|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 55 - 58]. 1- التذكير بعيسى عليه السلام، وما مَنَّ الله تعالى به عليه من تَوَفيه، ورفعه إليه، وتطهيره من الذين كفروا، ونصر أتباعه وإظهارهم على الذين كفروا، تذكيرًا بنعم الله تعالى على رسله وأوليائه، وانتقامه من أعدائه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ ﴾ الآية. 2- إثبات القول لله سبحانه، وأنه - عز وجل - يتكلم بحروف وأصوات مسموعة، ويخاطب رسله ومن شاء من خلقه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ الآية. 3- إثبات رسالة عيسى عليه السلام وتشريفه وتكريمه بخطاب الله - عز وجل - له، وتقريبه إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾ الآية. 4- إثبات رفع عيسى عليه السلام إلى السماء بجسمه حيًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾. 5- إثبات علو الله تعالى على خلقه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾. 6- عناية الله - عز وجل - بعيسى عليه السلام عند رفعه إليه حيث توفاه، أي: أنامه قبل ذلك تخفيفًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾. 7- منقبة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على قوة وثبات قلبه؛ حيث أُسرِيَ به إلى السماوات السبع وهو يقظان، بينما رُفِعَ عيسى عليه السلام وهو نائم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾. 8- إبطال دعوى اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾؛ كما قال تعالى ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 157 - 159]. والضمير في قوله: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ عائد إلى عيسى عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. 9- تطهير الله - عز وجل - لعيسى وتبرئته مما رماه به الذين كفروا من الكذب والباطل واتهامه بأنه ولد زنا، وأن أمه زانية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. 10- أن من رمى عيسى عليه السلام بهذا السوء فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. وفي هذا دلالة على كفر هؤلاء، وأن كل من رماه بما رموه به فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 156]. 11- وعد الله تعالى لعيسى عليه السلام بنصرة أتباعه، وإظهارهم على الكفار إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، وأتباعه حقًّا هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه السلام بَشَّر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر بوجوب اتباعه وتصديقه. 12- وعد الله تعالى بالنصرة والرفعة والظهور للمؤمنين في الدنيا والآخرة. 13- إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾. 14- أن مرجع جميع الخلائق إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾. 15- إثبات حكم الله - عز وجل - الجزائي بين الخلائق يوم القيامة؛ بين الرسل وأممهم، وبين الأمم، ومجازاتهم على أعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فهو - عز وجل - الحَكَم، وإليه الحكم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»[1]. 16- وقوع الاختلاف يوم القيامة والخصومة بين المؤمنين والكافرين، وبين الرسل وأممهم لقوله تعالى: ﴿ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر: 30، 31]. 17- الوعيد للذين كفروا بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾، عذاب شديد في الدنيا حسي بالقتل والجراح، وأخذ الجزية وأنواع العقوبات والمصائب والكوارث، وعذاب معنوي بالقلق والاضطراب النفسي بسبب الكفر وعدم الإيمان، وهذا عام لجميع الكفار، فمن سلم من الأول لم يسلم من الثاني، وعذاب شديد في الآخرة حسي بالنار، وعذاب معنوي بالتوبيخ وتحطيم المعنويات، ونحو ذلك. 18- حقارة الدنيا؛ لأن الله سماها دنيا لحقارتها. 19- أن عذاب الكفار في الدنيا لا يُخفف أو يُسقِط عنهم عذاب الآخرة، بل يجمع لهم بين العذاب الشديد في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة. 20- إثبات الدار الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ والآخرةِ ﴾. 21- أن الكفار لا ناصرَ لهم يدفَع أو يمنَع عنهم عذاب الله تعالى قبل نزوله، أو يرفعه بعد نزوله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. 22- وعد الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بإعطائهم أجور أعمالهم وافية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾. 23- جمع القرآن الكريم بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فذكر عذاب الكافرين، وأتبعه بذِكر ثواب المؤمنين. 24- أن الوعيد قد يقدم على الوعد، كأن يكون الكلام والسياق مع الكفار ونحو ذلك؛ لأن الله - عز وجل - قدَّم في هذه الآيات وعيد الكافرين على وعد المؤمنين، وهذا لا ينافي أن رحمة الله - عز وجل - تسبق غضبه. 25- لابد في الإيمان من الجمع بين تصديق الباطن وعمل الجوارح في الظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾. 26- أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان صالحًا، خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾؛ ولهذا حذف الموصوف - وهو الأعمال - وبقيت الصفة؛ لأن المهم في العمل وشرطه أن يكون صالحًا. 27- تكفَّل الله - عز وجل - وضمانه لثواب الصالحين، لهذا سماه «أجرًا»؛ لأنه سبحانه وتعالى أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾. 28- التحذير من الكفر، والترغيب في الإيمان؛ لأن الله - عز وجل - توعد الكافرين بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة، ووعد المؤمنين بتوفِّيهم أجورهم. 29- نفي محبة الله تعالى للظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ فهو - عز وجل - لا يحب الظالمين بل يبغضهم، ومفهوم هذا أنه –تعالى- يحب أهل الإيمان والحق. 30- التحذير من الظلم ومن الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم وأهله، بل يبغضهم ويعذبهم، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 31- أن الله - عز وجل - حكم عدل، لا يظلم أحدًا من خلقه. 32- تلاوة ما وقع من أخبار وأحوال آل عمران وعيسى عليه السلام وغير ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءتها عليه بواسطة جبريل، وهكذا جميع القرآن الكريم تكلم الله -عز وجل- وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾. 33- أن في القرآن الكريم أعظم الآيات والدلائل الشرعية والكونية الدالة على عظمة الله - عز وجل - واستحقاقه العبادة دون سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾. 34- أن القرآن الكريم «ذِكرٌ» يُتقرب إلى الله تعالى بتلاوته، وتدبر ألفاظه ومعانيه وأحكامه. و«ذِكرٌ» يُتذكَّر به، ويتعظ به المؤمنون، وهو ذِكر وشرف للرسول صلى الله عليه وسلم ولقومه ولكل من تمكسك به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالذِّكْرِ ﴾. 35- أن القرآن الكريم «حَكَم» و«حاكِم» يحكم بين الناس، و«مُحْكم» متقن ليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿ الْحَكِيمِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. 36- تعظيم آيات القرآن الكريم بالإشارة إليه بـ ﴿ ذَلِكَ ﴾، وتسميته بـ «الذِّكر» ووصفه بـ ﴿ الْحَكِيمِ ﴾. 37- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول الآيات عليه، وتشريفه بذلك وبخطاب الله - عز وجل - له؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 252]. [1] أخرجه النسائي في آداب القضاة (5387)، من حديث شريح بن هانئ عن أبيه هانئ رضي الله عنه.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون... ﴾ تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ [آل عمران: 59، 63]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. بيَّن الله - عز وجل - في الآيات السابقة خلقه لعيسى عليه السلام من أم بلا أبٍ، ثم شرع في هذه الآيات في إبطال عقيدة النصارى في تأليه عيسى - عليه السلام - وزعْمهم أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ﴾ «إنَّ»: للتوكيد، و«مثل» بمعنى شبه، أي: إن شبه عيسى في خلق الله تعالى له من أم بلا أب. ﴿ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في تقدير الله تعالى وحكمه وفي الواقع ونفس الأمر. ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾: الكاف: للتشبيه، أي: كشبه آدم. ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾: بيان وتفسير لقوله: ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾؛ أي: كمثل آدم في خلق الله تعالى له ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ بلا أمٍّ ولا أبٍ، ووجهُ الشبه بين آدم وعيسى أن كلًّا منهما في خلقه خرقٌ للعادة، فآدمُ خُلِقَ من غير أبوين، وعيسى خُلِقَ من غير أب. والضمير في ﴿ خَلَقَهُ ﴾ يعود إلى آدم. ﴿ مِنْ تُرَابٍ ﴾؛ أي: ابتدأ خلقَه من تراب، وصوَّر جسده من تراب. ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾: أي: كُن بشرًا حيًّا سويًّا كامل الخلق روحًا وجسدًا. ﴿ فَيَكُونُ﴾؛ أي: فيكون بشرًا بمجرد قوله - عز وجل -: «كن» من غير تخلف ولا تأخُّر؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 47]. قوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾؛ قال ابن القيم[1]: «فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجودَ عيسى من غير أب من يُقر بوجود آدم من غير أب ولا أمٍّ، ووجود حواء من غير أُم، فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به». وقوله: ﴿ فَيَكُونُ﴾ دون أن يقول: «فكان» لاستحضار صورة تَكَوُّنِهِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر: 9]». ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ «الحق»: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك أو هذا الحق من ربك. ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾: في محل نصب على الحال، أي: حال كونه من ربك. و﴿ الحق ﴾: الشيء الثابت خبرًا كان أو حكمًا، فإن وصف به «الخبر» كان معناه: «الصدق» وإن وصف به «الحكم» كان معناه: «العدل»؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 33]، أي: ثبتت كلمةُ ربِّك. ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذا الذى قص عليك في أمر عيسى وخلقه، هو الحق من ربك الذي لا حق غيره، ولا صحيح سواه. ﴿ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الفاء: رابطة لجواب شرط مقدر، و«لا»: ناهية، و«تكن»: مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو؛ لأن أصله «تكون». و﴿ الممترين ﴾: جمع «ممتري» والامتراء: الشك والريب، أي: فلا تكن من الشاكين المرتابين فيما جاءك من الحق من ربك، وهو نهي له صلى الله عليه وسلم ونهي لأمته من باب أَولى وأَحرى، كما أن فيه تعريضًا بأهل الامتراء والشك من النصارى وغيرهم. قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة شأن عيسى عليه السلام وأَمْر خَلْقه، وأن مثله في خلقه عند الله كمثل آدم، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يباهل من حاجه في أمر عيسى عليه السلام وخَلْقه، بعد بيان الحق له من النصارى وغيرهم. قوله: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ﴾ «الفاء»: عاطفة، و«من»: شرطية، و﴿ حَاجَّكَ ﴾: فعل الشرط، أي: فمن جادلك وخاصمك، وسمَّى ذلك محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته ليغلب الآخر ويخصمه، ومنه الحديث: «حاج موسى آدم»[2]. ﴿ فيه ﴾ الضمير يعود على عيسى عليه السلام، أي: فمن حاجك في شأن عيسى وخلقه، وفيما جاءك فيه من الحق من ربك بالحجج الباطلة، وأنكر أن يكون الله خلقه من أم بلا أبٍ، وادَّعى أنه ابن الله تعالى كما قالت النصارى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]، قالوا: لأنه خلق من غير أب وتكلم في المهد، وقالوا: أنه الله؛ لأنه يحيي الموتى ويُبرئ المرضى، ويخلق من الطين كهيئة الطير ويخبر بالمغيبات. كما قالوا: إنه ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يقول: خلقنا وقضينا وقدَّرنا وأنجينا، قالوا: لو كان واحدًا لقال: خلقت وقدرت وأنجيت... إلخ. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾: «مِنْ» في قوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ تدل على المهلة بين مجيء العلم والأمر بالمباهلة؛ لإقامة الحُجة أولًا بالعلم والبيان والإعذار منهم. و«ما»: موصولة، أي: من بعد الذي جاءك من العلم من الله تعالى بالوحي ببيان شأن عيسى - عليه السلام - وبيان ذلك لهم فكابروا وعانَدوا. ﴿ فقُلْ ﴾: جواب شرط «مَنْ»، والفاء: رابطة لجواب الشرط لأنه جملة طلبية. ﴿ تَعَالَوْا﴾ أي: هلُموا وأقبِلوا وائتوا، وجاء بضمير الجمع باعتبار معنى «مَنْ» في قوله: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ ﴾؛ لأن معناها الجمع. ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ﴾؛ أي: نُحْضِر نحن أبناءنا وتُحْضِرون أنتم أبناءكم، ونحضر نساءنا وتحضرون أنتم نساءكم، أي: يحضر كل منا الأبناء والزوجات لشهود الملاعنة. ﴿ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ﴾؛ أي: ونَحضر نحن وأنتم. وهؤلاء هم أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، نفسه، وأبناؤه، وزوجاته. ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ «ثم»: للتراخي الرتبي، و«الابتهال» افتعال من البهل، وهو: الدعاء باللعن، أي: ثم نلتعن، ويُطلق الابتهال على الاجتهاد في الدعاء، ولهذا سُمِّيَ اللعن ابتهالًا لأنه اجتهاد في الدعاء. ﴿ فَنَجْعَلْ ﴾ «الفاء»: عاطفة، أي: فَنُصَيِّر ﴿ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾، ﴿ لَعْنَتَ ﴾: مفعول به أول لـ«نجعل»، ولفظ الجلالة ﴿ الله ﴾ مضاف إليه. ﴿ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ جار وجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ«لنجعل» أي: فتجعل لعنة واقعة على الكاذبين، أي: فندعوا بإيقاع لعنة الله على الكاذبين. و﴿ لَعْنَتَ اللَّهِ ﴾؛ أي: طرده وإبعاده عن رحمته وجنته. ﴿ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾؛ أي: على الكاذبين منا أو منكم. وفي دعوتهم إلى المباهلة إلجاء لهم أن يعترفوا بالحق أو يكفُّوا، ودعوة إنصاف لا يدعو لها إلا من كان واثقًا أنه على الحق. قال ابن كثير[3]: «وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران - أن النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًّا عليهم». وقد أشفق هؤلاء الوفد من النصارى من الملاعنة، فلم يقدموا عليها وخافوا الهلكة والاستئصال إن هم لاعَنوا، فعدَلوا إلى المصالحة ودفع الجزية، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرسل معهم رجلًا أمينًا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا فيها في أموالهم، فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله إن كان نبيًّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: «لأبعثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ»، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة»[4]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال أبو جهل: إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت، لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين باهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا»[5]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾. قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾: الإشارة لما ذُكِرَ في شأن عيسى عليه السلام، فهو تأكيد لما قصه الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام، ولهذا أُكدت هذه الجملة بثلاثة مؤكدات: «إنَّ» واللام، وضمير الفصل «هو» في قوله: ﴿ لَهُوَ ﴾. كما أن في ضمير الفصل «هو» حصرًا للحق في هذا القصص دون سواه. و﴿ القصص ﴾: مصدر قصَّ يقص قصًّا وقصصًا، ويُحتمل أن يكون هذا مصدرًا بمعنى «الفعل»، وأن يكون مصدرًا بمعنى «اسم المفعول»؛ أي: إن هذا لهو المقصوص الحق، والقصص تتبُّع الوقائع والإخبار عنها شيئًا بعد شيء على ترتيبها، ومنه: «قص الأثر»، وهو اتِّباعه. و﴿ الحق ﴾: صفة للقصص، أي: القصص الثابت الصحيح الصدق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار والقصص، وعدلًا في الأحكام؛ أي: إن هذا الذي ذكره الله في شأن عيسى عليه السلام هو القصص الحق، لا ما تقصه كتب النصارى وعقائدهم. ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ﴾: لما أكد عز وجل أن ما قصه بشأن عيسى حق نفى أن يكون إله غير الله ردًّا على النصارى في تأليههم لعيسى- عليه السلام. قوله: ﴿ وَمَا مِنْ ﴾ الواو: عاطفة، و﴿ وَمَا ﴾: نافية، و﴿ من ﴾ زائدة من حيث الإعراب ومؤكدة للنفي من حيث المعنى، للتنصيص والاستغراق في النفي. ﴿ إله ﴾؛ أي: معبود بحق. ﴿ إِلَّا اللَّهُ﴾ «إلا»: أداة حصر، أي: وما من معبود بحق إلا الله تعالى وحده، لا إله غيره، ولا رب سواه، فهو - عز وجل - وحده المألوه المعبود بحق محبةً وتعظيمًا. ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الجملة كسابقتها مؤكَّدة بـ«إنَّ» واللام وضمير الفصل «هو». و﴿ الْعَزِيزُ﴾: اسم من أسماء الله تعالى يدل على أنه - عز وجل - ذو العزة التامة بأقسامها الثلاثة: عزة القوة، وعزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع. ﴿ الْحَكِيمُ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه الحاكم ذو الحكم التام بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، ويدل على أنه سبحانه «المحكم» المتقن لكل ما قدَّر وشرع ذو الحكمة البالغة بقسميها: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية. قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: التولي: الإعراض بالقلوب والأبدان، أي: فإن تولوا وأعرضوا ونكصوا عن المباهلة وعن اتباع الحق. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فإن الله ذو علم واسع بالمفسدين، أي: فإنما هم مفسدون؛ لأنهم إنما قصدوا المعاندة والمكابرة، ولم يتطلبوا الحق، والله عليم بالمفسدين، وأظهر في موضع الإضمار فلم يقل: «عليم بهم»؛ لوصفهم بالمفسدين وتسجيل ذلك عليهم، وليعم هذا الوصف بالإفساد كل مَن تولَّى عن اتباع الحق، ولإظهار عموم علمه - عز وجل - بجميع المفسدين من هؤلاء وغيرهم، وفى ذلك تحذيرٌ ووعيدٌ وتهديدٌ لمن تولَّى عن الحق. [1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 500). [2] أخرجه البخاري في التفسير (4738)، ومسلم في القدر- حجاج آدم وموسى عليهما السلام (2652)، وأبو داود في السنة (4701)، والترمذي في القدر (2134)، وابن ماجه في المقدمة (80)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] في «تفسيره» (2/ 40). [4] أخرجه البخاري في المغازي (4380)، وأخرجه مختصرًا مسلم في فضائل الصحابة (2420)، والترمذي في المناقب (3796)، وابن ماجه في المقدمة (135). [5] أخرجه أحمد (1/ 248).
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
فخسِروا الآخرة وما فيها من ألوان النعيم الحسي والمعنوي، وحرموا تكليم الله لهم بما يسرُّهم، ونظره إليهم بعين العطف والرحمة يوم القيامة وتزكيتهم مع ما أعد لهم من العذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15]. قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ﴾؛ أي: وإنَّ من أهل الكتاب (لفريقًا) مُحرِّفون لكتاب الله. ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ﴾: قرأ أبو جعفر: «يُلوُّون» بالتشديد مع ضم الياء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [المنافقون: 5]، وقرأ الباقون بالتخفيف مع فتح الياء ﴿ يَلْوُونَ ﴾. و«اللي»: الفتل، ومنه يُقال: لويت يد فلان، أي: فتلتها، ولويت الغريم، إذا مطلته. وفي الحديث: «مَطلُ الغني ظلمٌ»[9]. والمعنى: يُحرِّفون بألسنتهم الكتاب تحريفًا لفظيًا وتحريفًا معنويًا، كما قال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46]، وقال تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ [المائدة: 41]، وقال تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75]. تحريفًا لفظيًّا بزيادة أو نقصان في حروفه وكلماته، والإتيان بكلام من عندهم ونسبته إلى كتاب الله تعالى، كما فعل ابن صوريا حيث زعم أن حكم الزاني في التوراة أن يحمم وجهه، ونفى أن يكون فيها الرجم[10] إلى غير ذلك من أنواع التبديل والتغيير. أو بتحريف الكلم بلفظه بالتحريف في الحركات كما حرف المبتدعة قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164]، بنصب لفظ الجلالة ليكون التكليم من موسى- عليه السلام- ومن التحريف اللفظي قولهم: «السام عليكم»[11] بدل «السلام» يعنون: الموت لكم. وتحريفًا معنويًّا بتأويل الكتاب على غير تأويله كما في تأويلهم في كلامهم «راعنا» بجعلها من الرعونة؛ ليسبوا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نهى الله تعالى المؤمنين عن قولها، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104]، ومن ذلك تحريف أهل البدع ﴿ استوى ﴾ بمعنى «استولى» ونحو ذلك. ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾: اللام للتعليل، والخطاب في ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ للمسلمين، والضمير (الهاء) يعود إلى ما حصل به اللي من الكتاب. أي: يلوون ألسنتهم بالكتاب بقصد منهم، لتظنوه أيها المسلمون من الكتاب الذي أنزله الله، أي: من «التوراة» أو «الإنجيل»؛ بقصد التلبيس على المسلمين، وتشكيكهم في القرآن الكريم. وقيل: يحتمل كون اللام للعاقبة، أي: لتكون العاقبة والنهاية أن تظنوه من الكتاب، والأول أولى. ﴿ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الواو: حالية، و«ما»: نافية، أي: والحال أنه ليس من الكتاب، أي: ليس هذا الذي لووا به ألسنتهم من الكتاب، لا من التوراة ولا من الإنجيل، بل هو من ليِّهم وتحريفهم ألفاظ الكتاب ومعانيه بألسنتهم. ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ﴿ هو ﴾ أي: ما لووا به ألسنتهم، ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي: مُنزَّل من عند الله، فلا يكتفون بِليّ ألسنتهم به؛ ليظن أنه من الكتاب، بل يقولون صراحةً هو من عند الله، وفى هذا تشنيع عليهم. ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي: والحال أنه ليس من عند الله، أي: ليس هو نازلًا من عند الله تعالى. وأظهر في مقام الإضمار في الموضعين، فلم يقل في الموضع الأول: «وما هو منه» ولم يقل هنا: «وما هو من عنده»؛ لتأكيد نفي أن يكون ما لووا به ألسنتهم من الكتاب هو من عند الله، والتشنيع عليهم، ولتهويل ما أقدموا عليه، والعناية والاهتمام كما قيل: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ![]() قهر الموت ذا الغنى والفقيرا[12] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: وَلما رَأَيْت الشيب لَاحَ بياضه ![]() بمفرق رَأْسِي قلت للشيب مرْحَبَا[13] ![]() ![]() ![]() ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾: الجملة معطوفة على قوله: ﴿ يَلْوُونَ﴾. أي: في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضًا وتصريحًا، وجاء التعبير بالمضارع في ﴿ يَلْوُونَ ﴾ و﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ للدلالة على التجدد وأن هذا دأبهم، أي: ويفترون على الله الكذب في ليِّ ألسنتهم بالكتاب، ونسبتهم ذلك إلى الله تعالى؛ كما في قولهم: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: 181]، وقولهم: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64]. وكما في قولهم: «استراح يوم السبت». ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم يعلمون، أي: يعلمون أنهم كاذبون على الله، فهم يكذبون ويفترون على الله عن عمد، وهذا أشد ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾. بيَّن عز وجل في الآية السابقة كذبَ أهل الكتاب وافتراءهم على الله تعالى ونفى ذلك وأبطله، ثم أتبع ذلك بذكر افترائهم على رسله ونفى ذلك وأبطله ومن ذلك زعم النصارى أن عيسى - عليه السلام - أمرهم بعبادته من دون الله. عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني»، أو كما قال، فأنزل الله - عز وجل - في ذلك من قولهم: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾»[14]. قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، أي: ما كان جائزًا شرعًا وقدرًا لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس هذه المقالة الشركية، أي: أن هذا ممتنع ومستحيل كل الاستحالة. ﴿ لِبَشَرٍ ﴾ أي: ما كان لواحد من البشر، و«البشر» هم بنو آدم، وسُمِّيَ الإنسان بشرًا؛ لأن بشرته ظاهرة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبر ولا ريش ولا زعانف، وقيل: لظهور أثر البشارة عليه إذا أخبر بما يسره، وقيل: لهذا ولهذا. ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّه الْكِتَابَ ﴾ أي: أن يعطيه الله الكتاب شرعًا وقدرًا، و(أل) في «الكتاب» للجنس، أي: جنس الكتاب، أي: أن ينزل عليه الكتاب. ﴿ وَالْحكْمَ ﴾؛ أي: والحكم الشرعي بين الناس بما أنزل من الكتاب والوحي؛ كما قال تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 49]. ﴿ وَالنُّبُوَّةَ ﴾؛ أي: الإنباء والإخبار بالوحي، وهي مأخوذة من «النبأ» وهو الخبر، ومن «النَّبْوة» وهى المكان المرتفع، فالأنبياء مُخبَرون من الله ومُخبِرون لأقوامهم، وهم ذوو مكانة رفيعة ومنزلة عالية عند الله وعند المؤمنين. وهذا يدل على أن المراد بقوله: ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾؛ أي أن يعطيه الله الكتاب، وينبأ ويرسل به إلى الناس. وليس المراد به المرسل إليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]. ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ﴾: معطوف على «يؤتيه». ﴿ ثُمَّ ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد ما يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يقول للناس. ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، هذا هو المستحيل والممتنع شرعًا وقدرًا، والذي ينصب عليه النفي، في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾. ومعنى: ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله أو اعبدوني ولا تعبدوا الله. وكل مَن عَبد غير الله فهو مُشرِك، سواء أفرد هذا المعبود بالعبادة ولم يعبد الله، أو عبد هذا المعبود مع الله؛ لأن مَن عبد مع الله غيره فهو لم يعبد الله؛ لأن عبادته لله مع غيره كلا عبادة، وسواء أشرك مع الله غيره في العبادة، أو في الطاعة، أو فيهما معًا، كما جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»[15]. وعبادة الأنبياء وإشراكهم مع الله إنما ابتدعها أهل الكفر والشرك من أممهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31]. ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ الواو: عاطفة، و«لكن»: حرف استدراك، أي: ولكن يقول: ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾؛ أي: كونوا شرعًا. ﴿ رَبَّانِيِّينَ ﴾: جمع «رباني» نسبةً إلى «الرب» - عز وجل - وطاعته، والتربي بشرعه، امتثالًا لأمره، واجتنابًا لنهيه، وتربية الناس على ذلك، وتعليمهم الخير مما يصلح دينهم ودنياهم وأُخراهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]. أي: ويحكم بها الربانيون الذين، أطاعوا الله - عز وجل - وتربُّوا على عبادته وطاعته، وعملوا على تربية الناس على ذلك. فالمعنى: ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ أي: متعبدين للرب - عز وجل - مخلصين له متربين بشرعه ومربين الناس عليه. ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مع تشديدها، أي: تُعَلِّمون الناس الكتاب، أي: تُفَهِّمونهم معناه، وقرأ الباقون «تَعْلَمون» بفتح التاء وإسكان العين وفتح اللام مع التخفيف، أي: تَعْلَمون بأنفسكم الكتاب، أي: تفهمون معناه. والباء في قوله: ﴿ بما ﴾: للسببية، و«ما» مصدرية. والمراد بــ«الكتاب»: التوراة والإنجيل، أي: بسبب كونكم تعلمون الكتاب وتفهمون معانيه وتُعَلِّمونه للناس؛ لأن الذي يُعَلِّم ويُفَهِّم الناس ينبغي أن يكون ربانيًّا يقرن في تعليمه للناس بين التعليم، والتربية على العمل بالعلم، كما كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته مع أصحابه، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده. عن عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - قال: «كنت غلامًا في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصفحة، فأمسك صلى الله عليه وسلم بيدي، وقال: «يا غلام، سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد»[16]. وعن كلدة بن حنبل - رضي الله عنه - قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أُسَلِّم، ولم أستأذن، فقال «ارجع، فقُل: السلام عليكم. أأدخل؟!» فرجعت، فقلت: السلام عليكم. أأدخل؟، فأذن لي»[17]. والجمع بين التعليم والتربية على العمل بالعلم وممارسته وتطبيقه هو المنهج الصحيح في التعليم؛ لأن ثمرة العلم هي العمل به، وما فائدة علم يجمع في الأذهان ولا تظهر ثمرته وأثره على الجوارح والأبدان؟! ولهذا جاء الوعيد الشديد لمن تعلم القرآن والعلم ولم يعمل به، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في أول من تسعر بهم النار، قال صلى الله عليه وسلم: «ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأتي به فَعرَّفة نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلَّمت العلم ليُقال: عالِم، وقرأت القرآن ليُقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به، فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار»[18]. وعالم بعلمه لم يعلمن ![]() معذب من قبل عباد الوثن[19] ![]() ![]() ![]() وكثير ممن يتولون التعليم في مراحله المختلفة لا تظهر عليهم آثار التربي بالعلم، ولا يربون الناس عليه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وكيف لمن لم يُرَبِّ نفسه بالعلم - إن كان عنده علم- أن يربي الناس عليه؟! وكما قال أحمد شوقي: وإذا المُعلِّم ساء لحظ بصيرة ![]() جاءت على يده البصائر حولا[20] ![]() ![]() ![]() ومع أن المؤسسات التعليمية في كثير من البلاد العربية والإسلامية وغيرها تتقمص مُسَمَّى التربية والتعليم إلا أن الملاحظ وجود الانفصام بين التعليم والتربية، فالموجود في كثير من هذه المؤسسات هو التعليم النظري مع ضعف فيه دون التربية، وهذا بلا شك ناقوس الخطر. ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾: معطوفة على الجملة قبلها، والباء: سببية، و«ما»: مصدرية، أي: وبسبب كونكم تدرسون الكتاب، أي: تقرؤونه وتتلونه، كما في الحديث: «وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشِيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده»[21]. والمعنى: كونوا ربانيين بسبب كونكم تعلمون وتفهمون معانيه، وتُعلِّمونه للناس وبسبب كونكم تَدْرُسون الكتاب وتكررون قراءته وتُدَرِّسونه. قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. نفى في الآية السابقة أن يكون لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، فيدعو الناس لعبادته من دون الله، ثم أتبع ذلك بنفي أن يدعوهم إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا؛ لأن هذا وذاك أمر بالكفر. قوله: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب بنصب الراء ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾ عطفًا على ﴿ يَقُولَ ﴾، و«لا»: زائدة من حيث الإعراب مؤكدة لمعنى النفي في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ وفاعل ﴿ يَأْمُرَكُمْ ﴾: ضمير يعود إلى «بشر»، أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. وقرأ الباقون: «ولا يأمُرُكم» بضم الراء على الاستئناف، وقرأها أبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس: «ولا يأمرْكم». وضمير الفاعل في «يأمركم» على هاتين القراءتين يجوز أن يعود إلى الله تعالى، ويجوز أن يعود إلى «بشر» في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾. والمعنى: ما كان له أن يقول: اعبدوني من دون الله، وما كان له أن يأمُركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أي: إن هذا وهذا مستحيل أن يقوله أو يأمر به من أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوة. ﴿ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ﴾: أي: أن تجعلوا وتصيروا الملائكة والنبيين أربابًا، و«تتخذوا» ينصب مفعولين: الأول هنا: «الملائكة والنبيين»، والثاني: «أربابًا». و﴿ أَرْبَابًا ﴾: جمع رب، أي: معبودين وآلهة تُعبد من دون الله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف: 39]، وقال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31]. ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ﴾: قرأ أبو عمرو: «أيأمرْكم» بتسكين الراء واختلاسها، وقرأ الباقون بضمها ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ ﴾. والاستفهام للإنكار والنفي، أي: لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعبادته من دون الله، أو اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا. ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي: بعد أن تقرر وثبت أنكم مسلمون، أي: بعد أن تقرر وثبت إسلامكم، فالله - عز وجل - لا يأمر بذلك وكذا أنبياؤه عليهم السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: 45]. [1] أخرجه أبو داود في البيوع (3535)، والترمذي في البيوع (1264)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». [2] أخرجه البخاري في الصوم (1913)، ومسلم في الصيام (1080)، وأبو داود في الصوم (2319)، والنسائي في الصيام (2140)، من حديث عمر رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3329)، من حديث أنس رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الخصومات (2417)، ومسلم في الإيمان (138)، وأبو داود في الأيمان والنذور (3243)، والترمذي في أبواب البيوع (1269)، وابن ماجه في الأحكام (2322)، والواحدي في أسباب النزول ص(72-73). [5] أخرجه البخاري في البيوع (2088)، وفي التفسير (4276)، والواحدي في أسباب النزول ص(73). [6] أي: ستره ورحمته. [7] أخرجه البخاري في المظالم والغصب (2441)، ومسلم في التوبة (2728)، وابن ماجه في المقدمة (183). [8] أخرجه مسلم في الإيمان (181). [9] أخرجه البخاري في الحوالات (2287)، ومسلم في المساقاة (1564)، وأبو داود في البيوع (3345)، والنسائي في البيوع (4688)، والترمذي في البيوع (1308)، وابن ماجه في الأحكام (2404 )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [10] أخرجه البخاري في التفسير (4556)، ومسلم في الحدود (1699)، وأبو داود في الحدود (4446)، وابن ماجه في الحدود (2556 )، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. [11] أخرجه البخاري في الأدب (6024)، ومسلم في السلام (2165)، والترمذي في الاستئذان (2701)، وابن ماجه في الأدب (3698)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [12] البيت لعدي بن زيد؛ انظر: «ديوانه» (ص65). [13] البيت ليحيى بن زياد؛ انظر: «ديوان الحماسة» (ص784). [14] أخرجه ابن إسحاق؛ انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (1/554)، وأخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/524)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/693). [15] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق - من أشرك في عمله غير الله (2985)، وابن ماجه في الزهد (4202)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [16] أخرجه البخاري في الأطعمة (5376)، ومسلم في الأشربة (2022)، وأبو داود في الأطعمة (3777). [17] أخرجه الترمذي في الاستئذان (2710)، وأخرجه أبو داود مختصرًا في الأدب ( 5176). [18] أخرجه مسلم في الإمارة (1905)، والنسائي في الجهاد ( 3137). [19] البيت لابن رسلان؛ انظر: «غاية البيان» (ص4). [20] انظر: «الشوقيات» (2/76). [21] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (3699)، وأبو داود في الصلاة (1455)، والترمذي في القراءات (2945)، وابن ماجه في المقدمة (225 )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»[4]. قوله: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ [البقرة: 161، 162]. قوله: ﴿ أُولَئِكَ ﴾: الإشارة للذين كفروا بعد إيمانهم، وشهادتهم أن الرسول حق، ومجيء البينات إليهم، وأشار إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ﴾ تحقيرًا لهم. ﴿ جَزَاؤُهُمْ﴾: مبتدأ ثانٍ، وهو وما بعده خبر للمبتدأ الأول ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أو بدل من ﴿ أُولَئِكَ ﴾. ﴿ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ ﴾ أي: أن الله تعالى يلعنهم؛ لاستحقاقهم للعنته عز وجل، واللعنة من الله: طرده وإبعاده لهم عن رحمته وعن جنته، وإدخالهم في عذابه وناره، ومقته لهم. ﴿ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾ أي: وعليهم لعنة الملائكة. ﴿ وَالنَّاسِ ﴾ أي: وعليهم لعنة الناس، ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾: توكيد، أي: عليهم لعنة الملائكة أجمعين، ولعنة الناس أجمعين، مؤمنهم وكافرهم. واللعنة من الملائكة ومن الناس: هي الدعاء بالطرد، والإبعاد عن رحمة الله وجنته، ومقتهم وبغضهم لهم. قوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾. قوله: ﴿ خَالِدِينَ ﴾: حال. ﴿ فِيهَا ﴾ أي: في اللعنة، أي: ماكثين في هذه اللعنة مكثًا أبدًا، تلاحقهم وتستمر معهم؛ لأن عذاب الكفار أبدي سرمدي؛ كما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 167]. ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾؛ كقوله في سورة النحل: ﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ [النحل: 85]. وجملة: ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ في محل نصب على الحال، و﴿ الْعَذَابُ ﴾: العقوبة، أي: لا يخفف عنهم العذاب بأن يهوِّن عليهم من شدته، أو بأن يقطع عنهم يومًا أو فترة، كما قال أهل النار لخزنتها: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 49]، وكما قال تعالى: ﴿ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ [الزخرف: 75]؛ أي: لا ينقطع عنهم فترة، ﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ أي: يائسون من الخروج منه أو انقطاعه. ﴿ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾: معطوفة على جملة الحال قبلها، أي: ولاهم يمهلون ويؤخَّر عنهم العذاب، بل يُبادرون بالعذاب. فيبادرون بالعذاب في الحياة الدنيا قبل الموت بالقتل على أيدي المؤمنين، والسبي، والاضطراب النفسي، والقلق، والشقاء الدنيوي، والمصائب التي سببها الكفر والبعد عن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة: 21]. ويُبادرون بالعذاب عند الموت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الأنفال: 50]. ويُبادرون بالعذاب في البرزخ بعد الموت؛ كما قال تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46]. ويُبادرون بالعذاب بعد البعث يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [الزمر: 70، 71]. قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. بعد ما ذكر عز وجل في الآيات السابقة استبعاد أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، وشهادتهم أن الرسول حقٌّ، ومجيء البينات إليهم، وتوعدهم باللعنة والخلود فيها وفي العذاب، لم يؤيسهم، بل فتح لهم باب التوبة، فقال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، وهذا من لطفه ورأفته وواسع رحمته. قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ «إلا»: أداة استثناء، والاستثناء هنا متصل، المستثنى: ﴿ الَّذِينَ تَابُوا ﴾، والمستثنى منه قوله تعالى: ﴿ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [آل عمران: 86]. ومعنى ﴿ تَابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الله، وأنابوا إليه، فرجعوا من الكفر إلى الإيمان، وتابوا مما حصل منهم من الكفر بعد الإيمان، فأقلعوا عن الردة بالرجوع إلى الإسلام، وندموا على ذلك، وعزموا على عدم العودة إليه، وكان ذلك في وقت قبول التوبة قبل بلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها. ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: الإشارة إلى ما سبق من كفرهم بعد إيمانهم، وأشار إليه بإشارة البعيد تحقيرًا له. ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ أي: وأصلحوا حالهم وأعمالهم، وما حصل منهم من فساد وإفساد. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: فإن الله يتوب عليهم ويغفر لهم ويرحمهم؛ لأنه غفور رحيم؛ أي: ذو مغفرة واسعة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]، وذو رحمة واسعة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 147]. والمغفرة ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن العقوبة. والرحمة قسمان: رحمة ذاتية، ورحمة فعلية يوصلها عز وجل من شاء من خلقه، رحمة عامة، وخاصة، وباجتماع المغفرة والرحمة زوال المرهوب وحصول المطلوب؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. ذكر عز وجل في الآيات السابقة استبعاد أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهودهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وجاءهم البينات، واستثنى من ذلك من تابوا وأصلحوا، ثم يبيِّن في هذه الآية أن التوبة لا تقبل ممن كفروا بعد إيمانهم، واستمروا على الكفر وازدادوا منه لشدة ضلالهم وبعدهم عن الهدى. قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ أي: ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا وعرفوا الحق من أهل الكتاب وغيرهم. ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾ أي: أوغلوا في الكفر وانحدَروا في دركاته، واستمروا عليه فازداد كفرهم كيفيةً ونوعيةً وكميةً. ﴿ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ أي: عند حضور الموت، بحضور علاماته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 18]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل التوبة العبد ما لم يُغرغر»[5]. ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32]، والإشارة «أولئك» لمن كفروا وبعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا. وأكد ضلالهم بكون الجملة اسمية معرفة الطرفين، وبضمير الفصل «هم»، أي: الذين بلغوا غاية الضلال؛ لأنهم تركوا الحق بعد معرفته، وأشار إليهم بإشارة البعيد «أولئك» تحقيرًا لهم. عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾[6]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآية السابقة عدم قبول توبة الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرًا، أي عند حضور الموت، ثم أتبع ذلك بذكر عدم قبول الفداء منهم بعد الموت. قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾، جملة ﴿ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾: حال، أي: وماتوا حال كونهم كفارًا، أي: وماتوا على الكفر وعلى غير الإيمان. ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا ﴾: الجملة في محل رفع خبر «إنَّ»، أي: فلن يقبل منه لوكان أنفق ملء الأرض ذهبًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54]. قال ابن كثير[7]: «أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا فيما يره قربة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن جُدْعان، وكان يقري الضيف، ويفك العاني، ويطعم الطعام-: هل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»[8]. ﴿ وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ﴾: معطوف على ما قبله فدلَّ على أنه غيره؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، أي: لو أنفق هذا المبلغ في الدنيا لم يُقبل منه، ولو افتدى به يوم القيامة من العذاب لم يُقبل منه، ولم ينقذه من عذاب الله عز وجل. ويُحتمل كون الجملة حالية، أي: فلن يُقبل منه ولو في حال الافتداء به. والمعنى: ولو جعل هذا المال فدية له من عذاب الله لم يقبل منه. و«الفدية»: مال أو عرض يدفع مقابل الخلاص؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]. وعن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت مفتديًا به؟»، قال: «فيقول: نعم»، قال: «فيقول: قد أردت منك أهونَ من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تُشرِك»[9]. ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾: والإشارة للذين كفروا وماتوا وهم كفار، وفي الإشارة بإشارة البعيد تحقير لهم، و«العذاب»: العقوبة. ﴿ أَلِيمٌ ﴾: على وزن «فعيل» بمعنى: «مفعل»؛ أي: مؤلم موجِع حسيًّا للأبدان ومعنويًّا للقلوب. ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و«من»: زائدة إعرابًا، مؤكدة لاستغراق النفي من حيث المعنى، و«ناصرين» جمع (ناصر) وهو الذي يدفع ويمنع الضر عن غيره. والمعنى: وما لهم من أيِّ ناصر ينصرهم، فيدفع عنهم عذاب الله ويمنعه قبل وقوعه، أو يرفعه بعد وقوعه. قوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. بيَّن عز وجل في الآية السابقة أن مَن مات على الكفر، فلن يقبل منه ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به، ثم بيَّن في هذه الآية ما ينال به البر وهو الإنفاق ابتغاء مرضاة الله مما يحبون. قوله: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ﴾ «لن»: حرف نفي ونصب للفعل المضارع، وتنقله من الحال إلى الاستقبال، والمعنى: لن تدركوا البر وتحصلوا عليه، وتكونوا أبرارًا. و«البر»: كلمة جامعة لكل خصال الخير الظاهرة والباطنة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]، وقال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189]. وقال صلى الله عليه وسلم: «البر حُسن الخُلق»[10]، «البرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأنَّ إليه القلب»[11]. وهو ضد الإثم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، «والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب». ﴿ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾: «حتى» للغاية، أي: إلى غاية أن تنفقوا مما تحبون، وفي هذا دلالة على تعدد خصال البر وأنه درجات، من أعلاها الإنفاق ابتغاءَ مرضاة الله تعالى مما يحبون. و«من» في قوله: ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾: تبعيضية، و«ما» موصولة، أي: بعض الذي تحبون من المال، كما قال تعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]؛ أي: حتى تنفقوا بعض المال الذي تحبونه، ومن أحبه إليكم وأفضله عندكم؛ لما في ذلك من كرم النفس والبعد عن البخل والشح، ومن إيثار محبة الله تعالى ومرضاته على محبة المال والنفس. وقيل: إن «من» لبيان الجنس. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله - عز وجل - أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخٍ بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه»[12]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أُصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبَست أصلها وتصدَّقت بها»[13]، وفي رواية قال: «فاحبس أصلها وسبل الثمرة»[14]. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأوَّل قوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[15]. ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: اسم شرط، و﴿ تُنْفِقُوا﴾: فعل الشرط، و﴿ من ﴾: بيانية مبينة للعموم في «ما»، ﴿ شيءٍ ﴾: نكرة في سياق الشرط وتفيد العموم أيضًا؛ أي: وما تنفقوا من شيء، أيِّ شيء كان، قليلًا كان أو كثيرًا، مما تحبون أو مما لا تحبون، طيبًا أو غير طيب. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: جواب الشرط، والفاء: رابطة في جواب الشرط، أي: فإن الله ذو علم تام به سيُحصيه لكم، ويحاسبكم ويُجازيكم عليه بالخلف العاجل في الدنيا والنعيم الآجل في الآخرة، ولن يضيع عنده؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]. والحصر في تقديم المتعلق «به» لتأكيد علمه - عز وجل - بكل ما ينفقون. [1] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها. [2] أخرجه النسائي في تحريم الدم- توبة المرتد (4068)، والطبري في «جامع البيان» (5/ 557، 558) ، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 700)، وابن حبان (4477)، والحاكم (2/ 142، 4/ 366)، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». [3] أخرجه البخاري في الإيمان ( 16)، ومسلم في «الإيمان» (43)، والنسائي في «الإيمان وشرائعه» (4987)، والترمذي في الإيمان (2624)، وابن ماجه في الفتن (4033)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. [4] أخرجه الترمذي في الدعوات ( 3517)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (280)، من حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. [5] أخرجه الترمذي في الدعوات (3537)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: «حديث حسن غريب». [6] أخرجه البزار فيما ذكر ابن كثير في تفسيره (2/ 95) وقال ابن كثير: «هكذا رواه وإسناده جيد». [7] «تفسيره» (2/ 95). [8] أخرجه مسلم في الإيمان (214)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [9] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3334)، ومسلم في صفة القيامة (2805)، وأحمد (3/ 208). [10] أخرجه مسلم في البر والصلة والأدب (3553)، والترمذي في الزهد (2389)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه. [11] أخرجه أحمد (4/ 194)، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه. [12] أخرجه البخاري في الزكاة (1461)، ومسلم في الزكاة - فضل الصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين (998)، وأحمد (3/ 141). [13] أخرجه البخاري في الشروط (2737)، ومسلم في الوصية (1633)، وأبو داود في الوصايا (2878)، والترمذي في الأحكام (1375)، وابن ماجه في الأحكام (2396). [14] أخرجها النسائي في الأحباس (3604)، وابن ماجه في الأحكام (2397). [15] أخرج أبو نعيم في «الحلية» (1/ 295) أن ابن عمر أعتق جارية له يقال لها رميثة، وقال: «إني سمعت الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، وإني والله إن كنت لأحبك في الدنيا، اذهبي فأنت حرة لوجه الله عز وجل.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 84 - 92]. 1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله - عز وجل - لا ينطق عن الهوى؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية. 2- وجوب الإيمان بالله، والتصديق والإقرار بوجوده وبربوبيته والوهيته وأسمائه وصفاته؛ قولًا باللسان، واعتقادًا بالجنان؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته. 3- أن الإيمان بالله هو أصل وأساس الإيمان وأعظم أركانه، ولهذا قُدِّم في الآية؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية. 4- وجوب الإيمان والتصديق بالقرآن والسنة، وامتثال ما فيهما من الأمر، واجتناب ما فيهما من النهي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ الآية. 5- ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ووجوب الإيمان بما أُنزل عليهم على وجه الإجمال؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾؛ أي: وما أنزل عليهم من الوحي؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]. وكل من أُوحيَ إليه فهو نبي. 6- في تقديم «إسماعيل» على «إسحاق» في الذكر دلالة على أن إسماعيل أكبر، وإشارة إلى فضله. 7- وجوب الإيمان بما أُنزل على الأسباط؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْأَسْبَاطِ ﴾، وهم أولاد يعقوب، فهم أنبياء، وقيل المراد بالأسباط بطون بني إسرائيل، فيكون التقدير: وما أنزل على أنبياء الأسباط. 8- ثبوت نبوة موسى وعيسى عليهما السلام، ووجوب الإيمان بما أوتيَ كلٌّ منهما من الآيات الشرعية في التوراة والإنجيل والآيات الكونية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى ﴾. 9- في التعبير بالإيتاء في قوله: ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى ﴾ بدل الإنزال، وإعادة العامل تنبيه وتعظيم لما أُوتيَ موسى وعيسى عليهما السلام من الآيات الكونية والشرعية. 10- وجوب الإيمان بما أُوتيَ جميع النبيين من ربهم من الوحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: وما أُوتيَ النبيون من ربهم من الآيات الكونية، ومن الكتب والآيات الشرعية، وما فيها من الأخبار وأصول الإيمان والشرائع إيمانًا مجملًا، أما من حيث الاتباع والعمل، فالواجب بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الناس اتباع شريعته؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]. وما جاء من الأحكام في شرع من قبلنا، فإن وافقه شرعنا وجب العمل به لمجيئه في شرعنا، وما خالفه شرعنا فلا يُعمل به، وهذا بالاتفاق. أما ما لم يأت في شرعنا مخالفةً له ولا موافقة، فقد اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال: لا يُعمل به وفي شرعنا غُنية عنه، ومنهم من قال: يُعمل به، لقوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]، وقوله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13]، والصحيح أن ما حكاه شرعنا على سبيل الإقرار له يُعمل به، وما عداه فلا يُعمل به. 11- إثبات ربوبية الله تعالى الخاصة، بل خاصة الخاصة للنبيين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾، وتشريفهم وتكريمهم بإضافة اسم الرب إلى ضميرهم. 12- وجوب الإيمان بجميع الرسل دون تفريق بين أحدٍ منهم والآخر؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴾. وفي هذا تعريضٌ بذم أهل الكتاب الذين يُكذِّبون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان بالرسل أمرٌ لا يتجزأ، فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الرسل، فليس بمؤمن، وإن آمن بموسى وعيسى؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 150، 151]. 13- وجوب الاستسلام والانقياد لله وحده باطنًا وظاهرًا، بالقلب واللسان والجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾. 14- أن كل من دان بغير دين الإسلام فلن يُقبل منه، ودينه باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾. 15- نسخ الإسلام لجميع الأديان السابقة. 16- فضل الدين الإسلامي على جميع الأديان، فهو الحاكم والمهيمن عليها، الناسخ لها، الذي لا يقبل الله بعد بعثة محمد من أحدٍ سواه. 17- خسارة من دان بغير الإسلام؛ لقولة تعالى: ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾؛ أي: الذين خسِروا أنفسهم وأهليهم وأموالهم، خسروا دينهم ودنياهم وأخراهم. 18- إثبات الدار الآخرة، لقولة تعالى ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ ﴾. 19- أن مَن ارتدَّ وكفر بعد الإيمان يُستبعد أن يُهدى؛ لأنه ضل على بصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، وهذا بخلاف الكافر الأصلي، فهو أقرب للهداية؛ كما قال تعالى: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 7]. 20- أن من ارتد بعد الإيمان أعظم ذنبًا وأشد كفرًا ممن كان باقٍ على كفره؛ ولهذا لا يُجبر الكافر الأصلي في الدنيا على ترك الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، بخلاف الكافر المرتد، فإنه يُجبر على ترك الكفر والرجوع للإسلام وإلا قُتل، قال صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتُلوه»[1]. 21- أن هداية التوفيق والقبول خاصة بالله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا ﴾ الآية. 22- أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق؛ لقولة تعالى: ﴿ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ﴾. 23- إقامة الحجة على الخلق على وجوب الإيمان وترك الكفر بالآيات البينات الشرعية والكونية، بما لا عذر معه لمن أقام على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾. 24- أن الظلم سببٌ للضلالة والحيلولة دون الهداية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الصف: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]. 25- إثبات الجزاء، وشدة وعيد المرتدين وعِظم عقابهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾. 26- التحذير من الردة إلى الكفر بعد الإيمان؛ لأن الله رتَّب على ذلك لعنته، وهي طردُه وإبعاده من رحمته لمن كفر بعد الإيمان، ودعاء الملائكة والناس جميعًا عليه بذلك. 27- جواز لعن الكافر غير المعيَّن؛ لأن الله تعالى لعَن الكافرين وأخبر بلعن الملائكة والناس أجمعين لهم. 28- إثبات الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾. 29- خلود المرتدين إلى الكفر بعد الإيمان في لعنة الله تعالى، والطرد والإبعاد عن رحمته وجنته؛ لقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، وليس ثمة لمن طُرِد عن الرحمة والجنة إلا العذاب والنار، كما قال الشاعر: الموت بابٌ وكلُّ الناس داخلُه ![]() يا ليتَ شعري بعد الموت ما الدارُ ![]() الدارُ جنة عدن إن عمِلت بما ![]() يَرضَ الإله وإن فرَّطت فالنارُ ![]() هما مَحِلان ما للناس غيرهما ![]() فاختَر لنفسك ماذا أنت تختارُ[2] ![]() 30- عدم تخفيف العذاب عن هؤلاء الكفرة المرتدين؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾، لا بتهوينه عليهم، ولا بانقطاعه عنهم ولو لحظة. 31- مبادرة هؤلاء الكفرة بالعذاب، وعدم إنظارهم في الحياة، وعند الموت وبعد الموت، وبعد البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾. 32- أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. 33- أن هداية مَن ارتدَّ بعد الإيمان وإن كانت مستبعدة؛ لقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ الآية، فإنها ليست ممتنعة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الآية. 34- أن رحمة الله تعالى تسبق غضبَه، وعفوه أوسعُ من عقوبته؛ حيث فتح باب التوبة لمن ارتدُّوا بعد الإيمان، ورغَّبهم في ذلك، فلا يأس من رحمته. 35- الترغيب في التوبة، وأنه ينبغي لمن تاب أن يُصلح حاله، وأن يصلح ما أفسده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾. 36- إثبات صفتي المغفرة والرحمة الواسعتين لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. 37- عدم قبول توبة مَن ارتدُّوا إلى الكفر بعد إيمانهم، وازدادوا كفرًا، واستمروا على الكفر حتى حضور الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. 38- أن مَن استمرَّ على الكفر ولم يَتُب، فإنه يزداد كفرًا يومًا بعد يوم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾، فهذا يتضمن زيادة كفرهم كيفيةً ونوعيةً وكميةً، بسبب الاستمرار على الكفر. 39- أن من كفروا بعد الإيمان وازدادوا كفرًا، فقد ضلوا غاية الضلال؛ لأنهم تركوا طريق الهدى والحق والإيمان بعد ما عرَفوه، واختاروا طريق الضلال والباطل والكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾. 40- أن من كفر ومات على الكفر لا يُقبل منه ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به من العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ﴾. 41- شدة عذاب الكفار الذين ماتوا على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾؛ أي: مؤلم موجِع حسيًّا للأبدان، ومعنويًّا للقلوب. 42- أنه لا ناصر لمن مات على الكفر، يَدفَع ويَمنَع عنه عذاب الله قبل وقوعه، أو يرفَعه عنه بعد وقوعه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. 43- أن البر لا يُنال إلا بالإنفاق من المال المحبوب، ومن أحبِّه وأفضله؛ لقوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: «أيُّكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟»، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحدٍ إلا وماله أحب إليه من مال وراثه، قال: «فإن ماله ما قدَّم ومال وارثه ما أخَّر»[3]، وذلك لأن خصال البر درجات، ومن أعلاها الإنفاق في مرضاة الله تعالى، لما فيه من الدلالة على كرم النفس، والسلامة من البخل والشُّح، ولما فيه من إيثار مرضاة الله تعالى على حب المال والنفس. والمال كما يقال: «شريك الروح»، فمن أنفق منه بسخاء وَوُقِيَ شُح نفسه، فإنه أقدر على القيام بما عداه من خصال البر، ولهذا رتَّب عز وجل عليه الفلاح، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. 44- الترغيب في الإنفاق مما يحب من المال؛ لقوله تعالى: ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ [البقرة: 177]، وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ [الإنسان: 8]. وقد اختلف أهل العلم: هل يجوز أن ينفق الإنسان جميع ماله؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز، واعتبروا «من» في الآية تبعيضية - وهو الأظهر- واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد رضي الله عنه: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذَر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس»[4]. ولما قال كعب بن مالك رضي الله عنه: يا رسول الله، إن من توبتي أن أخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك»، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر»[5]. وذهب بعضُ أهل العلم إلى جواز التصدق بجميع المال، واعتبروا «من» في الآية للجنس، فيشمل الصدقة بجميع المال، واستدلوا بما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ذات يوم، فجاء عمر- رضي الله عنه - بنصف ماله، وجاء أبو بكر- رضي الله عنه - بجميع ماله؛ حيث قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ماذا لأهلك»، قال: لهم الله ورسوله[6]. فأثنى صلى الله عليه وسلم عليهما، ودعا لكل منهما. والأظهر أن الأمر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فمتى دعت الضرورةُ والحاجة إلى إنفاق جميع المال جاز ذلك، كما في الكوارث والنكبات والمجاعات الشديدة. وكذا إذا كان الإنسان لديه قوة في التوكل على الله تعالى، وقدرة على العمل بالبحث عما يَستغني به عن السؤال. أما إذا كان سيبقى عالة على الآخرين، ويعرِّض نفسه لمذلة السؤال، ويُقصِّر في النفقة الواجبة لنفسه ومَن يعول، فهذا لا يجوز له التصدُّق بجميع ماله، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]. 45- أن حب المال أمرٌ جِبِلِّي طُبِعَ عليه الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، لكن ينبغي الحذر من تقديم محبته على محبة الله ورسوله، وما يقرِّب إلى الله تعالى. 46- علم الله - عز وجل - بكل ما ينفق من شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. 47- وعد الله - عز وجل - بإثابة المنفقين ومجازاتهم على القليل والكثير؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾؛ أي: يعلَمه، وسيُحاسبكم ويُجازيكم عليه. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- لا يعذب بعذاب الله (3017)، وأبو داود في الحدود (4351)، والنسائي في تحريم الدم (4059)، والترمذي في الحدود (1458)، وابن ماجه في الحدود (2535)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [2] الأبيات لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه»، (ص141). [3] أخرجه البخاري في الرِّقاق (6442)، والنسائي في الوصايا (3626)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الجنائز - رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة (1296)، ومسلم في الوصية (1628)، وأبو داود في الوصايا (2864)، والنسائي (3626)، والترمذي في الوصايا (2116)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري في الوصايا (2758)، ومسلم في التوبة (2769)، وأبو داود في الأيمان والنذور (3317)، والنسائي في الأيمان والنذور (3624)، والترمذي في تفسير القرآن (3102)، من حديث كعب رضي الله عنه. [6] أخرجه أبو داود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675).
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 98 - 101]. قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾. قوله: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الموضعين، وصدر بـ﴿ قُل ﴾ للعناية والاهتمام والتوكيد، و«يا» في الموضعين حرف نداء، وصدر خطاب أهل الكتاب بالنداء لهم للتنبيه على عظم الأمر، وخطورته. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، سُمُّوا بذلك؛ لأن الله - عز وجل - أنزل عليهم الكتاب، فأنزل على اليهود «التوراة»، وأنزل على النصارى «الإنجيل». ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾: الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتقريع. واللام: حرف جر و«ما» استفهامية، وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، أي: لماذا تكفرون بآيات الله، وتجحدونها، وتكذبون بها. وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فالآيات الكونية سميت آيات لدلالتها على وجود خالقها وعظمته ووحدانيته، وكماله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته واستحقاقه العبادة دون من سواه، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37]. والآيات الشرعية سُميت آيات، لدلالتها على صدق من جاء بها، وأنها من عند الله، بكونها صالحة لكل زمان ولكل مكان ولكل أمة، لا اختلاف فيها؛ كما قال عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. والمراد بقوله تعالى: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ الآيات الكونية والشرعية. والكفر بالآيات الكونية بإنكار خالقها كما يَزعُم أهلُ الإلحاد، أو اعتقاد شريك مع الله عز وجل أو مُعين في خلقها، كما يزعم أهل الشرك؛ قال تعالى في الرد عليهم: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ [سبأ: 22]. والكفر بالآيات الشرعية يكون بتكذيبها وجحودها، أو بمخالفتها وعدم اتباعها؛ إما استكبارًا وإباءً، وإما إعراضًا عنها، وإما شكًّا فيها، وإما نفاقًا بإظهار الاتباع مع التكذيب بها باطنًا. ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾: الواو: حالية، فالجملة داخلة ضمن التوبيخ في قوله: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾؛ أي: لِمَ تكفرون بآيات الله، والحال أنكم تعلمون أنه شهيد على عملكم، ويحتمل أن تكون الواو استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة للتهديد والوعيد. قوله: ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ ﴾؛ أي: شاهد مطلع رقيب حفيظ، و«شهيد» على وزن «فعيل» صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة، يدل على عظم شهادته عز وجل. ﴿ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ «ما» مصدرية، أي: على عملكم، أو موصولة، أي: على الذي تعملونه، وهي تفيد العموم، أي: والله شهيد ومطلع على أعمالكم، وفي هذا من الوعيد ما فيه لأهل الكتاب؛ لأنه - عز وجل - إذا كان شهيدًا على أعمالهم، مطلعًا عليها، من كفرهم وتكذيبهم بآيات الله ومخالفتهم لها، فسيُحصيها عليهم ويحاسبهم ويجازيهم عليها. قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. أمر الله - عز وجل - النبي صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة بتوبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، بأنفسهم، ثم أمره بتوبيخهم على ما هو أشدُّ من ذلك، وهو عدوانهم بصد غيرهم عن سبيل الله. قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ: ﴾ لم تَصرِفون الناس ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: عن دين الله وشرعه الذي شرعه، وصراطه المستقيم الموصل إليه، وإلى مرضاته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]. ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾: «من»: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول لـ«تصدون»؛ أي: تصرفون عن دين الله الذي آمن به، وهم في الحقيقة يصدون من آمن فيُخرجونه من الإيمان، ويصدون من لم يؤمن فيمنعونه من الدخول في الإيمان. ولهذا قال: «تصدون»، ولم يقل «تخرجون» ونحوه؛ لأن الصد يكون لمن آمن ولمَن لم يؤمِن، وإنما ذُكِرَ صدُّهم مَن آمَن؛ لأنه أشدُّ وأعظم، وهو أيضًا سبب لصد من لم يؤمن؛ لأن من رأى الناس يخرجون من الدين زَهِدَ في الدخول فيه. ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ الجملة حالية، أي: حال كونكم تبغونها عوجًا، و«عوجًا» مفعول به ثانٍ لـ«تبغونها»، أو حال؛ يقال في المعاني: «عِوَج» بكسر العين، اسم مصدر؛ كما قال تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا ﴾ [الكهف: 1، 2]، ويقال في الأعيان: «عَوَج» بفتح العين، مصدر، فيقال: «حائط عَوَج»، و«سور عَوَج»، و«العِوج» و«العَوج» بالكسر والفتح: الميل، ضد الاستقامة، قال الشاعر: تَمُرُّون الديارَ ولم تَعوجوا ![]() كلامكمُ عليّ إذًا حرام[1] ![]() ![]() ![]() أي: ولم تميلوا. والضمير في «تبغونها» يعود إلى ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، أي: تطلبون السبيل وتريدونها ﴿ عِوَجًا ﴾؛ أي: مائلة عن الحق مُعوجة، غير مستقيمة، بسلوك ما أنتم عليه من الكفر والضلال، والتهاون والتفريط فيما أمَر الله به، أو الغُلو والإفراط فيه، وارتكاب ما نهى الله عنه، مخالفة لهدي الله القويم، وصراطه المستقيم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 161]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [التوبة: 36]. ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ﴾: الواو للحال، أي: والحال أنكم شهداء، تشهدون على أنكم تصدون عن سبيل الله، وتبغونها عوجًا؛ لعلمكم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يدعو إلى سبيل الله ودينه الحق، وأنتم شهداء على ذلك، بشهادة كتب الله - عز وجل - المنزلة على أنبيائكم. فهم شهداء على أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا؛ لأنهم يعرفون الحق ويخالفونه استكبارًا وعنادًا، وهم شهداء على صدقه صلى الله عليه وسلم بشهادة كُتبهم المنزَّلة عليهم، لكنهم جحَدوا هذه الشهادة وأنكروها، وكانوا أول كافر به؛ كما قال تعالى مخاطبًا لهم: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41]. ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ الواو: حالية، و«ما» نافية، و«ما» في قوله ﴿ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ موصولة، أو مصدرية؛ أي: وما الله بغافل عن عملكم، أو عن الذي تعملونه، وهي تفيد العموم، أي: وما الله بغافلٍ عن جميع الذي تعملونه من الصد عن دين الله، وابتغاء العوج، وغير ذلك، وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم بأنه - عز وجل - سيحصي عليهم أعمالهم، ويُحاسبهم ويجازيهم عليها. وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ من الصفات السلبية التي تدل على كمال ضدها؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 58]، فقوله: ﴿ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ لإثبات كمال حياته - عز وجل - وهكذا قوله تعالى هنا: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ يتضمن مع نفي أن يكون - عز وجل - غافلًا عما يعملون يتضمن إثبات كمال رقابته على أعمالهم، وعلى كل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ [الأحزاب: 52]. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾. بعدما وبَّخ عز وجل أهل الكتاب، وتوعَّدهم وهدَّدهم على كفرهم بآيات الله وصدهم عن سبيله مَن آمَن، وابتغائهم الطريق العوج، حذر المؤمنين من طاعتهم. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ «يا» حرف نداء، و«أي» منادى مبني على الضم في محل نصب «ها» للتنبيه، و«الذين» صفة لـ«أي» أو بدل منها، وصدر خطاب المؤمنين بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام، وناداهم بوصف الإيمان؛ تكريمًا وتشريفًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن امتثال ما بعده من توجيهات من مقتضيات الإيمان، وعدم امتثال ذلك يعد نقصًا في الإيمان. وقد فرق عز وجل بين خطاب المؤمنين، وخطاب أهل الكتاب، فخاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بغير واسطة تشريفًا وتفضيلًا لهم، بينما خاطب أهل الكتاب بواسطة، فقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾. ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾؛ أي: إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب، والمراد من لم يؤمن منهم، وهم أكثرهم، أي: إن تطيعوا طائفة من اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه. وقوله: ﴿ فَرِيقًا ﴾ يدل على أن أهل الكتاب ليس كلهم على هذا الوصف؛ لأن منهم من آمن، فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبدالله بن سلام رضي الله عنهما. ﴿ يَرُدُّوكُمْ ﴾ يرجعوكم ﴿ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾؛ لأنهم يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، ويودون رد المؤمنين كفارًا، ويعملون على ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109]، وقال تعالى: ﴿ وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [آل عمران: 69]. وفي قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾: إشارة إلى أنهم يبذلون ما في وسعهم لإخراج المؤمنين عن دينهم، كما أنهم يسعون في صد من لم يؤمن عن الإيمان، وأنهم لا يقنعهم حتى يردوا المؤمنين عن دينهم، إلى ما هم عليه من الكفر؛ لأنهم حرفوا وبدلوا، وأشركوا مع الله «عزيرًا» و«المسيح». لكنهم يتدرجون في الوصول إلى ذلك بالسعي أولًا، لإفساد عقائد وأخلاق المسلمين، بما يثيرون من الشبه، وما ينشرون من الرذائل؛ لتزهيد المسلمين في دينهم، وإخراجهم منه، فإذا صار الواحد منهم بلا دين سهل عليهم اقتناصه لدينهم. وقد مكثتْ إحدى حملاتهم التنصيرية في مصر سنتين لم يعتنق النصرانية مسلم واحد، فشكا قائد الحملة إلى أحد بطارقتهم، فقال له: أنا لا أريدك أن تخرج المسلمين من الإسلام وتدخلهم في النصرانية، هذا أمر صعب، أنا أريدك أن تخرجهم من الإسلام، فإذا خرجوا منه سهل علينا اقتناصهم للنصرانية، وصدق الله العظيم: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]. قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ الواو: عاطفة، و«كيف» للاستفهام، ومعناه الاستبعاد، أي: يُستبعد أن تكفروا، وحاشاكم أن تكفروا، وفيه معنى: التحذير أيضًا. ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ الواو للحال، أي: والحال أنكم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ ﴾؛ أي: تقرأ عليكم آيات الله، القرآن الكريم. ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ يعيش بين أظهركم، يدعوكم ويعلمكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الحديد: 8]. قال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: وفينا رسول الله يتلو كتابه ![]() إذا انشق معروف من الفجر ساطع ![]() أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ![]() به موقنات أن ما قال واقع[2] ![]() فهذان وازعان لهم من الكفر: آيات الله، ورسوله. ويحتمل كون الاستفهام في الآية بمعنى التعجب، أي: كيف يمكن أن تكفروا وأنتم تقرأ عليكم آيات الله القرآن الكريم، ورسول الله بين أظهركم وهو تعجب من حالهم، وتوبيخ لهم لو حصل منهم ذلك، وحاشاهم من ذلك. والآية على الاحتمالين فيها تيئيس لأهل الكتاب من رجوع المسلمين عن دينهم مهما حاول أهل الكتاب، كما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون، وهم عند ربهم؟! وذكروا الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال: قوم يجيئون من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها»[3]. وفي رواية أنه قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، من أعجب الخلق إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر؟ قالوا: فالنبيون يا رسول الله، قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء؟ قالوا: فأصحابك يا رسول الله، قال: وكيف لا يؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون؟ ولكن أعجب الناس إيمانًا قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، أولئك إخواني»[4]. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»[5]. قال ابن عباس: «ولن يجد أحد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد كانت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا»[6]. ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ أي: يعبده، ويتمسك بحبله، ويستعن به، ويتوكل عليه، كما في قول المؤمنين: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78]. ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾؛ أي: فلا يُخشى عليه من الضلال، وهذه الجملة جواب الشرط في قوله: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾، والفاء: رابطة لجواب الشرط لاقترانه بـ«قد». و«هُدي» بالبناء للمفعول؛ أي: كُتبت له الهداية أزلًا في اللوح المحفوظ، ووفق لها عملًا باعتصامه بالله، دُلَّ على الحق، ووفِّق إليه وفيه، وذلك لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية دلالة وإرشاد، وهذه عامة، فالله هاد بهذا المعنى، أي: دال ومرشد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [فصلت: 17]؛ أي: دللناهم وأرشدناهم، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]. والرسل والدعاة إلى الله هداة بهداية الله - عز وجل - كما قال تعالى مخاطبًا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، وقال إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: ﴿ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴾ [مريم: 43]، وقال موسى - عليه السلام - مخاطبًا فرعون: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ [النازعات: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]، وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 38]. والقسم الثاني: هداية التوفيق، وهذه خاصة بالله - عز وجل - كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 272]. ولعل الحكمة في مجيء الفعل «هُدي» مبنيًا للمفعول محذوفًا فاعله؛ ليشمل نوعي الهداية وطرقها. ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قرأ ابن كثير في رواية قنبل في جميع القرآن بالسين: «سراط»؛ معرفًا ومنكرًا، وقرأ حمزة بإشمام الصاد زايًا، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة: ﴿ صراط ﴾، ونُكِّر الصراط في قوله: ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تعظيمًا له وتفخيمًا، و«الصراط» الطريق الواضح الواسع المسلوك. ﴿ مُسْتَقِيمٍ ﴾ معتدل مستوٍ، غير معوج، يوصل إلى الغاية بأقرب وقت، وأقصر مسافة، لا انحراف فيه يمينًا أو شمالًا يزيد في مسافته، ويعرض للضياع، ولا نزول فيه ولا ارتفاع، يزيد في مسافته، ويشق على سالكيه بالنزول والارتفاع، قال جرير[7] يمدح هشام بن عبدالملك: أمير المؤمنين على صراط ![]() إذا اعوجَّ المواردُ مُستقيم ![]() ![]() ![]() والمستقيم في الأصل: أقرب خط يصل بين نقطتين. والمعنى: ومن يعتصم بالله عبادة له، وتمسكًا بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واستعانة بالله - عز وجل - وتوكلًا عليه، فقد هُدي ووفق إلى طريق واضح معتدل لا اعوجاج فيه، وهو صراط الله، الموصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ قال عز وجل: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الحجر: 41]، وقال تعالى: ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]، وهو الذي يهدي ويدعو إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ﴾ [الشورى: 52]؛ قال ابن كثير[8]: «فالاعتصام بالله، والتوكل عليه، هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد». ولكن المصيبة كل المصيبة عدم تحقيق الاعتصام بالله لدى كثير من المسلمين، وما أصاب الأمة ما أصابها من الضعف على مستوى الأفراد والجماعات والدول، وما ابتلي كثير من المسلمين بما ابتلي به إلا بسبب عدم تحقيق الاعتصام بالله وبكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فبسبب ذلك وقع كثير من المسلمين في كثير من البلاد الإسلامية في الشرك ودعاء غير الله والاستغاثة به، وبسبب ذلك حصل التفريط في كثير من الواجبات؛ وأعظمها الصلاة عمود الإسلام، والزكاة، وصلاة الجماعة، وغير ذلك من حقوق الله، وحقوق الخلق. وبسبب ذلك تساهَل كثيرٌ من المسلمين في الوقوع في المحرمات؛ كالربا والمعاملات المحرمة والمشتبهة، والزنا، والعقوق، وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة، والحسد والعداوة والبغضاء والظلم والكذب وشهادة الزور، وغير ذلك. وبسبب ذلك وُئدت وَحدة المسلمين تحت شعارات ما أنزل الله بها من سلطان، فرَّقت المسلمين، وجعلتهم شيعًا وأحزابًا وجماعات، يكيد بعضها لبعض على حساب الإسلام. وبسبب ذلك انحرف فئامٌ من أبناء المسلمين، ووقعوا في حبائل أعداء الإسلام، وخرجوا على الأمة وعلمائها وولاتها بالتكفير والتفجير. ولن يَصلُح آخرُ هذه الآمة إلا بما صلَح به أولُها، فمن اعتصم بالله حقًّا، فعظَّم الله - عز وجل - وحقق توحيده، وأدى حقوقه التي من أعظمها بعد التوحيد إقامة الصلاة إقامة تامة كما شرع الله - عز وجل - مع جماعة المسلمين، وأدى حقوق الخلق؛ من الوالدين والأولاد والأزواج والأقارب، وغيرهم، وحقوق الأمة التي يتولاها، وتدبر كتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو مهدي محفوظ بحفظ الله عز وجل؛ ولهذا قال - عز وجل - مخاطبًا المؤمنين: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾، أي: إن هذا يكاد يستحيل. وهكذا كل من تمسك بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو محفوظ بحفظ الله، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «احفَظ الله يَحفَظك»[9]. [1] البيت لجرير؛ انظر: «ديوانه» (ص 268). [2] أخرجه البخاري في الجمعة (1155)- عن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه. [3] الحديث في «جزء ابن عرفة» (ص52 رقم 19)، و«دلائل النبوة» للبيهقي (6/ 538)؛ من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (2/ 71) وقال: «وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد». وروي معناه من حديث عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس رضي الله عنهم؛ انظر: «مسند أبي يعلى» (1/ 147 رقم 160)، «مجمع الزوائد» (10/ 65 رقم 16689)، «المعجم الكبير» للطبراني (12/ 87 رقم 12560)، «شرح مشكل الآثار» (6/ 269 رقم 2472). [4] أخرجه الطبراني في «الكبير» (12/ 87 رقم12560). [5] سبق تخريجه. [6] ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد ونسبه لابن جرير؛ انظر: «تيسير العزيز الحميد» ص (479). [7] انظر: «ديوانه» ص (218). [8] في «تفسيره» (2/ 71). [9] أخرجه الترمذي في صفة القيامة (2516)، وأحمد (1/ 293، 303، 307)، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ... ﴾ قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 102 - 105]. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ سبق الكلام على هذا. ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾؛ أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والتقوى: مأخوذة من الوقاية، وهي أن تجعل بينك وبين الشيء الضار، أو المخوف وقاية، فتتقي البرد بلبس الملابس الثقيلة، وتتقي الشوك بلبس النعلين، وهكذا. وأصلها: «وَقْوى» قلبت الواو تاء؛ لعلة تصريفية. وتقوى الله - عز وجل - هي وصيته للأولين والآخرين، كما قال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131]. قال الشاعر: لعمرُك ما يدري الفتى كيف يتَّقي ![]() إذا هو لم يجعل له الله واقيا ![]() ![]() ![]() ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾؛ أي: حق تقواه، بقدر استطاعتكم وجهدكم، كما قال تعالى في سورة التغابن: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر»[1]. ولا غضاضة في أمر المؤمنين بتقوى الله - عز وجل - فقد أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 1]، وهو صلى الله عليه وسلم أتقى الناس لربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»[2]. ولما قال أحدهم للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اتق الله»، أنكر عليه بعض الحاضرين، وقال: كيف تقول لأمير المؤمنين «اتَّق الله»؟ فقال عمر رضي الله عنه: «دَعه، فليَقُلْها، فلا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم»[3]. ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ الواو: عاطفة، و«لا» ناهية، و«تموتن» فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون المذكورة للتوكيد. ﴿ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾: استثناء من أعم الأحوال؛ أي: ولا تموتن على حال من الأحوال إلا على حال كونكم مسلمين. والمراد بالإسلام ما يشمل الإيمان؛ أي: إلا وأنتم مسلمون ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل معه الآخر؛ أي: ولا تموتن إلا على الإسلام. والنهي عن الموت إلا على الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام طوال الحياة، أي: بادروا إلى الإسلام، والزموه، واثبُتوا عليه إلى الموت؛ لأن العبرة بالخاتمة؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]. والمرء ما يدري متى يفجؤه الموت، وقد قيل: كل امرئٍ مُصَبَّح في أهله ![]() والموت أدنى من شراك نعله[4] ![]() ![]() ![]() وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»[5]. وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيَسبِق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»[6]. لكن من عاش مستمسكًا بالإسلام فهو حري أن يحفظه الله حتى يتوفاه على ذلك - بكرمه - عز وجل - وفضله. ويؤيد هذا ما جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة - فيما يبدو للناس - وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»[7]. وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يموتن أحدُكم إلا وهو يحسن بالله الظن»[8]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي»[9]. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: «كيف أنت يا فلان»؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» [10]. والله - عز وجل - لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فالغالب أن من عاش على شيء مات عليه، وبعث عليه، ولهذا فإن من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه[11]. قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. رُوي أن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج[12]، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ الواو: عاطفة، والاعتصام: التمسك بما يعصم، ويحمي من المخوف والمحذور، و«حبل الله»: دينه وشرعه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا ﴾ [الشورى: 13]. وسمِّي دين الله وشرعه حبلًا له - عز وجل - لأنه الموصل إليه وإلى رضوانه وجنته، وهو الذي وضعه. ﴿ جَمِيعًا﴾: حال، أي: كلكم أيها المؤمنون. قال ابن القيم[13]: «ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسَّك بهاتين العصمتين، فأما الاعتصام بحبله، فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، وأن يهديه إلى الطريق، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها، فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يسلم بها في طريقه». ﴿ وَلَا تَتَفَرَّقُوا ﴾ أمرهم بالاجتماع، ثم أكد ذلك بنهيهم عن التفرق، أي: ولا تفرقوا شيعًا وأحزابًا، جماعات وأفرادًا؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرَّقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»[14]. وفي حديث أبي مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم»[15]. وما أصاب المسلمين ما أصابهم من الضعف والتخلف، وتسلط الأعداء، والجهل والفقر والمرض، إلا بسبب التفرق شيعًا وأحزابًا وجماعات، كما قال الشاعر: وتشعبوا شعبًا فكل جزيرة ![]() فيها أمير المؤمنين ومنبر[16] ![]() ![]() ![]() بل إن ما وقع فيه المسلمون اليوم من التفرق جماعات وحزبيات وتصنيف للطوائف أشد وأعظم؛ حيث يكيد بعض هذه الجماعات لبعض باسم الإسلام على حساب الإسلام؛ نسأل الله الهداية والتوفيق، وجمع كلمة المسلمين على الحق. ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾؛ أي: واذكروا بألسنتكم ﴿ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بالثناء عليه، والتحدث بها، واذكروها بقلوبكم، واشكروها بجوارحكم؛ لأن ذكر نعمه - عز وجل - سبب لشكرها؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]. و«نعمة» مفرد مضاف إلى معرفة يفيد العموم. و«نعمة الله»: كل ما أنعم الله به على خلقه من النعم الدينية والدنيوية، والعطاء والرزق، وجلب النعم، ودفع النقم؛ أي: تذكروا كل نعم الله عليكم التي أهمها وأعظمها نعمة الإيمان، ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن. ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾، هذا بيان وتفسير لنعمة الله عليهم. ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً ﴾، «إذ» ظرف بمعنى «حين» أي: حين كنتم أعداء بينكم الحروب والغارات والفتن والثارات، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت أكثر من مائة وعشرين سنة، منها يوم بعاث، وكذا الحال بالنسبة لقبائل العرب الأخرى: قريش، وهوازن وغيرها. ﴿ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾؛ أي: جمع بين قلوبكم على الحق والهدى. ولم يقل: «فألَّف بينكم»؛ لأن الشأن والمدار على اجتماع القلوب، حتى ولو تباعدت الأبدان والأوطان، ولا فائدة في اجتماع الأبدان مع تنافر القلوب وتفرُّقها؛ كما قال تعالى عن اليهود: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14]. بل إن اجتماع الأبدان مع تنافر القلوب يمثل خطرًا عظيمًا، ولهذا كان المنافقون أخطر أعداء الإسلام على المسلمين؛ لأنهم بين أظهرهم، والتأليف بين القلوب ليس بالأمر السهل، وكما قيل: إن القلوب إذا تنافَر وُدُّها ![]() مثل الزجاجة كسرها لا يجبر[17] ![]() ![]() ![]() لكن الذي خلق القلوب - سبحانه وتعالى - يؤلِّف بينها بقدرته وعزته وحكمته؛ ولهذا قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63]. وقال عز وجل للمؤمنين: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 7]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا، فهداكم الله بي، وكنتم متفرِّقين، فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ»[18]. ﴿ ﮂ ﴾ أي: صرتم. ﴿ ﮃ ﴾ الباء للسببية، أي: بسبب إنعامه عليكم بالهداية للإسلام. ﴿ ﮄ ﴾ أي: إخوة متآلفين متحابين، تربط بينكم أقوى رابطة هي رابطة أخوة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]. تلك الرابطة التي تتضاءل أمامها جميع روابط النسب، والعرق والوطن، والجماعات والحزبيات والقوميات، وغير ذلك. تلك الرابطة التي آخت بين أبي بكر القرشي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي رضي الله عنهم. وقد أحسن القائل: أبي الإسلام لا أب لي سواه ![]() إذا افتخروا بقيس أو تميم[19] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: لعمرُك ما الإنسان إلا ابن دينه ![]() فلا تترك التقوى اعتمادًا على النسب ![]() فقد رفَع الإسلام سلمان فارس ![]() وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب[20] ![]() وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - في هذه الأخوة الإيمانية فيما بينهم أروع الأمثلة، حتى إن الأنصار لما قدم إليهم المهاجرون، قاسموهم أموالهم وديارهم، وآثروهم على أنفسهم، وعلى قراباتهم للأخوة التي آخاها الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم. ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ﴾؛ أي: وكنتم قبل الإسلام ﴿ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ﴾؛ أي: على طرف ﴿ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ﴾، وشفا الشيء طرفه الذي من كان عليه، فهو عرضة للسقوط والهلاك؛ كما قال تعالى في أصحاب مسجد الضرار: ﴿ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ [التوبة: 109]. ومعنى قوله: ﴿ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ﴾؛ أي: على طرف حفرة من نار جهنم بسبب ما أنتم عليه من الكفر والشرك؛ أي: ليس بينكم وبين السقوط في النار والوقوع فيها إلا أن تموتوا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ [التوبة: 109]. ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾؛ أي: فخلصكم منها، وأبعدكم عنها، بهدايتكم للإيمان. ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾: الكاف: اسم بمعنى «مثل» نعت لمصدر محذوف؛ أي: بيانًا مثل ذلك البيان في هذه الآيات، يبين الله لكم آياته، الشرعية والكونية. ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾: «لعل» للتعليل، أي: لأجل أن تهتدوا، إلى ما ينفعكم في دينكم ودنياكم وأخراكم، هداية دلالة وعلم، وهداية توفيق وعمل. قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. أمر الله عز وجل المؤمنين في الآيتين السابقتين بتقواه، والاعتصام بحبله، ونهاهم عن التفرق، ثم أمرهم بأن يكون منهم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهو من تقوى الله - عز وجل - لأهميته، فعطْفه على الأمر بتقوى الله أشبه بعطف الخاص على العام. قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾: الواو: عاطفة، أو استئنافية، واللام: للأمر، ولهذا جزم الفعل بعدها، والأصل في الأمر: الوجوب. ﴿ منكم ﴾ الخطاب: للمؤمنين، و«من»: تبعيضية؛ أي: وليكن بعضكم يدعون إلى الخير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ ﴾ [التوبة: 122]، ويؤيد هذا قوله ﴿ أُمةٌ ﴾. ويحتمل أن تكون «من» لبيان الجنس، أي: ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير كما قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]. ﴿ أُمةٌ ﴾ طائفة وجماعة. ﴿ يَدعُون ﴾ كل من يصلح توجيه الدعوة إليه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: 25]. ﴿ إِلَى الْخَيْرِ﴾: الخير اسم يجمع خصال الإسلام، كما في حديث حذيفة - رضي الله عنه - أنه قال: «يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟»[21]. فالدعاء إلى الخير هو الدعاء إلى الإسلام وجميع شرائعه العظام - من فعل المأمورات، وترك المحظورات - التي كلها خيرٌ في الدين والدنيا والآخرة، كالدعوة إلى الصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام، وغير ذلك من الواجبات، والدعوة إلى ترك المحرمات كالربا والزنا والسرقة، وغير ذلك، وكل ذلك خير وضده شر؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنْكَرِ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ من عطف الخاص على العام؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم وأعظم الخير، وهو سبب لفعل الخير، وقدم الدعوة إلى الخير؛ لأنها ينبغي أن تكون قبل الأمر والنهي، لأنها توجيه وتعليم، ثم يعقبها الأمر والنهي، وقرن بين الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهما من أعظم وأهم واجبات الدين. وقوله: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: ويأمرون الناس بفعل المعروف، و«المعروف» كل ما أمر به الشرع وأقرَّه، كالأمر بالإيمان بأركان الإيمان الستة، وأداء أركان الإسلام الخمسة وغير ذلك. ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنْكَرِ ﴾؛ أي: وينهون الناس عن المنكر، وهو كل ما نهى عنه الشرع وأنكره من المعاصي وأنواع الشرور والفساد؛ كالشرك والربا وقتل النفس بغير حق، والزنا والسرقة وغير ذلك من فعل المحرمات، أو ترك الواجبات. ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الإشارة للذين يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأشار إليهم بإشارة البعيد؛ تنويهًا بهم ورفعةً لشأنهم. وأكد الفلاح وقصره فيهم، بكون الجملة اسمية، معرفة الطرفين، وبضمير الفصل «هم» أي: أولئك هم المفلحون حقًّا، دون غيرهم. قال ابن القيم[22]: «فخصَّ هؤلاء بالفلاح، دون من عداهم، والداعون إلى الخير، هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان». والفلاح: الفوز والظفر بالمطلوب، والنجاة والسلامة من المرهوب، الفوز بالسعادة في الدنيا، بالإيمان والحياة الطيبة، والسعادة في الآخرة بالجنة والنجاة من النار. فالمفلحون: الفائزون بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ الآية. في هذا تأكيد لما سبق من الأمر بتقوى الله - عز وجل - والاعتصام بحبله، والنهي عن التفرق، كما أن فيه إشارة إلى أن من أعظم أسباب التفرق ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ﴾؛ أي: ولا تصيروا أيها المؤمنون ﴿ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾؛ أي: مثل الذين تفرقوا من أهل الكتاب، وغيرهم، وصاروا أحزابًا وشيعًا. ﴿ وَاخْتَلَفُوا﴾ في قلوبهم تجاه ما جاءهم من الحق على ألسن رسل الله، وفي كتبه، وتركوا الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79]. وقدَّم التفرق على الاختلاف، مع أن الاختلاف هو سبب التفرق، والله أعلم؛ لأن التفرق هو محصلة الاختلاف، ونتيجته الظاهرة السيئة، والمعنى: ولا تصيروا أيها المؤمنون كأهل الكتاب الذين تفرَّقوا واختلفوا، فتتفرقون وتختلفون مثلهم، بل اعتصموا بحبل الله جميعًا، وادعوا إلى الخير، ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر. قوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾؛ أي: من بعد ما جاءتهم من عند الله - عز وجل - الآيات البيِّنات في كتب الله - عز وجل - وعلى ألسنة وأيدي رُسله من الآيات الشرعية والآيات الكونية، مما لا عذر لهم معه في التفرق والاختلاف، وترك الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [البينة: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 14]. وعن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي: الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكَلَب[23] بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، لَغيْرُكم من الناس أحرى ألا يقوم به»[24]. وفي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعُنَّ سَنن من كان قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»[25]. وإذا كان صلى الله عليه وسلم في هذا لا ينطق عن الهوى، فيجب على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية أن يَحذَر من هذا التفرق، وأن يلزم جماعة المسلمين؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذَلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك»[26]. ﴿ وَأُولَئِكَ﴾؛ أي: وأولئك الذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات من أهل الكتاب وغيرهم. ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ العذاب: العقاب، و«عظيم» على وزن «فعيل» صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة، يدل على شدة عظمة هذا العذاب، ولا أحدَ يقدر عظمة هذا العذاب، إلا من وصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى. وأشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم لانحطاط مرتبتهم، وأكَّد عذابهم بكون الجملة اسمية معرفة الطرفين. [1] أخرجه عبدالرزاق في «تفسيره» (1/ 129)، وابن أبي شيبة (13/ 297، 298)، والطبري في «جامع البيان» (5/ 637)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (7/ 742)، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» (2/ 128- الأثر 299)، والطبراني (8501)، والحاكم (2/ 294). وهو صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه. وروي مرفوعًا؛ انظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 71). [2] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، من حديث أنس رضي الله عنه. [3] انظر: «الفقه الإسلامي وأدلته» (8/ 332). [4] البيت لحكيم النهشلي؛ انظر: «البيان والتبيين» (3 / 126). [5] أخرجه مسلم في الإمارة (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، وأحمد (2/ 192). [6] أخرجه البخاري في الأنبياء، خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه وذريته (3332)، ومسلم في القدر، كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76). [7] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2898)، ومسلم في الإيمان (112). [8] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2877)، وأبو داود في الجنائز (3113)، وابن ماجه في الزهد (4167). [9] أخرجه البخاري في التوحيد (7405)، ومسلم في الذكر (2675)، والترمذي في الزهد (2388)، وابن ماجه في الأدب (3822). [10] أخرجه الترمذي في الجنائز (983)، وابن ماجه في الزهد (4261)- وقال الترمذي: «حسن غريب» ورواه البزار- فيما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (2/ 73) قال: «وقد رواه بعضهم مرسلًا». [11] أخرجه مسلم في «الإمارة» (1909)، وأبو داود في «الصلاة» (1520)، والنسائي في «الجهاد» (3162)، والترمذي في «فضائل الجهاد» (1653)، وابن ماجه في «الجهاد» (2797)؛ من حديث سهل ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه. [12] انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 498)، «تفسير ابن كثير» (2/ 74). [13] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 506-507). [14] أخرجه مسلم في الأقضية (1715). [15] أخرجه مسلم في الصلاة، تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الصف الأول فالأول (432)، والنسائي في الإمامة (807)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (976). [16] البيت لمساور بن هند بن زهير؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (1/ 176)، «شرح ديوان الحماسة» للأصفهاني (ص332)، «شرح حماسة أبي تمام» (2/ 253). [17] البيت لصالح بن عبد القدوس، أو لعلي رضي الله عنه. انظر: «اللطائف والطرائف» (ص196). [18] أخرجه البخاري في المغازي، غزوة الطائف (4330)، ومسلم في الزكاة، إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (1061)، من حديث عبدالله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه. [19] البيت لنهار بن توسعة؛ انظر: «الكامل في اللغة» (3/ 133). [20] البيتان ينسبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ انظر: «محاضرات الأدباء» (1/ 414). [21] أخرجه البخاري في المناقب (3606)، ومسلم في الإمارة (847)، وأبو داود في الفتن والملاحم (4244). [22] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 508). [23] الكَلَب: داء يصيب الكلاب، فمن عضه قتله. [24] أخرجه أبوداود في السنة (4597)، وأحمد (4/ 102). [25] أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (7320)، ومسلم في العلم (2669). [26] أخرجه مسلم في الإمارة (1920)، وأبو داود في الفتن والملاحم (4252)، والترمذي في الفتن (2229)، وابن ماجه في المقدمة (10)، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 110 - 112]. قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. أمر الله - عز وجل - في الآيات السابقة أن تكون من المؤمنين أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبيَّن أنهم هم المفلحون، وحذَّر من سلوك منهج الذين تفرَّقوا واختلفوا بعد البينات، وتوعَّدهم بالعذاب العظيم. ثم أثنى في هذه الآية على هذه الأمة ببيان أنها كانت خير الأمم لقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وفي هذا تأكيدٌ لمكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، ووجوب الاهتمام به. قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ﴿ كُنْتُمْ ﴾: الخطاب لهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، و«كان» هنا مسلوبة الزمن تدل على تحقق الوصف، أي: على تحقق اتصاف اسمها بخبرها في جميع الأوقات، أي: كنتم وما زلتم. ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ﴿ خَيْرَ ﴾: اسم تفضيل، ﴿ أُمَّةٍ ﴾ أي: جماعة وطائفة. ﴿ أُخْرِجَتْ ﴾ أوجدت أي: كنتم خير وأفضل الأمم التي أوجدها الله تعالى منذ بدء الخليقة وأفضلها، وأنفعها للناس، فكتابكم أعظم الكتب، ورسولكم أفضل الرسل، وأمتكم خير الأمم. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ قال: «خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون الإسلام»[1]. ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ الجملة في محل نصب خبر ثان لـ﴿ كُنْتُمْ﴾ أو في محل نصب على الحال من ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾، أو نعت لها، أو مستأنفة. وهذه الجملة وما عطف عليها وهو قوله: ﴿ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ فيها بيان وجه وسبب خيرية هذه الأمة على الأمم. ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ معطوف على ما قبله، والإيمان بالله يشمل الإيمان والتصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وشرعه. والإيمان بالله تعالى شرط لصحة وقبول جميع الأعمال الظاهرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. وبهذا كله كانت هذه الأمة خير أمة، وكانت أمة وسطًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]. وقدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله مع أنه لا يقبل بدون الإيمان بالله؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار وعنوان ظاهر لقوة الأمة، وقوة إيمانها. وفي قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ امتازت الأمة عن أهل الكتاب، وفي قوله: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ امتازت عن أهل الشرك. ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لهم ﴾ الواو: استئنافية، و«لو»: شرطية. و﴿ آمَنَ ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لهم ﴾. واقترن الجواب باللام على الأفصح والأكثر في جواب «لو» إذا كان مثبتًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ﴾ [الواقعة: 65]، وقوله: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ [محمد: 4]. وقد تحذف اللام من جوابها؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 70]، وقوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9]. أما إذا كان جوابها منفيًّا، فالعكس هو الأكثر، وهو حذف اللام من جوابها، وقد يقترن بها نادرًا كما قيل: ولو نُعطى الخيار لَما افترَقنا ![]() ولكن لا خيار مع الليالي[2] ![]() ![]() ![]() والمعنى: ولو آمن أهل الكتاب - وبخاصة اليهود بما جاءهم عن الله تعالى على ألسنة رسلهم، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما آمنتم أيها المؤمنون - ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾؛ أي: لكان الإيمان خيرًا لهم خيرية مطلقة، من الكفر، ومما هم عليه من الرئاسة في الدنيا ومن كل شيء، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ [البقرة: 137]. وأيضًا لارتفعت عنهم الذلة والمسكنة وغضب الله، وضوعِفت أجورهم؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [القصص: 52 - 54]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين؛ رجل من أهل الكتاب آمَن بنبيه، وآمن بي فله أجران» الحديث[3]. ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: من أهل الكتاب الذين آمنوا وهم قليل، كالنجاشي من النصارى، و«عبدالله بن سلام» من اليهود. ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: وأكثر أهل الكتاب الفاسقون، أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وعن الإيمان به خروجًا مطلقًا إلى معصيته والكفر به. يدل على هذا: أن قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ذكر في مقابل قوله: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. والفسق في الأصل يطلق على الكفر؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [السجدة: 20]؛ كما يطلق على ما دون الكفر؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]. فأكثر أهل الكتاب فاسقون، وأكثر الناس كذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 116]. قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. أثنى عز وجل على هذه الأمة بكونها خير الأمم، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وبيَّن أنه لو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم، وأن منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، ثم أتبع ذلك بطَمْأنة المؤمنين أن أهل الكتاب لن يضروهم إلا أذى. قوله: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والفاعل في ﴿ يَضُرُّوكُمْ ﴾ يعود إلى قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء الفاسقون، وبخاصة من اليهود الذين ينتشرون بكثرة حول المدينة. ﴿ إِلَّا أَذًى ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة استثناء، والاستثناء هنا منقطع، أي: لن يضروكم ضررًا بقتال أو غلبة، لكن أذى بألسنتهم بما تسمعون منهم؛ من شرك بالله واستهزاء بكم وبدينكم، وسب وشتم، ونحو ذلك؛ قال ابن القيم[4]: «إذ المعنى: لن ينالوا منكم إلا أذى، وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]، فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم، مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم، ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربتهم، وما ينالهم من الأذى والتعب، ولكن ليس ذلك بضارهم، ففرق بين الأذى والضرر». ويدل على هذا وأنه لا يلزم من الأذى حصول الضرر قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]، فأثبت أنهم يؤذون الله ورسوله. وقال عز وجل في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر»[5]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم»[6]. فأثبت الأذى له لكنه - عز وجل - نفى ضررهم له، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 176]، وقال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني»[7]. وقيل: إن الاستثناء متصل، أي: لن يضروكم ضررًا البتة إلا ضرر أذى، أي: ضررًا يسيرًا لا يُبالى به، مما يتفوهون به من سيئ الكلام. وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ولمن تبعهم من المؤمنين باتباع سنته صلى الله عليه وسلم، واقتفاء آثار أصحابه الكرام، إخلاصًا وعقيدة وعلمًا وعملًا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»[8]. ﴿ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾؛ أي: وإن يقاتلكم أيها المؤمنون أهل الكتاب، وبخاصة اليهود، ﴿ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾؛ أي: يجعلون أدبارهم وظهورهم وأقفيتهم تليكم بدل أن تكون وجوههم نحوكم، وهذا كناية عن الانهزام والفرار من موقع القتال؛ كما قال تعالى عن المشركين: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، وقال تعالى في اليهود: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14]. ﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ ﴾: استئنافية، أي: ثم هم لا ينصرون مطلقًا، قاتلوكم أو لم يقاتلوكم. قال السمين الحلبي[9]: «قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ مستأنف، ولم يجزم عطفًا على جواب الشرط؛ لأنه كان يتغير المعنى، وذلك أن الله تعالى أخبر بعدم نصرتهم مطلقًا، ولو عطف على جواب الشرط للزِمَ تقييده بمقاتلتهم لنا، وهم غير منصورين مطلقًا قاتلونا أو لم يقاتلونا». ويحتمل أن تكون ﴿ ثم ﴾ عاطفة للتراخي في المرتبة، والجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء معًا، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون مطلقًا، فترقى من الإخبار والوعد بتولية عدوهم الأدبار عند المقابلة إلى الإخبار والوعد بما هو أتم وأعلى وأعظم من أن هؤلاء لا ينصرون مطلقًا، ولا يصح أن يكون العطف على جملة الجواب وحدها ﴿ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾؛ لأنه لو كان العطف على هذه الجملة، لجاء الفعل مجزومًا؛ أي: «ثم لا ينصروا»، ولكان المعنى أقلّ، أي: ثم لا ينصروا عند مقاتلتهم لكم. والنصر: المنعة والتقوية والتأييد؛ أي: فلا هم ينتصرون بمنعةٍ وقوة منهم، ولا أحد غيرهم يستطيع نصْرهم بتأييده وتقويته لهم، وجعلهم في منعة من عدوهم. قال ابن كثير[10]: «وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم آنافهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، سلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين». قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾. نفى عز وجل في الآية السابقة أن يضر الفاسقون من أهل الكتاب المؤمنين إلا أذى، وأخبر أنهم لو قاتلوا المؤمنين لولوهم الأدبار ثم لا ينصرون، ثم بيَّن في هذه الآية سبب ذلك فقال تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ الآية. قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ أي: ضربت على هؤلاء الفاسقين من اليهود الذلة. وقوله: ﴿ ضُرِبَتْ﴾ بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأن الضارب للذلة عليهم معلوم وهو الله - عز وجل - وإيثارًا لعدم إسناد ذلك إليه - عز وجل - مباشرةً، كما قال صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»[11]. ومعنى ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾؛ أي: فرضت عليهم الذلة، وألزموها قدرًا وشرعًا، فلا تفارق قلوبهم، أشبه بالنقش على سكة النقود المضروبة، لا يزول عنها، فصارت هذه الذلة كالطبع على قلوبهم لا مخلص لهم منها. و﴿ الذِّلَّةُ ﴾ الذل والهوان والصغار. ﴿ الذِّلَّةُ ﴾ «أينما» اسم شرط جازم مبني في محل نصب على الظرفية المكانية، أي: في أي مكان وُجدوا من الأرض، فهم أذلاء. ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ﴿ إِلَّا﴾: أداة استثناء، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والباء للمصاحبة والملابسة، أي: ضربت عليهم الذلة في عموم الأحوال إلا في حال كونهم متلبسين ومتمسكين بحبل من الله. و«الحبل» في الأصل ما يتوصل به إلى المقصود، والمراد به في الآية السبب، وسمي السبب «حبلًا»؛ لأنه يوصل إلى المقصود. فمعنى ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾؛ أي: إلا بسبب من الله، أي: بعهد من الله ترتفع عنهم به الذلة، وذلك إما بالإسلام وبهذا يحصل لهم كمال العزة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]. وإما بأدائهم الجزية ورضوخهم لحكم الإسلام ظاهرًا، فيأمنون وتحفظ لهم حقوقهم بسبب كونهم أهل ذمة؛ قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29]. ﴿ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾ أي: وبحبل من الناس، أي: وبسبب من الناس، أي: بعهد أو أمان من الناس. والعهد: ما يتم بين المسلمين وبين غيرهم من الكفار ألا يعتدي أحد على أحد، كما حصل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في صلح الحديبية، ولا يصح إلا من ولي أمر المسلمين أو نائبه، أو من يقوم مقامه من قائد الجيش ونحوه. والأمان أن يدخل أحد من غير المسلمين بأمان من أحد من المسلمين يؤمنه، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6]، ويصح هذا من أي فرد من أفراد المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»[12]. وقد يكون المراد بقوله: ﴿ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ما هو أعم من العهد والأمان، فيدخل فيه المناصرة والتأييد لليهود من غيرهم من الكفار، كما حصل منذ نحو سبعين سنة وإلى يومنا هذا من مناصرة النصارى لليهود واستيلائهم على فلسطين وبيت المقدس. ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: رجعوا وانصرفوا بغضب من الله، وهذا مما يقوي أن المراد بالآيات اليهود؛ لأنهم أخص بغضب الله تعالى من غيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 60]. وقال صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى في الفاتحة: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]؛ قال: «المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى»[13]. والباء في قوله: ﴿ بِغَضَبٍ﴾ للمصاحبة، أي: مصطحبين لغضب من الله، أي: مستحقين مستوجبين لغضب من الله، و«من» في قوله: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾: للابتداء، أي: صادر من الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 60]. ومن غضب الله عليه أغضب عليه الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس»[14]، ولهذا قال تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] ؛ أي: الذين غضب الله عليهم وأغضب الله عليهم خلقه. ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾؛ أي: وضرب الله تعالى عليهم المسكنة، وبُني الفعل لما لم يسم فاعله هنا؛ لما ذكر في قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾؛ أي: وفرضت عليهم المسكنة وألزموها قدرًا وشرعًا، فلا تنفك عنهم. والمسكنة في الأصل: الفقر والحاجة، ومنه سمي «المسكين» أخذًًا من السكون وعدم الحركة واللصوق للتراب بسبب الفقر والحاجة. والمعنى: ألزموا السكنة، وهي فقر القلوب؛ ولهذا فهم أحرص الناس على جمع المال وأشدهم إمساكًا له، فمع أنهم الآن أغنى العالم وأكثرهم عرضًا، فهم أفقر الناس قلوبًا، وأقلهم بذلًا وأعظمهم شحًا وبخلًا؛ كما قال تعالى: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [المائدة: 64]. ﴿ ذلك ﴾ الإشارة لما سبق، أي: ذلك المذكور من ضرب الذلة عليهم، ورجوعهم بغضب من الله، وضرب المسكنة عليهم. ﴿ بأنهم ﴾ الباء للسببية، أي: بسبب أنهم ﴿ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ «كان» هنا مسلوبة الزمن تدل على اتصاف اسمها بخبرها في جميع الأوقات، أي: كانوا وما زالوا، ولهذا عبَّر هنا بالمضارع ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ للدلالة على استمرارهم على ذلك في المستقبل؛ أي: بسبب أنهم كانوا يكذبون بآيات الله الشرعية والكونية ويجحدونها، ولا يؤمنون بها، مما أنزل على رسلهم، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾؛ أي: ويقتلون الأنبياء الذين أرسلوا إليهم قتلًا بغير حق، أي: بالباطل والظلم، والمراد بهذا أسلاف بني إسرائيل، لا المعاصرين له صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 91]، وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70]. وقوله: ﴿ بِغَيْرِ ْحَقٍّ ﴾ لبيان الواقع، وهو أن قتل الأنبياء كله بغير حق، ولا يمكن أن يكون بحق، وفيه أيضًا: تشنيع على أهل الكتاب. فجمعوا بين الكفر بآيات الله، وهذا إخلال بالتوحيد، وبين قتل الأنبياء، وهذا إخلال بالرسالة. ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: هذا تأكيد وتعليل لما قبله، أي: ضربت عليهم الذلة، ورجعوا بالغضب، وضربت عليهم المسكنة بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق؛ لأن الكفر عصيان ومخالفة، وقتل الأنبياء تعدٍ واعتداء. فالإشارة هنا لسبب ما وقع بهم، وهو كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، والباء في قوله: ﴿ بما ﴾ للسببية، و«ما»: مصدرية، أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم بالكفر بآيات الله، ولسبب اعتدائهم بقتل أنبياء الله بغير حق، بل للظلم والعدوان، فكفرهم بالآيات سببه العصيان، وقتلهم الأنبياء سببه الاعتداء، ويحتمل أن تكون الإشارة إشارة ثانية إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، فيكون سببًا ثانيًا. [1] أخرجه البخاري في التفسير (4557)، والطبري في «جامع البيان» (5/674). [2] البيت مجهول القائل؛ انظر: «خزانة الأدب» (4/145). [3] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3011)، ومسلم في الإيمان (154)، وأبو داود في النكاح (2053)، والنسائي في النكاح (3344)، والترمذي في النكاح (1116)، وابن ماجه في النكاح (2956)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. [4] انظر: «بدائع التفسير» (1/509). [5] أخرجه البخاري في التفسير (4826)، ومسلم في الألفاظ (2246)، وأبو داود في الأدب (5274)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [6] أخرجه البخاري في الأدب (6099)، ومسلم في صفة القيامة (2804)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. [7] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه. [8] أخرجه مسلم في الإمارة (1920)، من حديث ثوبان رضي الله عنه. [9] في «الدر المصونة» (2/188). [10] في «تفسيره» (2/86). [11] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (771)، وأبو داود في الصلاة (760)، والنسائي في الافتتاح (897)، والترمذي في الدعوات (3422)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [12] أخرجه البخاري في الجزية (3171)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (336)، من حديث أم هانئ رضي الله عنها. [13] أخرجه أحمد (4/378-379)، والترمذي في تفسير سورة الفاتحة (2953، 2954)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وإسناده صحيح. [14] أخرجه ابن حبان في صحيحه؛ انظر: «تيسير العزيز الحميد» ص(493).
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
وذلك أن العقل عقلان: عقل هو مناط التكليف، ولولاه ما كلِّفوا، وليس مرادًا هنا، وعقل هو مناط المدح والذم، وهو المراد هنا؛ أي: إن كنتم ذوي عقول تعقلون بها الآيات وتهتدون بها إلى الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: 28]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ [الفجر: 5]؛ أي: إن بياننا الآيات لكم لا يظهر إلا لمن كان له عقلٌ يدله ويهديه إلى الحق، ويَحجزه ويَمنَعه عن الباطل واتباع الهوى، فيهتدى بالآيات إلى الحق، ويبتعد عن الباطل، ويَسلَم من اتخاذ بطانة من دون المؤمنين تُفسد عليه أمره؛ قال الشاعر: وآفةُ العقل الهوى فمن علا ![]() على هواه عقلُه فقد نجا[12] ![]() ![]() ![]() أما من كان له عقل، لكنه لم يَهده إلى الحق، ولم يَحجزه عن الباطل، فإنه أعمى عن بيان الآيات، وليس بعاقل، بل متَّبِع لهواه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 96، 97]، وقال الذين كفروا: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]. قوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن اتخاذ بطانة من غيرهم، وعلل لذلك النهي بأن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في خبال المؤمنين، ويودُّون عنتَهم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تُخفي صدورهم أكبرُ، وأنه ليس من العقل اتخاذهم بطانة، ثم ذكر في هذه الآية والتي بعدها ما يؤيِّد ذلك مِن واقع تعاملهم، ويبيِّن خطأ المؤمنين في موالاتهم؛ حتى يَبذلوها لمن لا يحبهم، بل يبغضهم ويُعاديهم. قوله: ﴿ هَا أَنْتُمْ ﴾ قرأ قنبل عن ابن كثير بالقصر: «هأنتم»، وقرأ الباقون بالمد ﴿ هَا أَنْتُمْ ﴾، و«ها»: حرف تنبيه، «أنتم»: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، والخطاب للمؤمنين، ﴿ أُولَاءِ ﴾: اسم إشارة منادى، وأصله: يا هؤلاء، ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾: خبر المبتدأ. والضمير «هم» في ﴿ تُحِبُّونَهُمْ﴾ يعود إلى البطانة في قوله: ﴿ بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾؛ أي: تحبون هذه البطانة؛ أي: ها أنتم يا هؤلاء المؤمنين تحبون هؤلاء المنافقين الذين اتخذتموهم بطانة من دونكم إحسانًا منكم الظن بهم، لما يظهرون لكم من الإيمان. ﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾؛ أي: وهم لا يحبونكم لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾: معطوف على ما قبله، و«أل» في «الكتاب»: للجنس، أي: وتؤمنون بكتب الله تعالى كلها، ولهذا أكده بقوله: ﴿ كلِّه ﴾؛ أي: وتصدقون ظاهرًا وباطنًا بجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى؛ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وغيرها، مما سمى الله تعالى لكم ومما لم يسمِّ، وهم في شك وريب من ذلك، بل لا يؤمنون بذلك، أو يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كاليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى يؤمنون بالإنجيل، ويكفرون جميعًا بالقرآن الكريم. ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ﴾ نفاقًا وتقية: ﴿ آمَنَّا ﴾؛ أي: صدَّقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مثلكم، وهم كما قال الله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 167]، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]. ﴿ وَإِذَا خَلَوْا ﴾ أي: انفردوا وحدَهم. ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: العض: تحامل الأسنان بعضها على بعض، ويعبر به عن الندم المفرِط؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ [الفرقان: 27]، فكأن صاحب الغيظ يتمنى أن يجعل عدوَّه بين أسنانه، فيَقضمه من شدة غيظه؛ قال أبو طالب: وقد صالَحوا قومًا علينا أشحةً ![]() يَعضون غيظًا خلفنا بالأنامل[13] ![]() ![]() ![]() و﴿ الْأَنَامِلَ﴾: جمع أنملة، وهي: أطراف الأصابع. ﴿ مِنَ الْغَيْظِ ﴾؛ أي: من شدة الغيظ في قلوبهم، والغيظ: الحنق، وشدة الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه، والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت؛ كما قال تعالى: ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ [الفرقان: 12]. ﴿ من ﴾ للسببية؛ أي: بسبب شدة الغيظ والحنق عليكم؛ لما يرون من نعمة الله عليكم بالإيمان، وظهور أمركم، واجتماع كلمتكم، وعدم تمكُّنهم من ردِّكم إلى دينهم ومن نيل مآربهم فيكم. ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن، أي: قل لهؤلاء موتوا بغيظكم، والأمر في قوله: ﴿ مُوتُوا﴾ للإهانة والإغاظة، أي: موتوا بغيظكم تأسفًا وتحسرًا؛ حيث لم تجدوا إلى التشفي سبيلًا. والباء في قوله: ﴿ بِغَيْظِكُمْ ﴾ للسببية؛ أي: موتوا كمدًا بسبب غيظكم، فهو دعاء عليهم بزيادة غيظهم لما يرون من عز الإسلام وقوة المسلمين إلى أن يَهلكوا بسبب ذلك. ويجوز كون الباء للحال والملابسة والغاية، أي: موتوا متلبسين بغيظكم، وهذا دعاء ببقائهم على غيظهم بسبب عز الإسلام وقوة أهله إلى أن يموتوا متلبسين به، والأول أولى؛ لأنه أشد في التحدي لهم وإغاظتهم، وإظهار القوة أمامهم، ومفاصلتهم، أي: موتوا بسبب غيظكم، فإن الله - عز وجل - مُتم نعمته على المؤمنين ومُكمل دينه، ومظهره، ومُعلٍ كلمته، رغم أنوفكم؛ عن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو ذلِّ ذليل، عزًّا يُعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر»[14]. وعن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشِّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، فما له في الآخرة من نصيب»[15]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الجملة مستأنفة، ﴿ إِنَّ﴾ للتوكيد، و﴿ عَلِيمٌ ﴾ على وزن «فعيل»؛ أي: ذو علم تام واسع، ﴿ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ولهذا بيَّن عز وجل لعباده المؤمنين ما تنطوي عليه قلوب البطانة من غيرهم من الغيظ والبغضاء والعدوان، وغير ذلك. و«ذات الصدور» صاحبة الصدور، وهي القلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ أي: إن الله ذو علم واسع تام بالقلوب وما فيها من المكنونات من المعتقدات والأسرار والنوايا، والصلاح والفساد، والتي عليها مدار صلاح البدن أو فساده؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[16]. قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة شدة غيظ المنافقين وأعداء المؤمنين، ثم أتبع ذلك وأكده بما يدل على تناهي عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة، فقال: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ الآية. قوله: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾: الخطاب للمؤمنين. و﴿ حَسَنَةٌ﴾: نكرة في سياق الشرط، فتعم كل حسنة، والحسنة: كل ما حَسُنَ في أمر الدين والدنيا؛ أي: إن تحصل لكم أيها المؤمنون أيُّ حسنة في دينكم، من نصر كما في بدر وغير ذلك، ومن ظهور وكثرة وعزة، وتأييد لدينكم، أو في دنياكم بأبدانكم وأموالكم وبلدانكم من عافية وغنى، وخصب ونماء، ونحو ذلك. ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾: جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة الواو، والأصل «تسوؤهم»؛ أي: تُحزنهم تلك الحسنة أيًّا كانت؛ لشدة عداوتهم لكم، فلم يقف الحال بهم عند عدم محبة الحسنة والخير لكم، وعدم مسرتهم بذلك، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد، وهو أن ذلك يسوؤهم؛ مما يؤكد شدة عداوتهم ووجوب الحذر منهم. ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: الجملة معطوفة على ما قبلها، والسيئة: كل ما يسوء في أمر الدين أو أمر الدنيا. و«سيئة» هنا نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: سيئة تصيب المؤمنين في دينهم، أو دنياهم، في أبدانهم أو أموالهم وبلدانهم، كما حصل في أحد؛ حيث أُديل العدو على المؤمنين؛ لحكمة يعلمها الله تعالى، وكما في حصول جدب وقحط، أو إصابة طرف من المؤمنين، أو اختلاف بينهم، ونحو ذلك. ﴿ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾: «الباء» في ﴿ بها ﴾ للسببية؛ أي: يفرحوا بسببها، أي: يُسرُّوا لشدة عداوتهم لكم. وهنا كذلك لم يقف الحال بهم عند عدم المبالاة بما يصيب المسلمين، أو عدم كراهة المصيبة لهم، بل يفرحون بها؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 72، 73]. ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾: ختم الله تعالى هذه الآيات بعد النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين، وتأكيد ذلك والتحذير منه، بذكر البلسم الشافي والعلاج الكافي والسبب الواقي، بإذن الله تعالى من كيد هؤلاء وغيرهم، فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ الآية، أي: وإن تصبروا على ما ينالكم منهم، وعلى غير ذلك من المصائب. ﴿ وَتَتَّقُوا﴾: بفعل ما أمركم الله به، واجتناب ما نهاكم عنه، من اتخاذ بطانة من دونكم وغير ذلك، وقدَّم الصبر على التقوى؛ لأنها مبنية عليه، ولا تقوم إلا به. ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب وخلف: «لا يَضِرْكم» بكسر الضاد والتخفيف من «الضير» بمعنى الضرر والضيم، ومنه ما جاء في الحديث: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضارون»، وفي رواية: «لا تُضارون في رؤيته»[17]، أي: لا يَلحقكم «ضيرٌ»؛ أي: ضرر وضيم. وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ من «الضرر». ﴿ كَيْدُهُمْ﴾؛ أي: مكرهم الخفي؛ للإيقاع بكم وخداعكم. ﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: لا يضركم ولا يضيمكم كيدهم ومكرهم وخداعهم شيئًا أيًّا كان، ومهما قل. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ إِنَّ﴾: للتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها، ﴿ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: متعلق بالخبر ﴿ مُحِيطٌ﴾، وقدِّم عليه للتأكيد على عموم إحاطته - عز وجل - بكل ما يعملون، و«ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: إن الله بالذي يعمله أعداؤكم أيها المؤمنون، أو بعملهم، من الكيد لكم والكفر والصد عن دين الله ﴿ مُحِيطٌ﴾؛ أي: مطلع عليه بعلمه، محيط به بقدرته وسلطانه، فلا يخرجون عن علم الله تعالى، ولا يَفرون عن قدر الله وقدرته وسلطانه، وسيجازيهم ويُعاقبهم على أعمالهم في الدنيا والآخرة، ويكفيكم إياهم. [1] انظر: «البحر المحيط» (3/ 307). [2] أخرجه أبو داود في الأقضية (3592)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. [3] انظر: «الآداب الشرعية» لابن مفلح (1/ 136). [4] البيت لحيص بيص؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/ 191). [5] البيت لزهير؛ انظر: «ديوانه» (ص15). [6] البيت يُنسب إلى الشريف الرضي؛ انظر: «جواهر البلاغة» ص182، «البلاغة الواضحة» ص156. [7] البيت لعنترة بن شداد؛ انظر: «ديوانه» (ص15). [8] البيتان ينسبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/ 51). [9] انظر: «الكشاف» (1/ 344). [10] أخرجه البخاري في الفتن (7084)، ومسلم في الإمارة (1847)، وابن ماجه في الفتن (3979). [11] أخرجه البخاري في القدر (6611)، والنسائي في البيعة (4202)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [12] البيت لابن دريد؛ انظر: «العقد الفريد» (2/ 113). [13] البيت لأبي طالب عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ انظر: «خزانة الأدب» (2/ 60). [14] أخرجه أحمد (4/ 103). [15] أخرجه أحمد (5/ 134). [16] سبق تخريجه. [17] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة- فضل صلاة الفجر (573)، وفي التوحيد (7438)، ومسلم في المساجد - فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما (633)، والترمذي في صفة الجنة (2544)، من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
وقد اختلف المفسرون هل هذا الإمداد المذكور هنا في بدر أو في أُحد على قولين: القول الأول: أن هذا كان يوم بدر وأن قوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلق بقوله قبله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾، ويشكل على هذا أنه قال هنا: ﴿ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ ﴾ و﴿ بِخَمْسَةِ آلَافٍ ﴾، بينما قال في سورة الأنفال في قصة بدر: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9]. وقال ابن كثير[16] في الإجابة على هذه: «فالجواب أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ بمعنى: يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوفٌ أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر، كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف». وعلى هذا يكون المسلمون في بدر أمدوا بألف ثم بثلاثة، ثم بخمسة آلاف. والقول الثاني: أن هذا الوعد بالإمداد كان في أحد، فيكون قوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلقًا بقوله قبل ذلك: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾، وذلك يوم أحد، وهذا الوعد مشروط بالصبر والتقوى؛ لقوله: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾، ولم يتحقق هذا من المسلمين، بل حصل منهم ما يخالفه وهو المعصية والتنازع والفشل، ولهذا لم يتحقق هذا الوعد بالإمداد، لا بثلاثة ولا بخمسة. وعلى هذا فلا إشكال بين آيتي آل عمران وآية الأنفال، فآية الأنفال ذكر فيها الإمداد بألف من الملائكة مردفين، وهو ما حصل في بدر، وآيتا آل عمران ذكر فيها الوعد بالإمداد بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف في أحد بشروط، ولم يحصل الإمداد فيها، لعدم تحقق الشروط. ولا ينافي هذا ما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد»[17]، فإن هذا قتالًا من الملائكة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو الإمداد المذكور. قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾. قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «جعله» في محل نصب مفعول أول لـ«جعل»، يعود إلى الإمداد، والوعد به بالشروط الثلاثة، أو إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: إلى قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية. والمراد بـ«الجَعْل» هنا الجعل الكوني، أي: وما جعله الله كونًا. ﴿ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ﴾: «بشرى»: مفعول ثان لـ«جعل» إذا كانت بمعنى «صيَّر»، وقد تكون «بشرى» مفعولًا لأجله، أي: وما جعله الله إلا لأجل البشرى لكم؛ أي: ما هو إلا بشرى لكم تبشرون بها. و«البشرى»: الخبر السار، مأخوذ من البشرة؛ لأن الإنسان إذا أخبر بما يسره اتَّسعت بشرته، واستنار وجهه. ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، أي: ولأجل أن تطمئن قلوبكم به، أي: لأجل أن تسكن قلوبكم، ويزول عنها الخوف، ويقوى التفاؤل ويحصل الثبات، والضمير في «به» يرجع إلى مرجع الضمير في «جعله»، والباء: للسببية، أي: ولتطمئن قلوبكم بسببه. وأخَّر هنا المتعلِّق «به»، وقدَّمه في آية سورة الأنفال؛ كما حذف منها قوله: ﴿ لكم ﴾، فقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأنفال: 10]. وهذا قد يدل على أن السياقين ليسا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وآيتا آل عمران في غزوة أُحد. ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و«إلا»: أداة حصر، أي: وما النصر إلا من عند الله تعالى وحده، حتى وإن أمدكم بثلاثة آلاف وخمسة آلاف من الملائكة، فليس النصر منهم ولا بكثرة العدد والعدة، ولا بحولكم وقوتكم، وإنما النصر من عند الله تعالى وحده، فيجب الاعتماد عليه وحده مع فعل الأسباب. ﴿ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾، وفي الأنفال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 10]. و﴿ الْعَزِيزِ ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه ذو العزة التي لا ترام، كما جاء في الدعاء: «ذو العزة التي لا ترام»[18]؛ عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة. و﴿ الْحَكِيمِ ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه ذو الحكم التام؛ الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وذو الحكمة البالغة: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية. قوله تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: اللام: للتعليل، أي: لأجل أن يقطع طرفًا من الذين كفروا، وهو متعلق بقوله: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران:126]، أو متعلق بـ﴿ نَصَرَكُمُ ﴾، أو متعلق بقوله: ﴿ يُمْدِدْكُمْ ﴾. والأول أولى؛ ليكون عامًّا في كل نصر. والمعنى: ليهلك طائفة من الذين كفروا، وفي قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾: إشارة إلى أن العدو الذي يلي المسلمين أَولى بالقطع والقتل؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]. وهذا كما هو المأمور به شرعًا، فهو أيضًا مقتضى الحكمة، فليس من الحكمة أن يقاتل العدو البعيد ويترك القريب؛ لأن القريب أشد خطرًا على المسلمين. ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾: «أو»: عاطفة، والجملة معطوفة على جملة التعليل: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾، والكبت: الإذلال والإهانة؛ أي: يذلهم ويخزيهم ويَردُّهم بغيظهم وغمِّهم وكمدهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [المجادلة: 5]؛ أي: أُهينوا وأُذِلُّوا؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 20، 21]. ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، أي: فيرجعوا مخذولين خاسرين لم ينالوا ما أرادوا وما أمَّلوا؛ كما حصل في غزوة الأحزاب؛ قال تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25]؛ حيث أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25]. قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾: هذه الآية مما يقوي أن السياق والإمداد المذكور في هذه الآيات في أُحد وليس في بدر. سبب النزول: عن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أُحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: «كيف يُفلح قوم شجُّوا نبيهم، وكسروا رَباعيته، وهو يدعوهم إلى الله - عز وجل -»، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾»[19]. وعن سالم عن أبيه «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العَن فلانًا وفلانًا وفلانًا»، بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد»، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾». وفي رواية: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾»[20]. وفي رواية عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى آخر الآية، وهداهم الله للإسلام»[21]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانًا وفلانًا» لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ الآية»[22]. قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: بل الأمر كله لله؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]؛ أي: ترجع الأمور كلها. وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد: 40]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. ﴿ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾: «أو» في الموضعين عاطفة، والجملتان معطوفتان على جملة التعليل ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾. وعلى هذا تكون جملة ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾: معترضة بين هاتين الجملتين وبين الجملة المعطوف عليها. وقيل: «أو» بمعنى «إلى» وفي الآية حذف، والتقدير: فاصبِر إلى أن يتوب الله عليهم؛ أي: لا تيئَس، ولا تدعُ عليهم، بل اصبر إلى أن يتوب الله عليهم، أو يعذبهم. وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾؛ أي: يوفِّقهم للرجوع عما هم عليه من الكفر إلى الإسلام، ومن الضلال إلى الهدى، ويقبل ذلك منهم، وفي هذا إشارة إلى أنه - عز وجل - سيتوب عليهم أو على بعضهم. وهو ما حصل حيث تاب الله على بعضهم. ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾: العذاب: العقوبة، وهو في الأصل يُحمل على عذاب الدنيا والآخرة، وعلى العذاب من الله الذي ليس للمؤمنين فيه يدٌ، وعلى العذاب بأيدي المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 14]. والأولى أن يحمل قوله: ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ على العذاب من الله في الدنيا والآخرة، الذي ليس للمؤمنين فيه يد؛ لأن تعذيبهم على أيدي المؤمنين بنصر الله لهم ذكر في قوله تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية. وهكذا حصل لهؤلاء الكفار، فقطع الله طرفًا منهم فهلك، وكبت فريقًا منهم فانقلبوا خائبين، وتاب الله على فريق منهم ودخلوا الإسلام، وعذب فريقًا منهم بالموت على الكفر. ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾: تعليل لما قبله، أي: لقوله ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾، وقوله: ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾؛ أي: فإنهم بسبب ظلمهم يستحقون ما ذكر من العقوبات؛ من قطع طرفٍ منهم، وكبتهم ورجوعهم خائبين، أو تعذيبهم، إلا أن يوفقهم الله للتوبة، فيتوبوا ويتوب الله عليهم، وبهذا يرتفع عنهم وصف الظلم. قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، ثم بيَّن في هذه الآية أن له - عز وجل - وحده الأمر والملك كله. قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: الواو: عاطفة، واللام في قوله: (لله) لام الملك والاستحقاق والاختصاص، وقدم الخبر (لله) على المبتدأ للدلالة على الحصر، و«ما» في الموضعين: اسم موصول يدل على العموم؛ أي: ولله تعالى وحده جميع الذي في السماوات والذي في الأرض؛ خلقًا وملكًا وتدبيرًا. ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾: المغفرة: ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن العقوبة، كما في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما - في المناجاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدني الله المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه[23]، ثم يقرِّره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقول الله - عز وجل -: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»[24]. ومنه سمي المغفر وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتَقيه السهام. ﴿ لمنْ يَشَاءُ ﴾ «من»: موصولة، أي: للذي يشاء من العباد، وهو من اقتضت حكمته المغفرة له من أهل المعاصي دون من مات على الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ [النساء: 48]. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾: أي: ويعذِّب الذي يشاء من العباد، وهو من استحق العذاب ممن ماتوا على الشرك أو على المعاصي. ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾؛ أي: والله ذو مغفرة واسعة، ولهذا يَغفر لمن يشاء. ﴿ رَحِيمٌ ﴾: ذو رحمة واسعة، هي سبب مغفرته. [1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 510). [2] أخرجه أحمد (3/ 351)، والدارمي (2/ 129، 130)، من حديث جابر- رضي الله عنه - ورجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه الحاكم (2/ 128، 129)، وصحَّحه ووافقه الذهبي. [3] انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 63) - وما بعدها، «زاد المعاد» (3/ 192) وما بعدها، «تفسير ابن كثير» (2/ 91). [4] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1791)، والترمذي في التفسير (302)، من حديث أنس رضي الله عنه. [5] أخرجه مسلم في الإمارة (1876)، والنسائي في الجهاد (3147)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [6] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3039)، وأحمد (4/ 293)؛ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. [7] (3/ 192-243). [8] أخرجه البخاري في الأنبياء- ما ذكر عن بني إسرائيل (3461)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه في العلم (110)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه في الجنائز (1291)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. وقد أخرجه مسلم في المقدمة، تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (2)، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه (3)، ومن حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (4). [9] أخرجه البخاري في التفسير- باب ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ [آل عمران: 122] (4282)، ومسلم في فضائل الصحابة- فضائل الأنصار- رضي الله عنهم- (2505). [10] ذكره في «إحياء علوم الدين» (2/ 62). [11] البيتان ينسبان لأبي العتاهية, ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ انظر: «الدر الفريد» (2/ 395). [12] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344). [13] انظر: «جامع البيان» (6/ 20-21). [14] أخرجه البخاري في المغازي- شهود الملائكة بدرًا (3995). [15] البيت لابن عنقاء الفزاري؛ انظر: «الكامل في اللغة» (1/ 22)، «زهر الآداب» (4/ 1027)، «أمالي القالي» (1/ 237)، «الحماسة البصرية» (1/ 156)، «التذكرة الحمدونية» (2/ 306-307)، وروايته في الأمالي والتذكرة والحماسة: «غلام رماه الله بالخير مقبلًا». [16] في «تفسيره» (2/ 94). [17] أخرجه البخاري في المغازي (4054)، ومسلم في الفضائل، قتال جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد (2306). [18] أخرجه الترمذي في الدعوات (3570)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [19] أخرجه مسلم في الجهاد والسير، غزوة أُحد (1791)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، من سورة آل عمران (3002)، وابن ماجه في الفتن، الصبر على البلاء (4027). [20] أخرجهما البخاري في المغازي (4070). [21] أخرجه أحمد (2/ 104). [22] أخرجه البخاري في تفسير القرآن (4560). [23] أي: ستره ورحمته. [24] سبق تخريجه.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |