ ص: 1366 ] يا رسول الله! والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، فأقره صلى الله عليه وسلم، وكف عمر عنه، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمر: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فذرفت عينا عمر .... الحديث.

ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه، وهكذا ليكن الأدب، وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب إبهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة، فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب، هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك، ثم قال الحافظ ابن حجر: وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ألم تر إلخ.

فروى إسحاق بن راهويه في "تفسيره" بإسناد صحيح عن الشعبي ، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات إلى.... ويسلموا تسليما

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، نحوه.

[ ص: 1367 ] وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب.

وروي بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد أنه كعب بن الأشرف . انتهى.

وقال ابن كثير : ذكر سبب آخر غريب جدا، قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب ! قضى لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب فردنا إليك، فقال: أكذاك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليه مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر، فأتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول! قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن فأنزل الله: فلا وربك لا يؤمنون الآية ، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم الآية، وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة ، عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف، والله أعلم.

طريق أخرى: قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في "تفسيره": حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن حمزة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي [ ص: 1368 ] عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى لي، فقال أبو بكر : أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب ، فقال كذلك فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى، فقتله، فأنزل الله: فلا وربك لا يؤمنون الآية. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": روى الكلبي في تفسيره عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف ، فذكر القصة، وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق.

وهذا الإسناد - وإن كان ضعيفا - لكن تقوى بطريق مجاهد ، ولا يضره الاختلاف؛ لإمكان التعدد.

وأفاد الواحدي بإسناد صحيح عن سعيد ، عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس، ورجح الطبري في "تفسيره" وعزاه إلى أهل التأويل في "تهذيبه" أن سبب نزولها هذه القصة؛ ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، قال: ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك.

ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، والله أعلم. انتهى.

قال الرازي : اعلم أن قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط:

أولها: قوله تعالى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.

الشرط الثاني: [ ص: 1369 ] قوله: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت واعلم أن الراضي بحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد يكون راضيا في الظاهر دون القلب، فبين في هذه الآية أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.

الشرط الثالث: قوله: ويسلموا تسليما واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: ويسلموا تسليما المراد منه الانقياد في الظاهر، والله أعلم.

الثالث: قال الرازي : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأنه لا يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت مشعر بذلك؛ لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف.

الرابع: (لا) في قوله تعالى: فلا وربك قيل إنها رد لمقدر، أي: تفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: وربك لا يؤمنون حتى يحكموك وقيل: مزيدة لتأكيد النفي الذي جاء فيما بعد أعني الجواب؛ لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن، وقيل: إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم، وارتضاه الزمخشري ، قال كما زيدت [ ص: 1370 ] في: لئلا يعلم [الحديد: من الآية 29] لتأكيد وجوب العلم.

قال في "الانتصاف": يشير إلى أن (لا) لما زيدت مع القسم - وإن لم يكن المقسم به - دل ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم، فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه نفيا تعين جعلها لتأكيد القسم؛ طردا للباب، أو الظاهر عنده - والله أعلم - أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه، والزمخشري لم يذكر مانعا من ذلك، وحاصل ما ذكره: مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا، وذلك أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل، مثل: لا أقسم بهذا البلد [البلد: 1]: لا أقسم بيوم القيامة [القيامة: 1]: فلا أقسم بالخنس [التكوير: 15] فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة: 75] فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون [الحاقة: 38 - 39] ولم تدخل أيضا إلا على القسم بغير الله تعالى، ولذلك سر يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم ويعين كونها للتوطئة، وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به، إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، فكأنه بدخولها يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها كلا إعظام، يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام بها، فيزاح هذا الوهم بالتأكيد في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي [ ص: 1371 ] المذكور.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #233  
قديم 05-08-2022, 01:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1371 الى صـ 1378
الحلقة (233)


وقد قرر الزمخشري هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله: لا أقسم بيوم القيامة على وجه مجمل، هذا بسطه وإيضاحه، فإذا بين ذلك فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله مندفع في الإقسام بالله، فلا يحتاج إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم، فيتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها - في غير الكتاب العزيز - داخلة على قسم مثبت، وأما دخولها في القسم وجوابه نفي، فكثير مثل:


فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر


[ ص: 1372 ] وكقوله:


ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فلا بك ما أبالي


وقوله:


رأى برقا فأوضع فوق بكر فلا بك ما أسال ولا أغاما


[ ص: 1373 ] وقوله:


فخالف فلا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف


وهو أكثر من أن يحصى، فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل. انتهى.

الخامس: اعلم أن كل حديث صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن رواه جامعو الصحاح، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث فهو مما تشمله هذه الآية، أعني قوله تعالى: مما قضيت فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرا وباطنا، وإلا بأن التمس مخارج لرده أو تأويله بخلاف ظاهره لتمذهب تقلده وعصبية ربي عليها - كما هو شأن المقلدة أعداء الحديث وأهله - فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية، الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة.

قال الإمام الشافعي في الرسالة التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأل عن وليدة من ولائد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان، فقال: صدقت، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالفراش.

قال الشافعي : وأخبرني من لا أتهم، عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: [ ص: 1374 ] ابتعت غلاما فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن عبد العزيز : فما أيسر علي من قضاء قضيته، والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق - فبلغتني فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج الذي قضى به علي له.

قال الشافعي : وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة ، عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعيد بن إبراهيم على رجل بقضية، برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، فأخبرته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا، أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعى سعد بكتاب القضية فشقه، فقضى للمقضي عليه.

قال الشافعي : أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عام الفتح: [ ص: 1375 ] من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود .

قال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا، ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وتقول: أتأخذ به؟! نعم، آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه، إن الله تبارك وتعالى اختار محمدا - صلى الله عليه وسلم - من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك، وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. انتهى.

قال الإمام الفلاني في "إيقاظ الهمم" بعد نقل ما مر: تأمل فعل عمر بن الخطاب وفعل عمر بن عبد العزيز وفعل سعد بن إبراهيم ، يظهر لك أن المعروف عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين - أن حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نص كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نص الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية، بأن يقال: لعل هذا المجتهد قد اطلع على هذا النص وتركه لعلة ظهرت له، أو أنه اطلع على دليل آخر، ونحو هذا مما لهج به فرق الفقهاء المتعصبين، وأطبق عليه جهلة المقلدين، فافهم. انتهى.

[ ص: 1376 ] وقال ولي الدين التبريزي في "مشكاة المصابيح" في (الفصل الثالث عشر) من (باب الجماعة وفضلها): وعن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم فقال بلال: والله لنمنعهن، فقال عبد الله : أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول أنت: لنمنعهن؟!

(وفي رواية سالم عن أبيه) قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعت سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول: والله لنمنعهن، رواه مسلم .

وعن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد فقال ابن لعبد الله بن عمر : فإنا نمنعهن، فقال عبد الله أحدثك عن رسول الله وتقول هذا؟ قال فما كلمه عبد الله حتى مات، رواه الإمام أحمد.

وقال الطيبي شارح "المشكاة": عجبت ممن سمي بالسني إذا سمع من سنة رسول الله وله رأي رجح رأيه عليها، وأي فرق بينه وبين المبتدع؟! أما سمع: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ؟

وها هو ابن عمر - وهو من أكابر الصحابة وفقهائها - كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة كبده لتلك الهنة؛ عبرة لأولي الألباب.

وروى الإمام مسلم في "صحيحه" في (كراهة الخذف) قبيل (كتاب الأضاحي) عن [ ص: 1377 ] سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن مغفل خذف، قال فنهاه وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف، وقال: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين فقال فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدا.

قال النووي: فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق ، وأنه يجوز هجرانهم دائما، فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هو في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما هجر أهل البدع فيجوز على الدوام، كما يدل عليه هذا مع نظائر له، لحديث كعب بن مالك .

قال السيوطي : وقد ألفت مؤلفا سميته "الزجر بالهجر" لأني كثير الملازمة لهذه السنة.

أقول: حديث الخذف ساقه الحافظ الدارمي في "سننه" تحت باب (تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثه فلم يعظمه ولم يوقره) ورواه من طرق متنوعة، وفي بعضها: أحدثك أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الخذف ثم تخذف؟ والله! لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا أكلمك أبدا.

وأسند الدارمي في هذا الباب، عن قتادة ، عن ابن سيرين أنه حدث رجلا بحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل: قال فلان وفلان: كذا وكذا! فقال ابن سيرين : أحدثك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول: قال فلان وفلان؟! لا أكلمك أبدا.

وأسند أيضا فيه عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه [ ص: 1378 ] بحج أو عمرة، فقال له: لا تبرح حتى تصلي، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق، إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد، فقال: إن أصحابي بالحرة، قال فخرج، قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه.

وذكر الدارمي - رضي الله عنه - قبل هذا الباب (باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم) وأسند عن معتمر ، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله وقال فلان.

قال الإمام شمس الدين بن القيم في "أعلام الموقعين": ترى كثيرا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده - وقد خالفه راويه - يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده والحديث يخالفه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخه، وإلا كان قدحا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا.

بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض، والذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره، أن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه - أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان، لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو أن يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتقاء ذلك كله ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه لم يكن الراوي معصوما، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك، اهـ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #234  
قديم 05-08-2022, 01:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1379 الى صـ 1386
الحلقة (234)


[ ص: 1379 ] وقال الفلاني رحمه الله تعالى في "الإيقاظ" قال عثمان بن عمر: جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله عن مسألة فقال له: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيت؟ فقال مالك: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم قال مالك: لم تكن من فتيا الناس أن يقال لهم: لم قلت هذا؟ كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها.

قال الجنيد - رضي الله عنه -: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (فتوى له) قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه، في كل ما أمر به ونهى عنه، إلا رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنه يقول: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.

واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب، وقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضروات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك - رضي الله عنه - بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.

ومالك رحمه الله كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلام هذا معناه.

[ ص: 1380 ] والشافعي رحمه الله كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي.

ثم قال ابن تيمية: وإذا قيل لهذا المستفتي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست من هذا ولا من هذا، ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله وإلى رسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - في مسألة تيمم الجنب ، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه – وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر - رضي الله عنه - في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان من السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هذه وهذه سواء .

وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس - رضي الله عنهما - في المتعة، فقال له: قال أبو بكر وعمر ، فقال ابن عباس : يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ، وكذلك ابن عمر - رضي الله عنهما - لما سألوه عنها، فأمر بها فعارضوه بقول عمر ، فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال لهم، أرسول الله أحق أن يتبع أم عمر ؟ مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - ولو فتح هذا الباب لأوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [التوبة: 31] والله سبحانه أعلم. انتهى.

[ ص: 1381 ] وقال الإمام ابن القيم في خطبة "زاد المعاد": فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة، وقد أقسم صلى الله عليه وسلم بأن لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجا مما حكم به، ثم يسلم له تسليما، وينقاد له انقيادا، وقال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: من الآية 36] فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئا [ ص: 1382 ] بعد أمره صلى الله عليه وسلم، بل إذا أمر فأمره حتم، وإنما الخيرة في قول غيره، إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع، فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيا لله ورسوله، فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله، فلا حكم لأحد معه، ولا قول لأحد معه، كما لا تشريع لأحد معه، وكل حي سواه فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغا محضا ومخبرا، لا منشئا ومؤسسا، فمن أنشأ أقوالا وأسس قواعد بحسب فهمه وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها ولا التحاكم إليها، حتى تعرض على ما جاء به، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة قبلت حينئذ، وإن خالفته وجب ردها واطراحها، وإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفة، وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها، وأما أنه يجب ويتعين، فكلا. انتهى.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [66]

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم قال الرازي : اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق، والمعنى: إنا لو شددنا التكليف على الناس نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم، ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، [ ص: 1383 ] فلما لم نفعل ذلك؛ رحمة منا على عبادنا، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص، وليتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين. انتهى.

ونقله فيما بعد عن ابن عباس ، وعليه فمرجع الضمير في (عليهم) إلى المنافقين، وثمة وجه آخر، وهو عوده إلى الناس كافة، ويكون المراد بـ(القليل) المؤمنين، وأما الضمير في قوله: ولو أنهم فعلوا فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، قرره الرازي .

روى ابن جريج بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: ولو أنا كتبنا عليهم الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ورواه ابن أبي حاتم نحوه.

وأسند عن السدي قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت : والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا، فنزلت الآية.

وأسند أيضا عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم.

وأسند أيضا عن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل.
تنبيهات:

الأول: قال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار، وقيل: أراد التعرض للقتل بالجهاد، وأراد الهجرة بالخروج من الديار، والمعنى: لو أمر المنافقون كما أمر المؤمنون ما فعلوه. انتهى.

والقول الثاني بعيد؛ لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة، ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول.

الثاني: الضمير في (فعلوه) للمكتوب الشامل للقتل والخروج، لدلالة (كتبنا) عليه، أو هو عائد على أحد مصدري الفعلين، قال الخفاجي : وللعطف بـ(أو) لزم توحيد الضمير. انتهى.

[ ص: 1384 ] أقول: ذكر الشيخ خالد في "التصريح" أن إفراد الضمير في العطف بـ(أو) رأي البصريين، والتثنية رأي الكوفيين، فأفاد جواز الوجهين، قال محشيه العلامة يس : الذي نص عليه ابن مالك أن (أو) التي للشك والإبهام يفرد بعدها الضمير، والتي للتنويع يطابق، نحو قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما [النساء: من الآية 135] ونص على ذلك ابن هشام في "المغني" في (بحث الجملة المعترضة) فقال (في قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ): الظاهر أن الجواب: فالله أولى بهما، ولا يرد ذلك تثنية الضمير كما قد توهموا؛ لأن (أو) هنا للتنويع، حكمها حكم (الواو) في وجوب المطابقة، نص عليه الأبدي وهو الحق. انتهى.

وبه يعلم أن ما اشتهر من أنه إذا ذكر متعاطفان بـ(أو) فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما - ليس على عمومه.

الثالث: قرأ ابن عامر (قليلا) بالنصب على الاستثناء، والباقون بالرفع بدلا من الضمير المرفوع.

ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به أي: من متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته والانقياد لما يحكم به ظاهرا وباطنا، وسميت أوامر الله ونواهيه مواعظ؛ لاقترانها بالوعد والوعيد لكان أي: فعلهم ذلك خيرا لهم في عاجلهم وأشد تثبيتا أي: لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب.
[ ص: 1385 ] القول في تأويل قوله تعالى:

وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما [67]

وإذا لآتيناهم من لدنا أي: من عندنا أجرا أي: ثوابا عظيما يعني الجنة.
القول في تأويل قوله تعالى:

ولهديناهم صراطا مستقيما [68]

ولهديناهم صراطا مستقيما أي: لثبتناهم في الدنيا على دين قويم نرتضيه، وهو الإسلام، ثم بين تعالى فضل الطاعة وأن ثمرتها مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده، فقال:
القول في تأويل قوله تعالى:

ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [69]

ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ولم يذكر المنعم به إشعارا بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه من النبيين الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام، وأمرهم بإنبائها الخلق، كلا بمقدار استعداده والصديقين (جمع صديق) وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله كذا في "المدارك".

قال الرازي : للمفسرين (في الصديق) وجوه:

الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل قوله تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [الحديد: من الآية 19].

الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة [ ص: 1386 ] والسلام.

الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام، فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أولى الخلق بهذا الوصف، ثم جود الرازي الكلام في سبقه - رضي الله عنه - إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك، فانظره.

والشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى والصالحين الذين صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم وحسن أولئك إشارة إلى النبيين والصديقين وما بعدهما رفيقا يعني في الجنة، والرفيق الصاحب، سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، وإنما وحد (الرفيق) وهو صفة الجمع؛ لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع، كالصديق والخليط، والجملة تذييل مقرر لما قبله، مؤكد للترغيب والتشويق.

قال الزمخشري : فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ (وحسن) بسكون السين.
تنبيهات:

الأول: قال الرازي : ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين.... إلخ - كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وأنه لا يجوز، بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيادة قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية.

الثاني: دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف، وهو كون الإنسان صديقا، ولذا أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #235  
قديم 05-08-2022, 01:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1387 الى صـ 1394
الحلقة (235)



[ ص: 1387 ] كما قال تعالى في وصف إسماعيل: إنه كان صادق الوعد [مريم: من الآية 54] وفي صفة إدريس: إنه كان صديقا نبيا [مريم: من الآية 56] وقال في هذه الآية: من النبيين والصديقين يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية، ولا متوسط بينهما، وقال في آية أخرى: والذي جاء بالصدق وصدق به [الزمر: من الآية 33] فلم يجعل بينهما واسطة.

وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الإمام بعد الرسول - عليه الصلاة والسلام - أبا بكر، على سبيل الإجماع، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية، لا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها، أفاده الرازي .

الثالث: روى الطبري في سبب نزولها عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محزون، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا فلان! ما لي أراك محزونا؟! فقال: يا نبي الله! شيء فكرت فيه، فقال: ما هو؟ قال نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فأتاه جبريل بهذه الآية: ومن يطع الله والرسول إلخ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم – فبشره.

وقد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق وعن عكرمة [ ص: 1388 ] وعامر الشعبي وقتادة، وعن الربيع بن أنس، وهو من أحسنها سندا: قال الطبري : حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال (في هذه الآية): إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: قد علمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - له فضله على من آمن به في درجات الجنة، ممن اتبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل الله في ذلك هذه الآية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه .

ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا عن عائشة ، قالت: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت عليه: ومن يطع الله الآية، وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في "صفة الجنة" بإسناد قال فيه: لا أرى به بأسا.

الرابع: روي في السنة في معنى هذه الآية أخبار وافرة، منها: في صحيح مسلم، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوضوء وحاجته فقال لي: سل! فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة فقال: أوغير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود .

ومنها في مسند الإمام أحمد [ ص: 1389 ] عن عمرو بن مرة الجهني : قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الخمس وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه قال ابن كثير : تفرد به أحمد.

ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضا، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قرأ ألف آية في سبيل الله تبارك وتعالى كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله تعالى.

ومنها ما رواه الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء .

قال ابن كثير : وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب .

[ ص: 1390 ] قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.

وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحب أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - وأرجو أن يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم.

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين أخرجاه في الصحيحين من حديث الإمام مالك ، واللفظ لمسلم .

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما [70]

ذلك مبتدأ، إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم، فالمشار إليه إما جميع ما قبله أو ما يليه الفضل صفة من الله خبره، أي: ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره، [ ص: 1391 ] أو " الفضل " خبر، و :" من الله "حال، والعامل فيه معنى الإشارة، أي: ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل، وإن ما سواه ليس بشيء موجودا وكائنا من الله تعالى، لا أن أعمال المكلفين توجبه.

قال الناصر في "الانتصاف": معتقدنا معاشر أهل السنة أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص خلق الله تعالى وفعله، وإن قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم، بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها، فالطاعة إذا من فضله، فله الفضل على كل حال، والمنة في الفاتحة والمآل، وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، اللهم! اختم لنا باقتفاء السنة، وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. انتهى كلام الناصر.

والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة .

وكفى بالله عليما بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله.

قال الرازي : وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله؛ لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه، ثم أعاد تعالى - بعد الترغيب في طاعته وطاعة رسوله - الأمر بالجهاد الذي تقدم؛ لأنه أشق الطاعات وأعظم الأمور التي يحصل بها تقوية الدين، فقال سبحانه:
[ ص: 1392 ] القول في تأويل قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا [71]

يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم أي: تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، ويطلق الحذر على ما يحذر به ويصون، كالسلاح والحزم، أي: استعدوا للعدو، والحذر على هذا حقيقة، وعلى الأول من الكناية والتخييل بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية.

قال في "الإكليل": فيه الأمر باتخاذ السلاح، وأنه لا ينافي التوكل .

قال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر، وهو الحزم من العدو، وترك التفريط، وكذلك ما يحذرونه وهو استعمال السلاح على أحد التفسيرين، فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل من أعمال الجهاد.

فانفروا أي: اخرجوا إلى الجهاد ثبات جمع (ثبة) بمعنى الجماعة، كما في القاموس، أي: جماعات متفرقين، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة؛ إظهارا للجراءة.

أو انفروا جميعا أي: مجتمعين كلكم كوكبة واحدة؛ إيقاعا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر.

قال الحاكم: اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
القول في تأويل قوله تعالى:

وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا [72]

وإن منكم لمن ليبطئن أي: ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد والخروج مع الجماعة لنفاق، أو معناه: ليثبطن غيره، كما كان المنافقون يثبطون غيرهم، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد، وقد روي عن كثير من التابعين أن الآية [ ص: 1393 ] نزلت في المنافقين، فإن ما حكي عنهم هو دأبهم، وقيل: الخطاب للمؤمنين وقوفا مع صدر الآية، فإنه قال: يا أيها الذين آمنوا ثم قال وإن منكم وقد قال تعالى في المنافقين: ما هم منكم

قال الحاكم: والتقدير على القول الأول: وإن منكم - على زعمه - في الظاهر أو في حكم الشرع.

فإن أصابتكم مصيبة كهزيمة، وشهادة، وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة قال أي: المبطئ فرحا بصنعه ومعجبا برأيه قد أنعم الله علي بالقعود إذ لم أكن معهم شهيدا أي: حاضرا في المعركة، فيصيبني ما أصابهم، يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم ير ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
القول في تأويل قوله تعالى:

ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما [73]

ولئن أصابكم فضل من الله كفتح، وغنيمة، ونصر، وظفر، ونسبة إصابة الفضل إلى جنابه تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية، كما في قوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 80].

ليقولن ندامة على تثبطه وقعوده وتهالكا على حطام الدنيا، وتحسرا على فواته كأن لم تكن بينكم وبينه مودة أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما فأصيب غنائم كثيرة، وحظا وافرا.

وقوله تعالى: " كأن لم " إلخ، اعتراض بين الفعل وهو: " ليقولن " ومفعوله وهو: " يا ليتني " إلخ للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لم تتقدم له معكم مودة؛ لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا [ ص: 1394 ] يبغون لهم الغوائل في الباطن، وفيه تعجيب أيضا من قولهم المذكور.

قال بعض المفسرين: ثمرة ذلك تأكيد وجوب الجهاد وتحريم التثبيط عنه. انتهى.

ولما ذم تعالى المبطئين عن الجهاد رغب المؤمنين فيه بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما [74]

فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي: يبيعونها بها وهم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صد الذين في قلوبهم مرض فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة، ويقال: عنى بالموصول المنافقين المبطئين، أي: الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، فيكون وعظا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد.

ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أي: يستشهد أو يغلب أي: يظفر على العدو فسوف نؤتيه نعطيه أجرا عظيما ثوابا وافرا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #236  
قديم 05-08-2022, 01:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1395 الى صـ 1402
الحلقة (236)

روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة (لفظ مسلم ).
[ ص: 1395 ] القول في تأويل قوله تعالى:

وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا [75]

وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله خطاب للمأمورين بالقتال، على طريقة الالتفات؛ مبالغة في التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه.

وقوله تعالى: والمستضعفين مجرور عطفا على اسم الله، أي: في سبيل المستضعفين الذين هم كأنفسكم، وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو، أو على "السبيل" بحذف المضاف، أي: في خلاص المستضعفين، أو منصوب على الاختصاص، يعني: وأختص من سبيل الله خلاص المستضعفين؛ لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه.

قال في "الانتصاف": وفي النصب مبالغة في الحث على خلاصهم من جهتين:

إحداهما: التخصيص بعد التعميم، فإنه يقتضي إضمار الناصب الذي هو أختص، ولولا النصب لكان التخصيص معلوما من إفراده بالذكر، ولكن أكد هذا المعلوم بطريق اللزوم بأن أخرجه إلى النطق.

من الرجال والنساء والولدان بيان للمستضعفين، أو حال منهم، وهم المسلمون الذين صدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بمكة مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين كما في الصحيح.

[ ص: 1396 ] وإنما ذكر (الولدان) معهم؛ تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين، بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء.

الذين يقولون من إيذاء أهل مكة وإذلالهم إياهم، متبرئين من المقام بها ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها أي: بالشرك الذي هو ظلم عظيم، وبأذية المسلمين، وهي مكة، و(الظالم) صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له كان كالفعل في التذكير والتأنيث، بحسب ما عمل فيه، قاله أبو السعود .

واجعل لنا من لدنك وليا أي: سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا واجعل لنا من لدنك نصيرا ناصرا يدفع عنا أذيات أعدائنا، أو المعنى: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي: لتكن أنت ولينا وناصرنا، وقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم خير ولي وأعز ناصر، ففتح مكة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فتولاهم أي تول، ونصرهم أية نصرة، حتى صاروا أعز أهلها.

وروى البخاري بالسند إلى ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وبه إليه قال: كانت أمي ممن عذر الله.

[ ص: 1397 ] قال الرازي : معنى الآية: لا عذر لكم في ترك المقاتلة، وقد بلغ حال المستضعفين من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي صار لها القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة؛ لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير. انتهى.
تنبيه:

قال بعض المفسرين: ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد ؛ لأنه تعالى وبخ على تركه، تدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار، ويأتي مثل هذا استنقاذه من كل مضرة، من ظالم أو لص وغير ذلك، ووجه مأخذ ذلك أنه تعالى جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه، وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء؛ لأن الظاهر أنه أراد الصغار.

قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء؛ لأن العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة، وقيل (للولدان والولائد) الولدان؛ لتغليب الذكور على الإناث، كما يقال: الآباء والإخوة، وتدل الآية على أن للداعي حقا عند الله؛ لأنه جعل ذلك اختصاصا لنصرته، وتدل على لزوم الهجرة من ديار الكفر، وأن المؤمن لا يذل نفسه بجعله مستضعفا؛ لأنه تعالى أوجب المقاتلة لزوال الغلبة عليهم، وفي الآيات هذه تأكيدات متتابعة على لزوم الجهاد.

لطيفة:

قال ناصر الدين في "الانتصاف": وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز، كقوله: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة إلى قوله: فكفرت بأنعم الله [النحل: من الآية 112] وقوله: [ ص: 1398 ] وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها [القصص: من الآية 58]وأما هذه القرية (في سورة النساء) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة؛ لأن المراد بهامكة ، فوقرت عن نسبة الظلم إليها؛ تشريفا لها، شرفها الله تعالى، ثم شجع تعالى المؤمنين ورغبهم في الجهاد بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا [76]

الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله يعني في طاعته لإعلاء كلمته، فهو وليهم وناصرهم والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت في طاعة الشيطان الآمر بغاية الطغيان، كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم فقاتلوا أولياء الشيطان أي: جنده.

قال أبو السعود : وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله، وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه، فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة، كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف، كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فقاتلوا يا أولياء الله أولياء الشيطان، ثم صرح في التعليل فقيل: إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي: في حد ذاته، فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى؛ إيذانا بظهورها.

قالوا: فائدة إدخال (كان) في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان كان كذلك، فالمعنى: إن كيد الشيطان منذ كان كان موصوفا بالضعف. انتهى.

(والكيد): السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه، يقال: كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه، أفاده الرازي .
[ ص: 1399 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [77]

ألم تر إلى الذين قيل لهم وهم المؤمنون عند استئذانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القتال قبل أن يؤمروا به كفوا أيديكم أي: عن القتال، فإنكم لم تؤمروا به وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي: أتموا الصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها، وما يجب فيها من مواقيتها، وأعطوا زكاة أموالكم فلما كتب أي: فرض عليهم القتال أي: الجهاد في سبيل الله حين قوي حالهم إذا فريق منهم أي: طائفة منهم وهم المنافقون، وإدخالهم مع المؤمنين لما كانوا يظهرونه من أنفسهم أنهم منهم يخشون الناس أي: يخافون أهل مكة الكفار أن يقتلوهم كخشية الله أي: كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه أو أشد خشية أي: أكثر خوفا منه.

فإن قيل: ظاهر قوله: أو أشد خشية يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال (أجيب) بأن (أو) إما بمعنى (بل) أو هي للتنويع على أن المعنى: أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها، أو للإبهام على السامع، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وهو قريب مما في قوله تعالى: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 147] يعني أن من يبصرهم يقول: إنهم مائة ألف أو يزيدون.
تنبيه:

حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة [ ص: 1400 ] المهاجرين، وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة قبل الهجرة أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ثم بعد الهجرة إلى المدينة لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فنزلت الآية.

وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين؛ تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين من شاكلتهم، والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه:

منها: أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح.

ومنها: أن طلبهم للجهاد وهم في مكة مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب - في غاية البعد.

ومنها: أن السياق في المنافقين، وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت إلى قوله تعالى الآتي : فلا تتخذوا منهم أولياء الآية، كما يظهر من التدبر الصادق.

ومنها: أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين؛ لأنه تعالى قال في وصفهم: يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق، وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا: وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ولم يعهد هذا عن المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد، كما روى ابن إسحاق في "السيرة" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس في غزوة بدر، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون [المائدة: من الآية 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.

[ ص: 1401 ] ثم قال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء.


ومنها أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك [النساء: من الآية 78]، ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله: فما لكم في المنافقين فئتين فزال اللبس وبرح الخفاء.

وما أشبه هذه الآيات بقوله تعالى في (سورة محمد): ويقول الذين آمنوا لولا نـزلت سورة أي: تأمرنا بالجهاد: فإذا أنـزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك إلى قوله: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم [محمد: 29].

وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال أي: الجهاد في سبيلك لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي: هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت بآجالنا قل أي: تزهيدا لهم فيما يؤملون بالقعود من المتاع الفاني، وترغيبا فيما ينالونه بالجهاد من النعيم الباقي متاع الدنيا أي: ما يتمتع وينتفع به في الدنيا قليل سريع التقضي، وشيك الانصرام، وإن أخرتم إلى ذلك الأجل.

والآخرة أي: ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالجهاد خير أي: لكم من ذلك المتاع الفاني لكثرته وعدم انقطاعه، وصفائه عن الكدورات، وإنما قيل: لمن اتقى حثا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بموجب التكليف ولا تظلمون فتيلا عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي: [ ص: 1402 ] تجزون ولا تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال، فلا ترغبوا عنه.

(والفتيل) ما في شق النواة من الخيط، يضرب به المثل في القلة والحقارة.

وقرئ: " يظلمون " بالياء؛ إعادة للضمير إلى ظاهر (من) أفاده أبو السعود .

روى ابن أبي حاتم قال: قرأ الحسن : قل متاع الدنيا قليل، قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه، وقال ابن معين : كان أبو مصهر ينشد:


ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها
متاع قليل والزوال قريب

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #237  
قديم 05-08-2022, 01:30 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1403 الى صـ 1410
الحلقة (237)


ثم بين تعالى أنه لا ينفعهم الفرار من الموت؛ لأنه لا خلاص لهم منه، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [78]

أينما تكونوا أي: في أي مكان تكونوا عند الأجل يدرككم الموت أي: الذي لأجله تكرهون القتال؛ زعما منكم أنه من مظانه، وتحبون القعود عنه، على زعم أنه منجاة منه، أي: وإذا كان لا بد من الموت فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله تعالى: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا [الأحزاب: 16].

ولو كنتم في بروج [ ص: 1403 ] أي: حصون: مشيدة أي: مرفوعة مستحكمة، لا يصل إليها القاتل الإنساني، لكنها لا تمنع القاتل الإلهي، كما قال زهير بن أبي سلمى :


ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم


وقد ذكر ابن جرير ، وابن أبي حاتم ههنا حكاية مطولة عن مجاهد ، والشاهد منها هنا أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت، فاتخذ لها زوجها قصرا منيعا شاهقا؛ ليحرزها من ذلك، فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف، فأراها إياها فقالت: أهذه التي تحذرها علي؟! والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها، واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت.

ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد، خائفين من الموت، غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلة لهم أشنع، بقوله سبحانه: وإن تصبهم حسنة كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها يقولوا هذه من عند الله أي: من قبله، [ ص: 1404 ] لما علم فينا الخير وإن تصبهم سيئة كقحط وجدب، وغلاء السعر، ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك يقولوا هذه من عندك يعنون: من شؤمك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف: من الآية 131]وعن قوم صالح: قالوا اطيرنا بك وبمن معك [النمل: من الآية 47].

قال أبو السعود : فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال، إذ لا يجترءون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل: قل كل من عند الله أي: كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقا وإيجادا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة، كما سيأتي بيانه، فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل ردا على أسلافهم من قوله تعالى: ألا إنما طائرهم عند الله أي: إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم عند الله تعالى لا عند غيره، حتى يسندوها إليه ويطيروا به.

فمال هؤلاء القوم يعني المنافقين لا يكادون يفقهون حديثا أي: قولا، والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم، إذ لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به أن الله هو القابض الباسط، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان، والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد.
[ ص: 1405 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا [79]

ما أصابك من حسنة أي: نعمة فمن الله أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء وما أصابك من سيئة أي: بلية فمن نفسك أي: من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة، كقوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30].

روى ابن عساكر، عن البراء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر .

وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، قال وقرأ: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .

[ ص: 1406 ] لطيفة

الخطاب في: أصابك عام لكل من يقف عليه، لا للنبي صلى الله عليه وسلم، كقوله:


إذا أنت أكرمت الكريم ملكته


ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا، وجوز أن يكون الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله صلى الله عليه وسلم، بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير، ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب، لا سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة، قرره أبو السعود .

قال بعض المفسرين: وثمرة الآية رد التطير والتشاؤم.

وأرسلناك للناس رسولا بيان لجلالة منصبه - صلى الله عليه وسلم - ومكانته عند الله عز وجل، بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه - عليه الصلاة والسلام - بناء على جهلهم بشأنه الجليل، وتعريف (الناس) للاستغراق، أفاده أبو السعود ، أي: فمن أين يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيا العموم إلى الخيرات؟! فأنت منشأ كل خير ورحمة وكفى بالله شهيدا أي: على رسالتك وصدقك بإظهار المعجزات على يديك، أي: وإذا ثبتت رسالتك فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك.
[ ص: 1407 ] القول في تأويل قوله تعالى:

من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا [80]

من يطع الرسول فقد أطاع الله لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغ لأمره ونهيه، فمرجع الطاعة وعدمها هو الله سبحانه وتعالى ومن تولى عن طاعته فما أرسلناك عليهم حفيظا أي: كفيلا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [الرعد: 40].

ولما بين تعالى وجوب طاعة الرسول تأثره بذكر معاملتهم معه، فقال:
القول في تأويل قوله تعالى:

ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [81]

ويقولون أي: المنافقون إذا أمرتهم بشيء، وهم عندك طاعة بالرفع، أي: أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعة، كما يقول المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة.

قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه، ولو نصب (حمد الله) كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.

فإذا برزوا أي: خرجوا من عندك أي: من مجلسك بيت أي: دبر ليلا طائفة منهم أي: من القائلين المذكورين وهم رؤساؤهم غير الذي تقول أي: خلاف ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة؛ لأنهم مصرون على الرد والعصيان، وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه النفاق.

[ ص: 1408 ] تنبيهان:

الأول: في "القاموس وشرحه" وبيت الأمر: عمله أو دبره ليلا.

وقال الزجاج : كل ما فكر فيه أو خيض بليل فقد بيت، ويقال: بيت بليل ودبر بليل بمعنى واحد.

وفي الحديث: أنه كان - صلى الله عليه وسلم - لا يبيت مالا ولا يقيله ، أي: إذا جاءه مال لا يمسكه إلى الليل ولا إلى القائلة، بل يعجل قسمته. انتهى.

ونقل الرازي عن الزجاج أيضا: أن كل أمر تفكر فيه وتأمل في مصالحه ومفاسده كثيرا يقال فيه مبيت، وفي اشتقاقه وجهان:

الأول: من البيتوتة؛ لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب أنه يستقصي الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا.

الثاني: اشتقاقه من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها ويسويها، قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه، فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا؛ تشبيها له ببيت الشعر، من حيث إنه يسوى ويدبر.

الثاني: تذكير الفعل؛ لأن تأنيث (طائفة) غير حقيقي، ولأنها في معنى الفوج والفريق، وإسناده إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون له بالذات، والباقون أتباع لهم في ذلك، لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة.

والله يكتب ما يبيتون أي: يثبته في صحائف أعمالهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الموكلين بالعباد فيجازيهم عليه.

قال ابن كثير : والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك. انتهى.

وجوز أن يكون المعنى: والله يكتبه في جملة ما يوحي إليك في كتابه، فيطلعك على أسرارهم، فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم، فالقصد لتهديدهم على الأول، وتحذيرهم من [ ص: 1409 ] النفاق لأن الله يظهره على الثاني.

فأعرض عنهم أي: تجاف عنهم ولا تعاقبهم وتوكل على الله أي: ثق بالله في شأنهم، فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم وكفى بالله وكيلا كفيلا بالنصرة والدولة لك عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [82]

أفلا يتدبرون القرآن إنكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن وإعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان؛ ليعلموا كونه من عنده تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه.

وأصل التدبر التأمل والنظر في أدبار الأمر وعواقبه خاصة، ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه.

ولو كان أي: القرآن من عند غير الله تعالى كما يزعمون لوجدوا فيه اختلافا كثيرا بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع، إذ لا علم بالأمور الغيبية، ماضية كانت أو مستقبلة لغيره سبحانه، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده تعالى.

قال الزجاج : ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب مما يسره المنافقون وما يبيتونه مختلفا، بعضه حق وبعضه باطل؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.

وقال أبو بكر الأصم: إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر، وكان الله تعالى يطلع الرسول - عليه الصلاة والسلام - على ذلك، ويخبره بها مفصلة، فقيل لهم إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولوقع فيه الاختلاف، فلما لم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى، وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في البلاغة فمما لا يساعده السباق ولا السياق، أفاده أبو السعود .
[ ص: 1410 ] تنبيه:

دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى القول بفساد التقليد؛ لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، أفاده الرازي .

وفي الآية - أيضا - الحث على تدبر القرآن ليعرف إعجازه من موافقته للعلوم واشتماله على فوائد منها، وكمال حججه وبلاغته العليا، وموافقة أحكامه للحكمة، وأخباره الماضية لكتب الأولين، والمستقبلة للواقع.

قال الحافظ ابن حجر : من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها - فإنه الذي يحمد وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. انتهى.

وقد روى البخاري في صحيحه تعليقا عن ابن عون (وهو عبد الله البصري ، من صغار التابعين) أنه قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه، ويدعوا الناس إلا من خير. وفي رواية (فيتدبروه) بدل (يتفهموه).

قال الكرماني: قال في القرآن: يتفهموه، وفي السنة: يتعلموها؛ لأن الغالب أن المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه، فلهذا أوصى بتفهم معناه وإدراك منطوقه. انتهى.

وفي بقية الآية العذر للمصنفين فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض؛ لأن السلامة عن ذلك من خصائص القرآن، ثم ذكر تعالى عن المنافقين نوعا آخر من مفاسدهم، وهو إظهارهم أسرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبادرتهم بأخبار السرايا وإذاعتها بقوله تعالى:

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #238  
قديم 05-08-2022, 01:31 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1411 الى صـ 1418
الحلقة (238)



[ ص: 1411 ] القول في تأويل قوله تعالى:

وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [83]

وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أي: مما يوجب أحدهما أذاعوا به أي: أفشوه، فتعود إذاعتهم مفسدة من وجوه:

الأول: أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.

والثاني: أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فإذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن المنافقين كانوا يروون تلك الإرجافات عن الرسول، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.

الثالث: أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة.

والرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار، فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار، فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن ذلك الإرجاف كان منشئا للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تعالى تلك الإذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه، أفاده الرازي .

ولو ردوه أي: ذلك الأمر الذي جاءهم إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم هم كبراء الصحابة البصراء في الأمور - رضي الله عنهم - أو الذين يؤمرون منهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه أي: الأمر [ ص: 1412 ] الذين يستنبطونه أي: يستعلمونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون منهم أي: من الرسول وأولي الأمر، يعني لو أنهم قالوا: نسكت حتى نسمعه من جهة الرسول ومن ذكر معه ونعرف الحال فيه من جهتهم - لعلموا صحته وأنه هل هو مما يذاع أو لا؟ وإنما وضع الموصول موضع الضمير يعني لم يقل: (لعلموه) لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، أو لذمهم أو للتنبيه على خطئهم في الفحص عن استخراج وإظهار خفي ذلك الأمر.

قال الناصر في "الانتصاف": في هذه الآية تأديب لكل من يحدث بكل ما يسمع، وكفى به كذبا، وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدو، وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره. انتهى.

وقد روى مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع .

وعند أبي داود والحاكم عنه: كفى بالمرء إثما ورواه الحاكم أيضا عن أبي أمامة .

هذا، ونقل الرازي وجها آخر في الموصول، وهو أن المعني به طائفة من أولي الأمر، قال: والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان: بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك.

فقوله (منهم) يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر.

فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: وإلى أولي الأمر منهم ؟ قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر؛ لأن المنافقين [ ص: 1413 ] يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون.

ونظيره قوله تعالى: وإن منكم لمن ليبطئن [النساء: من الآية 72] وقوله: ما فعلوه إلا قليل منهم انتهى.

وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطي في "الإكليل": قوله تعالى: ولو ردوه الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد.

وقول المهايمي : فلو وجدوا في القرآن ما يوهم الاختلاف لوجب عليهم استفسار الرسول والعلماء الذين هم أولو الأمر، ليعلمهم منهم المجتهدون في استنباط وجوه التوفيق.

وقال بعض الإمامية: ثمرة الآية أنه يجب كتم ما يضر إظهاره المسلمين، وأن إذاعته قبيحة، وأنه لا يخبر بما لم يعرف صحته، وتدل على تحريم الإرجاف على المسلمين، وعلى أنه يلزم الرجوع إلى العلماء في الفتيا، وتدل على صحة القياس والاجتهاد؛ لأنه استنباط. انتهى.
تنبيه:

ما نقله الزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى: وإذا جاءهم عنى به طائفة من ضعفة المسلمين - فإن أرادوا بالضعفة المنافقين فصحيح، وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها، وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناه، فكله لم يصب المرمى، والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول، ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه، فتبصر ولا تكن أسير التقليد.

ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لاتبعتم الشيطان بالكفر والضلال إلا قليلا أي: إلا قليلا منكم ممن تفضل الله عليه بعقل صائب فاهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان، كمن اهتدى إلى الحق في زمن الفترة، كقس بن ساعدة وأضرابه، وهم عشرة، وقد أوضحت شأنهم في كتابي "إيضاح الفطرة في أهل الفترة " في: (الفصل [ ص: 1414 ] الرابع عشر) فانظره.

ونقل الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني ، أن المراد بفضل الله ورحمته هنا هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: (فأفوز فوزا عظيما) أي: لولا تتابع النصرة والظفر لاتبعتم الشيطان، وتوليتم إلا القليل منكم من المؤمنين من أهل البصيرة الذي يعلمون أنه ليس مدار الحقية على النصر في كل حين، واستحسن هذا الوجه الرازي ، وقال: هو الأقرب إلى التحقيق، قال الخفاجي : لارتباطه بما بعده.

هذا وزعم بعضهم أن قوله تعالى: " إلا قليلا " مستثنى من قوله (أذاعوه) أو (لعلمه) واستدل به على أن الاستثناء لا يتعين صرفه لما قبله، قال: لأنه لو كان مستثنى من جملة (اتبعتم) فسد المعنى؛ لأنه يصير عدم اتباع القليل للشيطان ليس بفضل الله، وهو لا يستقيم، وبيان لزومه أن (لولا) حرف امتناع لوجود، وقد أبانت امتناع اتباع المؤمنين للشيطان، فإذا جعلت الاستثناء من الجملة الأخيرة فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى ضرورة، وجعلت هؤلاء المستثنين مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان بأنفسهم، ألا تراك إذا قلت (لمن تذكره بحقك عليه): لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلا، كيف لم تجعل لمساعدتك أثرا في بقاء القليل للمخاطب، وإنما مننت عليه بتأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله، لا في كله، ومن المحال أن يعتقد مسلم أنه عصم في شيء من اتباع الشيطان إلا بفضله تعالى عليه، هذا ملخص ما قرره صاحب الانتصاف، وهول فيه، ولا يخفى أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به لتبادره فيه أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه، واللازم ممنوع؛ لأن المراد بالفضل والرحمة معنى مخصوص، وهو ما بيناه، فإن عدم الاتباع إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص لا ينافي أن يكون بفضل آخر، وقوله تعالى:
[ ص: 1415 ] القول في تأويل قوله تعالى:

فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا [84]

فقاتل في سبيل الله تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الالتفات، وهو جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم، أي: إذا كان الأمر كما حكي من عدم طاعة المنافقين وكيدهم فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا، قاله أبو السعود .

لا تكلف إلا نفسك أي: إلا فعل نفسك، بالتقدم إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف، أي: ومن نكل فلا عليك منه ولا تؤاخذ به.

قال الرازي : دلت الآية على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال ؛ لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو - صلى الله عليه وسلم - موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر - رضي الله عنه - حيث حاول الخروج وحده إلى قتال [ ص: 1416 ] مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه.

وروى ابن أبي حاتم ، عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك

ورواه الإمام أحمد أيضا عنه قال: قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك إنما ذلك في النفقة.

وحرض المؤمنين أي: على الخروج معك وعلى القتال، ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وقد وردت [ ص: 1417 ] أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، منها:

ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض .

عسى الله أن يكف أي: يمنع بأس أي: قتال الذين كفروا وهم كفار مكة أي: بتحريضك إياهم على القتال، تبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.

قال أبو السعود : وقوله تعالى: عسى إلخ عدة منه سبحانه وتعالى محققة الإنجاز بكف شدة الكفرة ومكروههم، فإن ما صدر بـ(لعل وعسى) مقرر الوقوع من جهته عز وجل، وقد كان كذلك، حيث روي في السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعد أبا سفيان [ ص: 1418 ] بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج، وخرج في شعبان سنة أربع في سبعين راكبا، ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب، فرجعوا من مر الظهران. انتهى بزيادة.

وقال في ذلك عبد الله بن رواحة (وقيل: كعب بن مالك ):


وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا
لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا بها أوصال عتبة وابنه
وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم
وأمركم السيئ الذي كان غاويا فإني وإن عنفتموني لقائل
فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره
شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا


والله أشد بأسا أي: شدة وقوة من قريش وأشد تنكيلا أي: تعذيبا وعقوبة.

قال ابن كثير : أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [محمد: من الآية 4]انتهى.

قال الخفاجي : والقصد التهديد أو التشجيع، ثم أشار تعالى إلى أن التحريض على القتال شفاعة في تكفير الكبائر ورفع الدرجات فقال:

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #239  
قديم 05-08-2022, 01:31 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله




تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1419 الى صـ 1426
الحلقة (239)


[ ص: 1419 ] القول في تأويل قوله تعالى:

من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا [85]

من يشفع شفاعة حسنة أي: يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر أو جلب نفع؛ ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار يكن له نصيب منها وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها.

ومن يشفع شفاعة سيئة وهي ما كانت بخلاف الحسنة، بأن كانت في أمر غير مشروع يكن له كفل منها أي: نصيب من وزرها الذي ترتب على سعيه، مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء.

فوائد:

الأولى: قال السيوطي في "الإكليل": في الآية مدح الشفاعة وذم السعاية وهي الشفاعة السيئة وذكر الناس عند السلطان بالسوء، وهي معدودة من الكبائر.

الثانية: روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة، منها:

ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في [ ص: 1420 ] قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو راجعته! قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع قالت: لا حاجة لي فيه، رواه البخاري.

الثالثة: قال مجاهد والحسن والكلبي وابن زيد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة.

ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفع؛ لأن الله يقول: (من يشفع)ولم يقل: (من يشفع) ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: اشفعوا تؤجروا نقله الرازي .

الرابعة: قال الزمخشري : الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق، يعني الواجبة عليه، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعن مسروق: أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها. انتهى.

[ ص: 1421 ] وروى أبو داود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا .

وهذا الحديث أورده أيضا المنذري في "كتاب الترغيب والترهيب" في ترجمة (الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه) ثم ساق حديث الشيخين وغيرهما، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة .

وروى الطبراني بإسناد جيد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال .

وروي نحوه عن عائشة ، وابن عمر، وابن عمرو.

وروى الطبراني وابن حبان في "صحيحه" عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر، أو تيسير عسير - أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام .

وفي رواية للطبراني عن أبي الدرداء: رفعه الله في الدرجات العلا من الجنة .

وروى الطبراني ، عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم .

ورواه عن عمر مرفوعا بلفظ: أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن .

ورواه بنحو ذلك أيضا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم، انظر الترغيب.

[ ص: 1422 ] الخامسة: نكتة اختيار النصيب في (الحسنة) والكفل في (السيئة) ما أشرنا إليه، وذلك أن النصيب يشمل الزيادة؛ لأن جزاء الحسنات يضاعف، وأما الكفل فأصله المركب الصعب، ثم استعير للمثل المساوي، فلذا اختير؛ إشارة إلى لطفه بعباده، إذ لم يضاعف السيئات كالحسنات، ويقال: إنه وإن كان معناه المثل لكنه غلب في الشر وندر في غيره، كقوله تعالى: يؤتكم كفلين من رحمته [الحديد: 28] فلذا خص به السيئة تطرية وهربا من التكرار.

و(من) بيانية أو ابتدائية، أفاده الخفاجي.

وكان الله على كل شيء مقيتا أي: مقتدرا من (أقات على الشيء) إذا اقتدر عليه كما قال:


وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا


أي: رب ذي حقد علي كففت السوء عنه مع القدرة عليه، أو شهيدا حافظا، واشتقاقه من (القوت) فإنه يقوي البدن ويحفظه، وقوله تعالى:
[ ص: 1423 ] القول في تأويل قوله تعالى:

وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا [86]

وإذا حييتم بتحية أي: إذا سلم عليكم فدعي لسلامة حياتكم وصفاتكم التي بها كمال الحياة بتحية، فقيل: السلام عليكم فحيوا أي: أداء لحق المسلم عليكم بأحسن منها أي: بتحية أحسن منها، بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، ولو قالها المسلم زيد: وبركاته.

قال الراغب: أصل التحية الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول: حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام، وهي تحية الإسلام، قال الله تعالى: تحيتهم فيها سلام [إبراهيم: من الآية 23] وقال: تحيتهم يوم يلقونه سلام [الأحزاب: من الآية 44] وقال: فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله [النور: من الآية 61].

[ ص: 1424 ] قالوا: في السلام مزية على (حياك) لما أنه دعاء بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية، وهي مستلزمة لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك، ولأن السلام من أسمائه تعالى، فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته.

أو ردوها أي: أجيبوها بمثلها، ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلم ويكرره.

إن الله كان على كل شيء حسيبا أي: فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية، فحافظوا على مراعاتها حسبما أمرتم به، وفي الآية فوائد شتى:

الأولى: نكتة نظمها مع آيات الجهاد هو التمهيد لمنع المؤمنين من قتل من ألقى إليهم السلام في الحرب الآتي قريبا، ببيان أن لكل مسلم حقا يؤدى إليه، وذلك لأن السلام نوع من الإكرام، والمكرم يقابل بمثل إكرامه أو أزيد.

قال الرازي : إن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه، وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد.

ولذا قال: إن الله كان على كل شيء حسيبا أي: هو محاسبكم على كل أعمالكم، وكاف في إيصال جزاء أعمالكم إليكم، فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، فهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء، والمنع من إهدارها.

وقد روى ابن أبي حاتم ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [ ص: 1425 ] من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيا ذلك بأن الله يقول: فحيوا بأحسن منها أو ردوها

وقال قتادة: (فحيوا بأحسن منها) يعني للمسلمين (أو ردوها) يعني لأهل الذمة، ومن هنا حكى الماوردي وجها: أنه يقول في الرد على أهل الذمة إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولا يقول: ورحمة الله، نقله عنه النووي.

وروى الزمخشري عن الحسن أنه يجوز أن يقال للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة الله؛ فإنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل له في ذلك، فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ انتهى.

والظاهر أنه لحظ الأخبار بذلك ولم يرد مضمون التحية، ومع هذا فالثابت في الصحيحين عن أنس مرفوعا: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم كما يأتي.

قال السيوطي في "الإكليل": في هذه الآية مشروعية السلام ووجوب رده، واستدل بها الجمهور على رد السلام على كل مسلم، مسلما كان أو كافرا، لكن مختلفان في صيغة الرد.

الثانية: ورد في إفشاء السلام أحاديث كثيرة، منها:

قول البراء بن عازب - رضي الله عنهما -: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع، منها: وإفشاء السلام، رواه الشيخان.

وعن أبي هريرة [ ص: 1426 ] - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم رواه مسلم.

وعن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام قال الترمذي : حديث صحيح.

الثالثة: في كيفية السلام، قال الرازي : إن شاء قال: سلام عليكم، وإن شاء قال: السلام عليكم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #240  
قديم 05-08-2022, 01:32 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,450
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1427 الى صـ 1434
الحلقة (240)


قال تعالى في حق نوح: يا نوح اهبط بسلام منا [هود: من الآية 48] وقال عن الخليل: قال سلام عليك سأستغفر لك ربي [مريم: من الآية 47] وقال في قصة لوط: قالوا سلاما قال سلام [هود: من الآية 69] [ ص: 1427 ] وقال عن يحيى: وسلام عليه [مريم: من الآية 15] وقال عن محمد - صلى الله عليه وسلم -: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: من الآية 59] وقال عن الملائكة: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم [الرعد: من الآية 24] وقال عن نفسه المقدسة: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] وقال: فقل سلام عليكم [الأنعام: 54].

وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام: فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى [طه: من الآية 47] وقال عن عيسى عليه السلام: والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا [مريم: 33] فثبت أن الكل جائز. انتهى.

[ ص: 1428 ] قال الإمام أبو الحسن الواحدي: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار. انتهى.

ولكثرة ورود التنكير في القرآن - على ما بيناه - فضله بعضهم على التعريف.

الرابعة: في فضله:

روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "السلام عليكم" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عشر ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عشرون ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ثلاثون قال الترمذي : حديث حسن. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف.

وقال البزار: قد روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه، هذا أحسنها إسنادا.

وفي رواية لأبي داود من رواية معاذ بن أنس - رضي الله عنه - زيادة على هذا، قال: ثم أتى آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته قال: أربعون قال: هكذا تكون الفضائل .

وفيه رد على من زعم أنه لا يزاد على (وبركاته) لا يقال: رواية (ومغفرته) عند أبي داود هي من طريق أبي مرحوم واسمه عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، وأبو مرحوم ضعفه يحيى، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به؛ لأنا نقول: قد حسن الترمذي روايته عن سهل بن معاذ، وصححها أيضا هو وابن خزيمة والحاكم وغيرهم.

قال النسائي: لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.

عود:

وروى الطبراني عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله [ ص: 1429 ] كتبت عشرون حسنة، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة .

وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مجلس فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون حسنة ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال: ثلاثون حسنة فقام رجل من المجلس ولم يسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة .

وروى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبخل الناس من بخل بالسلام ورواه أيضا عن أبي هريرة، ولأحمد والبزار نحوه عن جابر.

وروى الطبراني عن حذيفة بن اليمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما تتناثر ورق الشجر قال المنذري: ورواته لا أعلم فيهم مجروحا.

وروى البزار، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه، فإن أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه، فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة رحمة؛ للبادئ منهما تسعون، وللمصافح عشرة .

وروى أبو داود عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام .

[ ص: 1430 ] الخامسة: في بعض أحكامه المأثورة روى أبو داود عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم .

وفي الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم قال النووي: هذا مرسل صحيح الإسناد.

وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى (تريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم).

قال النووي: ووقع في بعض روايات الصحيحين (وبركاته) ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولة.

وفي سنن أبي داود، عن غالب القطان، عن رجل قال: حدثني أبي عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، فقال: عليك وعلى أبيك السلام .

قال النووي: هذا وإن كان رواية عن مجهول فأحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم، فيستفاد منه الرد على المبلغ كالمسلم.

وروى أبو داود، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه [ ص: 1431 ] فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه ففيه أن من سلم عليه إنسان، ثم لقيه على قرب ندب التسليم عليه ثانيا وثالثا.

وروى الشيخان عن أبي هريرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير .

وروى الشيخان عن أنس: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله.

ولفظ أبي داود: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غلمان يلعبون فسلم عليهم.

وعند ابن السني فيه، فقال: السلام عليكم يا صبيان .

وروى أبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: مر علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نسوة فسلم علينا.

وروى الترمذي نحوه، وروى الشيخان عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم .

ورويا عن أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة [ ص: 1432 ] الأوثان واليهود والمسلمين فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى مسلم ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه .

قال النووي : روينا في موطأ مالك أنه سئل عمن سلم على اليهودي أو النصراني هل يستقيله ذلك ؟ فقال: لا، قال أبو سعد المتولي الشافعي : لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك.

قال النووي: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به، إذا [ ص: 1433 ] احتاج إليه فيقول: صبحت بالخير أو بالسعادة أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرة أو ما أشبه ذلك.

السادسة: قال الحسن البصري : السلام تطوع والرد فريضة.

قال ابن كثير : وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل؛ لأنه خالف أمر الله في قوله: فحيوا بأحسن منها أو ردوها انتهى، وفي ترك الرد إهانة وازدراء وهو حرام، ولذا ندب للجمع المسلم عليهم أن يجيبوا كلهم؛ إظهارا للإكرام ومبالغة فيه، وإن كان الفرض يسقط ببعضهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا [87]

الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي: ليبعثنكم من قبوركم ويحشرنكم إلى حساب يوم القيامة في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله.

قال الزمخشري : القيامة والقيام كالطلابة والطلاب، وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب، قال الله تعالى: يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6].

لا ريب فيه أي: لا شك في يوم القيامة أو في الجمع.

ومن أصدق من الله حديثا إنكار لأن يكون أحد أصدق منه تعالى في حديثه وخبره ووعده ووعيده، وبيان لاستحالته؛ لأنه نقص وقبيح؛ إذ من كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يجر منفعة بكذبه أو يدفع مضرة، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره، ولا يبالي بأيهما نطق، فظهر استحالة الكذب عليه جل شأنه، والغير - وإن دلت الدلائل على صدقه - فكذبه ممكن إذا لم ينظر إليها.

[ ص: 1434 ] فوائد:

الأولى: قال الرازي : في كيفية النظم وجهان:

أحدهما: أنا بينا أن المقصود من قوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: إن الله كان على كل شيء حسيبا ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان ، فقوله: لا إله إلا هو إشارة إلى التوحيد، وقوله: ليجمعنكم إلى يوم القيامة إشارة إلى العدل، وهو كقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط [آل عمران: من الآية 18] وكقوله في طه: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] وهو إشارة إلى التوحيد، ثم قال: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [طه: 15] وهو إشارة إلى العدل، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة، فينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا شك أنه تهديد شديد.

الوجه الثاني: كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة.

الثانية: قوله: لا إله إلا هو إما خبر للمبتدأ و(ليجمعنكم) إلخ ... جواب قسم محذوف، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها أو خبر ثان، وإما اعتراض والجملة القسمية خبر.

الثالثة: تعدية (ليجمعنكم) بـ(إلى) لكونه بمعنى الحشر كما بينا، أو لكون (إلى) بمعنى (في) كما أثبته أهل العربية، وقوله تعالى:

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 352.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 346.26 كيلو بايت... تم توفير 6.00 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]